صحيفة البيان الإماراتية
بقلم :د. فاطمة البريكي
ما مدى صلاحية اللغة العربية لتمثيل الوجود العربي على شبكة الإنترنت؟ هذا سؤال واسع وفضفاض جدا، لكن إجابته ليس مستحيلة، خصوصا لو عرفنا أن بواكير هذا الحلم قد بدأت في التحقق منذ نهاية الألفية السابقة، وظهرت نتائجها مع لغات أخرى غير العربية خلال الألفية الحالية. كما أن صلاحية اللغة العربية ستبدو -نظريا- ممكنة جدا إذا عرفنا أن اللغة الصينية -مثلا- واحدة من اللغات التي نجحت في دخول الشبكة، ليس فقط من حيث الموادّ النصية المُدخلة في المواقع، بل من حيث إمكانية كتابة أسماء المواقع ذاتها أو ما يُعرف بأسماء النطاق بها، وهذا إنجاز كبير يُحسب للغة الصينية تحديدا، لأنها من أكثر اللغات تعقيدًا.
يكفي أن نعرف أن اللغة الصينية القديمة تتضمن (13500) حرف، وقد أُدخلت عليها الكثير من التبسيطات والتعديلات حتى ظهرت في قوائم مختصرة ومبسطة تتضمن (6500) حرف، كما يُذكر أن عدد حروفها المستخدمة تقريبا هو (3000) حرف، وهذا أحد مظاهر تعقيد اللغة الصينية.
ومن المظاهر الأخرى التي تعكس صعوبة اللغة الصينية وتعقيدها أن حروفها لا تمثل مجرد أصوات لغوية، إنما تمثل مفاهيم، وأفكارا، ومواضيع. أي أن حروف اللغة الصينية أقرب إلى الرسم منها إلى الكتابة، وهذا ما يزيدها تعقيدا مقارنة بغيرها من الأبجديات الأخرى.
إن نجاح اللغة الصينية في اختراق حاجز الحوسبة، وولوجها هذا الفضاء الذي كان حكرا على اللغات المعتمدة على الألفبائية اللاتينية بدرجة أساسية، يعدّ إنجازا حقيقيا يحق للصين وللصينيين جميعا أن يفاخروا به، ليزيدوا مصادر فخرهم الكثيرة مصدرا إضافيا له ثقل كبير.
ولعل النشاط الصيني على الشبكة يحتاج إلى تسليط الضوء عليه قليلاً، لأن هذا الأخطبوط الذي يكاد يلف العالم بصمت النمل وهدوئه واجتهاده يبدو وكأنه يريد أن يمثل أنموذجا للنجاح المعتمد على العمل الدؤوب، مؤكدا أن السعي الجاد، والإرادة الحقيقية، والعمل المستمر، لا بد أن يثمروا، حتى إن طال الزمن.
في عام (2005م) ظهرت لأول مرة على الإنترنت النسخة الصينية من نشرة الأعمال الأسبوعية التي تنشرها كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا.
في مايو (2006م) ذكرت وكالة أنباء شينخوا أن الصين تعتزم إطلاق موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت في العام نفسه، لتقديم دروس لتعليم اللغة الصينية والمواد الملحقة على شبكة الإنترنت، لدعم انتشار تعلم اللغة الصينية حول العالم.
وفي شهر يوليو (2006م) أصبح الموقع قائما بالفعل، باللغتين الصينية والإنجليزية، ويستعد لتقديم مادته أيضا باللغتين الكورية واليابانية. وهو يبلي بلاء حسنا في سبيل التعريف بالثقافة والحضارة الصينية، من أجل نشر اللغة الصينية في المقام الأول، وبيان إنجازات الشعب الصيني في مختلف المجالات في المقام الثاني.
وبعد هذا النشاط كله أثمرت جهود الصينيين خيرًا، وجاء اليوم الذي أصبحت فيه أسماء النطاقات الخاصة بالمواقع الإلكترونية مكتوبة باللغة الصينية، التي يصعب حفظ عدد حروف أبجديتها، ناهيك عن حفظ الأبجدية نفسها، أو حفظ أشكال كتابتها، لكنهم تخطوا هذه العوائق والعقبات، ولم يجعلوا منها حاجزا يقف بينهم وبين تحقيق مبتغاهم بتوفير شبكة الإنترنت أمام جميع أفراد الشعب الصيني بلا استثناء، وعدم جعلها حكرًا على من يعرف الأبجدية الإنجليزية منهم فقط.
وقد عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية قبل أيام برنامجًا عن هذا الموضوع، تحدث فيه عدد من الصينيين عن سعادتهم بتعاملهم مع شبكة الإنترنت دون وقوف اللغة عقبة في طريقهم، وقد ذكر عدد غير قليل ممن تحدثوا في تلك الحلقة بأنهم لا يعرفون الإنجليزية، ولا يحفظون أبجديتها، وأن توفر شبكة الإنترنت لهم باللغة الصينية، وهي لغتهم الأم، سهّل عليهم الأمر كثيرا، وأصبحوا يتعاملون معها ومع المواد التي تتضمنها بالألفة ذاتها التي يتعاملون بها مع كتاب مكتوب بلغتهم.
وبعد هذا العرض السريع والمختصر عن التجربة الصينية على الشبكة العنكبوتية، يطل سؤال مرير برأسه: ما الذي يمنعنا من رؤية أسماء المواقع الإلكترونية (أسماء النطاق) مكتوبة باللغة العربية؟ هل اللغة العربية أكثر تعقيدا في أبجديتها من اللغة الصينية؟ لا أعتقد ذلك، لكن كما نقول دائما، ليست المشكلة في اللغة بقدر ما هي في أهل اللغة الذين لا يجهدون أنفسهم في سبيلها.
ومع أن أحلام ما يسمى بـ (عَوْرَبَة الإنترنت) بدأت في الظهور منذ نهاية الألفية السابقة، حين تأسست منظمة أسماء الإنترنت متعددة اللغات (MINC)، وقد كان ذلك في عام (1999م)، ثم تم بعد ذلك تأسيس الائتلاف العربي لأسماء الإنترنت (AINC) في العام نفسه، إلا أن النتائج لم تظهر فعليًا حتى الآن؛ فنحن لا نزال نستعمل أسماء النطاق باللغة الإنجليزية -في دول المشرق العربي- ولم تفلح المحاولات التي نقوم بها للدخول إلى أحد المواقع بكتابة أسماء النطاق بالحروف العربية حتى الآن على الرغم من أننا تجاوزنا عتبة السنة السابعة من الألفية الثالثة.
في أحد الحوارات ذكر الأستاذ جار الله الجار الله، الرئيس التنفيذي لشركة (Native Names) التي تقدم للمرة الأولى على الإنترنت خدمة تسجيل أسماء النطاق باللغة العربية بتقنية معتمدة دولياً ومتوافقة مع جميع أنظمة التشغيل، دون الحاجة لإجراء أي تغييرات في متصفح المستخدم، أن كل ما سنحتاج له هو تسجيل اسم الموقع باللغة العربية في المتصفح كما يتم نطقه تماما.
وهذه هي الخطوة الأولى لتصبح اللغة العربية من لغات الإنترنت المعتمدة رسمياً. ولكن الأمثلة التي ذكرها ووضع روابطها غير فعّالة، ومهما حاولنا من أجل الوصول إلى موقع ما بكتابة اسم النطاق بحروف عربية فإن محاولاتنا تبوء بالفشل، ويكون الأسهل من تلك العملية القيام بالبحث عن الموقع باللغة الإنجليزية.
وفي ختام حديثه، ذكر الجار الله أن خدمة تقديم الإنترنت بجميع اللغات العالمية لها بعد حضاري وعالمي حيث إن اللغات هي إحدى صور تمثيل الحضارات، وأن وجود اللغة العربية على الإنترنت أمر مهم جدا لكي نمثل مجتمعاتنا وحضارتنا على الشبكة من جهة، وكي لا تكون اللغة حاجزًا يقف بين أفراد المجتمع بفئاتهم المختلفة وشبكة الإنترنت، يمنعهم من الإفادة منها إفادة حقيقية من جهة أخرى.
ولكن الواقع هو أن السنوات تمضي، وغيرنا من الشعوب يغذّ السير حثيثًا نحو تقديم نفسه ولغته وثقافته وحضارته، ونحن لا نزال نراوح في أماكننا، لم نتحرك قيد أنملة، ولا نزال نسمع كلامًا يبعث فينا التفاؤل حينًا، لكنه لا يلبث أن ينطفئ بعد أن يطول القول، دون أن يظهر الفعل.إننا في حاجة إلى الموازنة بين أحلامنا وإمكانياتنا، دون أن نجعل أحدهما يطغى على الآخر، أو أن يؤثر عليه. وعلينا أن نتذكر دائمًا أن إمكانياتنا الفعلية ليست بسيطة، ولكن تنقصنا الهمة.
بقلم :د. فاطمة البريكي
ما مدى صلاحية اللغة العربية لتمثيل الوجود العربي على شبكة الإنترنت؟ هذا سؤال واسع وفضفاض جدا، لكن إجابته ليس مستحيلة، خصوصا لو عرفنا أن بواكير هذا الحلم قد بدأت في التحقق منذ نهاية الألفية السابقة، وظهرت نتائجها مع لغات أخرى غير العربية خلال الألفية الحالية. كما أن صلاحية اللغة العربية ستبدو -نظريا- ممكنة جدا إذا عرفنا أن اللغة الصينية -مثلا- واحدة من اللغات التي نجحت في دخول الشبكة، ليس فقط من حيث الموادّ النصية المُدخلة في المواقع، بل من حيث إمكانية كتابة أسماء المواقع ذاتها أو ما يُعرف بأسماء النطاق بها، وهذا إنجاز كبير يُحسب للغة الصينية تحديدا، لأنها من أكثر اللغات تعقيدًا.
يكفي أن نعرف أن اللغة الصينية القديمة تتضمن (13500) حرف، وقد أُدخلت عليها الكثير من التبسيطات والتعديلات حتى ظهرت في قوائم مختصرة ومبسطة تتضمن (6500) حرف، كما يُذكر أن عدد حروفها المستخدمة تقريبا هو (3000) حرف، وهذا أحد مظاهر تعقيد اللغة الصينية.
ومن المظاهر الأخرى التي تعكس صعوبة اللغة الصينية وتعقيدها أن حروفها لا تمثل مجرد أصوات لغوية، إنما تمثل مفاهيم، وأفكارا، ومواضيع. أي أن حروف اللغة الصينية أقرب إلى الرسم منها إلى الكتابة، وهذا ما يزيدها تعقيدا مقارنة بغيرها من الأبجديات الأخرى.
إن نجاح اللغة الصينية في اختراق حاجز الحوسبة، وولوجها هذا الفضاء الذي كان حكرا على اللغات المعتمدة على الألفبائية اللاتينية بدرجة أساسية، يعدّ إنجازا حقيقيا يحق للصين وللصينيين جميعا أن يفاخروا به، ليزيدوا مصادر فخرهم الكثيرة مصدرا إضافيا له ثقل كبير.
ولعل النشاط الصيني على الشبكة يحتاج إلى تسليط الضوء عليه قليلاً، لأن هذا الأخطبوط الذي يكاد يلف العالم بصمت النمل وهدوئه واجتهاده يبدو وكأنه يريد أن يمثل أنموذجا للنجاح المعتمد على العمل الدؤوب، مؤكدا أن السعي الجاد، والإرادة الحقيقية، والعمل المستمر، لا بد أن يثمروا، حتى إن طال الزمن.
في عام (2005م) ظهرت لأول مرة على الإنترنت النسخة الصينية من نشرة الأعمال الأسبوعية التي تنشرها كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا.
في مايو (2006م) ذكرت وكالة أنباء شينخوا أن الصين تعتزم إطلاق موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت في العام نفسه، لتقديم دروس لتعليم اللغة الصينية والمواد الملحقة على شبكة الإنترنت، لدعم انتشار تعلم اللغة الصينية حول العالم.
وفي شهر يوليو (2006م) أصبح الموقع قائما بالفعل، باللغتين الصينية والإنجليزية، ويستعد لتقديم مادته أيضا باللغتين الكورية واليابانية. وهو يبلي بلاء حسنا في سبيل التعريف بالثقافة والحضارة الصينية، من أجل نشر اللغة الصينية في المقام الأول، وبيان إنجازات الشعب الصيني في مختلف المجالات في المقام الثاني.
وبعد هذا النشاط كله أثمرت جهود الصينيين خيرًا، وجاء اليوم الذي أصبحت فيه أسماء النطاقات الخاصة بالمواقع الإلكترونية مكتوبة باللغة الصينية، التي يصعب حفظ عدد حروف أبجديتها، ناهيك عن حفظ الأبجدية نفسها، أو حفظ أشكال كتابتها، لكنهم تخطوا هذه العوائق والعقبات، ولم يجعلوا منها حاجزا يقف بينهم وبين تحقيق مبتغاهم بتوفير شبكة الإنترنت أمام جميع أفراد الشعب الصيني بلا استثناء، وعدم جعلها حكرًا على من يعرف الأبجدية الإنجليزية منهم فقط.
وقد عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية قبل أيام برنامجًا عن هذا الموضوع، تحدث فيه عدد من الصينيين عن سعادتهم بتعاملهم مع شبكة الإنترنت دون وقوف اللغة عقبة في طريقهم، وقد ذكر عدد غير قليل ممن تحدثوا في تلك الحلقة بأنهم لا يعرفون الإنجليزية، ولا يحفظون أبجديتها، وأن توفر شبكة الإنترنت لهم باللغة الصينية، وهي لغتهم الأم، سهّل عليهم الأمر كثيرا، وأصبحوا يتعاملون معها ومع المواد التي تتضمنها بالألفة ذاتها التي يتعاملون بها مع كتاب مكتوب بلغتهم.
وبعد هذا العرض السريع والمختصر عن التجربة الصينية على الشبكة العنكبوتية، يطل سؤال مرير برأسه: ما الذي يمنعنا من رؤية أسماء المواقع الإلكترونية (أسماء النطاق) مكتوبة باللغة العربية؟ هل اللغة العربية أكثر تعقيدا في أبجديتها من اللغة الصينية؟ لا أعتقد ذلك، لكن كما نقول دائما، ليست المشكلة في اللغة بقدر ما هي في أهل اللغة الذين لا يجهدون أنفسهم في سبيلها.
ومع أن أحلام ما يسمى بـ (عَوْرَبَة الإنترنت) بدأت في الظهور منذ نهاية الألفية السابقة، حين تأسست منظمة أسماء الإنترنت متعددة اللغات (MINC)، وقد كان ذلك في عام (1999م)، ثم تم بعد ذلك تأسيس الائتلاف العربي لأسماء الإنترنت (AINC) في العام نفسه، إلا أن النتائج لم تظهر فعليًا حتى الآن؛ فنحن لا نزال نستعمل أسماء النطاق باللغة الإنجليزية -في دول المشرق العربي- ولم تفلح المحاولات التي نقوم بها للدخول إلى أحد المواقع بكتابة أسماء النطاق بالحروف العربية حتى الآن على الرغم من أننا تجاوزنا عتبة السنة السابعة من الألفية الثالثة.
في أحد الحوارات ذكر الأستاذ جار الله الجار الله، الرئيس التنفيذي لشركة (Native Names) التي تقدم للمرة الأولى على الإنترنت خدمة تسجيل أسماء النطاق باللغة العربية بتقنية معتمدة دولياً ومتوافقة مع جميع أنظمة التشغيل، دون الحاجة لإجراء أي تغييرات في متصفح المستخدم، أن كل ما سنحتاج له هو تسجيل اسم الموقع باللغة العربية في المتصفح كما يتم نطقه تماما.
وهذه هي الخطوة الأولى لتصبح اللغة العربية من لغات الإنترنت المعتمدة رسمياً. ولكن الأمثلة التي ذكرها ووضع روابطها غير فعّالة، ومهما حاولنا من أجل الوصول إلى موقع ما بكتابة اسم النطاق بحروف عربية فإن محاولاتنا تبوء بالفشل، ويكون الأسهل من تلك العملية القيام بالبحث عن الموقع باللغة الإنجليزية.
وفي ختام حديثه، ذكر الجار الله أن خدمة تقديم الإنترنت بجميع اللغات العالمية لها بعد حضاري وعالمي حيث إن اللغات هي إحدى صور تمثيل الحضارات، وأن وجود اللغة العربية على الإنترنت أمر مهم جدا لكي نمثل مجتمعاتنا وحضارتنا على الشبكة من جهة، وكي لا تكون اللغة حاجزًا يقف بين أفراد المجتمع بفئاتهم المختلفة وشبكة الإنترنت، يمنعهم من الإفادة منها إفادة حقيقية من جهة أخرى.
ولكن الواقع هو أن السنوات تمضي، وغيرنا من الشعوب يغذّ السير حثيثًا نحو تقديم نفسه ولغته وثقافته وحضارته، ونحن لا نزال نراوح في أماكننا، لم نتحرك قيد أنملة، ولا نزال نسمع كلامًا يبعث فينا التفاؤل حينًا، لكنه لا يلبث أن ينطفئ بعد أن يطول القول، دون أن يظهر الفعل.إننا في حاجة إلى الموازنة بين أحلامنا وإمكانياتنا، دون أن نجعل أحدهما يطغى على الآخر، أو أن يؤثر عليه. وعلينا أن نتذكر دائمًا أن إمكانياتنا الفعلية ليست بسيطة، ولكن تنقصنا الهمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق