الخميس، 25 أكتوبر 2007

عملية الإصلاح في الصين .. ماذا أبقى دنغ شياو بنغ من كونفوشيوس؟

صحيفة تشرين السورية
د. مهدي دخل الله
عند التحليل والتقويم ليست الأحداث مهمة بقدر الذهنية التي تقود هذه الأحداث وتوجهها... فالتاريخ تصنعه الذهنيات.. أما الأحداث فتمثل الجانب الأداتي الظاهراتي، للتاريخ..
الإصلاح في الصين يجري على قدم وساق، والمؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الحاكم أقر «التنمية العلمية» برنامجاً إصلاحياً نوعياً.
وكل من زار الصين يلاحظ التطور المذهل في صور الحياة العامة العاصمة بيجينغ لم تعد تختلف عن نيويورك أو لندن إلا «بمدينتها المحرمة» وبعض الأبنية التقليدية. ‏
فماذا أبقى دنغ شياوبنغ من كونفوشيوس ؟ ‏
لنبدأ بكونفوشيوس: إصلاحي ومعلم من القرن السادس قبل الميلاد، وضع أسس الثقافة الصينية التقليدية جامعاً بين فلسفة الطبيعة وفلسفة المجتمع والسلطة. ‏
ثورة كونفوشيوس كانت تجديدية في ذلك الزمن الغابر، لكنها أضحت تقليدية مع مرور الزمن وخاصة أنها تركز على المفاهيم الجبرية والطاعة الإنسانية المطلقة للسلطة. ‏
وعلى الرغم من ايجابيات الثقافة الكونفوشية التي تعلم الإنسان الالتزام بالجماعة والنظام والأخلاق والانضباط، إلا أنها لم تعد تناسب تطور الحياة والواقع، وخاصة بعد الثورات العلمية والتكنولوجية المتتالية، التي تركز على «سلطة قوانين العلم» مقابل «سلطة الطبيعة» وعلى «سلطة الإرادة والحرية» مقابل «سلطة الجبر» المجتمعي والسياسي. ‏
وبوجه عام، استفادت الثورة الشيوعية في عهد ماوتسي تونغ من هذا البعد الجبري، الانضباطي الذي ينفي الفردية والحرية في الثقافة الكونفوشيه، لكن المرحلة اللاحقة من التطور كانت تتطلب ذهنية أخرى.. ‏
قام دنغ شياوينغ عام 1978 برسم ملامح « لذهنية جديدة» عصرية لتطوير الصين، المثير أن هذا الإصلاح سبق البيروسترويكا السوفييتية بعشرة أعوام، لكنه بقي إصلاحاً هادئاً يتناسب مع حكمة الأمة الصينية وهدوئها. ‏
حملت الذهنية الجديدة مرتكزات عصرية مثل السوق والرخاء والجدوى والقوانين الاقتصادية والتكنولوجيا وغير ذلك من المفاهيم السائدة في الغرب، وكان من الطبيعي أن يتراجع المصطلحان الأخلاقيان الكبيران اللذان ارتكزت عليهما الكونفوشية، مصطلح الرحمة ومصطلح الطقوس.. وهما أيضاً مصطلحان استندت إليهما الثورة الماوية في الخمسينات والستينات. ‏
كانت الرحمة عند كونفوشيوس تعني مشاعر الحب الواسع للإنسان، وعند ماو تعني المساواة المطلقة بين الناس بغض النظر عن إسهامهم الفردي، أما الطقوس فكانت تعني عند كونفوشيوس المبادئ الأخلاقية وآداب السلوك العام، وعند ماو هي الانضباط الكامل لسلطة الحزب وخطته. ‏
إنها مصطلحات غريبة عن الاقتصاد المعاصر وآليات السوق التي تهمها الجدوى والمنفعة أكثرمن الرحمة والسلوك الأخلاقي. ‏
أما الرمز السري فهو «العلم» والثورة العلمية والتكنولوجية، أما الحزب فعليه أن يستمر في منع «وحش السوق» من أخذ الناس إلى المحرقة وأن يضفي شيئاً من «الرحمة» الكونفوشية و«المساواة» الماوية على الذهنية الليبرالية المعاصرة. ‏

ليست هناك تعليقات: