نشرة الصين بعيون عربية ـ العدد الخامسصحيفة الشعب الصينية 25/6/2007
شن جي رو الباحث فى معهد الاقتصاد والسياسة فى العالم التابع لاكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية
في النصف الاول من العام الحالى، اشتدت الحماسة التي شهدتها مناقشة موضوع الصين فى الولايات المتحدة.
ومن المناقشة، رأى بعض الناس ان نهضة الصين أدت الى انهيار الولايات المتحدة، وان الصين تهديد لتطور الولايات المتحدة. ولكن هذه الآراء خاطئة مائة بالمائة.
ظلت الولايات المتحدة "قوة عظمى وحيدة" فى العالم فى الوقت الحاضر. توازت نفقاتها العسكرية مع اجمالي النفقات العسكرية لجميع الدول في العالم تقريبا فى عام 2006. ولكن القوة الوطنية الامريكية ليست كما هي في الماضي وذلك حقيقة ايضا.
بعد وقوعها فى مستنقعات العراق، اصبح العراق ثانى "فيتنام" للولايات المتحدة. في يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 2006، نشرت صحيفة غارديان البريطانية مقالا اشارت فيه الى ان هزيمة الولايات المتحدة في احتلال العراق كشفت عن محدودية القوة الوطنية الامريكية، ورأى هذا المقال انه "نظرا للفهم الخاطىء لاتجاه العالم كله، نفذت حكومة بوش سياسة الانفراد، وذلك لم يؤد الى مأساة العراق فحسب، بل اسرع بخطوات انهيار الولايات المتحدة".
يتجلى "انهيار" الولايات المتحدة بشكل أعمق فى أن مكانة الولايات المتحدة اقتصاديا شهدت انخفاضاً في الترتيب
الاقتصادي العالمي. يعادل الاتحاد الاوربي الولايات المتحدة من حيث الحجم الاقتصادي المجمل، كما أن نجاح اليورو قد زعزع الموقع الاحتكاري للدولار الامريكي ازاء السوق المالية الدولية، ولكن العجز الامريكي الهائل في المدفوعات الدولية جعل الولايات المتحدة تصبح اكبر بلد مدين فى العالم.
كما انخفضت مكانة الولايات المتحدة في اوربا الى حد كبير، وبعد ارسال قواتها الى العراق، ازدادت التناقضات القائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا حدة، ولم يتم ترميم الشقاق بينهما حتى الان.
في قمة الثمانى، تعرضت الولايات المتحدة لتساؤلات وانتقادات من قبل حلفائها الاوربيين، حتى حليفها الحميم بلير يقف بجانب المانيا.
لا يمكن ان تزعم الولايات المتحدة لنفسها انها "صاحب الفضل" على اوروبا، ولا يبدو حلفاؤها الاوربيون شركاء صغار ينفذون ما يؤمرون به.
ولكن بعض الاشخاص في الولايات المتحدة لم يقوموا بالفحص الذاتى الجدي وذلك سبب حقيقي في "انهيار" الولايات المتحدة، بل عثرت على "كبش الفداء" هو الصين.
تواردت انواع من "التهديد الذي تمثله الصين": اذ وصفت الصين التي تشكل نفقاتها العسكرية تمثل 9.3 بالمائة من النفقات العسكرية الامريكية بانها "تهديد عسكريى" لآسيا والولايات المتحدة، ووصفت الصين التي يبلغ نصيب الفرد من اجمالي ناتجها المحلي 2000 دولار امريكي بانها "تهديد اقتصادي" للولايات المتحدة والغرب، ووصفت الصين بالتي يشكل نصيب الفرد من انبعاث ثانى اكسيد الكربون فيها 33 بالمائة من مستوى
الدول OECD بانها "تهديد البيئة" للعالم, وعزي نسبة الودائع المنخفضة جدا والعجز التجاري للولايات المتحدة التي تستهلك على الاستدانة الى الانخفاض الكبير لصرف العملة الصينية (رنمينبى) وهي مطالبة برفع صرفها الى حد كبير، والخ.
هل ذلك حقيقة ؟ أدرك مزيد من الحكماء البعيدي النظر بما فيهم وزير المالية الامريكي هنرى بولسون ان تطور الصين فرصة للولايات المتحدة.
الواقع ان المستهلكين لم يستطيعوا ان يوفروا مصروفاتهم بقيمة 600 مليار دولار امريكى وسترتفع نسبة التضخم المالى وتكلفة الرواتب، وستنخفض قوة المنافسة الامريكية فى العالم، وستفقد الشركات الامريكية كميات كبيرة من استمارات الطلب من الصين، وستفقد الولايات المتحدة الملايين من فرص التوظيف، وتفقد فرصة سانحة للاستثمار فى الصين، خلال السنوات العشرالاخيرة اذا كان ذلك بدون الصين. وبدون التعاون مع الصين، لم تكن الازمة النووية الكورية تشهد املاً فى حلها اليوم، ومن الصعب ان يتم حل التحديات التى تواجهها البشرية إذا لم يتم ذلك بصورة مشتركة.
ان السبب الرئيسى في "انهيار"الولايات المتحدة هو تخلف المفهوم الاستراتيجي الوطني الامريكي. يتعين عليها ان تنبذ بحزم عقلية الحرب الباردة والتحيز الايديولوجي، وتلغي استراتيجيتها التي فات عليها الزمن لكبح الصين وروسيا، وتودع سياسة القوة والانفراد, والهيمنية، وتتكيف مع التيار العصري للسلام والتنمية وديمقراطية العلاقات الدولية, وتشترك فى الشؤون الدولية على قدم المساواة, وتساعد الدول النامية وتدفع التعاون بين الجنوب والشمال بجد واجتهاد، وتبني سويا مع مختلف البلدان عالما متناغما جديدا.
ان الولايات المتحدة ـ مثل هذه ـ من الطبيعي ان تلقى ترحيبا من قبل دول العالم، وان الولايات المتحدة ـ مثل هذه ـ لن تسقط بسبب سياستها حول تسخير القوى العسكرية فى شن الحروب، وتصبح دولة عالمية هامة مزدهرة ومتطورة طبيعيا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق