صحيفة الأهرام المصرية
بقلم: نبيل عمر
تبادلنا تحية أولاد بلد تقابلوا في الغربة بالمصادفة, وقدم لي نفسه: محمد..... تاجر!
هو شاب مصري في أوائل الثلاثينيات, ملامح عادية, ملابسه عادية, يرتدي قميصا وبنطلونا مثل آلاف الشبان القادمين من الأحياء الشعبية الي منطقة وسط البلد, يتسكعون في شوارعها أحيانا, يدخلون السينما أحيانا, يتفرجون علي المحال أحيانا, يجلسون علي المقاهي والكافيتريات أحيانا, لكنهم يعاكسون البنات غالبا!
سألته: تاجر ملابس بالطبع!
ضحك في ابتسامة رائقة: عندي محلان, واحد في بورسعيد وواحد في المهندسين!كنا داخل طائرة ستقلع بعد دقائق من مطار القاهرة.. تسعة أيام وسبع ساعات استغرقتها رحلتي منذ ركبت الطائرة المصرية قبل منتصف الليل بساعة ونصف ساعة, متجها الي بكين حتي عدت مرة ثانية مع خيوط الفجر وهي تبدد بنعومة سواد ليلة شبه شتوية, تسعة أيام وسبع ساعات قطعت خلالها مسافة تزيد علي29 ألف كيلو متر جوا وبرا, في محاولة عصرية لاكتشاف اسرار التنين الأصفر, الذي راح يتمدد وينفخ نيرانه سلعا ونفوذا في كل اتجاه من الكرة الأرضية!
كانت دائما تشغلني تلك الابتسامة المرسومة بمهارة فائقة علي وجه بائعة صينية, تطرق باب شقتي لتسوق بضاعتها برخص التراب, ولاتقبل ان تنزل مكسورة الخاطر دون ان تبيع لي شيئا ولو بــ أتنين جنيه ونص! منتهي المثابرة.. ومنتهي الشطارة أيضا.. أين ذهب تحفظ العقلية الشيوعية ليحل محله تحرر المنطق الرأسمالي؟! كيف برع الصينيون في التسويق الي هذا الحد.. ومهارات التسويق هي عنوان الاقتصاد الحر المكتوب بالنيون والأضواء الصاخبة؟! دقائق وحلقت بنا الطائرة في طريقها الي بانجوك في تايلاند, قبل ان تواصل طيرانها الي العاصمة الصينية!
ثماني ساعات بين السماء والأرض.. منتهي الملل المغطي بمسحة من التوتر! نظرت الي محمد وقلت له: الي بكين!
قال لي: لا.. إلي بانجوك.. سألته: وماذا هناك؟!اجاب: بضاعة سوف اشتريها ولم يعلم بها تجار شارع عبد العزيز بعد! وكلمة من هنا علي كلمة من هناك.. روي لي محمد جزءا من حياته ومحمد بورسعيدي بسيط.. مات أبوه صغيرا وترك اسرة من خمسة افراد في مهب الريح, نال نصيبا من كعكة المنطقة الحرة قبل ان يصيبها العطب والكساد, حين ألحقته امه صبيا في محل ملابس, تعلم حرفة الفاترينيست, وهي تنسيق فترينات وواجهات المحال, وعشقها وتفنن في زغللة عيون الزبائن, فذاعت شهرته وجرت الفلوس في يده, ودفعه طموحة الي التفكير في أن يصبح تاجرا مثل هؤلاء المعلمين الذين يستأجرون موهبته, ولم لا.. وبدأ الرحلة الجديدة بكشك صغير علي الرصيف بملابس مستوردة من تركيا, وتوسع فامتلك أول محل كبير في حياته!
وقال: ملابس الأطفال هي أكثر شيء يكسب في مصر, لو عرفت أسرارها!
فقلت: وبانجوك؟!
قال: مصادفة قادتني الي مخازن أجهزة الكترونية مرتجع من مختلف الماركات تباع بثلث سعرها!
مضت الساعات الثماني بسرعة حتي هبطنا في مطار بانجوك الجديد ترانزيت لمدة ساعتين, مطار تحفة وفي غاية الانضباط والنظافة, جعلني اشعر بالخجل من مطار القاهرة!
تغير طاقم الطائرة.. وأقلعنا الي بكين في أربع ساعات, وقد تكون هذه اول مرة تهبط بي طائرة لمصر للطيران في موعدها بالضبط دون تأخير يذكر! حمدا لله بشرة خير..نصف ساعة علي الأكثر ووجدت نفسي خارج المطار.. تنتظرني لافتة مكتوب عليها اسمي واسم الاهرام.. قدمت حاملة اللافتة نفسها: أنا سحر من وكالة الأنباء الصينية!
تعجبت من الاسم, فالسيدة الشابة ملامحها صينية قح.
سألتها مترددا: سحر كيف؟!
أجابت: خدمت في مصر خمس سنوات, ولأن الأسماء الصينية صعبة علي المصريين والعرب عموما, فكل منا يختار اسما عربيا يسهل علينا التواصل مع الآخرين!
كان الجو فيه لسعة برد خفيفة لكنها منعشة علي أي حال, اقترحت سحر ان تكون السهرة في ألف ليلة وليلة أشهر المطاعم الشرقية في العاصمة بكين والمكان كما يبدو من اسمه ذو طابع عربي اصيل, أغلب الحضور ضيوف عرب من جنسيات مختلفة, تكشفت طبائعهم بمجرد ان اعتلت الراقصات الصينيات البيست في بدل الرقص الشرقي المفتوحة الراقصة نحيفة جدا, وبالرغم من جهدها الرهيب في ملاحقة اللحن ودقات الطبلة ولعلعة الصاجات, إلا أن العرض في النهاية يبدو هزليا ومضحكا, كأنه رقص مدبلج, أو كأنها راقصة بالبطارية, وسطها يرتعش بفعل الذبذبات الكهربائية, ويداها ترتفعان في الهواء, ورأسها ينعطف يمينا مرة ويسارا مرة, دون ان تكون لحركتها علاقة تذكر بإحساس الموسيقي, فهز الوسط الصيني تقليد مثل أغلب البضائع, ولكنه تقليد مخلص.. ويبدو ان هذا الإخلاص حتي في الرقص هو اول مفاتيح المعجزة الصينية!
بقلم: نبيل عمر
تبادلنا تحية أولاد بلد تقابلوا في الغربة بالمصادفة, وقدم لي نفسه: محمد..... تاجر!
هو شاب مصري في أوائل الثلاثينيات, ملامح عادية, ملابسه عادية, يرتدي قميصا وبنطلونا مثل آلاف الشبان القادمين من الأحياء الشعبية الي منطقة وسط البلد, يتسكعون في شوارعها أحيانا, يدخلون السينما أحيانا, يتفرجون علي المحال أحيانا, يجلسون علي المقاهي والكافيتريات أحيانا, لكنهم يعاكسون البنات غالبا!
سألته: تاجر ملابس بالطبع!
ضحك في ابتسامة رائقة: عندي محلان, واحد في بورسعيد وواحد في المهندسين!كنا داخل طائرة ستقلع بعد دقائق من مطار القاهرة.. تسعة أيام وسبع ساعات استغرقتها رحلتي منذ ركبت الطائرة المصرية قبل منتصف الليل بساعة ونصف ساعة, متجها الي بكين حتي عدت مرة ثانية مع خيوط الفجر وهي تبدد بنعومة سواد ليلة شبه شتوية, تسعة أيام وسبع ساعات قطعت خلالها مسافة تزيد علي29 ألف كيلو متر جوا وبرا, في محاولة عصرية لاكتشاف اسرار التنين الأصفر, الذي راح يتمدد وينفخ نيرانه سلعا ونفوذا في كل اتجاه من الكرة الأرضية!
كانت دائما تشغلني تلك الابتسامة المرسومة بمهارة فائقة علي وجه بائعة صينية, تطرق باب شقتي لتسوق بضاعتها برخص التراب, ولاتقبل ان تنزل مكسورة الخاطر دون ان تبيع لي شيئا ولو بــ أتنين جنيه ونص! منتهي المثابرة.. ومنتهي الشطارة أيضا.. أين ذهب تحفظ العقلية الشيوعية ليحل محله تحرر المنطق الرأسمالي؟! كيف برع الصينيون في التسويق الي هذا الحد.. ومهارات التسويق هي عنوان الاقتصاد الحر المكتوب بالنيون والأضواء الصاخبة؟! دقائق وحلقت بنا الطائرة في طريقها الي بانجوك في تايلاند, قبل ان تواصل طيرانها الي العاصمة الصينية!
ثماني ساعات بين السماء والأرض.. منتهي الملل المغطي بمسحة من التوتر! نظرت الي محمد وقلت له: الي بكين!
قال لي: لا.. إلي بانجوك.. سألته: وماذا هناك؟!اجاب: بضاعة سوف اشتريها ولم يعلم بها تجار شارع عبد العزيز بعد! وكلمة من هنا علي كلمة من هناك.. روي لي محمد جزءا من حياته ومحمد بورسعيدي بسيط.. مات أبوه صغيرا وترك اسرة من خمسة افراد في مهب الريح, نال نصيبا من كعكة المنطقة الحرة قبل ان يصيبها العطب والكساد, حين ألحقته امه صبيا في محل ملابس, تعلم حرفة الفاترينيست, وهي تنسيق فترينات وواجهات المحال, وعشقها وتفنن في زغللة عيون الزبائن, فذاعت شهرته وجرت الفلوس في يده, ودفعه طموحة الي التفكير في أن يصبح تاجرا مثل هؤلاء المعلمين الذين يستأجرون موهبته, ولم لا.. وبدأ الرحلة الجديدة بكشك صغير علي الرصيف بملابس مستوردة من تركيا, وتوسع فامتلك أول محل كبير في حياته!
وقال: ملابس الأطفال هي أكثر شيء يكسب في مصر, لو عرفت أسرارها!
فقلت: وبانجوك؟!
قال: مصادفة قادتني الي مخازن أجهزة الكترونية مرتجع من مختلف الماركات تباع بثلث سعرها!
مضت الساعات الثماني بسرعة حتي هبطنا في مطار بانجوك الجديد ترانزيت لمدة ساعتين, مطار تحفة وفي غاية الانضباط والنظافة, جعلني اشعر بالخجل من مطار القاهرة!
تغير طاقم الطائرة.. وأقلعنا الي بكين في أربع ساعات, وقد تكون هذه اول مرة تهبط بي طائرة لمصر للطيران في موعدها بالضبط دون تأخير يذكر! حمدا لله بشرة خير..نصف ساعة علي الأكثر ووجدت نفسي خارج المطار.. تنتظرني لافتة مكتوب عليها اسمي واسم الاهرام.. قدمت حاملة اللافتة نفسها: أنا سحر من وكالة الأنباء الصينية!
تعجبت من الاسم, فالسيدة الشابة ملامحها صينية قح.
سألتها مترددا: سحر كيف؟!
أجابت: خدمت في مصر خمس سنوات, ولأن الأسماء الصينية صعبة علي المصريين والعرب عموما, فكل منا يختار اسما عربيا يسهل علينا التواصل مع الآخرين!
كان الجو فيه لسعة برد خفيفة لكنها منعشة علي أي حال, اقترحت سحر ان تكون السهرة في ألف ليلة وليلة أشهر المطاعم الشرقية في العاصمة بكين والمكان كما يبدو من اسمه ذو طابع عربي اصيل, أغلب الحضور ضيوف عرب من جنسيات مختلفة, تكشفت طبائعهم بمجرد ان اعتلت الراقصات الصينيات البيست في بدل الرقص الشرقي المفتوحة الراقصة نحيفة جدا, وبالرغم من جهدها الرهيب في ملاحقة اللحن ودقات الطبلة ولعلعة الصاجات, إلا أن العرض في النهاية يبدو هزليا ومضحكا, كأنه رقص مدبلج, أو كأنها راقصة بالبطارية, وسطها يرتعش بفعل الذبذبات الكهربائية, ويداها ترتفعان في الهواء, ورأسها ينعطف يمينا مرة ويسارا مرة, دون ان تكون لحركتها علاقة تذكر بإحساس الموسيقي, فهز الوسط الصيني تقليد مثل أغلب البضائع, ولكنه تقليد مخلص.. ويبدو ان هذا الإخلاص حتي في الرقص هو اول مفاتيح المعجزة الصينية!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق