الثلاثاء، 20 مارس 2007

رقص شرقي بالصيني‏!‏

صحيفة الأهرام المصرية
بقلم‏:‏ نبيل عمر
تبادلنا تحية أولاد بلد تقابلوا في الغربة بالمصادفة‏,‏ وقدم لي نفسه‏:‏ محمد‏.....‏ تاجر‏!‏
هو شاب مصري في أوائل الثلاثينيات‏,‏ ملامح عادية‏,‏ ملابسه عادية‏,‏ يرتدي قميصا وبنطلونا مثل آلاف الشبان القادمين من الأحياء الشعبية الي منطقة وسط البلد‏,‏ يتسكعون في شوارعها أحيانا‏,‏ يدخلون السينما أحيانا‏,‏ يتفرجون علي المحال أحيانا‏,‏ يجلسون علي المقاهي والكافيتريات أحيانا‏,‏ لكنهم يعاكسون البنات غالبا‏!‏
سألته‏:‏ تاجر ملابس بالطبع‏!‏
ضحك في ابتسامة رائقة‏:‏ عندي محلان‏,‏ واحد في بورسعيد وواحد في المهندسين‏!‏كنا داخل طائرة ستقلع بعد دقائق من مطار القاهرة‏..‏ تسعة أيام وسبع ساعات استغرقتها رحلتي منذ ركبت الطائرة المصرية قبل منتصف الليل بساعة ونصف ساعة‏,‏ متجها الي بكين حتي عدت مرة ثانية مع خيوط الفجر وهي تبدد بنعومة سواد ليلة شبه شتوية‏,‏ تسعة أيام وسبع ساعات قطعت خلالها مسافة تزيد علي‏29‏ ألف كيلو متر جوا وبرا‏,‏ في محاولة عصرية لاكتشاف اسرار التنين الأصفر‏,‏ الذي راح يتمدد وينفخ نيرانه سلعا ونفوذا في كل اتجاه من الكرة الأرضية‏!‏
كانت دائما تشغلني تلك الابتسامة المرسومة بمهارة فائقة علي وجه بائعة صينية‏,‏ تطرق باب شقتي لتسوق بضاعتها برخص التراب‏,‏ ولاتقبل ان تنزل مكسورة الخاطر دون ان تبيع لي شيئا ولو بــ أتنين جنيه ونص‏!‏ منتهي المثابرة‏..‏ ومنتهي الشطارة أيضا‏..‏ أين ذهب تحفظ العقلية الشيوعية ليحل محله تحرر المنطق الرأسمالي؟‏!‏ كيف برع الصينيون في التسويق الي هذا الحد‏..‏ ومهارات التسويق هي عنوان الاقتصاد الحر المكتوب بالنيون والأضواء الصاخبة؟‏!‏ دقائق وحلقت بنا الطائرة في طريقها الي بانجوك في تايلاند‏,‏ قبل ان تواصل طيرانها الي العاصمة الصينية‏!‏
ثماني ساعات بين السماء والأرض‏..‏ منتهي الملل المغطي بمسحة من التوتر‏!‏ نظرت الي محمد وقلت له‏:‏ الي بكين‏!‏
قال لي‏:‏ لا‏..‏ إلي بانجوك‏..‏ سألته‏:‏ وماذا هناك؟‏!‏اجاب‏:‏ بضاعة سوف اشتريها ولم يعلم بها تجار شارع عبد العزيز بعد‏!‏ وكلمة من هنا علي كلمة من هناك‏..‏ روي لي محمد جزءا من حياته ومحمد بورسعيدي بسيط‏..‏ مات أبوه صغيرا وترك اسرة من خمسة افراد في مهب الريح‏,‏ نال نصيبا من كعكة المنطقة الحرة قبل ان يصيبها العطب والكساد‏,‏ حين ألحقته امه صبيا في محل ملابس‏,‏ تعلم حرفة الفاترينيست‏,‏ وهي تنسيق فترينات وواجهات المحال‏,‏ وعشقها وتفنن في زغللة عيون الزبائن‏,‏ فذاعت شهرته وجرت الفلوس في يده‏,‏ ودفعه طموحة الي التفكير في أن يصبح تاجرا مثل هؤلاء المعلمين الذين يستأجرون موهبته‏,‏ ولم لا‏..‏ وبدأ الرحلة الجديدة بكشك صغير علي الرصيف بملابس مستوردة من تركيا‏,‏ وتوسع فامتلك أول محل كبير في حياته‏!‏
وقال‏:‏ ملابس الأطفال هي أكثر شيء يكسب في مصر‏,‏ لو عرفت أسرارها‏!‏
فقلت‏:‏ وبانجوك؟‏!‏
قال‏:‏ مصادفة قادتني الي مخازن أجهزة الكترونية مرتجع من مختلف الماركات تباع بثلث سعرها‏!‏
مضت الساعات الثماني بسرعة حتي هبطنا في مطار بانجوك الجديد ترانزيت لمدة ساعتين‏,‏ مطار تحفة وفي غاية الانضباط والنظافة‏,‏ جعلني اشعر بالخجل من مطار القاهرة‏!‏
تغير طاقم الطائرة‏..‏ وأقلعنا الي بكين في أربع ساعات‏,‏ وقد تكون هذه اول مرة تهبط بي طائرة لمصر للطيران في موعدها بالضبط دون تأخير يذكر‏!‏ حمدا لله بشرة خير‏..‏نصف ساعة علي الأكثر ووجدت نفسي خارج المطار‏..‏ تنتظرني لافتة مكتوب عليها اسمي واسم الاهرام‏..‏ قدمت حاملة اللافتة نفسها‏:‏ أنا سحر من وكالة الأنباء الصينية‏!‏
تعجبت من الاسم‏,‏ فالسيدة الشابة ملامحها صينية قح‏.‏
سألتها مترددا‏:‏ سحر كيف؟‏!‏
أجابت‏:‏ خدمت في مصر خمس سنوات‏,‏ ولأن الأسماء الصينية صعبة علي المصريين والعرب عموما‏,‏ فكل منا يختار اسما عربيا يسهل علينا التواصل مع الآخرين‏!‏
كان الجو فيه لسعة برد خفيفة لكنها منعشة علي أي حال‏,‏ اقترحت سحر ان تكون السهرة في ألف ليلة وليلة أشهر المطاعم الشرقية في العاصمة بكين والمكان كما يبدو من اسمه ذو طابع عربي اصيل‏,‏ أغلب الحضور ضيوف عرب من جنسيات مختلفة‏,‏ تكشفت طبائعهم بمجرد ان اعتلت الراقصات الصينيات البيست في بدل الرقص الشرقي المفتوحة الراقصة نحيفة جدا‏,‏ وبالرغم من جهدها الرهيب في ملاحقة اللحن ودقات الطبلة ولعلعة الصاجات‏,‏ إلا أن العرض في النهاية يبدو هزليا ومضحكا‏,‏ كأنه رقص مدبلج‏,‏ أو كأنها راقصة بالبطارية‏,‏ وسطها يرتعش بفعل الذبذبات الكهربائية‏,‏ ويداها ترتفعان في الهواء‏,‏ ورأسها ينعطف يمينا مرة ويسارا مرة‏,‏ دون ان تكون لحركتها علاقة تذكر بإحساس الموسيقي‏,‏ فهز الوسط الصيني تقليد مثل أغلب البضائع‏,‏ ولكنه تقليد مخلص‏..‏ ويبدو ان هذا الإخلاص حتي في الرقص هو اول مفاتيح المعجزة الصينية‏!‏

ليست هناك تعليقات: