صحيفة الحياة اللندنية
الشاعر شوقي بزيع
يواصل المجلس الأعلى للثقافة في مصر عبر ما أُطلق عليه تسمية المشروع القومي للترجمة إصدار كتب ودواوين شعرية منقولة عن لغات العالم المختلفة.
وهذا المشروع الريادي التنويري يسد ثغرة في مجال الترجمة الى العربية التي تضعها الإحصاءات المختلفة في أدنى السلم بين جميع لغات العالم الحية. ذلك ان ما يترجمه العالم العربي برمته في عام واحد يقل بكثير عما هي الحال في بلدان متوسطية مماثلة كإسبانيا وتركيا وإسرائيل. وإذا كان للأمر من دلالة فإنه يدل على «الكوما» الثقافية والفكرية التي تضرب الحياة العربية في الصميم وتجعلها تعيش في كوكبها المغلق بعيداً مما يصيبه العالم الخارجي من تطورات وإنجازات. وأهمية المشروع المصري تكمن في الرعاية الرسمية لهذه المؤسسة الرائدة في حين ان الترجمة في سائر أقطار العرب متروكة في عهدة المبادرات الفردية القليلة والتي تخضع للمصادفة أو تحصيل لقمة العيش أو الهوى الشخصي، وبعضها يتسم بالجودة والدقة والقيمة العالية.
يأتي كتاب «أشعار من عالم اسمه الصين/ مختارات من شعر آي تشينغ» ضمن هذا المشروع الذي يُطلع القارئ العربي على كثير من الكتب المنقولة عن الفارسية والألمانية والإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية وغيرها. والكتاب الذي نقله عن الإنكليزية كل من أمير نبيه وعبدالرحمن حجازي تتصدره ثلاث مقدمات أولاها لمراجع الكتاب عبدالعزيز حمدي، وثانيها للمحرر الصيني الذي لا نعرف سبباً مقنعاً لإغفال اسمه، وثالثها للشاعر آي تشينغ نفسه الذي يقدم للقراء سيرة شخصية وشعرية يعرض من خلالها، هو المولود في أوائل القرن العشرين والمتوفى في نهاياته، لمحطات حياته الأساسية بدءاً من علاقته الملتبسة بأبويه وضيقه بالأساليب الشعرية التقليدية والبالية في عصره، مروراً بتجربته القاسية والمفيدة أثناء دراسته في باريس، وانتهاء بانخراطه في المقاومة ضد الاحتلال الياباني ومن ثم بمواقف الثورة الحذرة من شعره بسبب رفضه القاطع للتضحية بالفن من اجل الخطابة والتبشير العقائديين. كما يعتبر آي تشينغ في مقدمته المسهبة ان الشعر لا يكتب بهدف استعراض القدرة على التلاعب بمهارات اللغة أو بهدف رصد الوقائع والأحداث بدقة بل بهدف فتح ابواب الخيال وحث القدرات الذهنية على رصد الأفكار والخبرات من خلال ما نطلق عليه اسم «الاستعارة». وهو ما يذكّرنا الى حد بعيد بأفكار مجايله بابلو نيرودا الذي اعتبر الاستعارة أساساً في عملية الإبداع الشعري.
يعترف آي تشينغ في إحدى مقابلاته الصحافية بأنه تأثر بعدد من شعراء العالم المتباعدين والمنتمين الى مدارس مختلفة مثل الفرنسي رامبو والروسي يسينين والأميركي والت ويتمان والبلجيكي فرهارين. ومع ذلك فإن قراءة متفحصة للمختارات المترجمة من شعره والتي تربو على الأربعمئة صفحة تدل بوضوح على نقاط تقاطع كثيرة بينه وبين من عرفوا بشعراء المقاومة في العالم مثل بابلو نيرودا وناظم حكمت ولوركا وإيلوار وأراغون. وقد يكون نيرودا أقرب هؤلاء الى تجربة تشينغ التي تحاول ان تبلور الرؤى والأخيلة المعقدة والغامضة في إطار من الوضوح النسبي الذي تساعد في تحقيقه قدرة الشاعر على استخدام الحواس واستنفارها الى اقصى الحدود. والتقاطع بينه وبين نيرودا يبدو جلياً ايضاً من خلال علاقة كليهما بالجمهور والتي يحكمها مزيج معقد من الفهم وسوء الفهم ومن الانقطاع والتواصل. فتشينغ يسرد لقرائه رسالة عامل المنجم الصيني الذي لا يستطيع ان يفهم الشعر ومع ذلك فإنه حين يقرأ قصائد تشينغ يستعيد ذكريات المكان الريفي الذي جاء منه وينتهي الى التساؤل «كيف لسحر الشعر ان يكون بمثل هذه القوة؟». وهذه القصة تشبه الى حد بعيد قصيدة نيرودا التي يخاطب فيها قراء بسطاء لا يفهمون شعره بالكامل ومع ذلك فهم يتحسسونه بشغاف القلب ويشعرون انه ليس بعيداً عنهم.
تبدو قصائد آي تشينغ من خلال المختارات ندية ومفعمة بالصدق وقريبة من الحياة على رغم تفاوت موضوعاتها ومناخاتها. إنها قصائد مستلة من واقع حياة الصين في تحولاتها السياسية الغنية بالأحداث والمفتوحة على المفاجآت والثورات والدماء الغزيرة. إلا ان موهبة الشاعر العالية وفهمه العميق للشعر وتجربته الباريسية الثرية ساعدته في التحليق فوق الكتابات المناسباتية المباشرة وامتلاك الجرأة على تحرير قصائده من ربقة الإيديولوجيا الفجة، على رغم انه لن يفلح في ذلك كل الأحيان. ففي غمرة الاحتلال الياباني للصين كان آي تشينغ قادراً على الإفلات من فخ القضايا الكبرى وتطلبات «السوق» ليكتب عن الشوارع والأشجار والسمكة المتحجرة والجرف الصخري. لكننا ننصت في كل ذلك إلى زفرات الانسان ولهاث أنفاسه واختلاجات قلبه كما في قصيدته «بركة شتاء» التي يقول فيها: «بركة شتاء/ وحيدة مثل قلب رجل عجوز/ بركة شتاء/ جفت مثل عيني رجل عجوز/ بركة شتاء/ تلاشت مثل شعر رجل عجوز/ بركة شتاء/ معتمة مثل حزن رجل عجوز/ رجل عجوز مكوَّر تحت ظلمة السماء».
على أن ما يلفت في شعر آي تشينغ أكثر من أي شيء آخر هو نبرته المتفائلة في معظم القصائد بحيث تبدو قصائده مجبولة بفرح الولادات وانبثاق الفصول وتجدد الحياة ومغسولة بمياه الأمل التي تلمع في كل اتجاه والتي تلازمنا حتى أنفاسنا الأخيرة كما يشير في قصيدة «الأمل» نفسها. انه شعر مترع بالألوان ومشرع دائماً على ضوء الشمس التي تشرف على الصين قبل غيرها من البلدان ولا تبخل على أهلها بالدفء والخصب وعلى شعرائها بقوة المخيلة وتفتح الذهن. وعلى رغم تعدد مؤلفات تشينغ فإن مجموعته الشعرية «دايانا مرضعتي» تظل الأكثر تميزاً وعمقاً وتفجراً بالمشاعر من سائر مجموعاته الأخرى، وهو ما أجمع عليه معظم نقاد الشاعر وقارئيه. وقد تكون العلاقة الفريدة التي نشأت بين الشاعر ومرضعته في ظل غياب الأم وتخلي الوالدين هي السبب الفعلي لاتسام كتاباته عنها بذلك القدر من الصدق والعرفان والتوحد. وقد كان لرحيلها المفاجئ الأثر الأبرز في بلوغ شعره تلك الذرى العالية من الصور والإيحاءات: «دايانا/ منظر الثلج المتساقط يجعلني أفكر فيك/ أفكر في قبرك الذي تكسوه الأعشاب والثلوج/ أرى الأعشاب البرية الذابلة على إفريز قرميد منزلك المغلق/ حديقتك المربعة الصغيرة والمرهونة/ مقعدك الحجري أمام بيتك الذي غزته الطحالب...».
لا يمكن للقارئ بالمقابل إلا أن يشعر بالصدمة إزاء تهافت بعض النصوص السياسية المباشرة التي كتبها الشاعر بعد الثورة والتي يرجح بأنها فرضت عليه فرضاً. وهو ما يتمثل بوضوح في قصيدة «ماوتسي تونغ» المباشرة والسطحية كمثل قوله «أينما يظهر ماوتسي تونغ/ يملأ الجو تصفيق عاصف/ قائد الشعب/ ليس مصطلحاً أجوف للإطراء/ فقد فاز بثقة الناس بإعطائهم حبه». على أن مثل هذه النصوص لحسن الحظ قليلة جداً ولا يمكن لها أن تطمس شاعرية آي تشينغ المشعة والمتوقدة. كما تجدر الإشارة أخيراً إلى المستوى الجيد للترجمة ولصياغاتها التعبيرية الرشيقة والتلقائية، خلافاً للعديد من الترجمات الثقيلة والمتعسفة التي صدرت في السنوات الأخيرة في غير بلد عربي.
الشاعر شوقي بزيع
يواصل المجلس الأعلى للثقافة في مصر عبر ما أُطلق عليه تسمية المشروع القومي للترجمة إصدار كتب ودواوين شعرية منقولة عن لغات العالم المختلفة.
وهذا المشروع الريادي التنويري يسد ثغرة في مجال الترجمة الى العربية التي تضعها الإحصاءات المختلفة في أدنى السلم بين جميع لغات العالم الحية. ذلك ان ما يترجمه العالم العربي برمته في عام واحد يقل بكثير عما هي الحال في بلدان متوسطية مماثلة كإسبانيا وتركيا وإسرائيل. وإذا كان للأمر من دلالة فإنه يدل على «الكوما» الثقافية والفكرية التي تضرب الحياة العربية في الصميم وتجعلها تعيش في كوكبها المغلق بعيداً مما يصيبه العالم الخارجي من تطورات وإنجازات. وأهمية المشروع المصري تكمن في الرعاية الرسمية لهذه المؤسسة الرائدة في حين ان الترجمة في سائر أقطار العرب متروكة في عهدة المبادرات الفردية القليلة والتي تخضع للمصادفة أو تحصيل لقمة العيش أو الهوى الشخصي، وبعضها يتسم بالجودة والدقة والقيمة العالية.
يأتي كتاب «أشعار من عالم اسمه الصين/ مختارات من شعر آي تشينغ» ضمن هذا المشروع الذي يُطلع القارئ العربي على كثير من الكتب المنقولة عن الفارسية والألمانية والإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية وغيرها. والكتاب الذي نقله عن الإنكليزية كل من أمير نبيه وعبدالرحمن حجازي تتصدره ثلاث مقدمات أولاها لمراجع الكتاب عبدالعزيز حمدي، وثانيها للمحرر الصيني الذي لا نعرف سبباً مقنعاً لإغفال اسمه، وثالثها للشاعر آي تشينغ نفسه الذي يقدم للقراء سيرة شخصية وشعرية يعرض من خلالها، هو المولود في أوائل القرن العشرين والمتوفى في نهاياته، لمحطات حياته الأساسية بدءاً من علاقته الملتبسة بأبويه وضيقه بالأساليب الشعرية التقليدية والبالية في عصره، مروراً بتجربته القاسية والمفيدة أثناء دراسته في باريس، وانتهاء بانخراطه في المقاومة ضد الاحتلال الياباني ومن ثم بمواقف الثورة الحذرة من شعره بسبب رفضه القاطع للتضحية بالفن من اجل الخطابة والتبشير العقائديين. كما يعتبر آي تشينغ في مقدمته المسهبة ان الشعر لا يكتب بهدف استعراض القدرة على التلاعب بمهارات اللغة أو بهدف رصد الوقائع والأحداث بدقة بل بهدف فتح ابواب الخيال وحث القدرات الذهنية على رصد الأفكار والخبرات من خلال ما نطلق عليه اسم «الاستعارة». وهو ما يذكّرنا الى حد بعيد بأفكار مجايله بابلو نيرودا الذي اعتبر الاستعارة أساساً في عملية الإبداع الشعري.
يعترف آي تشينغ في إحدى مقابلاته الصحافية بأنه تأثر بعدد من شعراء العالم المتباعدين والمنتمين الى مدارس مختلفة مثل الفرنسي رامبو والروسي يسينين والأميركي والت ويتمان والبلجيكي فرهارين. ومع ذلك فإن قراءة متفحصة للمختارات المترجمة من شعره والتي تربو على الأربعمئة صفحة تدل بوضوح على نقاط تقاطع كثيرة بينه وبين من عرفوا بشعراء المقاومة في العالم مثل بابلو نيرودا وناظم حكمت ولوركا وإيلوار وأراغون. وقد يكون نيرودا أقرب هؤلاء الى تجربة تشينغ التي تحاول ان تبلور الرؤى والأخيلة المعقدة والغامضة في إطار من الوضوح النسبي الذي تساعد في تحقيقه قدرة الشاعر على استخدام الحواس واستنفارها الى اقصى الحدود. والتقاطع بينه وبين نيرودا يبدو جلياً ايضاً من خلال علاقة كليهما بالجمهور والتي يحكمها مزيج معقد من الفهم وسوء الفهم ومن الانقطاع والتواصل. فتشينغ يسرد لقرائه رسالة عامل المنجم الصيني الذي لا يستطيع ان يفهم الشعر ومع ذلك فإنه حين يقرأ قصائد تشينغ يستعيد ذكريات المكان الريفي الذي جاء منه وينتهي الى التساؤل «كيف لسحر الشعر ان يكون بمثل هذه القوة؟». وهذه القصة تشبه الى حد بعيد قصيدة نيرودا التي يخاطب فيها قراء بسطاء لا يفهمون شعره بالكامل ومع ذلك فهم يتحسسونه بشغاف القلب ويشعرون انه ليس بعيداً عنهم.
تبدو قصائد آي تشينغ من خلال المختارات ندية ومفعمة بالصدق وقريبة من الحياة على رغم تفاوت موضوعاتها ومناخاتها. إنها قصائد مستلة من واقع حياة الصين في تحولاتها السياسية الغنية بالأحداث والمفتوحة على المفاجآت والثورات والدماء الغزيرة. إلا ان موهبة الشاعر العالية وفهمه العميق للشعر وتجربته الباريسية الثرية ساعدته في التحليق فوق الكتابات المناسباتية المباشرة وامتلاك الجرأة على تحرير قصائده من ربقة الإيديولوجيا الفجة، على رغم انه لن يفلح في ذلك كل الأحيان. ففي غمرة الاحتلال الياباني للصين كان آي تشينغ قادراً على الإفلات من فخ القضايا الكبرى وتطلبات «السوق» ليكتب عن الشوارع والأشجار والسمكة المتحجرة والجرف الصخري. لكننا ننصت في كل ذلك إلى زفرات الانسان ولهاث أنفاسه واختلاجات قلبه كما في قصيدته «بركة شتاء» التي يقول فيها: «بركة شتاء/ وحيدة مثل قلب رجل عجوز/ بركة شتاء/ جفت مثل عيني رجل عجوز/ بركة شتاء/ تلاشت مثل شعر رجل عجوز/ بركة شتاء/ معتمة مثل حزن رجل عجوز/ رجل عجوز مكوَّر تحت ظلمة السماء».
على أن ما يلفت في شعر آي تشينغ أكثر من أي شيء آخر هو نبرته المتفائلة في معظم القصائد بحيث تبدو قصائده مجبولة بفرح الولادات وانبثاق الفصول وتجدد الحياة ومغسولة بمياه الأمل التي تلمع في كل اتجاه والتي تلازمنا حتى أنفاسنا الأخيرة كما يشير في قصيدة «الأمل» نفسها. انه شعر مترع بالألوان ومشرع دائماً على ضوء الشمس التي تشرف على الصين قبل غيرها من البلدان ولا تبخل على أهلها بالدفء والخصب وعلى شعرائها بقوة المخيلة وتفتح الذهن. وعلى رغم تعدد مؤلفات تشينغ فإن مجموعته الشعرية «دايانا مرضعتي» تظل الأكثر تميزاً وعمقاً وتفجراً بالمشاعر من سائر مجموعاته الأخرى، وهو ما أجمع عليه معظم نقاد الشاعر وقارئيه. وقد تكون العلاقة الفريدة التي نشأت بين الشاعر ومرضعته في ظل غياب الأم وتخلي الوالدين هي السبب الفعلي لاتسام كتاباته عنها بذلك القدر من الصدق والعرفان والتوحد. وقد كان لرحيلها المفاجئ الأثر الأبرز في بلوغ شعره تلك الذرى العالية من الصور والإيحاءات: «دايانا/ منظر الثلج المتساقط يجعلني أفكر فيك/ أفكر في قبرك الذي تكسوه الأعشاب والثلوج/ أرى الأعشاب البرية الذابلة على إفريز قرميد منزلك المغلق/ حديقتك المربعة الصغيرة والمرهونة/ مقعدك الحجري أمام بيتك الذي غزته الطحالب...».
لا يمكن للقارئ بالمقابل إلا أن يشعر بالصدمة إزاء تهافت بعض النصوص السياسية المباشرة التي كتبها الشاعر بعد الثورة والتي يرجح بأنها فرضت عليه فرضاً. وهو ما يتمثل بوضوح في قصيدة «ماوتسي تونغ» المباشرة والسطحية كمثل قوله «أينما يظهر ماوتسي تونغ/ يملأ الجو تصفيق عاصف/ قائد الشعب/ ليس مصطلحاً أجوف للإطراء/ فقد فاز بثقة الناس بإعطائهم حبه». على أن مثل هذه النصوص لحسن الحظ قليلة جداً ولا يمكن لها أن تطمس شاعرية آي تشينغ المشعة والمتوقدة. كما تجدر الإشارة أخيراً إلى المستوى الجيد للترجمة ولصياغاتها التعبيرية الرشيقة والتلقائية، خلافاً للعديد من الترجمات الثقيلة والمتعسفة التي صدرت في السنوات الأخيرة في غير بلد عربي.

هناك تعليق واحد:
متى ولد آي تشينغ في إي يوم وشهر وسنة؟
إرسال تعليق