الأربعاء، 25 يوليو 2007

اختطاف النظام العالمي

صحيفة الخليج الامارتية
عاطف الغمري
هل تعتبر استراتيجية السياسة الخارجية الأمريكية التي نتعامل معها، استراتيجية تعبر عن نظام عالمي جديد، أم أنها خطة اختطاف للنظام العالمي، قبل أن يتشكل على صورة لم تكن لتتفق مع رؤية أمريكا لدورها في العالم في القرن الحادي والعشرين؟
كثير من الخبراء والكتَّاب الأمريكيين اتفقوا في دراساتهم منذ مجيء حكومة بوش للسلطة عام ،2001 على أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلنها البيت الأبيض في 20 سبتمبر/ أيلول ،2002 تنقصها الشروط التقليدية والمتعارف عليها، لبناء أي استراتيجية عالمية للولايات المتحدة، ومن أهمها ثلاثة شروط هي:
1- توافق الرأي العام على قبول هذه الاستراتيجية، واحتشاده وراءها بالتأييد كهدف وطني تتحرك الدولة بكامل طاقاتها وراءه.
2- توافق النخبة من صناع القرار السياسي وأصحاب الخبرة العالمية على تبني هذه الاستراتيجية.
3- وضوح كلي لأهداف السياسة الخارجية من دون غموض.
وهذه الشروط منعدمة في استراتيجية الأمن القومي المعمول بها حالياً، بعد انتهاء العمل باستراتيجية السياسة الخارجية للخمسين عاماً السابقة، والتي بدأت عام ،1947 وتوافرت فيها كل الشروط المطلوبة.
وبناء عليه ففي تقديرهم أن ما يجري تطبيقه هو خلل في الاستراتيجية، وليس بناء استراتيجياً حقيقياً.
.. فكيف جرى اختطاف النظام العالمي.
كانت هذه الفكرة تسيطر على المحافظين الجدد، وتظهر في كتاباتهم وبرامجهم السياسية المنشورة والمعلنة، وبالتحديد منذ بداية التسعينات.
وربما كان أبرز تجسيد لها ما قام به اثنان من أكبر المفكرين والمنظرين لفلسفة حركة “المحافظين الجدد” وهما ويليام كريستول، وروبرت كيجان، عندما نشرا في عام 2000 ورقة عمل مشتركة بعنوان “أمريكا في العالم” تحدد تصور المحافظين الجدد لمعنى العدو. وهو العدو الذي يمثل من وجهة نظرهم خطراً على الولايات المتحدة ودورها في العالم في القرن الحادي والعشرين، باعتبارها القوة المهيمنة. وأن هذا الخطر يأتي نتيجة تقليص هذا الدور، وبالتالي انهيار النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ودعت هذه الورقة الولايات المتحدة بألا تنتظر وصول هذا التهديد المقبل، بل المبادرة بمنع حدوثه بالإسراع بإقامة نظام دولي يتفق مع مصالحنا ومبادئنا.
كانت تحت عيونهم معلومات موثقة تقول: إن أمام أمريكا 20 سنة، يبقى لها خلالها وضع القوة العظمى الوحيدة قبل أن يتشكل للعالم نظام دولي جديد، وأن ضياع دور الهيمنة هو العدو، وذلك حسب ما قدرته كبريات المؤسسات الاقتصادية الأمريكية من أن هذا التحول سيحدث عام 2020 بوصول الصين إلى وضع التعادل في القوة مع أمريكا، بينما قدرت وزارة الدفاع الأمريكية حدوث ذلك في عام 2025.
ولهذا لم تكن الاستراتيجية العالمية لعام ،2002 استراتيجية لنظام عالمي جديد، بقدر ما كانت اختطافاً للنظام العالمي تحت الإنشاء.
كان هدفهم استباق التحول إلى ما هو متوقع من قيام النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، على أساس التعددية، وليس القوة العظمى الوحيدة، بصعود قوى أخرى إلى قمة النظام العالمي، كالصين، أو بعض دول الاتحاد الأوروبي كألمانيا، وروسيا في مرحلة لاحقة، واليابان، ومشاركة قوى إقليمية بازغة مثل الهند والبرازيل.
مع احتمال حصول بعض هذه الدول على مقاعد العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهو تحول يضعف من قدرة أمريكا على توجيه الأمم المتحدة كما تريد.
وكانت لهنري كيسنجر مقولة في أول التسعينات بعد انتهاء الحرب الباردة، يتوقع فيها التعددية في القرن الحادي والعشرين، وقتها قال: إن أمريكا تتوقع أن تكون واحدة ضمن مجموعة قوى متساوية على قمة النظام الدولي المقبل.
وكانت حرب العراق جزءاً مهماً من خطة اختطاف النظام العالمي، لأن أصحاب مشروعها من المحافظين الجدد، كانوا مقتنعين بانتصارهم عسكرياً، وبأن ذلك سيكون بوابة الدخول إلى العالم العربي بكامله لتغييره من الداخل، وإعادة رسم الخريطة الإقليمية للمنطقة، بما يضع “إسرائيل” في مركزها. وبأن يكون ما جرى في العراق، نموذجاً ملهماً ونمطاً يتكرر في المناطق الإقليمية الأخرى في العالم. ومن ثم يتغير العالم وصياغة النظام الدولي الجديد.
فضلاً عما كانت تتضمنه الأهداف المتعددة وراء غزو العراق، من هدف يخص الصين، بأن تكون السيطرة على بترول العراق ثاني أكبر احتياطي بترولي في العالم ضمن منظومة التحكم في بترول الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا الوسطى، والذي تعتمد عليه الصين في خططها للتنمية، والتي ستدفع بها إلى مستوى التعادل في القوة مع الولايات المتحدة.
ولا يغيب عن النظر التعديل الذي أدخله المحافظون الجدد في عهد حكومة بوش على ما سبق أن وصف به كلينتون العلاقة مع الصين بعلاقة الشريك الاستراتيجي. ليصبح الوصيف هو علاقة تنافس استراتيجي.
فأين العالم العربي من كل هذا؟
يفترض أن هذه استراتيجية لاختطاف النظام العالمي، أو بمعنى آخر هذا الخلل في البناء الاستراتيجي الأمريكي الحالي، كان لابد أن يسفر عن فشل، وليس عن نجاح في السياسات الأمريكية التي تتعامل مع مشكلات وأزمات المنطقة، وهو ما حدث بالفعل في العراق.
وبالتالي فإن مسايرة هذه الاستراتيجية لا تنتهي سوى بالتورط في سياسات ليس مقدراً لها النجاح.
وكان ينبغي أن تكون للعرب مبادرة بخصوص رؤيتهم ومواقفهم من مختلف قضاياهم يسندها موقف موحد نابع من رؤية استراتيجية شاملة لما تغير في أوضاع المنطقة وفي العالم، وأن تكون هذه الرؤية مستوعبة المصالح العربية على المدى البعيد.
وإذا كانت استراتيجية الاختطاف لم تمكّن المحافظين الجدد من إحراز نصر عسكري، يبنى عليه مشروعهم العالمي، لمنع ما اعتبروه العدو المقبل، وهو في نظرهم حدوث التعددية على قمة النظام العالمي، فإن بلوغ هذا التحول، وهو أمر يبدو مؤكداً، يفرض ضرورة تنويع العلاقات الدولية للعالم العربي، لتكون أكثر توازناً مع القوى المرشحة لقمة التعددية، فضلاً عن القوى الإقليمية الأصغر حجماً.
ومعنى ذلك أن العالم مهيأ لتحولات كبرى واستراتيجية خلال السنوات القليلة المقبلة. وهناك دول إقليمية بدأت من قبل ذلك بسنوات تضع البدائل والخيارات للتعامل مع الواقع المتغير. فما الذي فعله العالم العربي، وهو يمشي في سياق التحولات التي لابد أن تطوله وتؤثر فيه بشكل مباشر؟

ليست هناك تعليقات: