صحيفة السفير اللبنانية
مايسة عواد
يرن جرس الهاتف وأنت تنتظر على الطرف الآخر من الخط. يأتيك الجواب باللغة الصينية. هو بالضبط ما «تخشاه» مع انك تعلم أنك تتصل بوكالة «شينخوا»، أي فرع وكالة الأنباء الصينية في لبنان.
لا تدوم «الخشية» طويلاً. يبادرك مدير مكتب الوكالة بان لي ون بعبارة «السلام عليكم» متكفلاً بإنهاء القطيعة اللغوية، وممهداً لمقابلة في مكتب الوكالة في الرملة البيضاء.
يستقبل لي ون ضيوفه، بمكتب يشبه المنزل. يتنقل سريعاً بين غرفة تحتوي ثلاثة أجهزة كومبيوتر، طابعة والكثير من الملفات والمعدات التلفزيونية، وبين صالون يستقبل ضيوفه بكوب من شاي الياسمين الصيني.
تربك اللهجة اللبنانية لي ون بعض الشيء «اللكنات العربية معقدة جداً بالنسبة إلي» يقولها بالفصحى ضاحكاً، معدداً أحرفاً يعاني الصينيون كثيراً قبل ان يتقنوا لفظها، هذا إذا أزحنا جانباً ما يسميه «معضلة» النحو العربي وتصريف الأفعال.
لكن بعيداً من تعقيدات اللغة العربية، ما الذي أحضر رجلاً من أرض كونفوشيوس ليغطي تعقيدات بلد جبران خليل جبران؟ وكيف انتقل لي ون من أرض سور الصين العظيم إلى تلك البقعة الصغيرة الهادئة بين الضاحية وفردان؟
تشكل الثورة الثقافية الكبرى التي عرفتها الصين نقطة الانطلاق في حياة مدير مكتب وكالة «شينخوا»: «كانت الصين ولا تزال بلداً داعماً للقضية الفلسطينية، كثرت النشاطات السياسية حول المنطقة في تلك الفترة، وكانت حشريتي كبيرة. تعلمت اللغة العربية مدة ثلاث سنوات في الجامعة مع أساتذة صينيين وعرب، ثم انتقلت إلى العمل الصحافي في العديد من البلدان العربية».
هكذا أمضى لي ون حوالى أربع سنوات ونصف سنة في الأردن، خمس سنوات في الإمارات، سنتين في السودان، كما عمل في قطر وعمان وسوريا، إضافة إلى تجربة كانت قصيرة في الأمم المتحدة في نيويورك تزامنت مع أحداث الحادي عشر من أيلول، يعتبرها مجرد تجربة قصيرة.
أتى لي ون إلى لبنان منذ أربع سنوات تحديداً، لكن التقلبات اللبنانية السريعة لم تسهل مهمته مع انه قادم من بلد لا ينقصه التنوع كونه يضم 56 قومية مختلفة: «قبل ان آتي اطلعت على الكثير مما كتب في الصحف والمجلات، لكني اكتشفت ان ذلك لا يكفي بسبب التعقيدات الكبيرة والانقسام السياسي حتى داخل الطائفة الواحدة، هذا الانقسام يعقد كتابة الأخبار نظراً لصعوبة فهم حقيقة المواقف وخلفياتها». ويتابع شارحاً الفارق بين لبنان والدول العربية «هنا لا نستطيع ان نعرف كل الحقيقة والخلفيات، مع انه من السهل الحصول على الكثير من المقابلات والأراء المتعددة بسبب الحرية المتوافرة. نلجأ إلى شبكة علاقات مع الصحافيين والسياسيين في أوساط مختلفة من المجتمع اللبناني، إضافة إلى أخبار الوكالة الوطنية، ما تنشره الصحف والشاشات، وطبعاً المقابلات الخاصة التي تجريها وكالة «شينخوا»، أما في بعض الدول العربية كنا نجبر على الاعتماد على مصدر وحيد للمعلومات».
يؤكد لي ون ان الصينيين مهتمون كثيراً بأخبار لبنان: «منذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري والتلفزيونات والاذاعات الصينية تلاحق المستجدات اللبنانية وتطالب بالمعلومات بكثافة».
إضافة إلى جريمة اغتيال الرئيس الحريري يتوقف لي ون عند تجربته أثناء الحرب، بعدما أصر على البقاء في لبنان «كنت أرى قاذفات البوارج، والأصوات كانت قريبة جداً نظراً إلى قربي من الضاحية، المغادرة في هذه الظروف تشبه مغادرة الجندي لأرض المعركة، هذا عملي وانا طلبت ان أبقى هنا، علاوة على ان الهاتف لم يتوقف عن الرنين نظراً لحاجة التلفزيونات والإذاعات الصينية إلى المزيد من الأخبار».. هكذا لم يغادر لي ون وزوجته، مكتفياً بالعمل والنوم بعيداً عن النوافذ، ليجد نفسه مرهقاً تماماً بعد أيام من العمل المتواصل، فما كان منه إلا ان طلب من زوجته ان تصبح شريكة في عمله مدة عشرين دقيقة فقط كي يتسنى له النوم بينما تقوم هي بإرسال الصور.
وعلى الرغم من اعجاب لي ون الواضح بطبيعة لبنان ونمط الحياة والحرية فيه، وهو ما يحرص على ان ينقله عبر تقارير سياحية وبيئية، إلا ان غياب التسهيلات للصحافيين تضايقه بشكل واضح «نحن نقبض راتبنا من الحكومة الصينية، ولا نأخذ فرص عمل من أمام اللبنانيين، ومع ذلك نحن مجبورون على ان ندفع سنوياً حوالى ثلاثة ألاف دولار من أجل إجازة العمل والإقامة وغيرها».
مايسة عواد
يرن جرس الهاتف وأنت تنتظر على الطرف الآخر من الخط. يأتيك الجواب باللغة الصينية. هو بالضبط ما «تخشاه» مع انك تعلم أنك تتصل بوكالة «شينخوا»، أي فرع وكالة الأنباء الصينية في لبنان.
لا تدوم «الخشية» طويلاً. يبادرك مدير مكتب الوكالة بان لي ون بعبارة «السلام عليكم» متكفلاً بإنهاء القطيعة اللغوية، وممهداً لمقابلة في مكتب الوكالة في الرملة البيضاء.
يستقبل لي ون ضيوفه، بمكتب يشبه المنزل. يتنقل سريعاً بين غرفة تحتوي ثلاثة أجهزة كومبيوتر، طابعة والكثير من الملفات والمعدات التلفزيونية، وبين صالون يستقبل ضيوفه بكوب من شاي الياسمين الصيني.
تربك اللهجة اللبنانية لي ون بعض الشيء «اللكنات العربية معقدة جداً بالنسبة إلي» يقولها بالفصحى ضاحكاً، معدداً أحرفاً يعاني الصينيون كثيراً قبل ان يتقنوا لفظها، هذا إذا أزحنا جانباً ما يسميه «معضلة» النحو العربي وتصريف الأفعال.
لكن بعيداً من تعقيدات اللغة العربية، ما الذي أحضر رجلاً من أرض كونفوشيوس ليغطي تعقيدات بلد جبران خليل جبران؟ وكيف انتقل لي ون من أرض سور الصين العظيم إلى تلك البقعة الصغيرة الهادئة بين الضاحية وفردان؟
تشكل الثورة الثقافية الكبرى التي عرفتها الصين نقطة الانطلاق في حياة مدير مكتب وكالة «شينخوا»: «كانت الصين ولا تزال بلداً داعماً للقضية الفلسطينية، كثرت النشاطات السياسية حول المنطقة في تلك الفترة، وكانت حشريتي كبيرة. تعلمت اللغة العربية مدة ثلاث سنوات في الجامعة مع أساتذة صينيين وعرب، ثم انتقلت إلى العمل الصحافي في العديد من البلدان العربية».
هكذا أمضى لي ون حوالى أربع سنوات ونصف سنة في الأردن، خمس سنوات في الإمارات، سنتين في السودان، كما عمل في قطر وعمان وسوريا، إضافة إلى تجربة كانت قصيرة في الأمم المتحدة في نيويورك تزامنت مع أحداث الحادي عشر من أيلول، يعتبرها مجرد تجربة قصيرة.
أتى لي ون إلى لبنان منذ أربع سنوات تحديداً، لكن التقلبات اللبنانية السريعة لم تسهل مهمته مع انه قادم من بلد لا ينقصه التنوع كونه يضم 56 قومية مختلفة: «قبل ان آتي اطلعت على الكثير مما كتب في الصحف والمجلات، لكني اكتشفت ان ذلك لا يكفي بسبب التعقيدات الكبيرة والانقسام السياسي حتى داخل الطائفة الواحدة، هذا الانقسام يعقد كتابة الأخبار نظراً لصعوبة فهم حقيقة المواقف وخلفياتها». ويتابع شارحاً الفارق بين لبنان والدول العربية «هنا لا نستطيع ان نعرف كل الحقيقة والخلفيات، مع انه من السهل الحصول على الكثير من المقابلات والأراء المتعددة بسبب الحرية المتوافرة. نلجأ إلى شبكة علاقات مع الصحافيين والسياسيين في أوساط مختلفة من المجتمع اللبناني، إضافة إلى أخبار الوكالة الوطنية، ما تنشره الصحف والشاشات، وطبعاً المقابلات الخاصة التي تجريها وكالة «شينخوا»، أما في بعض الدول العربية كنا نجبر على الاعتماد على مصدر وحيد للمعلومات».
يؤكد لي ون ان الصينيين مهتمون كثيراً بأخبار لبنان: «منذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري والتلفزيونات والاذاعات الصينية تلاحق المستجدات اللبنانية وتطالب بالمعلومات بكثافة».
إضافة إلى جريمة اغتيال الرئيس الحريري يتوقف لي ون عند تجربته أثناء الحرب، بعدما أصر على البقاء في لبنان «كنت أرى قاذفات البوارج، والأصوات كانت قريبة جداً نظراً إلى قربي من الضاحية، المغادرة في هذه الظروف تشبه مغادرة الجندي لأرض المعركة، هذا عملي وانا طلبت ان أبقى هنا، علاوة على ان الهاتف لم يتوقف عن الرنين نظراً لحاجة التلفزيونات والإذاعات الصينية إلى المزيد من الأخبار».. هكذا لم يغادر لي ون وزوجته، مكتفياً بالعمل والنوم بعيداً عن النوافذ، ليجد نفسه مرهقاً تماماً بعد أيام من العمل المتواصل، فما كان منه إلا ان طلب من زوجته ان تصبح شريكة في عمله مدة عشرين دقيقة فقط كي يتسنى له النوم بينما تقوم هي بإرسال الصور.
وعلى الرغم من اعجاب لي ون الواضح بطبيعة لبنان ونمط الحياة والحرية فيه، وهو ما يحرص على ان ينقله عبر تقارير سياحية وبيئية، إلا ان غياب التسهيلات للصحافيين تضايقه بشكل واضح «نحن نقبض راتبنا من الحكومة الصينية، ولا نأخذ فرص عمل من أمام اللبنانيين، ومع ذلك نحن مجبورون على ان ندفع سنوياً حوالى ثلاثة ألاف دولار من أجل إجازة العمل والإقامة وغيرها».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق