صحيفة الدستور الأردنية
د. محجوب الزويري
يتردد الكثير من الحديث منذ بضع سنوات عن الدور الصيني وتأثيره على مسيرة الملف النووي الإيراني. وكثيرا ما تركز البحث على مدى قوة الموقف الصيني في تعديل الموقف الأمريكي ومنعه من المضي في فرض عقوبات على إيران ، وقد تبين أن الصين كما هو الحال بالنسبة إلى روسيا لم تفلحا في منع صدور قرارين بالعقوبات ضد إيران هما 1747و1737.
في هذه المقالة سيكون التركيز على الظروف التي تطورت فيها العلاقة بين طهران وبكين ، كما سيتم تقييم تأثير هذه الظروف على مسيرة العلاقات بين البلدين ولا سيما على الملفات الساخنة كالملف النووي. يعود التحول الأكبر في العلاقة بين بكين وطهران إلى العقد الأخير من القرن العشرين ، حيث تبين للصين أن ما لديها من احتياطي لن يكفي أكثر من 20 عاما على أحسن الأحوال ، فكانت رحلة الصين للبحث عن مصدر للطاقة تستطيع من خلاله تأمين الاحتياج الكبير والمتزايد للصناعات الصينية ، من هنا كانت مصدر الطاقة ولاسيما البترول سببا في اتجاه الصين إلى إيران. لكن هذه الحاجة الصينية سبقها إعجاب إيراني بما يسمى ب"النموذج الصيني" الذي كان يرى فيه المحافظون التقليديون في إيران مثالا يحتذي ، فقد دار حديث جدي في أروقة السياسة والاقتصاد في إيران في عقد الثمانينات أن بمقدور الجمهورية الإسلامية بناء نفسها اقتصاديا بنماء عن الغرب ، ويرى هؤلاء أن بكين نجحت في فرض نفسها على الرأسمالية الغربية رغم أنها دولة تحكمها الايدولوجية الشيوعية ، من هنا يرى هؤلاء المحافظون التقليديون أن إيران يمكنها أن تفعل الشيء ذاته وتحافظ على هويتها الإسلامية.
ولم يختف هذا النقاش إلا مرحليا في عهد الرئيس الإصلاحي خاتمي الذي كانت النخبة من حوله ترى أن العلاقة مع الغرب مفتاح هام لتحقيق ما تنشده إيران من تقدم سياسي وحل لإشكالاتها السياسية مع الغرب.غير أن الرئيس محمود احمدي نجاد الذي لا يخف إعجابه بالتجربة الصينية أعاد بقوة اكبر ضرورة الاستفادة بجدية اكبر من التجربة الصينية ولا سيما في مجال بناء اقتصاد مستقل و قوي. وقد عزز من التقارب بين طهران وبكين التراجع الذي أصاب العلاقة الإسرائيلية الصينية.
لقد شهدت العلاقة بين إسرائيل والصين تطورا كبيرا في عقدي السبعينيات والثمانينات ولا سيما في مجال التسليح ، فقد كانت الصين تعتمد بشكل كبير على الصناعات العسكرية الإسرائيلية والتي كانت في الأساس تتقدم على الصناعة العسكرية الأمريكية.وقد استمرت هذه العلاقة حتى العام 2000 إذ استخدمت الولايات المتحدة كل أوراق الضغط لوقف ما سمى بصفقة الاواكس والتي تتضمن طائرات تحظى على تقنية عالية في مجال الاستطلاع والاستخبارات. وقد اعتبرت واشنطن إتمام الصفقة تهديدا لامنها القومي ، وقد كان على إسرائيل أن تختار بين واشنطن أو بكين ، فاختارت واشنطن.
هذه الخطوة دفعت بالعلاقة الإسرائيلية الصينية إلى الوراء في ذات الوقت دفعت بالصين إلى التركيز أكثر على تطوير قدراتها التسليحية وتقليل الاعتماد على الخارج. لقد كان التركيز الإيراني على الصين هو جزء من إستراتيجية كبرى بالتحرك نحو الشرق بما في ذلك الهند واليابان واندونيسيا وماليزيا ، وذلك للحصول على سلع يمكن أن تجد سوقا لها بسهولة داخل طهران ، إضافة إلى محاولة البحث عن أسواق لما تنتجه إيران في تلك البلدان كما هو الحال في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ، لكن الصين واليابان كانتا الأوفر حظا بسبب الاحتياجات الكبيرة للنفط الإيراني ، تغطية هذه الاحتياجات الضخمة يعني بالضرورة دعما ماليا لموازنة إيران التي تعاني من آثار الضغوط الاقتصادية الأمريكية والغربية. من الواضح ان الصين بدأت في قراءة التطورات في الشرق الأوسط بشكل مختلف ، فالانفتاح على دول الخليج العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يدل بوضوح أن الصين تريد أن توفر بديلا لتزويدها بمصدر الطاقة في حال تطورت الأمور بشكل دراماتيكي فيما يتعلق ايران ، مثل هذا النهج يمكن أن ينبئ في الدور المحدود الذي يمكن أن تلعبه الصين لمنع أي تصعيد قادم ضد إيران سواء تعلق ذلك بالعقوبات المؤلمة أو بمواجهة عسكرية محدودة.
د. محجوب الزويري
يتردد الكثير من الحديث منذ بضع سنوات عن الدور الصيني وتأثيره على مسيرة الملف النووي الإيراني. وكثيرا ما تركز البحث على مدى قوة الموقف الصيني في تعديل الموقف الأمريكي ومنعه من المضي في فرض عقوبات على إيران ، وقد تبين أن الصين كما هو الحال بالنسبة إلى روسيا لم تفلحا في منع صدور قرارين بالعقوبات ضد إيران هما 1747و1737.
في هذه المقالة سيكون التركيز على الظروف التي تطورت فيها العلاقة بين طهران وبكين ، كما سيتم تقييم تأثير هذه الظروف على مسيرة العلاقات بين البلدين ولا سيما على الملفات الساخنة كالملف النووي. يعود التحول الأكبر في العلاقة بين بكين وطهران إلى العقد الأخير من القرن العشرين ، حيث تبين للصين أن ما لديها من احتياطي لن يكفي أكثر من 20 عاما على أحسن الأحوال ، فكانت رحلة الصين للبحث عن مصدر للطاقة تستطيع من خلاله تأمين الاحتياج الكبير والمتزايد للصناعات الصينية ، من هنا كانت مصدر الطاقة ولاسيما البترول سببا في اتجاه الصين إلى إيران. لكن هذه الحاجة الصينية سبقها إعجاب إيراني بما يسمى ب"النموذج الصيني" الذي كان يرى فيه المحافظون التقليديون في إيران مثالا يحتذي ، فقد دار حديث جدي في أروقة السياسة والاقتصاد في إيران في عقد الثمانينات أن بمقدور الجمهورية الإسلامية بناء نفسها اقتصاديا بنماء عن الغرب ، ويرى هؤلاء أن بكين نجحت في فرض نفسها على الرأسمالية الغربية رغم أنها دولة تحكمها الايدولوجية الشيوعية ، من هنا يرى هؤلاء المحافظون التقليديون أن إيران يمكنها أن تفعل الشيء ذاته وتحافظ على هويتها الإسلامية.
ولم يختف هذا النقاش إلا مرحليا في عهد الرئيس الإصلاحي خاتمي الذي كانت النخبة من حوله ترى أن العلاقة مع الغرب مفتاح هام لتحقيق ما تنشده إيران من تقدم سياسي وحل لإشكالاتها السياسية مع الغرب.غير أن الرئيس محمود احمدي نجاد الذي لا يخف إعجابه بالتجربة الصينية أعاد بقوة اكبر ضرورة الاستفادة بجدية اكبر من التجربة الصينية ولا سيما في مجال بناء اقتصاد مستقل و قوي. وقد عزز من التقارب بين طهران وبكين التراجع الذي أصاب العلاقة الإسرائيلية الصينية.
لقد شهدت العلاقة بين إسرائيل والصين تطورا كبيرا في عقدي السبعينيات والثمانينات ولا سيما في مجال التسليح ، فقد كانت الصين تعتمد بشكل كبير على الصناعات العسكرية الإسرائيلية والتي كانت في الأساس تتقدم على الصناعة العسكرية الأمريكية.وقد استمرت هذه العلاقة حتى العام 2000 إذ استخدمت الولايات المتحدة كل أوراق الضغط لوقف ما سمى بصفقة الاواكس والتي تتضمن طائرات تحظى على تقنية عالية في مجال الاستطلاع والاستخبارات. وقد اعتبرت واشنطن إتمام الصفقة تهديدا لامنها القومي ، وقد كان على إسرائيل أن تختار بين واشنطن أو بكين ، فاختارت واشنطن.
هذه الخطوة دفعت بالعلاقة الإسرائيلية الصينية إلى الوراء في ذات الوقت دفعت بالصين إلى التركيز أكثر على تطوير قدراتها التسليحية وتقليل الاعتماد على الخارج. لقد كان التركيز الإيراني على الصين هو جزء من إستراتيجية كبرى بالتحرك نحو الشرق بما في ذلك الهند واليابان واندونيسيا وماليزيا ، وذلك للحصول على سلع يمكن أن تجد سوقا لها بسهولة داخل طهران ، إضافة إلى محاولة البحث عن أسواق لما تنتجه إيران في تلك البلدان كما هو الحال في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ، لكن الصين واليابان كانتا الأوفر حظا بسبب الاحتياجات الكبيرة للنفط الإيراني ، تغطية هذه الاحتياجات الضخمة يعني بالضرورة دعما ماليا لموازنة إيران التي تعاني من آثار الضغوط الاقتصادية الأمريكية والغربية. من الواضح ان الصين بدأت في قراءة التطورات في الشرق الأوسط بشكل مختلف ، فالانفتاح على دول الخليج العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يدل بوضوح أن الصين تريد أن توفر بديلا لتزويدها بمصدر الطاقة في حال تطورت الأمور بشكل دراماتيكي فيما يتعلق ايران ، مثل هذا النهج يمكن أن ينبئ في الدور المحدود الذي يمكن أن تلعبه الصين لمنع أي تصعيد قادم ضد إيران سواء تعلق ذلك بالعقوبات المؤلمة أو بمواجهة عسكرية محدودة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق