الأحد، 1 يوليو 2007

ملف العدد: أسطول بحري لتعزيز قوة الصين الاقتصادية والدبلوماسية

نشرة الصين بعيون عربية ـ العدد الخامس
صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية 23/6/2007
ميور ديكي ـ ستيفن فيلدر

تشير عشرات السفن التابعة لبكين إلى رغبتها في السيطرة على مضيق تايوان. غير أنه من المحتمل أن تتخطى الطموحات الصينية هذا النطاق.
كان حارس البوابة في ميناء داليان شديد الفظاظة، حيث لا يمكن للزوار الدخول لإلقاء نظرة أقرب على حاملة الطائرات السوفياتية السابقة، فارياج، الراسية في هذه المدينة في شمال شرق الصين.
الحقيقة هي أن الحارس أصر على أن حاملة الطائرة المنجزة جزئياً التي تم قطرها كجسم دون محرك إلى الصين من أوكرانيا عام 2001، لم تعد موجودة في داليان، حيث قال: "تم نقلها بعيداً قبل سنوات قليلة".
كان الحارس مقتصداً في قول الحقيقة، حيث إنه على الرغم من طلائها الرمادي الجديد، والغيوم الكثيفة التي تلف المدينة، فإن حاملة الطائرات الضخمة، فارياج، بمدرج طائراتها المميز تماماً، يمكن رؤيتها بوضوح من سطح بناية مجاورة. ولكن محاولة الحارس الغبية لإخفاء وجود هذه الحاملة كانت تذكيراً بالسرية التي تحيط بكل جوانب تطوير الأسطول الصيني.
تجعل مثل هذه السرية الأمور في غاية الصعوبة للحكم على القدرات الحالية للأسطول الصيني، أو الأهداف الاستراتيجية التي تسعى الصين إلى بلوغها فيما يتعلق به. ولكن ليس هنالك شك بأن الأسطول الذي طالما كان الذراع المهملة لجيش التحرير الشعبي، يمثل الآن صلب توجه الصين إلى بناء جيش يواكب قوتها الاقتصادية والدبلوماسية المتزايدة.
تطورت هذه القوة التي كانت منذ عقدين مجرد قوة خاملة من حرس السواحل، لتضم عشرات القطع البحرية، بما في ذلك الغواصات التقليدية والنووية، ومدمرات سوفرمني الروسية المسلحة بالصواريخ المضادة للسفن الموجهة بالأشعة، ومدمرات الدفاع الجوي الحديثة المصنوعة محلياً والفرقاطات. قال مسؤولون أمريكيون إن بكين على وشك تشغيل ونشر أول مجموعة من غواصاتها الحاملة للصواريخ النووية الفعالة.
مثل هذا النشر يعد تغيراً ذا أهمية تاريخية، حيث إن الزعماء الصينيين ظلوا عدة قرون، على وجه العموم، قليلي الاهتمام بالقوة البحرية. كانت آخر مرة حاولت فيها الصين معادلة القوى البحرية للدول الغربية، ولليابان المجاورة، بمثابة جهد فاشل قامت به سلالة من أسرة كنج في أواخر القرن التاسع
عشر. لم يستطع أي أسطول صيني ممارسة القوة العسكرية خارج البحار المجاورة منذ القرن الخامس عشر، حين قاد الأدميرال زنج هي من سلالة مينج أساطيل غير عادية من "سفن الكنوز" في رحلات وصلت حتى الشواطئ الإفريقية.
يقول مايكل ياهودا، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية، وجامعة جورج واشنطن: "كانت لدى الزعماء الاستراتيجيين الصينيين، تاريخياً، وبحكم الطبيعة تفضيلات للحروب البرية. جاء معظم مشاكل الصين من جهات ذات قوى بحرية. وهناك شعور لدى صانعي السياسة فيها أنه إذا أرادت الصين استعادة عظمتها الحقيقية، فإن عليها امتلاك قدرة بحرية".
لدى الصين كذلك حافز أكثر إلحاحاً لتطوير الأسطول التابع لجيش الشعب الصيني يتمثل في رغبتها في دعم مطالبتها بالسيادة على جزيرة تايوان المنافسة، في ظل وجود تهديد حقيقي بالقوة.
أكدت الصين على رغبتها في استعادة تايوان سلمياً، إذ لا يبدو في الأجل القصير صراع مع هذه الجزيرة الديمقراطية. غير أن الهدف الرئيسي للمخططين العسكريين الصينيين هو القدرة على التعامل مع "طيف من المشاهد" في مضيق تايوان، وردع أي تدخل أمريكي لدعم تايبيه، كما يقول أندرو يانج، الأمين العام للمجلس الصيني لدراسات السياسة المتقدمة في تايوان.
يقول يانج إن التطوير السريع لمنصات الأسلحة الصينية سوف يمكنها من منع وصول الأسطول الأمريكي إلى المياه التايوانية بحلول عام 2015. ويضيف: "أنتجت الصين خلال السنوات الخمس أو السبع الأخيرة أنواعاً جديدة من الغواصات التقليدية، ونوعين جديدين من الغواصات التي تُشغل بالطاقة النووية. وهذا أمر بالغ الأهمية".
الأكثر من ذلك هو أن طموحات الصين البحرية تتعدى في الغالب المياه التايوانية. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية، الشهر الماضي، في تقريرها السنوي المقدم إلى الكونجرس حول القوة العسكرية الصينية، إن جيش الشعب الصيني: "منهمك في جهد مستدام لتطوير قدراته التدميرية، وتوسيع مدى ذلك، وبناء حاملات طائرات، وقوات هجومية متقدمة يمكن نشرها حتى غرب المحيط الهادي".
يمكن أن يتضمن ذلك "استهداف السفن من مسافات بعيدة" تمتد حتى الممرات البحرية جنوب وشرق اليابان، وإلى ما يتجاوز جزيرة جوام. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية إن المحللين يرون أن الصين يمكن أن تتعدى ذلك إلى: "توفير قدرات لطوارئ إقليمية أخرى مثل النزاع على الموارد أو المناطق".
أدانت الصين بشدة ذلك التقرير. في مؤتمر صحافي عقده العميد زهانج كنسهنج، نائب رئيس هيئة أركان الجيش الصيني، في سنغافورة، في نهاية الأسبوع، وصف ذلك التقرير بأنه منتج لا يمكن الاعتماد عليه، وأنه ناجم عن عقلية الحرب الباردة، كما أصر على أن الاستراتيجية العسكرية الصينية قائمة على الدفاع عن النفس والتنمية السلمية.
ومما يقوض هذا الاحتجاجات تردد بكين في مناقشة تخطيطها لحماية مصالحها الدولية المتزايدة.
أكد المحللون المحليون على أهمية ضمان الوصول إلى النفط من الشرق الأوسط، والغاز من جنوب شرق آسيا، ناهيك عن عدد كبير من السلع الضرورية لضمان استمرار انتعاش الاقتصاد الصيني.
إن الصين مستفيدة كبرى من "السلم الأمريكي" الذي يفرضه الأسطول الأمريكي، ويبقي على المضائق البحرية مفتوحة. غير أن دور الأسطول السابع الأمريكي في مراقبة المياه الاستراتيجية، مثل مضيق ملقا التي يمر منها 80 في المائة من واردات الصين النفطية، يمكن أن يعطي للولايات المتحدة ميزة استراتيجية في حالة أي نزاع حول تايوان.
ومع ذلك، فإنه حتى في ظل الميزانية الدفاعية الصينية التي تزداد بنسبة 18 في المائة سنوياً لتصل إلى 45 مليار دولار (23 مليار جنيه استرليني، أو 34 مليار يورو) هذا العام، وقول المخابرات الأمريكية إنها أقرب إلى 125 مليار دولار، فإن بناء هذه القدرات لعرض القوى التي تصل إلى مدى بعيد، يظل تحدياً ضخماً.
ويرى بعض القادة البحريين، والمحللين الصينيين أن مفتاح مثل هذه القدرات على المدى الطويل هو صناعة حاملة طائرات أو أكثر. وتم النظر إلى شراء حاملة الطائرات، فارياج، منذ فترة طويلة، كبرهان على تصميم الصين على تصنيع طرازها الخاص بها من حاملات الطائرات الروسية، كوزنتسوف.
كانت شركة صينية اشترت تلك الحاملة من أوكرانيا عام 1998، وقالت إنها تريد تحويلها إلى "قصر عائم للتسلية"، ولكن تدخل بكين على مستوى عال كان ضرورياً لكي تسمح تركيا بمرورها عبر البوسفور. أمضت سفينة القطر التي سحبت تلك الحاملة أكثر من عام وهي تدور في مياه البحر الأسود.
كانت إعادة طلاء الحاملة باللون الرمادي للأسطول الصيني عام 2005، مصدر شك بأن التسلية لم تكن الهدف الحقيقي من وراء شرائها. ويتوقع بعض المراقبين تجهيزها كسفينة تدريب، كما يتوقع آخرون أن تستخدمها الصين كنموذج لصنع حاملة الطائرات الخاصة بها.
إن تجهيز ونشر حاملة طائرات حقيقية يعني أموراً أبعد من مجرد تقليد هيكل ملائم. وحتى تكون قوة حاملة الطائرات فعالة، فإنه لا بد أن ترافقها دفاعات جوية، وتحت بحرية متقدمة للغاية. كما ينبغي تزويدها بأنواع مختلفة من الطائرات المصممة للعمل تحت أقسى الظروف. ويجب كذلك توفر طاقم رفيع التدريب لكي يستطيع القيام بالمهام بالغة الدقة.
يقول وانج كسيانجسوي، الخبير العسكري في جامعة بكين لعلوم الطيران والملاحة الفضائية، إن الصين يمكن ألا تحاول ذلك. ويعتقد بعض الخبراء البحريين في الولايات المتحدة أن التكلفة الباهظة والانكشاف الواضح لحاملات الطائرات يمكن أن يضع حداً لدور هذه السفن كدلائل على التفوق البحري. ويشير وانج إلى أن على الصين أن تبحث عن وسائل أفضل لتلبية احتياجاتها الاستراتيجية.
ويضيف: "إنني شخصياً أشعر أن حاملة الطائرات نوع من الترف، وإنها جوهرة رائعة المظهر، ولكنها لعبة باهظة التكلفة".
وحتى إذا مضت الصين قدماً في تطوير بناء حاملة طائرات، فما مدى القلق الذي سوف يصيب الولايات المتحدة وجيران الصين الآخرين؟ يلاحظ المشككون أن الجيش الصيني مستمر في الاعتماد على موسكو فيما يتعلق بمنصات أسلحته الأكثر تقدماً، مثل غواصات الديزل من فئة كيلو الهادئة للغاية، ومقاتلات سوخوي. ويعتمد المتعهدون الصينيون الذين يصنعون السفن والطائرات، في غالب الأحوال، على المزودين الروس فيما يتعلق بالأنظمة الرئيسية.
يقول بعض المحللين إن السفن المستوردة يصعب تكاملها مع بقية سفن الأسطول الصيني، وأنه لا بد من وجود المستشارين الروس للتمكن من تشغيلها.
إن الخبرة التدريبية والعملية لجيش الشعب الصيني متخلفة للغاية عما هو متوافر في الولايات المتحدة. ويقول اتحاد العلماء الأمريكيين إن البيانات المتوافرة لدى الأسطول الأمريكي تظهر أن قوة الغواصات الصينية الكاملة لم تنجز سوى مناورتين بحريتين خلال عام 2005، بينما لم تقم الغواصة من طراز إكسيا الحاملة للصواريخ الموجهة بأي مناورة رادعة على الإطلاق. وتشير هذه الفعاليات إلى "أسطول غواصات في طور السبات".
نجد أنه حتى وزارة الدفاع الأمريكية تقول إن الصين: "لا تمتلك القدرات العسكرية اللازمة لإنجاز موثوق به لأهداف السياسة". المتعلقة بتايوان.
لا يجب على الصين أن تبحث بعيداً في التاريخ عن درس في الفرق بين أسطول بحري قوي على الورق، وآخر يستطيع أن يحارب بفعالية. وبنت سلالة كنج أسطولا جيد المظهر "الأسطول الشمالي"، المكون من سفينتين حربيتين، و عشرة زوارق بحرية، إذ تمت هزيمته من قبل الأسطول الياباني الأفضل تدريباً في المياه القريبة من حوض داليان الذي ترسو فيه حاملة الطائرات، فارياج.
لكن سام بيتمان، زميل البحث في كلية راجراتنام للدراسات الدولية في جامعة نانيانج للتقنية في سنغافورة يقول إن هنالك مبالغة متهاونة في وصف نقاط الضعف الصينية. ويضيف: "تذكرنا بما اعتاد البريطانيون قوله عن اليابانيين في الأربعينيات من القرن الماضي". وهو يرى أن القوات الصينية تبدو جاهزة لكي تتفوق في أي نزاع مع تايوان.
يجادل بيتمان بأن على الولايات المتحدة واليابان أن يقبلا بأن بروز الصين كقوة بحرية هو نتيجة حتمية لنجاحها الاقتصادي. وبدلاً من السعي إلى مقاومة هذا البروز، فإن عليهما التركيز على منعه من إشعال سباق تسلح إقليمي.
يبدو من المؤكد أن بكين نفسها حريصة على تهدئة المخاوف الأمنية الإقليمية. وعملت بجد منذ أواسط التسعينيات على تقليص التوترات المتعلقة بادعاءاتها الجارفة بخصوص مناطق في بحر الصين الجنوبي من خلال دبلوماسية متعددة الأطراف، وجهود مشتركة لاستكشاف واستغلال الموارد.
هنالك كذلك إشارات قليلة على مزيد من انفتاح جيش الشعب الصيني. وبينما قدم الجنرال زهانج معلومات قليلة جديدة في مؤتمر الأمن الذي عقد في سنغافورة في نهاية الأسبوع الماضي، إلا أن حضوره يمثل اختراقاً نظراً لأن الصين كانت في الغالب تتجاهل مثل هذه المناسبات في الماضي.
يقول وانج من جامعة الدراسات الفضائية، إن على مخططي الدفاع الصينيين أنفسهم، التوصل إلى توافق حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية لأسطولهم البحري، أو حول كيفية تحقيقهم لها. والحقيقة هي أن بكين ستوافقه على أن هدف الأسطول الصيني يجب ألا يكون معارضة الولايات المتحدة، وإنما الانسجام ضمن نظام أمن عالمي مستقر.
ويضيف: "لدى الصين حاجة إلى ضمان الوصول إلى نقاط بحرية رئيسية، ولكن لا يجب عليها فعل ذلك من خلال مواجهة الأسطول البحري الأمريكي". وهو يقترح بدلاً من ذلك أن يكون الهدف الرئيسي هو التعاون مع واشنطن.
غير أن من المحتمل أن مخططي الدفاع الأمريكيين مستمرون في مواجهة صعوبات بالثقة بالنوايا الصينية الحسنة، بينما يستمر حكم الاستبداد فيها كدولة يحكمها حزب شيوعي منفرد. وتبدي الصين في الوقت ذاته رغبة قليلة في تبني مستوى من الشفافية يعمل على تهدئة شكوك أولئك المخططين. ترفض وزارة الدفاع الصينية، بصورة روتينية الاستجابة لمعظم التساؤلات الحميدة حول سياستها، بينما يحظر على معظم ضباط جيش الشعب الصيني الاتصال مع الأجانب.
أغلق أحد المسؤولين الصينيين في حوض داليان لبناء السفن الذي ترسو فيه حاملة الطائرات فارياج، شفتيه حين سئل عن الخطط الخاصة بها، وما إذا كان سيأتي يوم يظهر فيه متنزه التسلية إلى العيان. وقال: "إن هذه مسألة سرية، ولا أستطيع التحدث بشأنها إلى الأجانب".

ليست هناك تعليقات: