الجمعة، 23 فبراير 2007

الصـين فــوق الــقــانــون

أي نظام قانوني لا يعمل جيدا يفترض به أن يضر بالنمو الاقتصادي. لكن أحدا لم يخبر الصينيين بذلك
مجلة نيوزويك الأميركية (النسخة العربية)
كتب:سارة شيفر
نشرت دورية تابعة للحزب الشيوعي يوم 2 فبراير خطابا للو غان، أحد أعضاء المكتب السياسي ومسؤول القانون والنظام الأول في الصين، أذهل ممارسي مهنة القانون المزدهرة في البلاد والمستثمرين الأجانب. أعلن لو أن الحزب الشيوعي ينبغي أن يحافظ على هيمنته على محاكم البلاد ويقاوم "القوى المعادية" التي تحاول صبغ نظامها القانوني باللون الغربي. وكانت بكين قد أعلنت قبل ذلك بأسبوع فقط أن اقتصاد البلاد ينمو بسرعة مذهلة، حيث بلغ 10.7 بالمائة العام الماضي. أشار العنوانان إلى مفارقة تزداد وضوحا وتثير حيرة المراقبين: كيف يستطيع الاقتصاد الصيني النمو بهذه السرعة دون نظام قانوني مستقل وحديث؟ وإلى متى يستطيع الاستمرار؟
لقد دفع الاقتصاديون والأكاديميون الغربيون منذ وقت طويل بأن النظام القانوني المتين والمحاكم غير المنحازة شرطان مسبقان لاقتصاد السوق الناضج. وتعتبر المؤسسات القضائية الفعالة والشفافة القابلة للتنبؤ بها ضرورية لطمأنة الأعمال والزبائن إلى أنه ستتم حماية الاستثمار وتطبيق العقود وحل الخلافات بطريقة عادلة. ويشجع حكم القانون الابتكار عن طريق فرض حقوق الملكية وضمان مكافأة المخترعين ــ والشركات التي تدعمهم ــ على جهودهم. والمفترض أنه من دون هذه الأشكال من الحماية فإن أسواق الأسهم والسلع وغيرها من العلامات الفارقة في الاقتصادات الرأسمالية المعقدة لا تستطيع العمل بالشكل المناسب.
والكثير من الدول النامية صاحبة الأنظمة القضائية الضعيفة مقيدة بالفساد والتبديد وعدم الكفاءة. لكن يبدو أن الصين تزدهر بالرغم من نظام محاكمها البدائي، الذي ما زال تحت السيطرة المشددة للحزب الشيوعي. ومنذ أن بدأت بكين إصلاحات السوق الحر في نهاية سبعينات القرن الماضي، نشأ قطاع خاص مزدهر، وتخلص مئات الملايين من الأشخاص من الفقر، وتدفق الاستثمار عليها من الخارج. السر: وجد أصحاب المشاريع الكثير من الحلول الإبداعية للتغلب على محاكم الصين غير الموثوقة. وهي تتضمن السعي لتوسط مسؤولي الحزب المتعاطفين من أجل حل نزاعات الأعمال، وفرض العقود بالتهديد بالذهاب إلى مناطق أخرى» وحماية الأسرار التجارية عن طريق رفع مستوى الحلول الأمنية مدعومة بمواقف القيادة الصينية المؤيدة للأعمال.
كانت بكين قد ألغت تقريبا مهنة ممارسة القانون أثناء الثورة الثقافية. وبـعد وفاة ماو تسي تونغ، بدأت بإعادة بناء القضاء ببطء، وتبنت إصلاحات استلهمت من الغرب. وتعمل محاكم الصين اليوم طبقا لأسلوب معين، ويتقاطر عليها المواطنون بأعداد غير مسبوقة» سجلت نحو ثمانية ملايين قضية العام الماضي. وبالفعل، فإن القادة الصينيين يهللون الآن لحكم القانـون باعتبـاره أحد المبادئ المرشـدة الأساسية.
لكن الإصلاح الحقيقي تخلف كثيرا عن الاقتصاد الصيني. ومع أن مستويات التعليم في ارتفاع، فإن الكثير من القضاة والمحامين والمدعين العامين، على سبيل المثال، ما زالوا يتلقون تدريبا ضعيفا. وما زالت الرشاوى، والعلاقات السياسية هي التي تقرر القضايا غالبا. ولا يظهر الحزب أي إشارات على أنه سيتخلى عن سيطرته» فجميع القضاة تقريبا من أعضائه، ويطلب إليهم إطاعة أوامره. وما زالت بكين تخاف من أن يحط القضاء المستقل من قدر احتكار الحزب للسلطة.
إلا أن آليات أخرى قد برزت للقيام بدور النظام القانوني المناسب. فعلى سبيل المثال، تعلمت الشركات الأجنبية والمحلية الكبيرة حل النزاعات المتعلقة بالعقود أو تجنبها عن طريق استغلال بيئة الأعمال الشديدة النشاط السائدة في البلاد. وإذا ما فشل مورًّد ما في الوفاء بمواعيده، فإنهم يهددون ببساطة بإعطاء العمل لغيره. وفي الصين قواعد تدعم الأعمال إلى حد كبير مع أنها تفرض بشكل يختلف عما هي عليه في الغرب. مثلا، فرضت الحكومة أخيرا قاعدة جديدة تطلب إلى المسؤولين المحليين منح شركات الأعمال تراخيصها بسرعة أكبر، ما يترك وقتا أقل لطلب الرشاوى. يقول آرثر كروبر، المدير الإداري لشركة البحث الاقتصادي "دراغونوميكس" في بكين، إن "الأشخاص من الجمعيات القانونية يستخفون دائما بالقدرة على فرض التغيير عبر الإدارة عوضا عن الهياكل القانونية".
الفساد منتشر لكنه لم يضر الاقتصاد بالقدر المتوقع لأن الحزب بدأ يقيم مسؤوليه استنادا إلى التنمية الاقتصادية في مناطق نفوذهم. وبالرغم من أن الكثير من المسؤولين يبالغون في نسب النمو المحلية، يسعى كثيرون غيرهم إلى اجتذاب الأعمال إلى مناطقهم ومساعدتها على النمو. يقول ريتشارد تومان، الذي أمضى عقدين من الزمن وهو يقوم بالأعمال في الصين مديرا تنفيذيا رفيعا إن "هناك حافزا سياسيا" لحل النزاعات، "فيمكن للعمدة المحلي أن يسهل الأمور لك. وبطريقة ما فإن الأمر يشبه عملية التحكيم تقريبا".
لقد تم تطوير حلول مؤقتة مشابهة لحماية حقوق الملكية. وغالبا ما تتذمر شركات أعمال أجنبية من سجل الصين الضعيف في هذا المجال» وما زال من السهل العثور على أقراص الفيديو المدمجة وحقائب اليد المقلدة. لكن ذلك لم يمنع الصينيين وبعض الشركات الأجنبية من التجديد والإبداع. يشير دوغلاس فولر، وهو أستاذ زائر في الجامعة الصينية بهونغ كونغ، إلى أن شركات تصميم رقائق الكومبيوتر التايوانية نجحت على البر الصيني عن طريق تبني معايير أمن مشددة في مصانعها وتصميم منتجات من الصعب عكس هندستها.
تأتي عملية الترويج لهذه الاستراتيجية من ليونارد ليو، مؤسس شركة "أوغمنتوم" للمبرمجات في الولايات المتحدة. مطبقا دروسا تعلمها أثناء إدارته لشركتين في تايوان، قام ليو بحماية أوغمنتوم عن طريق طلب إجراءات حماية أكثر صرامة بكثير في مكاتبها الصينية مما هو موجود في مرافقها في الولايات المتحدة. فلا توجد لأجهزة كمبيوتر أوغمنتوم أقراص متحركة في الصين، كما أن مخارج مبرمجات الذاكرة المتنقلة (يو أس بي) معطلة. وليس هناك نظام خارجي للبريد الإلكتروني، وأي موظف يحاول الربط مع الإنترنت دون إذن يطرد من العمل. يقول ليو: "نحن نحرص على عدم قدرتك على أخذ أي شيء قطعة، قطعة. إن حماية [الملكية الفكرية] على الطريقة الأمريكية مفيدة جدا للإبداع، لكنني لن أقول إنها ضرورية".
ليست هناك ضمانة بالطبع بأن اقتصاد الصين سيواصل النمو بمعدلاته الحالية بمثل هذه الحلول المؤقتة، ويتوقع الكثير من الخبراء أن يتباطأ النمو ما لم ينشأ نظام قانوني مستقل. ويدفع هؤلاء الخبراء بأن الحاجة إلى قواعد وتدابير واضحة ستزداد في الوقت الذي يصبح فيه المجتمع والتجارة الصينيان أكثر تعقيدا، وتصبح عمليات التحايل الحالية ــ التي ترتكز إلى قواعد غير رسمية وعلاقات شخصية ــ أقل نفعا. ومن بين من يدفعون بمثل هذا الجدال بقوة أكبر أعضاء في مهنة ممارسة القانون السريعة النمو في الصين الذين يفضلون إصلاحات على الطريقة الغربية.
وما يوفر زخما لقضيتهم هو العدد المتزايد من المواطنين الصينيين العاديين الذين قبلوا بخطاب الحزب الشيوعي كما هو، وبدأوا يطلبون المزيد من محاكم البلاد. يقول جيروم كوهين، وهو خبير في القانون الصيني وأحد مقترحي الإصلاح الغربي ممن يدرسون في كلية القانون بجامعة نيويورك إن "مكتبات الصين زاخرة بالكثير من الكتب الممتازة عن كيفية استخدام النظام القانوني".
لكن غيره من الخبراء يدفعون بأنه يمكن للصين أن تواصل تحدي التوقعات عن طريق مواصلة النمو من دون نظام قانوني رئيسي. وهم يشيرون إلى أن الحكومة أثبتت رشاقة في الحفاظ على النظام الاجتماعي بتشجيع مناح أخرى يمكنها أن تبقي على المحرك الاقتصادي هادرا. ويقول بان وي، أستاذ القانون في جامعة بكين: إن "النمو الاقتصادي هنا يعتمد [أكثر] على عمالة رخيصة وبيئة سياسية مستقرة، و[بشكل أقل] على تحسين النظام القانوني. كما أن الهيمنة السياسية مهمة جدا". إضافة إلى ذلك من المرجح أن يواصل حجم الاقتصاد الصيني وحده إغراء المستثمرين المحليين والأجانب، بغض النظر عن البيئة القانونية. ويقول مايكل داردزينسكي، وهو محام شركاتي مستقر في بكين: إن "الصين تشكل حالة خاصة بسبب الإيمان العظيم بالسوق الصينية وطاقتها الكامنة. إن سيادة القانون ما هي إلا مسألة واحدة فقط بين الكثير من المسائل الأخرى التي يتم قياسها مقابل الطاقة الكامنة على المدى الطويل لجني الأرباح المالية". قد يواصل المحامون والأكاديميون الجدال حول ما إذا كان الإصلاح ضروريا وحول كيفية حدوثه. في غضون ذلك، يواصل آخرون الاهتمام بالعمل، بأي طريقة يستطيعونها.

ليست هناك تعليقات: