الخميس، 24 مايو 2007

سور الصين العظيم لا يمكن أن يُبقي العالم بعيدا إلى الأبد


صحيفة الاقتصادية السعودية
مارتن وولف
سور الصين العظيم هو أشهر مَعْلم سياحي. وفي الوقت الذي يتزايد فيه أثر الصين على العالم ورغبة حكامها في السيطرة على التأثير العالمي على الصين، فإن سور الصين يبدو وكأنه تعبير مجازي دائم ومثير للقلق الكبير. فمن السور العظيم، الذي كان يهدف إلى صد البرابرة القادمين من السهول، إلى "الجدار الناري العظيم" هذه الأيام، الذي يهدف لصد تدفق المعلومات، يرغب حكام الصين في إبقاء شعبهم منفصلاً عن الشعوب الأخرى.
ومع ذلك فإلى متى ستظل الصين داخل العالم وخارجه، ومتى ستظل تعتنق اقتصاد السوق وفي الوقت نفسه ترفض مُثُله السياسية؟
في كتاب ممتع (*The Great Wall: China Against the World, Atlantic Books, 2006)، تنظر جوليا لافل، وهي محاضِرة في تاريخ الصين والأدب الصيني في جامعة كامبريدج، إلى تاريخ الصين من خلال عدسة الأسوار التي بنتها الصين وأعادت بناءها خلال ما يزيد على 2500 سنة. كان طول هذه الأسوار يصل إلى آلاف الكيلومترات. وكانت تتطلب العمل الإلزامي وتسخير ملايين الأشخاص. وكان من شأنها إفلاس العائلات الحاكمة. وأهل البداوة في السهول وجدوا طريقة للالتفاف على الأسوار، "وانهالوا كالماء، على طول المسار الأضعف ذي المقاومة الأقل".
هذا الكتاب هو تاريخ مليء بالعبر البليغة، مثل قدرة هذه الإمبراطوريات الزراعية العظيمة على حشد الموارد البشرية، وعدم الاكتراث بحياة البشر، ورغبتها في "التعريف والانغلاق والاستبعاد". والتعريف من علامات الحضارة، أما الانغلاق فهو من علامات الصين، والاستبعاد كان للأجانب، وأخيراً وليس آخراً، مقاومتها ومناعتها أمام دروس الفشل.
تجادل لافل بأنه "لم يكن بمقدور حكام الصين هزيمة جيوش الشمال ولا التوقف والخروج بتسوية أو التفاوض". ولما كان الاحتمال الأول مستبعداً نتيجة للضعف العسكري، وكان الاحتمال الثاني مستبعداً بسبب التفوق الثقافي، عمدت الإمبراطورية إلى استراتيجية كانت مكلفة بقدر ما كانت فاشلة.
فما الذي ينبئنا به هذا التاريخ عن الصين المعاصرة؟ تقول لافل إن دينج كسياوبنج كان "حاكماً تسلطياً عملياً. فقد كان همه الأساسي هو استقرار الصين، وكان يرى أن السبيل الأمثل لذلك ليس الديمقراطية وإنما الازدهار الاقتصادي على النمط الرأسمالي".
ومع ذلك هو نفسه الذي قال: "إذا فتحت النافذة، من الصعب وقف الذباب والبعوض من التدافع إلى الداخل". وليس ما يبعث على المفاجأة أنه حين ينظر المراقب يرى أسواراً تقام في كل مكان. ويظل هدف هذه الأسوار كما كان دائماً، تحقيق الاستقرار والاستقلال الذاتي والسيطرة.
لكن أسوار اليوم من نوع آخر، فهي تقوم على الترهيب الخفي والتدخل في تدفق المعلومات. فالاحتياطيات الصينية الهائلة من العملات الأجنبية، التي ترتفع سنوياً بمعدل 500 مليار دولار تقف جدارا في وجه التدخل الخارجي، الذي يتم صده على حساب مزيد من البؤس في حياة مئات الملايين من الصينيين.
وليس من قبيل المصادفة، كما تقول لافل، إن "السور العظيم كان واحداً من أكبر المستفيدين من سياسة الحزب الشيوعي الثقافية الجديدة والمائلة إلى القيم التقليدية، وهي سياسة صممت لملء الفراغ الأيديولوجي الذي نشأ بعد التخلي عن الطريقة الماوية في الهجوم والتخلي عن المعتقدات التقليدية".
إن السور رمز لأمة صينية تحيط بها الانتقادات والهجمات من كل جهة، لكنها فخورة بجانبها التكنولوجي. ومن هذا الباب، فإنه يناسب إلى حد كبير أهداف هذا العصر. ومع ذلك، حين ننظر إلى الأمور بمنظار أعمق، فإن هذا السور بلا جدوى. ذلك أن تحديات اليوم تختلف اختلافاً بيناً عن التحديات التي أخفق السور في مواجهتها.
في الماضي انتهى المطاف بكل عائلة حاكمة أجنبية أن تصبح أجنبية. وليس هناك من مثال أدل على ذلك من آخر عائلة حكمت الصين، وهي أسرة مانتشو كينج: "فخلال 250 سنة أصبحت أسرة مانتشو التي كانت فيما مضى تتمتع بقدر كبير من القوة، أسيرة وحبيسة مُرَكَّب التفوق الصيني، الذي تحول هو نفسه إلى طقوس والذي ورثته عن الأجيال السابقة، إلى درجة أنه لم يكن بمقدورها التفكير في إجراء حوار مفيد مع الموجة التالية من البرابرة ـ الغرب ـ لإطلاق نفسها على المملكة المتوسطة".
الغزاة الجدد يختلفون بصورة خطرة عن جميع الغزاة السابقين. فقد كانوا أكثر تطوراً من الصينيين من الناحية التكنولوجية والعلمية. والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الغزاة لم يكونوا فقط منيعين أمام الحضارة الصينية، وإنما جلبوا معهم أفكاراً جديدة تقوض البنيان القديم، أفكاراً مثل المساواة والحرية والديمقراطية. وبالتالي لم يكن هناك مكان أشق فيه على الأسرة الحاكمة من الصين صاحبة أطول حضارة إمبراطورية في التاريخ لتتفاهم فيه مع وقع القوة الغربية الذي أحدث دماراً هائلاً.
بل إن صن ياتسين، مهندس الصين لما بعد العصر الإمبراطوري، صرح قائلاً: "إن المهمة الأساسية هي استيراد أسس المجتمع الغربي، أي الاعتقاد الجديد بالمساواة وحقوق الإنسان. ويجب أن نكون على وعي تام بالتعارض بين الكونفوشية والاعتقاد الجديد، والمجتمع الجديد، والدولة الجديدة".
لاحظ أن إحدى الأيديولوجيات الغربية، وهي الشيوعية الماركسية، قدمت شكلاً معاصراً من الغطاء القانوني الحرفي والمتشدد، وهي الأيديولوجية التسلطية لمملكة قين، التي وحدت الصين في النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد. بل إن ماوتسي تونج قلد في ثورته الثقافية ما قام به الإمبراطور الأول من حرق للكتب الكونفوشية.
لكن الماركسية، من حيث كونها أيديولوجية الدولة الجبارة في العالم الحديث، فإنها لا تعدو كونها طريقاً مسدوداً آخر. غير أن الدولة ذات الحزب الواحد التي تعتبر أيديولوجيتها هي المبرر للاحتفاظ بالسلطة لا تستطيع التخلي عن الماركسية بسهولة. ومن جانب آخر لا تمتلك شيئاً آخر في قوتها ليحل محلها. صحيح أن أسرة هان، التي خلفت أسرة قين في الحكم، تمكنت من استخدام الكونفوشية. لكن ما هي الأيديولوجية اللاحقة للماركسية التي يمكن أن تستخدمها الصين الشيوعية؟ وما هي القيم التي تؤمن بها، بخلاف القوة والمال؟
إحدى الأجوبة عن هذا السؤال هو القومية الجريحة. ويظهر هذا في التأكيد على توحيد أرض الوطن، وفي الإصرار على التمسك بجميع الأراضي التي استولت عليها أسرة قين، وفي الرغبة في تذكير الأجانب، خصوصاً اليابانيين، بجرائمهم.
ومع ذلك القومية ليست هي الجواب السليم على ذلك. فحين تُجرَّد القومية من محتواها الثقافي العتيق، فإنها خاوية من الناحية الأخلاقية. والصين ذات النزعة القومية القوية لا يرجى لها أبداً أن تصبح أقوى دولة في العالم فحسب، وإنما كذلك لن تعود من جديد بين الدول المؤثرة التي يعجب الجميع بمستواها الثقافي.
وتشير لافل إلى أن "المعضلة النفسية المُقْعِدة والمركزية التي تعانيها الصين الحديثة: ما العمل بما تراكم لديها من خبرة غير عادية وإنجازات متميزة جعلت الصين أقوى بلد في العالم حتى القرن الثامن عشر، لكنها جعلته عملياً لا حول له ولا قوة في مواجهة الغرب الإمبريالي بعد ذلك بمائة عام (...) فالأشخاص العاملون على تحديث الصين، والذين يرغبون بشدة في أن يكونوا في مثل قوة وحداثة الغرب، فإنهم عند كل منعطف ينظرون خلسة ومن دون ارتياح فوق أكتافهم ويعودوا بأبصارهم إلى الماضي ليتساءلوا إن بقيت أمتهم صينية على حالها".
حين بنيت الأسوار كان الصينيون يعلمون أن ذلك ليس فقط لحماية الأسر الحاكمة، وإنما كذلك لحماية المركز الثقافي للعالم. أما اليوم فإن الثقة التي من هذا القبيل مستحيلة. وتقول لافل إن المصلحين الصينيين مصابون بمزيج غير مستقر من الكراهية والإعجاب تجاه الغرب الإمبريالي، وبمزيج من مشاعر الاحتقار والتقديس للصين وماضيها". الأسوار الحديثة ستنهار في نهاية المطاف، مثلما انهارت الأسوار القديمة. لكن السؤال المهم هو ما إذا كانت الصين تعلم نوع القيم التي تسعى للدفاع عنها.

ليست هناك تعليقات: