السبت، ٣ تشرين الأول، ٢٠٠٩

بلا مواربة: الجيش الصيني. في الذكرى الستين


يثير الحديث عن الذكرى الستين لقيام جمهورية الصيبن الشعبية الكثير من الأسئلة حول المدى الذي تسير فيه هذه الجمهورية في استلهامها للمبادئ الأساسية التي حكمت انطلاقتها، من شيوعية الفلاحين إلى قيادة جيش التحرير الشعبي إلى تقديس القادة التاريخيين.
بالنسبة للنقطتين الأولى والثالثة يبدو أن هناك تغييرات ظاهرة في نظرة الشعب والقيادة الصينية إليهما.
فشيوعية الفلاحين باتت بعد التغييرات و"الإصلاحات" السياسية، التي شهدتها الصين في السبعينات من القرن الماضي، في خبر كان. وما يحكم النظام الاقتصادي الصيني اليوم هو اشتراكية السوق، وذلك في توليفة، ما تزال تنتظر الحكم على مدى نجاحها، بين الاشتراكية التي ما يزال الحزب الشيوعي يرفع لواءها، وآليات السوق الذي يحتاج الاقتصاد الصيني كثيراً إليها كي يستطيع استكمال النهوض الشامل الذي يشهده.
أما تقديس الزعماء التاريخيين فقد انتقل من إعطاء أهمية استثنائية للزعيم الحالي إلى تكريم الزعماء السابقين (مع ذكر محاسنهم فقط) مقابل انطفاء وهج الزعامة الحالية التي أخذت تبدو مثل كل الزعامات في الدول الأخرى، ولم تعد هناك هالات فوق التصور حولها ولا سيما الزعيم والقائد هو جين تاو، الذي يعامل في بلاده في صورة تشبه إلى حد كبير ما يعامل به الرئيس الأميركي أو الفرنسي أو غيرهما من رؤساء الدول في الغرب والشرق.
تبقى النقطة الثانية، وهي المتعلقة بجيش التحرير الشعبي. وهنا يبدو أن الأمور ما تزال على ما هي عليه منذ تأسيس الدولة الحديثة في الصين (وقبل ذلك بالنسبة لجيش الامبراطورية) وحتى اليوم.
من تابع العرض العسكري الذي شهدته ساحة تيان ان مين في العاصمة الصينية بكين يمكنه أن يلاحظ بسهولة الموقع المميز الذي يحتله جيش التحرير الشعبي في قلب القيادة الصينية وفي قلب الشعب أيضاً.
ربما يكون الجيش هو السند الخلفي الوحيد لكل ما تشهده الصين من تقدم، لأنه يعطي الدولة الاستقرار والاقتصاد الأمل بالتطور والناس الحماية التي لا يمكن أن يتخلوا عنها.
من أجل ذلك ينبغي النظر بدقة إلى ما يخطط له الجيش في الصين، لا ما يقوله السياسيون، لأنه بـ "القلم الأحمر" يرسم مستقبل الصين.. والعالم.
محمود ريا

الإثنين، ٢٧ تموز، ٢٠٠٩

أزمة شينجيانغ بين الحقوق المحلية المشروعة والتدخلات الدولية المكشوفة


محمود ريا

أن يغادر الرئيس الصيني هو جينتاو إيطاليا على جناح السرعة، تاركاً قادة العالم مجتمعين في قمة الثماني الاقتصادية، ليعود إلى بلاده إثر الاضطرابات التي تشهدها منطقة شينجيانغ غرب الصين، فهذا يعني واحداً من أمرين: إما أن الرئيس الصيني غير مهتم بقمة الزعماء الاقتصاديين في ظل معلومات عن عجزها عن اجتراح حلول للأزمة الاقتصادية العالمية، أو ان الوضع في منطقة شينجيانغ خطير فعلاً إلى درجة جعلت قائد ثالث أكبر اقتصاد في العالم يتخلى عن كل شيء للعودة إلى «قواعده» من أجل معالجة ما يحصل هناك.
المواقف التي أعلنها أكثر من مسؤول صيني توحي بأن الصين مهتمة فعلاً بالقمة الاقتصادية العالمية، فهي ناضلت كثيراً للوصول إلى المشاركة في القمة، بالرغم من الوزن الاقتصادي الذي تشكله على المستوى العالمي، وبالتالي فالقيادة الصينية لا تفرط بسهولة بحضور هذه اللقاءات التأسيسية التي تحمل تأثيراً استراتيجياً على الاقتصاد العالمي، ولا سيما أن هذه القمة التي تحتضنها مدينة أكويلا تشهد مشاركة العديد من رؤساء الدول النامية بما يشكل منتدى اقتصادياً عالمياً لا يمكن تفويته.
يبقى الاحتمال الآخر، وهو أن الصين تعيش وضعاً خطراً حقاً، وهذا ما دفع الرئيس الصيني إلى ترك التفكير بالعالم وأزماته الآن، لينصرف إلى إيجاد حل للأزمة الحقيقية التي تعيشها بلاده، حيث تنتشر على امتداد مليون وستمئة ألف كيلومتر من ملايين الأرض الصينية التسعة فتنة تكاد تطيح الأخضر واليابس.
صحيح أن الصين ستتغلب على هذه الأزمة التي تفجرت بشكل يعتبره المراقبون مفاجئاً وسريعاً، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمة ستترك ندوباً عميقة على جبهتين:
ـ جبهة العلاقات العرقية بين القوميات الصينية المختلفة، ولا سيما بين قوميتي الهان والإيغور اللتين خاضتا في هذه الأحداث حتى سالت من الطرفين بحور الدم.
ـ وجبهة صورة الصين التي تبذل الحكومة الصينية جهوداً جبارة لجعلها صورة مشرقة ومعبرة عن قوة تسعى بشكل حثيث كي تحمل لقب قوة عظمى في السنوات المقبلة، لتأتي أحداث جسيمة من هنا وهناك، فتعيد تلويث هذه الصورة وتفرض على المؤسسة الصينية العمل لجلائها من جديد.
وإزاء هذا الواقع تبدو عودة الرئيس الصيني إلى بيجينغ تصرفاً بعيداً عن العشوائية، وخطوة مطلوبة بقوة من أجل توحيد كل الجهود داخل الإدارة الصينية للخروج من هذا المأزق الذي ضُبط الصينيون فيه دون سابق إنذار.
مما لا شك فيه أن الأحداث الدائرة في إقليم شينجيانغ هي نتيجة سنوات طويلة من الاحتقان الذي تعيشه تلك المنطقة نتيجة حالة الانقسام العرقي الشديد الذي يذر بقرنه بين قوميتي الهان والإيغور، هذه الحالة التي عززتها إجراءات قامت بها السلطة الصينية من أجل فرض قومية على أخرى بشكل فجّ في أحيان كثيرة، وهذا ما أدى إلى شعور القومية الأخرى بأنها مستهدفة بتاريخها وبإيمانها وبثرواتها وبمستقبلها.
وقد تراكمت هذه الأحاسيس على مدى عقود، لتعيد إحياء أحلام قديمة وإيقاظ أحقاد أكثر قدماً، في ظل غياب معالجة ناجعة من قبل المسؤولين الصينيين الذين يُشهد لمتأخريهم بالعمل على تخفيف الإجراءات التعسفية بحق المواطنين الإيغوريين.
إلا أن ما لا يمكن إنكاره بالمقابل هو حجم الرعاية الخارجية لعملية إيقاظ المشاعر الدفينة لدى الأقليات في الصين، تماماً كما يحصل في كل منطقة يكون فيها للأصابع الغريبة وجودها النابع من مشاريع بعيدة كل البعد عن مصالح السكان الأصليين.
وقد كان وجود «قيادة الانتفاضة» الإيغورية في الولايات المتحدة الأميركية بالتحديد مثيراً للكثير من الأسئلة لدى المتابعين لشؤون الصين، وعلى رأسها السؤال الأكبر: إلى أي مدى يتمتع المقيمون في العاصمة الأميركية باستقلالية الحركة التي تسمح لهم باتخاذ قرارات كبيرة بحجم تفجير الوضع في منطقة شاسعة مثل إقليم شينجيانغ دون تدخل من الموسوسين الدوليين والغربيين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح المجال للإجابة عن أسئلة أخرى من قبيل: هل كان التحرك الشعبي الإيغوري عفوياً، وهل كان مجرد ردة فعل على قتل مواطنين إيغوريين في أحد المصانع من قبل مواطنين آخرين من قومية الهان؟
هل هذا التحرك معزول تماماً عن مشاريع إلهاء الدول التي تشكل خطراً على الولايات المتحدة، أو التي ستشكل خطراً في المستقبل، في مشاكل داخلية حادة يمكن من خلالها لواشنطن إعادة موازنة دورها ووجودها في العالم في ظل النكسات الشديدة التي تعرض لها هذا الدور خلال السنوات الماضية؟
وهل الصين هي الضحية الجديدة لما يراه بعض المتابعين للشؤون الدولية سياسة أميركية جديدة في التعاطي مع قضايا العالم، بعد فشل السياسة الحمقاء التي كانت الإدارة الأميركية السابقة تعتمدها؟
وأي دور لعبه الإعلام الجديد في تفجير الانتفاضة الإيغورية بعد أن قام بدوره كاملاً في مناطق أخرى من العالم خلال الأشهر الماضية، قبل أن تجد «الدول المعنية» وسائل ناجعة للعمل على إسكاته وإفشال المخططات الموضوعة له؟
هذه الأسئلة وغيرها لا تنفي أبداً المسؤولية الصينية عما يحصل داخل الصين، ولا عما يجب أن تقوم به حكومة بكين لإيجاد صيغة سحرية تجمع بين الحفاظ على وحدة البلاد والسعي لإعطاء الأقليات المزيد من الحقوق الأساسية التي لا يمكن العيش بدونها، ولكنها تفتح المجال أيضاً للبحث في الكيفية التي يقود بها بعض المتنفذين الدوليين لعبة بناء مستقبل جديد للعالم في ظل التنوع على مستوى الثقافات، وعلى مستوى مراكز السيطرة والتحكم في الوقت نفسه.
هذا المقال نشر في صحيفة السفير اللبنانية، صفحة قضايا وآراء يوم الجمعة 10/7/2009 تحت عنوان: مـن أضـرم النـار فـي الصيـن؟ وذلك على الرابط التالي:
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1283&articleId=1106&ChannelId=29637&Author=محمود%20ريا

السبت، ٢٠ حزيران، ٢٠٠٩

ماذا تريد الصين من العرب؟.. ماذا يريد العرب من الصين؟



محمود ريا

مع الصعود السريع للصين على مسرح العلاقات الدولية.. والحجم الكبير الذي يأخذه الاقتصاد الصيني على الخارطة الاقتصادية العالمية، يصبح السؤال عن فحوى العلاقات بين العرب والصين وما هو مطلوب لها وما هو مطلوب منها أكثر مشروعية من أي وقت مضى، فالصين هي ثالث اقتصاد في العالم الآن، وربما تصبح الاقتصاد الأول عالمياً قبل عام 2020، مع ما يعنيه ذلك من وزن سياسي واقتصادي للعملاق الأصفر في المرحلة القادمة.

إلا أن السؤال حول طبيعة العلاقات العربية الصينية يحمل في طياته عدة أسئلة اخرى: هل الصين واحدة في النظرة إلى العرب، وهل العرب يحملون نظرة واحدة لما يريدونه من الصين؟

أحد الخبراء العرب بالشؤون الصينية عاد منذ فترة من بيجينغ حاملاً نصف إجابة للسؤال الأول، ويبقى المطلوب السعي للوصول إلى استكمال الإجابة على هذا السؤال، ومن ثم الإجابة على السؤال الثاني بما يحمله من احتمالات وتعقيدات.

في دردشة، أرادها خاصة، وحاول أن ينطق بالكلمات خلالها بشكل هامس يدل على خطورة ما يقول، تحدث الخبير العربي (الذي يزور الصين أكثر من مرة في السنة) عن وجود تيار من الجيل الجديد في القيادة الصينية يطرح سؤالاً يشغل بال الجميع: ما هي العناصر المطلوبة للحفاظ على النمو المتصاعد للاقتصاد الصيني، وأين يمكن إيجاد هذه العناصر؟

يرى المنتمون إلى هذا التيار أن الحاجة ماسة إلى ثلاثة عناصر أساسية لاستمرارية نمو الاقتصاد الصيني هي المال والطاقة والتكنولوجيا العالية (الهايتيك)، ويتابعون أن الموجود في العالم العربي هو الطاقة والمال. ويبقى العنصر الثالث المطلوب، وهو التكنولوجيا العالية.

وهنا يقف أعضاء هذا التيار أمام سؤال عن الأماكن التي يمكن الحصول منها على هذه التكنولوجيا، فلا يجدون إلا مصدرين أساسيين لها: المصدر الأول هو الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الدولة تضع عقبات كثيرة أمام "نقل التكنولوجيا" إلى الصين خوفاً من المنافسة الشديدة التي يشكلها الاقتصاد الصيني للاقتصاد الأميركي. أما المصدر الثاني الذي يمكن الحصول منه على هذه التكنولوجيا العالية فهو إسرائيل.

وأمام هذه "المعادلة" ينطلق المنتمون إلى هذا التيار ليقولوا إن كلاً من المال المطلوب للاستثمارات، والطاقة اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد يمكن الحصول عليهما من مصادر أخرى غير الدول العربية، حيث أن النفط والغاز متوافران في دول كثيرة غير الدول العربية، كما أن الأموال المخصصة للاستثمارات ليست موجودة عند العرب وحدهم، ولا يتحكم بها العرب بشكل مستقل.

بالمقابل فإن التكنولوجيا العالية (وهي حاجة حيوية للاقتصاد الصيني) لا يمكن توفيرها إلا من إسرائيل ـ بعد الولايات المتحدة الأميركية ـ ويصلون إلى مفاضلة لا بد منها تقوم على قاعدة وجوب الوقوف إلى جانب إسرائيل والانسحاب من الموقف التقليدي الذي تقفه الصين إلى جانب العرب في منطقة الشرق الأوسط.

ينطق الخبير العربي هذه الكلمات ببطء ليضيف بعدها أن "السلطة الحاكمة" في الصين ترفض التسليم بالخلاصة التي يصل إليها "التيار الإسرائيلي" في القيادة الصينية، مشيراً إلى أن الشخصيات الأكثر بروزاً في القيادة الصينية تقرّ بأهمية العلاقة مع إسرائيل ولكن ليس على حساب العلاقات مع العرب، وتصرّ على الاحتفاظ بموقف متوازن من الصراع في المنطقة، حفاظاً على المصالح الاقتصادية الصينية من جهة، وتعزيزاً للدور الصيني المتنامي في السياسة الدولية من جهة أخرى.

هذا هو "نصف الجواب" الذي يقدمه الخبير العربي في الشؤون الصينية على سؤال: ماذا تريد الصين من العرب، ولكن هناك نصفاً آخر لم يتطرق إليه، وهو موقف القيادات "الأكثر تشدداً" في السلطة الصينية، سواء كانوا في الحزب الشيوعي أو في القيادة العسكرية الصينية.
تفيد معطيات مستقاة من أكثر من مصدر صيني أن القيادات الأكثر راديكالية في المؤسستين العسكرية والإيديولوجية الصينية لا تزال تنظر إلى العالم على قاعدة الصراع القادم لا محالة مع الولايات المتحدة الأميركية، وترى هذه القيادات في العالم العربي (بغض النظر عمّا يراه هو في نفسه) نقطة ارتكاز أمامية في أي نزاع قد يحصل مع واشنطن، أو حتى في أي حرب تندلع معها في المستقبل.

وبناءً على هذه الرؤية، يصر كبار الحاملين لهذه الأفكار على فرملة أي اندفاعة صينية واسعة النطاق باتجاه إسرائيل التي يعتبرونها حليفة لأميركا إن لم تكن جزءاً منها في المواجهة القادمة. ويعبر هؤلاء عن مواقفهم من خلال التعاون العسكري غير الخفي مع دول عربية بعينها، ومع دول أخرى في المنطقة لا تقيم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها إيران، ومن خلال تحصين المحيط الصيني من خلال المنظمات الإقليمية كمنظمة شنغهاي وآسيان، أو من خلال علاقات أكثر حميمية مع دول مؤثرة كروسيا.

وإذا كانت الصين، الدولة الواحدة، تحمل ثلاث رؤى متباينة حول العلاقة مع العالم العربي، فكيف ينظر العرب، بعالمهم المترامي الأطراف ودولهم المتنافرة الوجهات ومصالحهم المتناقضة، إلى الصين وما يريدونه منها؟

يمكن القول إن هناك ثلاثة تيارات أيضاً تحتوي النظرة العربية إلى الصين:

ـ التيار الأول: هو تيار ما يسمى بدول الممانعة، والتي لم يبقَ منها على ما يبدو إلا سوريا وحلفائها في المنطقة، وهذه الدول تريد الصين التي تقف إلى جانب القضايا العربية بقوة، وترغب في تحقيق تعاون عميق مع بيجينغ قد يصل إلى حد التحالف، وهي لا تخفي سرورها بأي تطور تشهده العلاقات مع الصين في أي مجال من المجالات، وبالمقابل فهي تنظر بريبة واستئياء إلى كل تطور تشهده العلاقات الصينية الإسرائيلية.

ـ التيار الثاني: هو التيار الرئيسي السائد في العالم العربي والذي اصطلح على تسميته بتيار "الدول المعتدلة"، وهذا التيار يرغب في علاقات جيدة مع الصين، ويحاول الحصول من القيادة الصينية على مواقف متفهمة للمبادرات والتحركات العربية الهادفة إلى تحقيق السلام في المنطقة، ولا تمانع في قيام علاقات صينية إسرائيلية قوية، لأنها تعتبر أن الصين قد تتمكن من خلال هذه العلاقات من الضغط على إسرائيل بشكل أو بآخر للسير في عملية السلام دون تاخير. كما ان هذه الدول تريد من الصين الوقوف إلى جانب الدول العربية في مجلس الأمن، ولا سيما في ظل سيطرة الفيتو (والقرار) الأميركي على هذا المجلس في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ـ ويبقى التيار الثالث من الدول العربية، وهو تيار الدول التي تريد الصين كاقتصاد، وتتعامل معها على أساس الفرص المتوافرة، بغض النظر عن الموقف السياسي، وهذه الدول تقع في شرق العالم العربي وغربه، ولا تتوقف كثيراً عند ما تقوم به الصين أو تفعله، إلا لجهة كونه يشكل مجالاً للاستثمار أو للحصول على دعم أو مساعدة صينية في هذا المجال أو ذاك.

إن نظرة سريعة إلى أرقام التبادل التجاري بين العالم العربي والصين (133 مليار دولار عام 2008) مقارنة بحجم التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل (4.5 مليار دولار عام 2007) توحي أن الصين لن تتخلى عن علاقاتها مع العرب بسهولة من أجل علاقة أكثر قوة مع إسرائيل، ولكن هذا التصور يفترض أن يكون لدى العرب كلمة واحدة يقولونها للمسؤولين الصينيين، ويتطلب أن يستطيع المسؤولون العرب إقناع الصينيين بالتعامل معهم كفريق واحد، وليس كدول متفرقة كل واحدة منها لها مصالحها وتطلعاتها ونظرتها إلى الأوضاع في المنطقة والعالم

* هذا المقال نشر مع بعض الاختصار في صحيفة السفير اللبنانية في صفحة قضايا وآراء يوم الثلاثاء 16/6/2009 تحت عنوان:

هل تستبدل الصين العرب بإسرائيل؟
وهذا رابط الموضوع في صحيفة السفير

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1261&ChannelId=29108&ArticleId=1635&Author=محمود%20ريا

السبت، ٢ نوار، ٢٠٠٩

البحرية الصينية:عيد.. ودور

افتتاحية العدد التاسع والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
محمود ريا
احتفلت البحرية الصينية خلال الأسبوع الماضي بذكرى تأسيسها الستين، في استعراض للقوة لم يحصل من قبل، ما حمل أكثر من دلالة على الاستراتيجية التي وضعتها الصين للمستقبل، ليس على مستوى القوة العسكرية فحسب، وإنما على مستوى التعامل مع العالم بشكل عام.
كانت دعوة قطع بحرية من أربعة عشر بلداً حول العالم إشارة لا بد منها إلى الدول القوية بوجوب أخذ القوة الصينية المتصاعدة بالحسبان، وفي هذا تخلّ عن مبدأ كانت الصين تعمل جاهدة على الحفاظ عليه، مبدأ "الاختباء" من وجه العالم حتى تحين اللحظة المناسبة.
هذا الاختباء كان يفترض أن الصين لم تحقق بعد القوة اللازمة كي تخرج على العالم بإعلان صريح يؤكد أنها قوة عظمى ولا بد من التعامل معها على هذا الأساس، لا بل إن القياديين الصينيين كانوا يصرون دائماً على أن الصين دولة من الدول التي لا تزال على طريق النمو، وإنها دولة لا همّ لها إلا أن تحمي أرضها من أي هجوم خارجي، في رؤية دفاعية لم تتغير منذ قرون ولم تشهد أي نقض لها من أي تصرف رسمي صيني تجاه دول الخارج.
اليوم تقول الصين: بالإذن.. نحن هنا، وقد اختارت البحرية في عيدها لتقول هذه الكلمة الجريئة، وليس هذا الاختيار نابعاً من فراغ، وإنما له عمق يتمثل في قيام البحرية الصينية خلال العام الماضي بمهمتين رياديتين يحملان "الرقم واحد" بكل جدارة: الأولى إلى مياه بحر عمان وخليج عدن للمساهمة في مكافحة مشكلة القراصنة الصوماليين، وذلك في أول تحرك عسكري ردعي تقوم به الصين في تاريخها، والثانية إلى جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي حيث أكدت الصين بذلك قدرتها على فرض رأيها في قضايا الخلافات الحدودية المفتوحة في تلك المنطقة، عندما تشاء ذلك.
لقد حملت هاتان المهمتان رؤية "حماية المصالح" الصينية، ما يشكل افتراقاً عن السياسة التقليدية المتبعة والتي تنص على "حماية الأراضي" الصينية من الاعتداء.
البحرية الصينية اليوم أكبر وأقوى وأكثر فاعلية، تماماً كما هي الصين في أذهان العالم، وقد جاء احتفال هذا الأسبوع بمثابة إطلاق صافرة إنذار لا بد من سماعها جيداً.
هل تسرّعت الصين في إظهار نفسها، وهل تجاوزت برنامجها السابق الذي كان يقوم على الانتظار عشر سنوات أخرى قبل القيام بهذه الخطوة؟
هناك من يقول إن الصين أسرعت لتلاقي ظروفاً كانت تظن أنها متأخرة الحصول، ظروف انهيار القوة العالمية العظمى التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية، وانكفاء قوى دولية أخرى عن لعب دور القوة الكبرى. وبذلك وجدت الصين نفسها على حين غرة في موقع المطالب بموقف.. وهذا ما كان.

الأربعاء، ٢٢ نيسان، ٢٠٠٩

مؤتمرات إقليمية لأزمة عالمية

افتتاحية العدد 38 من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية

محمود ريا

تشهد مدن العالم الكبرى العديد من المؤتمرات التي تنعقد على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية التي تضرب كل مكونات الاقتصاد وتهدد بانهيار القواعد التي تقوم عليها الحركة الاقتصادية العالمية إضافة إلى انهيار امبراطوريات كبرى والكثير من الدول الصغرى.
وإذا كان بعض هذه المؤتمرات التي تنعقد هي ذات طبيعة دورية ، بحيث أن انعقادها يحصل كل عام أو أكثر، إلا أن هذا لا ينفي كونها باتت منحصرة في البحث عن علاج ما للورطة التي وقعت فيها دول العالم والتي بدأت معالمها بالظهور في أكثر من منطقة.
فبعد مؤتمر العشرين الذي انعقد في بداية شهر نيسان/ أبريل الحالي ومؤتمر الآسيان الذي كاد أن يتحول إلى كارثة دولية بعد مهاجمة المتظاهرين للمؤتمرين في العاصمة التايلندية بانكوك، جاء مؤتمر بواو في جزيرة هاينان الصينية ليعبر عن التوجه الذي بات يسود في العالم، حيث ضم المؤتمر الذي انعقد هذا العام تحت عنوان: "الأزمة الاقتصادية وآسيا" أكثر من 1600 شخصية من جنوب شرق آسيا بينهم زعماء عشر دول من آسيا.
والمعروف أن منتدى بواو يقدم موقع حوار رفيع المستوى لتشاور شخصيات مختلف الأطراف حول قضايا التنمية الاقتصادية والسكان والبيئة بآسيا، ويعكس المطالب العصرية لطموحات مختلف الدول الآسيوية في تعزيز الحوار والبحث عن التعاون لتحقيق التنمية المشتركة في ظروف العولمة الاقتصادية.
وقد أظهرت المناقشات التي جرت في المؤتمر هذا العام مدى حاجة الحاضرين إلى مناقشة هذه القضايا
بشكل معمق على ضوء التطورات الدراماتيكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
رئيس الوزراء الصيني ون جياباو قدم صورة مختلفة قليلاً عندا قال إن إجراءات التحفيز الصينية
"ستظهر القدرة الكامنة للنمو الاقتصادي الصيني باستمرار، وأثناء تحسين معيشة الشعب الصيني، ستتوفر المزيد من الفرص التجارية والاستثمارية لدول العالم."
إلا أن هذه النظرة الإيجابية لم تخف اعتراف جياباو بأن "الأزمة المالية الدولية ما زالت تنتشر، وأن الوضع الأساسي لركود الاقتصاد العالمي لم يتغير، وتجاوز تدهور الكيانات الاقتصادية التوقعات، وقد يشهد انتعاش الاقتصاد العالمي عملية طويلة ومعقدة".
فهل نجح مؤتمر بواو الذي أسس ليكون النسخة الآسيوية من مؤتمر دافوس العالمي في تقديم بعض العلاجات لأزمة قد لا ينفع معها إلا الكي؟
على الصين أن تبرهن للعام أنها قادرة على إعطاء الأمل بتحقيق ذلك، وإلا فإن العالم يسير بالفعل إلى المجهول.