صحيفة الحياة
حسين عبدالحسين (صحافي مقيم في واشنطن)
لا تزال أهداف الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة تثير الريبة في نفوس بعض المسؤولين الاميركيين. وقام رئيس لجنة المصارف في مجلس الشيوخ السناتور كريس دود بتوجيه رسالة الى وزير الخزانة هنري بولسون ناشده فيها الحرص على مراقبة الاموال الاجنبية المستثمرة في البلاد، خوفاً من ان تؤثر هذه الاستثمارات سلباً على ما يسميه الاميركيون الامن الوطني.
و لا يمكن فهم الريبة الاميركية من الاموال الصينية الا على خلفية التنافس السياسي بين البلدين، اذ لا تثير الاموال الاوروبية او اليابانية المستثمرة في الولايات المتحدة اي قلق لدى الاميركيين، فاليابان تكتتب ترليون دولار في سندات الخزينة الاميركية، إضافة إلى الشركات ذات رأس المال الياباني التي تعمل في البلاد، بينما تأتي الصين في المرتبة الثانية بين الدول الدائنة للولايات المتحدة (850 بليون دولار) لكنها تدفع السياسيين الاميركيين الى ابداء معارضة كبيرة لتوسيع الديون او لزيادة الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة.
وبدأت المعارضة الاميركية منذ بضع سنوات، حين اعترض الكونغرس على محاولة من شركة «سينوك» الصينية لشراء شركة البترول الاميركية «يونيكال» بـ 18 بليون دولار في عام 2005، ما حدا بالشركة الصينية الى سحب عرضها لكن العروض الصينية لم تتوقف، فحاولت شركة «هاوي» شراء شركة «ماكاروني» المعروفة للاتصالات ببليون دولار.
وترافقت هذه العروض الصينية المتوالية للاستثمار في الولايات المتحدة مع اصدار مكتب الاحصاءات في وزارة التجارة الاميركية تقريراً اشار الى انخفاض في الفارق بين مجموع الاستثمارات الاميركية خارج البلاد والاستثمارات الخارجية في الولايات المتحدة يقدر بـ 301 بليون و300 مليون دولار عام 2006.
وبحسب التقرير الذي صدر منذ اشهر قليلة، بلغ الفارق بين نوعي الاستثمارات في نهاية عام 2006 2،539 بليون دولار، يقابله 2،238 بليون دولار في نهاية العام 2005. ويضيف التقرير ان حجم الاصول الاميركية حول العالم بلغ 13.755 بليون دولار في نهاية العام الماضي، يقابله 11.576 بليون للعام 2005. بينما ازدادت الاصول الاجنبية داخل الولايات المتحدة بنسبة اكبر اذ ارتفعت من 13.814 بليون دولار نهاية عام 2005 الى 16.294 بليون نهاية العام الماضي.
هذا التقرير، الذي اشار الى تحسن حظوظ الاقتصادات الاخرى في وجه الاقتصاد الاميركي، جمع حوله السياسيين الاميركيين من المعسكرين الجمهوري والديموقراطي، على رغم انقسامهم الحاد في شتى الامور الاخرى تقريباً. وقدم سناتور ولاية كونيتيكيت الديموقراطي دود بسن قانوناً اطلق عليه اسم «الاستثمارت الاجنبية والامن الوطني لعام 2007»، اقترح بموجبه تشكيل لجنة للرقابة على الاستثمارات الخارجية في البلاد. وتتضمن مهام هذه اللجنة الاشراف على دخول الاستثمارات الى البلاد والموافقة على بيع الاصول الاميركية الى مواطنين اجانب، بحسب اهمية هذه الشركات من النواحي العلمية والتكنولوجية والطبية والعسكرية والمعلوماتية وهذه كلها لا يجوز بيعها فيما لا ضير من بيع شركات الخدمات على سبيل المثال.
ومن نافل القول، ان في ظل الاستنفار الاميركي السياسي الكامل لمواجهة غزو الاستثمارات الاجنبية، قام الرئيس جورج بوش بتوقيع القانون على وجه السرعة فاصبح نافذاً يعمل به منذ تموز (يوليو) الماضي.
الا ان القلق الاميركي، بخاصة لدى السياسيين الحريصين على استمرار تفوق بلادهم الاقتصادي، لم ينته حتى اليوم، فيما يحاول بعض الاقتصاديين في العاصمة الاميركية التقليل من شأن هذه التهديدات للاقتصاد الاميركي بالقول ان من الطبيعي لرؤوس الاموال الصينية الانتقال من الاقتصاد الصيني الشديد التنافس، في ظل وجود يد عاملة رخيصة وغياب القوانين الناظمة لسير التنافس، خصوصاً القوانين التي ترعى الملكية الفكرية، الى الاقتصاد الاميركي الاقل تنافساً والاكثر حماية لهذه الاستثمارات على المدى الطويل.
لكن حتى هؤلاء الاقتصاديين الاقل حذراً، لم يتخلوا عن فكرة ضرورة ابقاء الحمايات الاميركية للصناعات والزراعات التي تصنف ضرورية للامن الوطني، مثل زراعة القمح او الصناعات الطبية والصناعات الثقيلة كصناعات الاسلحة، وهي كلها قطاعات ترفض الولايات المتحدة، بجميع تلاوينها السياسية، ان تعتمد للحصول عليها على مصادر خارجية حتى لو ادى الحفاظ عليها الى تكبيد الاقتصاد الاميركي خسائر اقتصادية، فأميركا، بحسب اعتقاد هؤلاء، تخسر مرونتها ورؤيتها للتنافس بحسب اقتصاد السوق عندما يتعلق الامر بالأمن القومي للبلاد.
ولكن هل تتساهل واشنطن مع بكين، اذا اصبحت الاخيرة في عداد الدول الصديقة او الحليفة؟ ام ان السياسيين سيفرضون حذرهم على الاقتصاديين بسبب الريبة من القوة الصينية الصاعدة التي تهدد انفراد الولايات المتحدة بالاقتصاد العالمي وغالباً بتحديد مساره؟
هذه الاسئلة وغيرها سيحدد الإجابة عنها مستقبل العلاقات، الاقتصادية، بين الولايات المتحدة والصين والتي لا تبدو في افضل حالاتها منذ مطلع العام الحالي على الاقل.
حسين عبدالحسين (صحافي مقيم في واشنطن)
لا تزال أهداف الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة تثير الريبة في نفوس بعض المسؤولين الاميركيين. وقام رئيس لجنة المصارف في مجلس الشيوخ السناتور كريس دود بتوجيه رسالة الى وزير الخزانة هنري بولسون ناشده فيها الحرص على مراقبة الاموال الاجنبية المستثمرة في البلاد، خوفاً من ان تؤثر هذه الاستثمارات سلباً على ما يسميه الاميركيون الامن الوطني.
و لا يمكن فهم الريبة الاميركية من الاموال الصينية الا على خلفية التنافس السياسي بين البلدين، اذ لا تثير الاموال الاوروبية او اليابانية المستثمرة في الولايات المتحدة اي قلق لدى الاميركيين، فاليابان تكتتب ترليون دولار في سندات الخزينة الاميركية، إضافة إلى الشركات ذات رأس المال الياباني التي تعمل في البلاد، بينما تأتي الصين في المرتبة الثانية بين الدول الدائنة للولايات المتحدة (850 بليون دولار) لكنها تدفع السياسيين الاميركيين الى ابداء معارضة كبيرة لتوسيع الديون او لزيادة الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة.
وبدأت المعارضة الاميركية منذ بضع سنوات، حين اعترض الكونغرس على محاولة من شركة «سينوك» الصينية لشراء شركة البترول الاميركية «يونيكال» بـ 18 بليون دولار في عام 2005، ما حدا بالشركة الصينية الى سحب عرضها لكن العروض الصينية لم تتوقف، فحاولت شركة «هاوي» شراء شركة «ماكاروني» المعروفة للاتصالات ببليون دولار.
وترافقت هذه العروض الصينية المتوالية للاستثمار في الولايات المتحدة مع اصدار مكتب الاحصاءات في وزارة التجارة الاميركية تقريراً اشار الى انخفاض في الفارق بين مجموع الاستثمارات الاميركية خارج البلاد والاستثمارات الخارجية في الولايات المتحدة يقدر بـ 301 بليون و300 مليون دولار عام 2006.
وبحسب التقرير الذي صدر منذ اشهر قليلة، بلغ الفارق بين نوعي الاستثمارات في نهاية عام 2006 2،539 بليون دولار، يقابله 2،238 بليون دولار في نهاية العام 2005. ويضيف التقرير ان حجم الاصول الاميركية حول العالم بلغ 13.755 بليون دولار في نهاية العام الماضي، يقابله 11.576 بليون للعام 2005. بينما ازدادت الاصول الاجنبية داخل الولايات المتحدة بنسبة اكبر اذ ارتفعت من 13.814 بليون دولار نهاية عام 2005 الى 16.294 بليون نهاية العام الماضي.
هذا التقرير، الذي اشار الى تحسن حظوظ الاقتصادات الاخرى في وجه الاقتصاد الاميركي، جمع حوله السياسيين الاميركيين من المعسكرين الجمهوري والديموقراطي، على رغم انقسامهم الحاد في شتى الامور الاخرى تقريباً. وقدم سناتور ولاية كونيتيكيت الديموقراطي دود بسن قانوناً اطلق عليه اسم «الاستثمارت الاجنبية والامن الوطني لعام 2007»، اقترح بموجبه تشكيل لجنة للرقابة على الاستثمارات الخارجية في البلاد. وتتضمن مهام هذه اللجنة الاشراف على دخول الاستثمارات الى البلاد والموافقة على بيع الاصول الاميركية الى مواطنين اجانب، بحسب اهمية هذه الشركات من النواحي العلمية والتكنولوجية والطبية والعسكرية والمعلوماتية وهذه كلها لا يجوز بيعها فيما لا ضير من بيع شركات الخدمات على سبيل المثال.
ومن نافل القول، ان في ظل الاستنفار الاميركي السياسي الكامل لمواجهة غزو الاستثمارات الاجنبية، قام الرئيس جورج بوش بتوقيع القانون على وجه السرعة فاصبح نافذاً يعمل به منذ تموز (يوليو) الماضي.
الا ان القلق الاميركي، بخاصة لدى السياسيين الحريصين على استمرار تفوق بلادهم الاقتصادي، لم ينته حتى اليوم، فيما يحاول بعض الاقتصاديين في العاصمة الاميركية التقليل من شأن هذه التهديدات للاقتصاد الاميركي بالقول ان من الطبيعي لرؤوس الاموال الصينية الانتقال من الاقتصاد الصيني الشديد التنافس، في ظل وجود يد عاملة رخيصة وغياب القوانين الناظمة لسير التنافس، خصوصاً القوانين التي ترعى الملكية الفكرية، الى الاقتصاد الاميركي الاقل تنافساً والاكثر حماية لهذه الاستثمارات على المدى الطويل.
لكن حتى هؤلاء الاقتصاديين الاقل حذراً، لم يتخلوا عن فكرة ضرورة ابقاء الحمايات الاميركية للصناعات والزراعات التي تصنف ضرورية للامن الوطني، مثل زراعة القمح او الصناعات الطبية والصناعات الثقيلة كصناعات الاسلحة، وهي كلها قطاعات ترفض الولايات المتحدة، بجميع تلاوينها السياسية، ان تعتمد للحصول عليها على مصادر خارجية حتى لو ادى الحفاظ عليها الى تكبيد الاقتصاد الاميركي خسائر اقتصادية، فأميركا، بحسب اعتقاد هؤلاء، تخسر مرونتها ورؤيتها للتنافس بحسب اقتصاد السوق عندما يتعلق الامر بالأمن القومي للبلاد.
ولكن هل تتساهل واشنطن مع بكين، اذا اصبحت الاخيرة في عداد الدول الصديقة او الحليفة؟ ام ان السياسيين سيفرضون حذرهم على الاقتصاديين بسبب الريبة من القوة الصينية الصاعدة التي تهدد انفراد الولايات المتحدة بالاقتصاد العالمي وغالباً بتحديد مساره؟
هذه الاسئلة وغيرها سيحدد الإجابة عنها مستقبل العلاقات، الاقتصادية، بين الولايات المتحدة والصين والتي لا تبدو في افضل حالاتها منذ مطلع العام الحالي على الاقل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق