الخميس، 30 أغسطس 2007

خصوصية الرأسمالية الصينية

صحيفة الخليج الاماراتية
توفيق المديني
تتقدم الصين الحديثة بين الشيوعية والرأسمالية. إذ أعلن هوباركلايس أن بنك الصين للتنمية، إحدى الأذرعة المالية لبكين دخل في رأسماله. وبذلك، أصبح الحزب الشيوعي الصيني مستثمرا في الزهرة المالية الدولية.
إن الرمز مؤثر ويكشف الدور الجديد الذي تريد الصين أن تلعبه على الصعيد الاقتصادي. قبل بضعة أيام، تم تعميم على أجهزة الإعلام أن النمو الصيني بلغ أكثر من 11%، وبهذه الوضعية تجاوزت الصين فرنسا وبريطانيا، وأزاحت ألمانيا، لكي تصبح القوة الاقتصادية العالمية الثالثة، خلف الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. وتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين هذه السنة 3،1 ترليون دولار مقابل أقل من 3 تريليونات لألمانيا.
ويكمن الخطر الرئيس الذي يواجه الاقتصادالصيني اليوم، في النمو المفرط. وإذا تمعنا في أرقام النموالمنشورة في 19 يوليو / تموز، للنصف الأول من سنة ،2007 فإن بكين ستضغط بقوة على دواسة الفرملة.
الماكينة الاقتصادية مستمرة في الدوران وفق نظام العمل بالكامل :فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 11،5% للنصف الأول من هذه السنة، وفضلا عن ذلك، ارتفع معدل النمو إلى 11،9%، خلال الأشهر الثانية من السنة، وهو الأهم منذ اثنتي عشرة سنة. وارتفعت الاستثمارات من الرأسمال الثابت بنحو 25،9% طيلة الفترة عينها، بينما ظل التضخم منسجما أكثر مما كنا نتخوف منه بمعدل 3،2% في النصف الأول من السنة، وحتى 4،4% في يونيو/ حزيران الماضي.
واتخذت الحكومة الصينية الموزعة بين الضرورة الاجتماعية والسياسية وبين تجنب مخاطر الإفراط في النمو إجراءات عدة هذه السنة، تهدف من خلالها الى تلطيف أجواء النشاط الاقتصادي: زيادتان متتاليتان لمعدلات الفائدة، خمس زيادات لمعدلات الاحتياطات الإلزامية للبنوك لتحديد القروض، والقيام بإصلاحات ضريبية لفرملة الصادرات.
ومنذ سنوات عدة والحكومة الصينية تتحدث عن ضرورة إعادة التوازن للنمو، ولكن من دون نتيجة تذكر. بيد أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. ويعتقد الخبراء أن هامش المناورة للحكومة الصينية لا يتجاوز السنتين. وحتى ذلك التاريخ، إذا لم يحصل أي تحرك، فإن الصين معرضة للصدمة الظرفية وتشكل فقاعة تضاربية خطيرة.
كل المؤشرات تؤكد أن الصين لا تزال بعيدة عن ضرورة “إعادة التوازن للنمو” المعلن من قبل السلطات الصينية، وذلك بسبب الدخول الهائل والمستمر لرؤوس الأموال، والفوائض التجارية التي ستبلغ 250 مليار دولار لسنة ،2007 ووجود اقتصاد يستمد قوته من الاستثمارات والصادرات.
على الصعيد الاقتصادي، تغيرت المعطيات في الصين خلال الشهور الأخيرة. هذا البلد، المقتنع بالرأسمالية، قرر أخيرا الاستفادة القصوى من مزاياها. وخرجت الصين من دورها الذي عرفت عنه كمصنع للعالم، تمتلك يدا عاملة رخيصة، لكي تصبح بلدا مستثمرا على صعيد عالمي. إنها تمتلك الوسائل لشراء الشركات الغربية. ففي نهاية مايو/ أيار الماضي، استأثرت شركة تابعة لقطاع الدولة في الصين بنحو 10% من بلاكستون، أكبر بنك أمريكي مهم للاستثمار.
كما أن احتياطات الصين من العملة الصعبة - 1،33 تريليون دولار في نهاية يونيو/ تموز الماضي التي كانت تستخدم لتمويل العجوزات الأمريكية، عن طريق التزامات الخزانة الأمريكية، هي مستثمرة من الآن فصاعدا في الشركات المتعددة الجنسيات. فهي تمثل الرسملة البورصية للثلاث شركات الأمريكية الأوائل: إيكسون، جنرال إلكتريك، ومايكروسوفت. وبالنسبة لمايكروسوفت وحدها، الفائض المنتظر من الاحتياطات في 2007 وفي ،2008 سوف يمكن الصين من شراء البنكين الأمريكيين العملاقين: سيتي غروب، وبنك أو أمريكا.
في الوقت الحاضر، لن تغامر بكين بمهاجمة رموز النجاح الأمريكي، فضلا عن أنه لحد الآن، الشركات الأجنبية ليس لديها إلا دخول محدود مع منافساتها الصينيات. وقد دفعت الصين ثمن الوطنية الاقتصادية لواشنطن: ففي يونيو ،2005 لم يسمح للشركة الوطنية الصينية أوفشور والكورب، شراء شركة أونوكال للسبب ذاته. وبحكم نزعتها البراغماتية، استوعبت الصين الدرس. ومن خلال اختيارها الدخول في رأسمال بلاكستون، فإنها لا تواجه مباشرة شركة أمريكية. وكذلك الأمر في أوروبا، فإنها تركز على باركلايس.
على نقيض باريس، أوبرلين، تتفاخر لندن من أنها تطبق الوطنية الاقتصادية، ومع ذلك، فهي تجلب الاستثمارات الأجنبية من كل حدٍ وصوبٍ. ولا تبدو بريطانيا قلقة من عدم شفافية الشركات الصينية، لا سيما البنوك التي كانت في قلب قضايا الفساد. وكانت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركيل قد نددت برؤوس الأموال المسروقة لدول أجنبية عدة.
والمفوض الأوروبي للتجارة بيتر مانديلسون، مؤيد لعمل مفوضية بروكسل “الذي سيضمن المراقبة الأوروبية للقطاعات الحيوية”. وعلى البلدان الغربية مطالبة بكين العمل بالمثل في مجال شفافية الحسابات أو انفتاح رأسمال شركاتها الخاصة.

ليست هناك تعليقات: