الخميس، ٣٠ كانون الأول، ٢٠١٠

ليو شياو باو: على السلام.. السلام



محمود ريا
لعل الكثيرين لم يعودوا يتابعون "مسرحية جائزة نوبل للسلام" منذ حصل عليها أشخاص لا يوجد أي صلة بينهم وبين السلام في العالم، كالمجرم مناحيم بيغن والقاتل شمعون بيريز ومكسّر عظام الأطفال إسحاق رابين، وكذلك أشخاص باعوا أوطانهم ومبادئهم من أجل قطعة ورق وبضعة دراهم، وبينهم من هم "من عندنا".
كان الشعور ـ وما يزال ـ لدى فاقدي الاهتمام بهذه "الجائزة العالمية" أن القائمين عليها أضاعوا البوصلة وخانوا المبدأ الذي أطلقت من أجله هذه التظاهرة العالمية، وباتوا يعطون هذا الوسام لمن لا يستحقه، انطلاقاً من أجندة سياسية نابعة من إرادة القوة الكبرى في العالم، وليس انطلاقاً مما قدمه هذا الشخص للسلام العالمي. ولعل النماذج التي وردت آنفاً تدل على مدى بُعد الحاصلين على الجائزة عن السلام، وحجم الفظائع التي ارتكبوها ـ هم وغيرهم ـ بحق الأمم والشعوب على مدى العقود الماضية.
إلا أن الوضع هذه السنة اختلف قليلاً، فقد شدّت الجائزة بعض الاهتمام، ولا سيما أن الحاصل عليها شخص يقبع في السجن، ما يعني أنه يضحي من أجل قضية عادلة، ولا يرتكب الجرائم. ولذلك بدأ المتابعون يسألون عن السبب الذي دفع لجنة جائزة نوبل إلى الالتفات إلى المقهورين والاهتمام بهم وبقضاياهم. ومع قليل من البحث اتضحت الصورة. ليو شياو باو، الصيني المعارض والمسجون، حاز جائزة نوبل لأنه أعلن مواقف مناهضة للحكم في الصين، وأصرّ على رفع صوته في وجه قمع الحريات في الصين.
إلى هنا قد يبدو الأمر عادياً، فالحريات في الصين، كما في الكثير من بلدان العالم ليست مضمونة كما يجب، والنضال من أجل تحقيقها قد يكون تضحية من أجل قضية مبدئية شريفة لا غبار عليها. ولكن، لم تقف الأمور عند هذا الحد. فالرجل لا يريد الحرية للصينيين كما يدعي، وإنما هو يكره الصين ويكره تاريخها ويريدها في مستقبلها كالدول الغربية تماماً دون أي فرق. وليس هذا كل شيء، فالرجل معجب بالولايات المتحدة وبمعالجتها للقضايا العالمية بشكل يفوق الوصف.
ولا يقتصر هذا الإعجاب على طريقة العيش في نيويورك أو لوس انجلوس، ولكنه يتعداه إلى تأييد كل الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة ضد دول العالم، في الماضي البعيد وفي الحاضر أيضاً، كحروب فيتنام وكوريا، وغزوات أفغانستان والعراق، مع ما شهدته هذه الحروب الفظيعة من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.
وفي مقال له بعنوان "دروس من الحرب الباردة"، يقول ليو إن "العالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة قد حارب تقريباً كل الأنظمة التي انتهكت حقوق الإنسان.. والحروب الكبرى التي أصبحت الولايات المتحدة مشاركة فيها هي كلها يمكن الدفاع عنها من الناحية الأخلاقية". هذا هو ليو شياو باو الذي حصل على جائزة نوبل للسلام، فهو من التبريريين الذين تحتاجهم واشنطن للدفاع عن نهجها السياسي في العالم. ولعلّ جورج بوش هو الأكثر سعادة بالمنشق الصيني "النوبلي"، فشياوباو يرى عام 2004 أنه "لا يمكن إلغاء الإنجاز الرائع الذي حققه جورج بوش في مكافحة الإرهاب لمجرد افتراءات (المرشح الديموقراطي حينها جون) كيري.. ومع ذلك فمهما كان حجم الخطر الذي يجب تحمّله في سبيل إسقاط صدام حسين، فاعلم أنه ليس هناك أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى خطر أكبر. ويثبت ذلك كل من الحرب العالمية الثانية والحادي عشر من سبتمبر! وبغض النظر عن أي شيء فإن الحرب ضد صدام حسين هي حرب عادلة! وقرار جورج بوش هو قرار صحيح!".
ولكن هناك من يحتاج ليو شيا باو كذلك، فهو يثني بشدة على موقف إسرائيل في صراع الشرق الأوسط، وهو يلقي اللوم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الفلسطينيين، الذين يرى أنهم هم "غالبا المستفزون".
هل اتضحت الصورة؟ ليو شياباو هو نسخة صينية للفاشية الأميركية، وللعربدة الصهيونية، ولذلك حاز جائزة نوبل للسلام.
هو صورة طبق الأصل لمناحيم بيغن وشمعون بيريز، ولهنري كيسنجر وجيمي كارتر، ولكل المجرمين الذين قتلوا بأيديهم أو بأفكارهم، والذين ارتكبوا الفظائع خدمة لـ "المؤسسة الأميركية" التي باتت هي من يصدر القرار بمن يحصل على جائزة نوبل للسلام. وعلى السلام.. السلام.

المريخ ـ الصين.. والأرض ـ أميركا



محمود ريا
سادت السينما الأميركية موجة من الأفلام التي تنتمي إلى فئة الخيال العلمي والتي تقوم على فكرة غزو المخلوقات الفضائية للأرض. وتنوعت المعالجات الهوليودية لهذا السيناريو، باختلاف المخرجين والأفلام التي خرجت من تحت أيديهم. إلا أن الفكرة الأكثر تردداً بين تلك الأفلام كانت الفكرة التي تقوم على "الغزو الناعم" من قبل المخلوقات الفضائية للأرض، بحيث يأتي الفضائيون بصفة أصدقاء مسالمين، وعندما يبنون علاقة طيبة مع سكان الأرض ويتغلغلون في مفاصل الكرة الأرضية يظهرون صورتهم الحقيقية كغزاة محتلين يسعون للسيطرة على الأرض وإبادة الجنس البشري، أو استعباده على الأقل. ولعلّ فيلم "غزاة المريخ" المنتج عام 1996 هو من أكثر الأفلام تعبيراً عن هذه الأفلام وعن هذه الفكرة الخيالية التي يحاول السينمائيون الأميركيون التعبير عنها من خلال هذه النوعية من الأفلام.
إلا أن وضع هذا النوع من الإنتاج في فئة الأفلام الخيالية لا يعني أن الواقفين وراءه لا يريدون من خلاله التعبير عن فكرة واقعية تسيطر على عقول الأميركيين، وهي فكرة الخوف من الغزو الخارجي، الغزو الذي يريد أن يسلب الأميركيين (بصفتهم الطبقة الأرقى بين البشر الأرضيين) ما يملكونه من حياة رغيدة، ويهدف إلى السيطرة على بلادهم ومنعهم من البقاء القوة العظمى (الخيّرة) على مستوى العالم.
وهذا الخوف يتملّك الأميركيين ليس من المخلوقات الفضائية فقط، وإنما من البشر الآخرين أيضاً، ولا سيما البشر الأقوياء، الذين يملكون القدرة على أن يكونوا مستقلين عن الأميركيين، والذين يحملون تطلعات التخلص من الهيمنة الأميركية على العالم.
ومن أوجه هذا الخوف ذلك الذي يسيطر على الأميركيين كلما ذكرت أمامهم كلمة الصين. وآخر مظاهر البارانويا الأميركية تجاه الصينيين عبّر عنه كاتب أميركي قدير، له باعه في التحليل السياسي، ويُحسب حسابه بين المفكرين الذين يرسمون من خلال مقالاتهم آفاقاً للسياسة الأميركية لا بد من احترامها. الكاتب هو توماس فريدمان، الذي نشر مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثاني من الشهر الحالي، ركب من خلاله موجة تسريبات ويكليكس، ولكنه قاد الأمور باتجاه مختلف عن ذلك الذي تسلكه البرقيات المسرّبة، حيث لعب لعبة "اكتشاف" برقية متخيّلة مرسلة من السفارة الصينية في واشنطن إلى وزارة الخارجية في بكين، يضع فيها كل أوهامه حول مساعي الصين للسيطرة على الولايات المتحدة، التي يعترف أنها باتت دولة ضعيفة منقسمة تتوهم نفسها دولة عظمى، بينما هي أصبحت لقمة سائغة في فم التنين الصيني الذي يوشك على التهامها في أي لحظة.
ولعل أقسى عبارة في "البرقية المتخيّلة" التي تحمل عنوان ـ كل شيء في الولايات المتحدة يسير كما نرغب (في الصين) ـ قول فريدمان في ختامها على لسان الدبلوماسي الصيني الذي "كتبها": يدرس رقم قياسي من الطلاب في المدارس الثانوية الأميركية الآن اللغة الصينية، ما سيزوّدنا بمخزون متواصل من اليد العاملة الرخيصة التي تتقن لغتنا في حين نستخدم احتياطنا البالغ تريليونين و300 مليار دولار لشراء المصانع الأميركية في الخفاء.
إنها الصين التي تستحوذ على عقول الأميركيين وتستحوذ على أموالهم أيضاً، وهي الدولة التي يرون فيها القدر القادم لسلب أميركا تفوقها ورفاهيتها وحتى مستقبلها.
وإذا كان فريدمان ينقل عن "الدبلوماسي الصيني المتخيّل" قوله: نحمد الله لأن الأميركيين يعجزون عن قراءة برقياتنا الدبلوماسية، فإن "النوايا الصينية الشريرة" لا تبدو خافية على الأميركيين، لا بل ها هي تتحول إلى كوابيس تؤرقهم.

مقال فريدمان يستحق القراءة فعلاً، لا بل يستحق تحويله إلى وثيقة (وإن لم تكن رسمية وحقيقية) تفضح النظام الأميركي بمجمله، كما تكشف الرؤية الأميركية الحقيقية للعالم كله، بأرضه وبفضائه.

الثلاثاء، ٥ تشرين الأول، ٢٠١٠

الصين واليابان: التأزم يتصاعد


إفتتاحية العدد الثالث والأربعين من نشرة الصين بعيون عربية

كانت العلاقات الصينية اليابانية متأزمة على امتداد السنوات المئة الماضية، وهي متأزمة الآن، ولا يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.
ليس في ما تشهده العلاقات الصينية اليابانية من توتر ما يفاجئ، فالبلدان يخوضان منذ عقود صراعاً أسهله يترجم نفسه علاقات باردة، وأصعبه يعبر عن نفسه بحرب دامية لا تبقي ولا تذر، لا تزال آثارها حتى اليوم تعتمل في نفوس الصينيين الذين لا يمكن أن ينسوا احتلال أرضهم ومحاولة تقسيم بلادهم (جمهورية منشوريا) ولا الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بحقهم(مجزرة نانكين كمثال).
واليوم وبعد فترة من الهدوء اللافت بين البلدين، والذي استفاد منه الاقتصادان الصيني والياباني، تعود نبرة الاختلاف إلى الارتفاع، وصولاً إلى إطلاق تهديدات ناعمة (حتى الآن) تتراوح بين التلويح بعقوبات اقتصادية متبادلة والحديث عن الزوارق الحربية والأراضي التي لا بد أن تستعاد من جهة أخرى.
وليست مسألة الجزر المتنازع عليها بين البلدين (تسميها الصين دياويو واليابان سينكاكو) إلا شرارة إطلاق السباق نحو التصعيد المتبادل، فالحادث البسيط الذي حدث عند هذه الجزر بين قارب صيد صيني وزورقي دورية يابانيين كان يمكن أن يعالج بكل هدوء لـو أن هنـاك نيـة حقيقية بعدم إثارة القضايا الخلافية المتعددة التي تحكم العلاقة بين البلدين.
وإذا كانت الجزر المتنازع عليها تملك قيمة اقتصادية عالية لجهة كون محيطها غنياً بمصائد الأسماك من جهة، وبالبترول والغاز من جهة أخرى، فإن الخلاف عليها يظل واحداً من الملفات السياسية والاقتصادية والتاريخية المفتوحة بين البلدين.
وفي نظرة إلى ما خلف الظواهر والأسباب المعلنة للخلاف، يبدو للمتابع أن هناك نوعاً من الكباش المعنوي بين البلدين، أو لنقل إنه صراع على إثبات الوجود لكل طرف في وجه الآخر.
اليابان تريد أن تقول إنها ما تزال تلك الدولة الكبرى التي احتلّت في الماضي وأقامت الإمبراطورية العسكريتارية الكبرى التي لا يمكن أن تمحى بصماتها عن التاريخ، وإنها الدولة التي حققت نهضة كبرى خوّلتها الوصول إلى المرتبة الثانية على المستوى الاقتصادي في العالم، وإنها ما تزال في تلك المرتبة ولا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة.. وخصوصاً لجارتها القريبة البعيدة.
والصين تريد أن تأخذ من جزر دياويو ذريعة لإطلاق صافرة الإعلان عن وجودها كدولة عظمى في شرق آسيا، ومن ثم في العالم ككل، وترغب في جعل قضية هذه الجزر الإشارة المطلوبة لليابان كي تتنحى عن دورها التاريخي في المنطقة، وكذلك كي تتراجع عن موقعها الاقتصادي المميز بين دول العالم، ولا سيما إن الصين تجاوزت العام الماضي ألمانيا وباتت الدولة الثالثة على المستوى الاقتصادي في العالم.
ولكن إلى أين سيوصل هذا التصعيد؟
لا أحد يعتقد أن الحرب ستدور بين البلدين، فالروابط الاقتصادية بينهما قوية جداً، والمنطق لا يسمح لأي منهما باستعادة مراحل الحروب العالمية ومآسيها، ولكن هذا لا يمنع من تصور تصاعد التوتر بين الطرفين إلى مستوى محسوب، يعطي لأحد الطرفين (والأرجح أنه الصين) الفرصة لتأكيد نوع من الهيمنة على البحر الفاصل بين البلدين، وإظهار صورة الصين الجديدة التي لم تنسَ دعوة الزعيم التاريخي دينغ سياو بينغ للتخفي، ولكنها ترغب في إظهار بعض القدرة المتوافرة لديها بين الحين والآخر.

نشرة الصين بعيون عربية.. العدد الثالث والأربعون


إلى أين يقود النزاع الصيني الياباني البلدين؟

نحييكم ونقدم لكم العدد الثالث والأربعين من "نشرة الصين بعيون عربية" والذي يتضمن العديد من الملفات والمواضيع التي تهتم بشؤون الصين.
ملف هذا العدد يركّز على التوتر المتصاعد بين الصين واليابان ويتضمن عدة مواضيع هي:


الإعلام الصيني يحذّر اليابان من تصعيد الأزمة البحرية
إلى أين يقود النزاع الصيني الياباني البلدين؟
العلاقات الصينية اليابانية

وفي الاتجاه نفسه تصب افتتاحية العدد بقلم رئيس تحرير النشرة وهي بعنوان:

الصين واليابان: التأزم يتصاعد


وهذا نصها:

كانت العلاقات الصينية اليابانية متأزمة على امتداد السنوات المئة الماضية، وهي متأزمة الآن، ولا يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.
ليس في ما تشهده العلاقات الصينية اليابانية من توتر ما يفاجئ، فالبلدان يخوضان منذ عقود صراعاً أسهله يترجم نفسه علاقات باردة، وأصعبه يعبر عن نفسه بحرب دامية لا تبقي ولا تذر، لا تزال آثارها حتى اليوم تعتمل في نفوس الصينيين الذين لا يمكن أن ينسوا احتلال أرضهم ومحاولة تقسيم بلادهم (جمهورية منشوريا) ولا الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بحقهم(مجزرة نانكين كمثال).
واليوم وبعد فترة من الهدوء اللافت بين البلدين، والذي استفاد منه الاقتصادان الصيني والياباني، تعود نبرة الاختلاف إلى الارتفاع، وصولاً إلى إطلاق تهديدات ناعمة (حتى الآن) تتراوح بين التلويح بعقوبات اقتصادية متبادلة والحديث عن الزوارق الحربية والأراضي التي لا بد أن تستعاد من جهة أخرى.


وليست مسألة الجزر المتنازع عليها بين البلدين (تسميها الصين دياويو واليابان سينكاكو) إلا شرارة إطلاق السباق نحو التصعيد المتبادل، فالحادث البسيط الذي حدث عند هذه الجزر بين قارب صيد صيني وزورقي دورية يابانيين كان يمكن أن يعالج بكل هدوء لـو أن هنـاك نيـة حقيقية بعدم إثارة القضايا الخلافية المتعددة التي تحكم العلاقة بين البلدين.


وإذا كانت الجزر المتنازع عليها تملك قيمة اقتصادية عالية لجهة كون محيطها غنياً بمصائد الأسماك من جهة، وبالبترول والغاز من جهة أخرى، فإن الخلاف عليها يظل واحداً من الملفات السياسية والاقتصادية والتاريخية المفتوحة بين البلدين.


وفي نظرة إلى ما خلف الظواهر والأسباب المعلنة للخلاف، يبدو للمتابع أن هناك نوعاً من الكباش المعنوي بين البلدين، أو لنقل إنه صراع على إثبات الوجود لكل طرف في وجه الآخر.


اليابان تريد أن تقول إنها ما تزال تلك الدولة الكبرى التي احتلّت في الماضي وأقامت الإمبراطورية العسكريتارية الكبرى التي لا يمكن أن تمحى بصماتها عن التاريخ، وإنها الدولة التي حققت نهضة كبرى خوّلتها الوصول إلى المرتبة الثانية على المستوى الاقتصادي في العالم، وإنها ما تزال في تلك المرتبة ولا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة.. وخصوصاً لجارتها القريبة البعيدة.


والصين تريد أن تأخذ من جزر دياويو ذريعة لإطلاق صافرة الإعلان عن وجودها كدولة عظمى في شرق آسيا، ومن ثم في العالم ككل، وترغب في جعل قضية هذه الجزر الإشارة المطلوبة لليابان كي تتنحى عن دورها التاريخي في المنطقة، وكذلك كي تتراجع عن موقعها الاقتصادي المميز بين دول العالم، ولا سيما إن الصين تجاوزت العام الماضي ألمانيا وباتت الدولة الثالثة على المستوى الاقتصادي في العالم.


ولكن إلى أين سيوصل هذا التصعيد؟


لا أحد يعتقد أن الحرب ستدور بين البلدين، فالروابط الاقتصادية بينهما قوية جداً، والمنطق لا يسمح لأي منهما باستعادة مراحل الحروب العالمية ومآسيها، ولكن هذا لا يمنع من تصور تصاعد التوتر بين الطرفين إلى مستوى محسوب، يعطي لأحد الطرفين (والأرجح أنه الصين) الفرصة لتأكيد نوع من الهيمنة على البحر الفاصل بين البلدين، وإظهار صورة الصين الجديدة التي لم تنسَ دعوة الزعيم التاريخي دينغ سياو بينغ للتخفي، ولكنها ترغب في إظهار بعض القدرة المتوافرة لديها بين الحين والآخر.





وفي العدد تغطية لأخبار العلاقات بين العرب والصين على أبواب افتتاح المنتدى الاقتصادي الصيني العربي في مدنيغيشيا الصينية. وهذه عناوين هذه التغطية:


ـ المنتدى الاقتصادي الصيني العربي فرصة نادرة لتنمية وتعزيز صناعة السياحة
ـ أهمية الحوار الحضاري والتبادل الثقافي بالنسبة للتعاون الاقتصادي الصيني - العربي
ـ الجزائر تأمل في توسيع التعاون السياحي مع الصين
ـ منتدى الشباب الصيني والسعودي يعقد فى بكين
ـ مباحثات سورية صينية لإنشاء مصفاة لتكرير النفط
ـ هبة من الصين لبناء كلية للطب بموريتانيا



ويتضمن العدد مواضيع اقتصادية عدة هذه عناوينها:
ـ أسواق المستقبل ستكون حتماً صينية
ـ الصين لن تصبح الهدف الرئيسي في إستراتيجية الولايات المتحدة في المدى القريب
ـ اقتصاديون صينيون: مشاكل الولايات المتحدة ليست مسؤوليتنا
ـ الولايات المتحدة تتجاهل الصين وتشن هجوما قويا على اليوان
ـ كيف تتحول الصين من " مصنع العالم " إلى " قاعدة ابتكارات العالم"؟
ـ الصينيون يزيحون دايملر من صدارة إنتاج الشاحنات عالميا



وفي الشؤون السياسية يتضمن العدد موضوعين هما
ـ خبير: يتعين دفع العلاقات الصينية الروسية قدما باستمرار
ـ دبلوماسي إيراني يرى قوة كامنة كبيرة للتعاون بين الصين وإيران

وفي شؤون البيئة والعلم تحقيقات ومواضيع هذه عناوينها:
ـ رييويتان.. أضخم بناية للطاقة الشمسية في العالم
ـ الصين قطب مغناطيسي للتقنيات الخضراء
ـ انتشار الكتب الالكترونية يتعثر في الصين

وفي العدد دراسة موسعة تحت عنوان: مسيرة تاريخ ترجمة القرآن الكريم للغة الصينية

وفي الصفحة الأخيرة من العدد رسالة خاصة بـ "نشرة الصين بعيون عربية" من قارئ عربي في الصين تتضمن مشاهداته وقصيدة بعنوان: "البحيرة الغربية"

وإضافة إلى قراءة النشرة والتفاعل معها ندعوكم إلى التعرف إلى موقع "الصين بعيون عربية" على شبكة الانترنت
www.chinainarabic.org

موقع متكامل يتضمن الخبر والمعلومة والرأي والتحليل والتحقيق والدراسة ويتناول قضايا الصين الداخلية وعلاقاتها مع الدول العربية والعالم ككل، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والمنوعات والرياضة.

الموقع الشامل يعتمد على عشرات المصادر الإخبارية العربية والعالمية، إضافة إلى المواضيع الخاصة به التي ستغني الموقع وتقدم للقارئ كل ما يحتاج معرفته عن الصين وارتباطاتها بالقضايا العالمية.

وفي الموقع أبواب ثابتة تحوي معلومات متكاملة عن الصين تاريخياً وجغرافياً وسياسيا واقتصادياً، إضافة إلى الصورة الجميلة والمواقع المفيدة.

موقع الصين بعيون عربية www.chinainarabic.org هو استكمال لمشروع "الصين بعيون عربية" الذي تضمن المدونة التي تحمل الاسم نفسه (الصين بعيون عربية) http://chinainarabic.blogspot.com والنشرة الالكترونية الأسبوعية بالعنوان نفسه أيضاً (الصين بعيون عربية) والتي صدر منها ثلاثة وأربعون عدداً.

إنه مشروع متكامل، يهدف إلى جعل الصين أقرب، وهي التي باتت تفرض نفسها في كل مكان في العالم، والتي تحولت إلى فرصة وتحدّ في الآن عينه، وهو لبنة أولى في بناء المعرفة العربية حول الصين.

الموقع والمدونة والنشرة، صفحات مفتوحة لمن يرغب بالمساهمة في هذا المشروع الرائد، وذلك من خلال الكتابة حول كل المواضيع التي تهم الصين والعلاقات العربية معها، وحول واقع الصين ومستقبلها في العالم.

لتعليقاتكم واستفساراتكم وملاحظاتكم ومقالاتكم، يمكنكم مراسلتنا على العناوين البريدية التالية:

بريد موقع الصين بعيون عربية الرسمي: info@chinainarabic.org

مجموعة الصين بعيون عربية على الفايسبوك

China In Arab Eyes الصين بعيون عربية

بريد المجموعة الإخبارية: chinainarabic@gmail.com

بريد مدير المشروع: ramamoud@gmail.com

مدير المشروع على الماسنجر: rayamahmoud1@hotmail.com

الاثنين، ١٣ أيلول، ٢٠١٠

إيران والصين.. علاقة ثابتة على الدوام



افتتاحية العدد الثاني والأربعين من نشرة الصين بعيون عربية سأل كثيرون عن السبب الكامن وراء موافقة الصين على قرار مجلس الأمن رقم 1929 الذي يفرض عقوبات جديدة على إيران، واعتبرت تحليلات عديدة أن إيران والصين باتا في موقعين متعارضين، متوقعة أن يتسع الشرخ أكثر فأكثر بين بكين وطهران، بما يؤدي إلى اندثار العلاقة المميزة التي تجمع بينهما. بعد مرور ثلاثة أشهر على القرار يبدو مما يرد من أخبار أن العلاقة بين الصين وإيران هي أقوى اليوم مما كانت عليه قبل إصدار القرار الدولي، بما خيّب آمال الكثيرين في الغرب والشرق على السواء. تقدّم الصين الدليل تلو الآخر على أنها لا يمكن أن تتخلى عن أصدقائها بسهولة، ولا سيما إذا كان هؤلاء الأصدقاء يمتلكون وزناً استراتيجياً كذلك الذي تملكه إيران، في حين أن طهران لا يمكن أن تضحي بعلاقة تاريخية ومصيرية كتلك التي تجمعها بالصين. مشاريع تلو أخرى يتم التوقيع عليها بين البلدين، ليس آخرها مشروع مد خط قطار بين طهران والحدود العراقية بقيمة مليار ونصف مليار دولار ستتولى الصين تنفيذه في القريب العاجل، كما ذكرت صحيفة دايلي تلغراف البريطانية. المهم في الخبر أن هذا المشروع هو جزء من "خط حرير جديد" يربط الصين بالشرق الأوسط عبر دول آسيا الوسطى ومن خلال المرور بطهران ليكون خطاً تجارياً يملك مواصفات وقدرات دولية فائقة. إن المتتبع لمسار العلاقات الصينية الإيرانية يكتشف يوماً بعد يوم صدق النظرة التي تعطي لهذه العلاقة بعداً حضارياً تاريخياً يعود إلى آلاف السنوات، بما يشير إلى أن علاقة مستمرة على امتداد الزمن لا يمكن أن يعرقلها حدث هنا أو مشكلة هناك. لعل أفضل من أرّخ لتاريخ العلاقات الإيرانية الصينية وحاضرها ومستقبلها هو الكاتب الأميركي جون جارفر في كتابه: "الصين وإيران: شريكان قديمان في عالم ما بعد الإمبريالية" والصادر معرّباً عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. يقول الكاتب في آخر عبارة من كتابه الذي يحوي أكثر من 500 صفحة: "بالرغم من أن سبل التعاون بين الصين وإيران وقنواته ستتغير بتغير المصالح المتبادلة، إلا أن الحوافز التي تقف وراءه ستظل ثابتة على الدوام". إن هذه العبارة تحكم في الحقيقة العلاقات المستمرة بين البلدين والتي شهدت الكثير من التحولات على مدى الإمبراطوريات الماضية، وقبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها، فالصين ترى في إيران ركناً من أركان سياستها الخارجية ومتنفساً لها إلى الخليج و "قلب العالم"، وإيران ترى في الصين عمقاً لا تنضب إيجابياته، ولذلك فإن ضغوطاً من هنا وهناك لن تترك على هذه العلاقات إلا ندوباً طفيفة ما أسرع ما تندمل لتعود هذه العلاقات إلى طبيعتها المشرقة. كانت موافقة الصين على العقوبات فرصة للتخلص من الضغوط الأميركية الشديدة، لتعاود بكين ترتيب ملفات علاقاتها مع طهران، وما رفض القيادة الصينية لتصعيد العقوبات وتشديدها من خلال قرارات أميركية أحادية إلا دليل على أن الصين جارت واشنطن إلى حدود معينة، وذلك بعد أن بذلت جهودها لإفراغ العقوبات من تأثيراتها القاسية على طهران، وذلك كما فعلت تماماً عام 1997، وهي ستستمر في السير في هذا الطريق حفاظاً على الروح الحقيقية للعلاقة مع إيران والتي يصفها الكاتب جون جارفر في كتابها بأنها تقوم على عنصرين: الحضارة والقوة.

العدد الثاني والأربعون من نشرة الصين بعيون عربية



صدر العدد الثاني والأربعين من نشرة "الصين بعيون عربية" التي تعود إليكم بعد انقطاع طويل سببه ظروف خاصة، على أمل أن ينتظم صدور النشرة من أجل تقديم المعلومة والتحليل والتعليق حول الصين وعلاقاتها مع العرب والعالم.
يتضمن العدد ملفاً حول الصعود الصيني، فيه موضوعان:
ـ الخطر الأصفر قادم من الشرق .. الصين نحو المرتبة الأولى اقتصاديا
ـ هوية الصين كدولة نامية لم تتغير

أما افتتاحية العدد وهي بقلم رئيس تحرير النشرة فتحمل عنوان: إيران والصين.. علاقة ثابتة على الدوام،
وفي العدد مواضيع أخرى هذه عناوينها:
ـ عودة التوتر بين الهند والصين بعد رفض بكين منح تأشيرة لجنرال هندي
ـ الهند تتابع عن كثب أنشطة
الصين في المحيط الهندي
ـ لعبـة قـوة صينية أمريكية فـي المياه الآسيوية
ـ الصين تبدأ مناورات في البحر الأصفر
ـ أولى مقاتلات الجيل الخامس الصينية تحلق عام 2020
ـ تايوان تطلب شراء طائرات امريكية بعد تقرير بشأن التفوق الصيني
ـ طموحات الغاز الإيرانية تتوقف على فك الصين أسرار الغاز المسال
ـ الصين تقاوم من أجل كبح جماح تصدرها لقمة مستهلكي الطاقة في العالم
ـ الصين تغلق آلاف المصانع لتحسين صورتها قبل استضافة مؤتمر المناخ
ـ الصين تحتل المرتبة الأولى في العالم في خمس صناعات كبيرة
ـ الصين تسعى لدفع إستئناف المحادثات النووية السداسية
ـ (الصين ـ باكستان): الصديق وقت الحاجة هو الصديق الحقيقي
ـ الصين تسعى إلى رفع قدرة البلدان الأفريقية في مجال الزراعة
ـ شهر الصوم في الصين
ـ الفوانيس المستوردة من الصين تخفض مبيعات المصرية في رمضان
ـ لمحة عن العلاقة بين معاهد كونفوشيوس ونشر الثقافة الصينية
ـ الصين أصبحت أكبر دولة تخرج الدكاترة

الاثنين، ١٥ آذار، ٢٠١٠

استراتيجية الصمت الصيني تستفز واشنطن


محمود ريا
نشر في صحيفة السفير اللبنانية يوم الخميس 4/3/2010 على الرابط التالي: هنا
تضرب الصين بقوة، وتُضرب بقوة. هذا هو قدر المتحفز ليأخذ دوراً على الخارطة العالمية، فكيف إذا كان هذا الدور بحجم عملاق كالتنين الأصفر الذي يثير خشية الكثيرين، كما يثير خيال الكثيرين أيضاً، وخصوصاً أولئك الذين يبحثون عن بديل ما للنظام الكوني الذي يتحكم بالحركة السياسية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة.
الضرب الصيني يستمر في أخذ جانب النعومة التي اعتادت الصين على اعتمادها كوسيلة أساسية في علاقاتها مع الدول الأخرى، وهي نعومة ناشئة عن قرار مركزي ـ وتاريخي في الآن نفسه ـ بوضع المصلحة الصينية فوق أي اعتبار، وفي المرحلة الحالية، فإن المصلحة الاقتصادية تعلو على أي مصلحة أخرى، حتى ولو كانت مصلحة «تحرير الأرض» (تايوان مثلاً) أو مصلحة لعب دور يتوازى مع الحجم الكبير في السياسة الدولية.
من أجل ذلك تواصل الصين العمل بصمت، والسعي إلى تكديس المزيد من القوى الاقتصادية والمالية والعسكرية والبشرية، وتكريسها لخدمة النمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي، إلى حد جعل البعض يتساءل بشكل جدي: هل إن هذا الصمت الصــيني ناجم عن عدم الاقتناع بالقدرة على إحداث تغيير ما في الواقع العالمي، أم إنه ناشئ عن قرار واعٍ ومشروع يرتكز على مخطط مسبق، يهدف إلى الاستمرار باعتماد سياسة «الصعود السلمي» وصولاً إلى امتلاك القدرة على قلب الطاولة على الجميع دون استثناء وخلق نظام جديد تكون الكلمة فيه للصين وحدها أو ذات وزن حاسم من بين كل الكيانات السياسية الأخرى في العالم.
والصين التي تحقق إنجازات تخرج عن القدرة على الرصد والإحصاء في مختلف المجالات الاقتصادية (صناعة وتجارة وخدمات) والتي تدق أبواب الفضاء بقوة، وتضرب صواريخها إلى ما بعد طبقات الغلاف الجوي للكرة الأرضية، هذه الصين العملاقة تتعرض للضرب.
حتى هذه اللحظة لا تزال الضربات الموجهة إلى الصين تتم من خلال قفازات تختلف ألوانها وأنواعها بحسب نوع الضربة، لكن الضاربين ـ على رأسهم ضارب واحد في الواقع يحمل على صدره نجمة المارشال السائب في الغرب الأميركي ـ لم يجرؤوا على خلع قفازاتهم، وعلى وضع أصابعهم في العين الصينية، كما فعلوا سابقاً مع الاتحاد السوفياتي في لحظات ضعفه.
لا يزال الغرب، برأسه الأميركي، يوجه الإنذارات للصين، أو إنه يقول لها إنه يراها وهي تسير في الخفاء، لتكون القوة الاقتصادية الأولى بعد أقل من عشر سنوات، ويرصد حركتها وهي تعمل على الاستحواذ على الكثير من الموارد الطبيعية في مختلف القارات، ولا سيما في أفريقيا وأميركا الجنوبية، ويعرف مخططاتها التي تمررها تحت ستار اعتماد سياسة «التطنيش» تجاه الكثير من الأحداث العالمية والهرب من اتخاذ موقف إزاء الكثير من التطورات، في حين هي تعمل على تحقيق الهدف الأول الذي وضعته، وهو التحول إلى قوة عظمى حقيقية، قوة عظمى لا تنفع كل محاولات القوى الأخرى في الوقوف بوجهها.
لكن، إلى متى ستبقى هذه الدول الكبرى صامتة على ما تقوم به الصين، وإلى متى أيضاً يستطيع بعض الصينيين الصمود في مربّع التخلي عن الدور العالمي والتهرّب من الإعلان الصريح عن حجم القوة الصينية.
تبدو التحرشات الأميركية بالصين في الفترة الأخيرة مؤشراً على بدء نفاد الصبر تجاه الصعود الصيني الصاروخي. استقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما للدالاي لاما، وصفقة الأسلحة الأميركية المتطورة لتايوان، ووقوف مؤسسة الدولة الأميركية بقوة إلى جانب شركة غوغل في مواجهتها مع بكين، إضافة إلى التهديد بفرض غرامات اقتصادية على الصين بسبب ما قيل إنه إخلال بالالتزام بمبادئ التجارة الحرة، والضغوط التي تمارس على الصين للسير في مشروع العقوبات الأميركية على إيران، تبدو كلها مؤشرات على أن الولايات المتحدة ـ ومعها الغرب بالتأكيد ـ بدأت تهزُّ العصا بشكل أو بآخر للصين، أو انها بدأت تلوّح بنزع القفاز وخوض كباش حقيقي مع الصين قبل أن تصبح قوة لا مجال لضبطها وترويضها.
في المقابل هناك في الصين من لا يعجبه الاستمرار في سياسة النفس الطويل، لا بل إن هناك من يعتبر أن الصين تصمت على الإهانات التي تتعرض لها من الغرب دون أن ترد بالشكل الملائم.
يتزامن هذا الشعور الذي يعززه صعود ايديولوجي في صفوف مجموعات كبيرة من التيارات السياسية داخل الحكم الصيني مع المؤشرات التي تتوالى صعوداً على المستويين العسكري والاقتصادي.
وفي حين تصر الصين على اعتبار نفسها دولة نامية، تؤكد دراسة للاكاديمية الصينية للعلوم (CAS) نشرت مؤخراً أن الصين باتت دولة نامية من المرتبة الأولى، وهي تسمية ملطفة للتعبير عن تحول الصين إلى قوة كبرى حقيقية. في الوقت نفسه تقول دراسة للاكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS) إن الصين أصبحت بما لا يقبل الجدل القوة العسكرية الثانية في العالم، أي إنها تخطت كل الدول الأخرى ـ بما فيها روسيا ـ ولم يبقَ أمامها إلا الولايات المتحدة الأميركية.
إن هذا الشعور الصيني بالقوة الفائضة دفع إلى واجهة الضوء تياراً كبيراً في الصين بات يطلق عليه وصف «تيار ايديولوجيي بكين» مقابل التيار المسيطر على اللعبة السياسية في الصين حالياً الذي يصطلح على تسميته بـ«تيار اقتصاديي شانغهاي».
وبينما يصر التيار الاقتصادي على التعامل مع القضايا العالمية بكثير من التوافق مع قرارات الولايات المتحدة، فإن معلومات وردت من روسيا ونشرتها وكالة أنباء نوفوستي الروسية تفيد أن تيار ايديولوجيي بكين، أرسل موفدين إلى موسكو ليطالبها باتخاذ موقف أكثر حزماً في مواجهة الضغوط الأميركية تجاه فرض عقوبات على إيران.
وقالت الوكالة الروسية في تقرير بثته يوم الجمعة (19/2): لقد «وصلت أصداء المواجهة بين «الكومسوموليين البكينيين» و«رجال الأعمال الشنغهاويين» إلى العاصمة الروسية موسكو، إذ توافدت اليها وفود صينية لتستطلع رأي القيادة الروسية وتعرف مع مَن تقف موسكو: بكين أم واشنطن».
وإزاء هذا الوضع المتداخل، يصبح الحديث عن تشكّل صورة جديدة للعالم أمراً قريباً من الواقع، بغض النظر عن شكل هذه الصورة ومدى سوداويتها، لكنها صورة مرسومة بخطوط فيها الكثير من اللون الأصفر القادم من شرق آسيا، فيما تبدو سلسلة الضربات المتوالية بين الصين والغرب سائرة في متوالية هندسية لن تصل في المستقبل المنظور إلى المواجهة العسكرية، لكنها لن تيقي الأمور أبداً في خانة المسايرة الصينية للقرارات الأميركية، أو الصمت الأميركي عن الانجازات الصينية التي تكاد تقارب المستحيل.

السبت، ٣ تشرين الأول، ٢٠٠٩

بلا مواربة: الجيش الصيني. في الذكرى الستين


يثير الحديث عن الذكرى الستين لقيام جمهورية الصيبن الشعبية الكثير من الأسئلة حول المدى الذي تسير فيه هذه الجمهورية في استلهامها للمبادئ الأساسية التي حكمت انطلاقتها، من شيوعية الفلاحين إلى قيادة جيش التحرير الشعبي إلى تقديس القادة التاريخيين.
بالنسبة للنقطتين الأولى والثالثة يبدو أن هناك تغييرات ظاهرة في نظرة الشعب والقيادة الصينية إليهما.
فشيوعية الفلاحين باتت بعد التغييرات و"الإصلاحات" السياسية، التي شهدتها الصين في السبعينات من القرن الماضي، في خبر كان. وما يحكم النظام الاقتصادي الصيني اليوم هو اشتراكية السوق، وذلك في توليفة، ما تزال تنتظر الحكم على مدى نجاحها، بين الاشتراكية التي ما يزال الحزب الشيوعي يرفع لواءها، وآليات السوق الذي يحتاج الاقتصاد الصيني كثيراً إليها كي يستطيع استكمال النهوض الشامل الذي يشهده.
أما تقديس الزعماء التاريخيين فقد انتقل من إعطاء أهمية استثنائية للزعيم الحالي إلى تكريم الزعماء السابقين (مع ذكر محاسنهم فقط) مقابل انطفاء وهج الزعامة الحالية التي أخذت تبدو مثل كل الزعامات في الدول الأخرى، ولم تعد هناك هالات فوق التصور حولها ولا سيما الزعيم والقائد هو جين تاو، الذي يعامل في بلاده في صورة تشبه إلى حد كبير ما يعامل به الرئيس الأميركي أو الفرنسي أو غيرهما من رؤساء الدول في الغرب والشرق.
تبقى النقطة الثانية، وهي المتعلقة بجيش التحرير الشعبي. وهنا يبدو أن الأمور ما تزال على ما هي عليه منذ تأسيس الدولة الحديثة في الصين (وقبل ذلك بالنسبة لجيش الامبراطورية) وحتى اليوم.
من تابع العرض العسكري الذي شهدته ساحة تيان ان مين في العاصمة الصينية بكين يمكنه أن يلاحظ بسهولة الموقع المميز الذي يحتله جيش التحرير الشعبي في قلب القيادة الصينية وفي قلب الشعب أيضاً.
ربما يكون الجيش هو السند الخلفي الوحيد لكل ما تشهده الصين من تقدم، لأنه يعطي الدولة الاستقرار والاقتصاد الأمل بالتطور والناس الحماية التي لا يمكن أن يتخلوا عنها.
من أجل ذلك ينبغي النظر بدقة إلى ما يخطط له الجيش في الصين، لا ما يقوله السياسيون، لأنه بـ "القلم الأحمر" يرسم مستقبل الصين.. والعالم.
محمود ريا