‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 18 مارس 2008

بهدف تدمير معجزة الاقتصاد الصيني : كتاب "حرب العملات" يكشف مؤامرة "عائلة روتشيلد" لخفض قيمة الدولار ورفع أسعار النفط والذهب

صحيفة القدس الفلسطينية
واشنطن ـ محمد سعيد
يعزز ارتفاع أسعار النفط والذهب في الوقت الذي تنخفض فيه قيمة الدولار الأمريكي مقارنة بالعملة الأوروبية اليورو بالعملات الشكوك التي كان كتاب "حرب العملات"
"The currency war" الذي صدر في سبتمبر الماضي قد أثارها بالحديث عن مؤامرة "يهودية" تعد لتقويض ما يسميه "المعجزة الصينية" الاقتصادية.
ويتعرض الكتاب الذي ألفه الباحث الأمريكي من أصل صيني سنوغ هونغبينغ حاليا إلى هجوم من منظمات يهودية أمريكية وأوروبية تتهم مؤلفه بمعادة السامية بسبب تحذيره من تزايد احتمال تعرض ما يسميه "المعجزة الصينية" الاقتصادية للانهيار والتدمير بمؤامرة تدبرها البنوك الكبرى المملوكة لليهود منذ القرن التاسع عشر حين تمكنت عائلة روتشيلد اليهودية من تحقيق مكاسب هائلة حينذاك زادت عن ستة مليارات دولار وهى ثروة تساوى مئات الاضعاف بل الاف الاضعاف لو قورنت هذه الثروة بأسعار القرن الحادى والعشرين .
ويرى هونغبينغ ان تراجع سعر الدولار و ارتفاع اسعار البترول و الذهب بأنها ستكون من العوامل التى ستستخدمهما عائلة روتشيلد لتوجيه الضربة المنتظرة للاقتصاد الصينى.
وقد حقق الكتاب مبيعات قياسية منذ صدوره بلغت نحو مليون وربع نسخة إضافة إلى أن عرضه على شبكة الانترنيت قد وفر الفرصة لملايين الصينيين لقراءته ومن بينهم كبار رجال الدولة الصينية ورجال المال والاعمال والبنوك والصناعة .
وتعزو تقارير صحفية اهتمام الصينيين بهذا الكتاب الى مخاوفهم من ان يتعرض اقتصادهم الذي ينمو بشكل حاد لخطر الانهيار فى اى لحظة او على الاقل ان يتعرض لضربة شديدة مشابهة لما تعرضت له اقتصاديات دول جنوب شرق اسيا المعروفة باسم النمور الثماني فى التسعينات و من قبلها اليابان التى تخطت خسائرها من جراء هذه الضربة ما لحق بها من خسائر مادية بعد أن قصفتها الولايات المتحدة بالقنابل الذرية فى أواخر الحرب العالمية الثانية.
واتهم هونغبينغ في كتابه عائلة روتشيلد وحلفاءها من العائلات اليهودية الكبرى بأنها تتحين الفرصة للنزول بسعر الدولار الامريكى الى ادنى مستوى له (وهو ما يحدث حاليا) حتى تفقد الصين فى ثوان معدودة كل ما تملكه من احتياطى من الدولار ( الف مليار دولار ) محذرا من ان الازمة التى يتم التخطيط لها لضرب الاقتصاد الصينى ستكون اشد قسوة من الضربة التى تعرض لها الاقتصاد الاسيوى فى التسعينات .
خطة المؤامرة اكتملت
ويتهم المنتقدون هونغبينغ بأنه يميل في كتابه إلى نظرية المؤامرة فيما يتعلق بالسيطرة اليهودية على النظام المالي العالمي، فهو يعتقد أنه لم يعد هناك شك فى أن عائلة روتشيلد انتهت بالفعل من وضع خطة لضرب الاقتصاد الصينى مشيرا الى ان الشىء الذى لم يعرف بعد هو متى سيتم توجيه هذه الضربة، وحجم الخسائر المتوقعة جراء هذه الضربة التي يحذر الكتاب من أن كل الظروف اصبحت مهيئة لتنفيذها ضد الاقتصاد الصينى الذى يهدد امبراطورية عائلة روتشيلد بعد ان ارتفعت اسعار الاسهم و البورصة وارتفعت اسعار العقارات فى الصين الى مستويات غير مسبوقة مشيرا الى انه لم يبق سوى اختيار الوقت المناسب لتنفيذ الضربة .
ويعتقد هونغبينغ أن انسحاب عائلة روتشيلد منذ عام 2004 من نظام تثبيت سعر الذهب الذى يتخذ من العاصمة البريطانية لندن خطير لقرب تنفيذ عملية تستهدف توجيه ضربة قوية للاقتصاد الصينى.
لذلك دعا هونغبينغ الصين باتخاذ اجراءات وقائية بشراء الذهب بكميات كبيرة من احتياطيها من الدولار مشيرا الى ان الذهب هو العامل الوحيد القادر على مواجهة اى انهيار فى اسعار العملات .
ويكشف كتاب "حرب العملات" ان قوة عائلة روتشيلد المتحالفة مع عائلات يهودية اخرى مثل عائلة روكفيلر و عائلة مورغان أطاحت بحياة ستة رؤساء امريكيين لا لشىء الا لأنهم تجاسروا على الوقوف فى وجه هذه القوة الجبارة لمنعها من الهيمنة على الاقتصاد الامريكى من خلال السيطرة على الجانب الاكبر من اسهم اهم مصرف امريكى وهو البنك المركزى الامريكى المعروف باسم "الاحتياط الفدرالي".
ويوضح الكتاب أن ما يقصده بالظروف المهيئة هو وصول الاحتياطى الصينى من العملات الاجنبية الى ارقام قياسية، تزيد عن الف مليار دولار وهو اكبر احتياطى من العملات الاجنبية تمتلكه دولة فى العالم. فيما تواصل الاستثمارات و الاموال السائلة تواصل تدفقها من جميع انحاء العالم على الاسواق الصينية و تشهد التعاملات فى البورصة الصينية قفزات كبيرة فيما تسجل اسعار العقارات ارتفاعات قياسية .
ويقول هونغبينغ في معرض تحذيره للصينيين، انه عندما تصل اسعار الاسهم والعقارات الى ارتفاعات مفرطة بمعدلات تتخطى السقف المعقول بسبب توافر السيولة المالية بكميات هائلة فانه يكفى للمتآمرين الاجانب ليلة واحدة فقط لتدمير اقتصاد البلاد بسحب استثماراتهم من البورصة و سوق العقارات ليحققوا ارباحا طائلة بعد أن يكونوا قد تسببوا فى خسائر فادحة للاقتصاد الصينى .
النفط والذهب والدولار أدوات السيطرة
ورغم أن الصين تحاول الحد من تدفق رؤوس الاموال الاجنبية عليها بمعدلات تفوق المعقول، فإن المسؤولين الصينيين ينظرون بشك عميق تجاه النصائح الغربية بفتح نظامهم المالي وتعويم عملتهم اعتقادا منهم "أنها وسيلة جديدة لنهب الدول النامية." الا ان الكتاب يكشف عن ان حكومة بكين لم تستطع على عكس ما تتخيل السيطرة بشكل كامل على دخول المليارات الى السوق الصينى بسبب تسلل هذه المليارات من بوابة هونغ كونغ وشينزين المتاخمة.
ويرى الكتاب أن وضع الصين الاقتصادى يقترب الى حد كبير من الوضع الاقتصادى لدول جنوب شرق اسيا و هونغ كونغ عشية الازمة الاقتصادية الكبرى للعام 1997، مشيرا إلى بوادر إشارات تلوح فى الافق تؤكد أن الصين بدأت تتعرض بالفعل لبشائر ضربة مدمرة لاقتصادها الصاعد أهمها التراجع المتواصل لسعر الدولار والارتفاع الجنونى لاسعار النفط الذي تتزايد حاجة الصين له.
ويستعرض الكتاب بعد ذلك بقدر من التفصيل المؤامرة التى ادت الى انهيار الاتحاد السوفيتى السابق، مشيرا الى ان تفتت هذه القوة العظمى الى جانب الانهيارات التى تعرضت لها دول جنوب شرق اسيا و اليابان لم تكن على الاطلاق وليدة الصدفة بل هى انهيارات خطط لها بعناية من قبل عائلة روتشيلد و المتحالفين معها.
انهيار بورصة لندن بداية سيطرة "روتشيلد"
ويعتبر هونغبينغ ان حرب العملات الحقيقية بدأ فى واقع الامر على يد عائلة روتشيلد اليهودية و بالتحديد فى 18 يونيو 1815 قبل ساعات قليلة من انتصار القوات البريطانية فى معركة" ووترلو " الشهيرة على قوات امبراطور فرنسا نابليون بونابارت . و يوضح الكتاب ان " ناتان " الابن الثالث لروتشيلد استطاع بعد ان علم بأقتراب القوات البريطانية من تحقيق فوز حاسم على نابليون استغلال هذه المعلومة العظيمة للترويج لشائعات كاذبة تفيد بأنتصار قوات نابليون بونابارت على القوات البريطانية حتى قبل ان تعلم الحكومة البريطانية نفسها بهذا الانتصار بـ 24 ساعة لتنهار بورصة لندن فى ثوان معدودة لتبادر عائلة روتشيلد بشراء جميع الاسهم المتداولة فى البورصة البريطانية بأسعار متدنية للغاية لتحقق فى ساعات قليلة مكاسب طائلة، بعد أن إرتفعت بعد ذلك الاسهم فى البورصة الى ارقام قياسية عقب الاعلان عن هزيمة نابليون بونابارت على يد القوات البريطانية.
وقد حولت هذه المكاسب عائلة روتشيلد من عائلة تمتلك بنكا مزدهرا فى لندن الى امبراطورية تمتلك شبكة من المصارف و المعاملات المالية تمتد من لندن الى باريس مرورا بفيينا و نابولى و انتهاءا ببرلين و بروكسل. وبعد أن تمكنت عائلة روتشيلد من تحقيق ثروة هائلة من جراء انهيار بورصة لندن التي تسببت فيها، ارتدت نحو فرنسا لتحقيق مكاسب طائلة من الحكومة الفرنسية، حيث يكشف الكتاب كيفية نجاح الابن الاكبر جيمس روتشيلد فى العام 1818 فى تنمية ثورة عائلة روتشيلد من اموال الخزانة العامة الفرنسية، إذ أنه بعد هزيمة نابليون بونابارت امام البريطانيين حاول ملك فرنسا الجديد لويس الثامن عشر الوقوف فى وجه تصاعد نفوذ عائلة روتشيلد فى فرنسا فما كان من جميس روتشيلد الا ان قام بالمضاربة على الخزانة الفرنسية حتى اوشك الاقتصاد الفرنسى على الانهيار.... وهنا لم يجد ملك فرنسا امامه من سبيل اخر لانقاذ الاقتصاد الفرنسى سوى اللجوء الى جيمس روتشيلد الذى لم يتأخر عن تقديم يد العون للملك لويس الثامن عشر لكن نظير ثمن باهظ و هو الاستيلاء على جانب كبير من سندات البنك المركزى الفرنسى و احتياطيه من العملات المحلية و الاجنبية .
وبذلك تمكنت عائلة روتشيلد خلال السنوات الثلاث بين 1815 الى 1818 من جمع ثروة تزيد عن 6 مليارات دولار من بريطانيا وفرنسا ، وهى ثروة جعلت العائلة تجلس اليوم وفقا للكتاب على تلال من المليارات من مختلف العملات العالمية حتى لو لم يؤخذ فى الاعتبار ان هذه الثروة كانت تزيد بمعدل 6 بالمئة مع مطلع كل عام.
ويشير الكتاب الى ان عائلة روتشيلد اعتبرت نفسها بأنها نجحت فى انجاز مهمتها على الوجه الاكمل فى منتصف القرن التاسع عشر بعد ان سيطرت على الجانب الاكبر من ثروات القوتين العظمتين حينذاك وهما بريطانيا وفرنسا وانه لم يعد امام افراد العائلة للسيطرة على الاقتصاد العالمى سوى عبور المحيط الاطلنطى حيث الولايات المتحدة التى تمتلك كل المقومات لتكون القوة العظمى الكبرى فى العالم فى القرن العشرين .
ويستشهد هونغبينغ فى كتابه بمقولة مشهورة لناتان روتشيلد بعد أن احكمت العائلة قبضتها على ثروات بريطانيا " لم يعد يعنينى من قريب او بعيد من يجلس على عرش بريطانيا لاننا منذ ان نجحنا فى السيطرة على مصادر المال و الثروة فى الامبراطورية البريطانية فاننا نكون قد نجحنا بالفعل فى اخضاع السلطة الملكية البريطانية لسلطة المال التى نمتلكها ".
الانتقال إلى أمريكا
وقد إعتبرت عائلة روتشيلد بعد ذلك ومعها عدد من العائلات اليهودية الاخرى بالغة الثراء أن المعركة الحقيقية فى السيطرة على العالم تكمن فى واقع الامر فى السيطرة على الولايات المتحدة فبدأ مخطط اخر اكثر صعوبة لكنه حقق مآربه فى النهاية.
فقد شهد يوم 23 ديسمبر عام 1913 منعطفا مهما فى تاريخ الولايات المتحدة عندما اصدر الرئيس الامريكى ويدرو ويلسون قانونا بانشاء البنك المركزى الامريكى (الاحتياطي الفدرالي) لتكون الشرارة الاولى فى إخضاع السلطة المنتخبة ديمقراطيا فى امريكا المتمثلة فى الرؤساء الامريكيين لسلطة المال المتمثلة فى الاوساط المالية ، وكبار رجال البنوك الخاضعة لليهود بعد حرب شرسة بين الطرفين استمرت مئة عام.
ولم تكن عائلة روتشيلد هى العائلة اليهودية الوحيدة التى شاركت فى تحقيق الانتصار على رؤساء امريكا المنتخبين ديمقراطيا فى حرب المائة عام بل ساعدتها فى ذلك خمس او ست عائلات يهودية كبرى بالغة الثراء اشهرها بالقطع عائلتى روكفيلر ومورغان. وقد تمثلت هذه الهيمنة على البنك المركزى الامريكى فى نجاحهم فى امتلاك اكبر نسبة فى رأس ماله.
ويتناول "حرب العملات" بالتفصيل ظروف الحرب الشرسة التى دامت مئة عام بين رؤساء امريكا والاوساط المالية و المصرفية التى يسيطر عليهما اليهود و التى انتهت بسقوط البنك المركزى الامريكى فى براثن امبراطورية روتشيلد و اخوانها.
ويقول هونغبينغ ان رؤساء امريكا كانوا على قناعة تامة طوال حرب المئة عام بأن الخطر الحقيقى الذى يتهدد امريكا يكمن فى خضوع امريكا لرجال المصارف اليهود على اساس أنهم لا ينظرون إلا لتحقيق الثروات دون النظر الى اى اعتبارات اخرى .
ويستشهد الكتاب فى ذلك بالرئيس أبراهام لينكولن الذى حكم امريكا خلال الحرب الاهلية الامريكية. فقد اعلن لينكولن اكثر من مرة انه يواجه عدوين و ليس عدوا واحدا .. العدو الاول الذى وصفه لينكولن بأنه الاقل خطورة يكمن فى قوات الجنوب التى تقف فى وجهه اما العدو الثانى الاشد خطورة فهو اصحاب البنوك الذين يقفون خلف ظهره على اهبة الاستعداد لطعنه فى مقتل فى اى وقت يشاء . اما الرئيس توماس جيفيرسون صاحب اعلان استقلال امريكا فى العام 1776 فقد اكد انه مقتنع تمام الاقتناع بان التهديد الذى يمثله النظام المصرفى يعد اشد خطورة بكثير على حرية الشعب الامريكى من خطورة جيوش الاعداء .
ويكشف هونغبينغ فى كتابه عن ان حرب المائة عام بين رؤساء امريكا واوساط المال والبنوك تسببت فى مقتل ستة رؤساء امريكيين اضافة الى عدد اخر من أعضاء الكونغرس.
فقد كان الرئيس وليام هنرى هيريسون الذى انتخب فى العام 1841 أول ضحايا حرب المائة عام عندما عثر عليه مقتولا بعد مرور شهر واحد فقط على توليه مهام منصبه انتقاما من مواقفه المناهضة لتغلغل اوساط المال والبنوك فى الاقتصاد الامريكى ، اما الرئيس زيتشارى تايلور الذى مات فى ظروف غامضة بعد خضوعه للعلاج من آلام فى المعدة اثر وجبه عشاء فقد اثبت التحليلات التى جرت على عينة من شعره بعد استخراجها من قبره بعد مرور 150 عاما على وفاته (اى فى العام 1991) انها تحتوى على قدر من سم الزرنيخ .
وقد تسببت ايضا حرب المائة عام بين رؤساء امريكا وأوساط المال والبنوك بقيادة عائلة روتشيلد فى مقتل الرئيس ابراهام لينكولن فى العام 1841 بطلق نارى فى رقبته فيما توفى الرئيس جيمس جارفيلد أثر تلوث جرحه بعد تعرضه لطلق نارى من مسدس اصابه فى ظهره.
أما الرئيس الامريكى الذى اعطى الانطباع بأنه انتصر على رجال البنوك فهو الرئيس اندرو جاكسون (1867 ـ 1845) الذى استخدم مرتين حق الفيتو ضد إنشاء البنك المركزى الامريكى ساعده فى مقاومته الناجحة لاوساط المال الاعمال التى يسيطر عليهما اليهود الكاريزما التى كان يتمتع بها بين ابناء الشعب الامريكى.
"الاحتياط الفدرالي" تحت سيطرة روتشيلد وأخواتها
وكان الرئيس جاكسون قد اوصى قبل وفاته بان يكتب على قبره عبارة "لقد نجحت فى قتل لوردات المصارف رغم كل محاولاتهم للتخلص منى". ويؤكد هونغبينغ أن البنك المركزى الامريكى يخضع فى واقع الامر لاوساط المال والبنوك لا سيما لعائلة روتشيلد بعد أن سيطرت على البنك المركزى الامريكى بشراء جانب كبير من اسهمه.
وقد حاولت بعض وسائل الاعلام الصينية التحقق من هذا الامر بإستضافة احد الرؤساء السابقين للبنك المركزى الامريكى و هو بول فولكر الذي رد في مقابلة على أحد القنوات التلفزيونية الصينية على سؤال إن كان البنك المركزي الأمريكي يخضع بالفعل للبنوك الخاصة التى تمتلك الجانب الاكبر من اسهمه، رد معترفا بأن البنك المركزى الامريكى ليس مملوكا للحكومة الامريكية بنسبة 100 بالمئة لوجود مساهمين كبار فى رأس ماله غير انه طالب الصينيين بعدم اصدار احكام مسبقة فى هذا الصدد.
ومن المعروف أن البنك المركزي الأمريكي يصف نفسه بأنه "خليط غير عادي من عناصر القطاعين العام والخاص" بينما يقوم الرئيس الأمريكي بتعيين الأعضاء السبعة لمجلس محافظيه فإن البنوك الخاصة تمتلك حصصا في فروعه الإقليمية الـ 12 الأخرى.
غير أن هونغبينغ يتجاوز ذلك ليؤكد أن البنك المركزى الامريكى يخضع لخمسة بنوك أمريكية خاصة على شاكلة سيتي بانك، وهي تخضع بالفعل لاثرياء اليهود الذين يحركون الحكومة الفيدرالية الامريكية من وراء الستار كيفما شاءوا، وبالتالى فهم يتحكمون فى اقتصاد باقى دول العالم من خلال البنك المركزى الامريكى .
وقامت بعض الاوساط اليهودية باتهام كتاب حرب العملات بأنه كتاب معاد للسامية مشيرة انه فى حال حدوث اى انهيار للاقتصاد الصينى فان مسئولية هذا الانهيار المزعوم يجب ان يلقى على عاتق انتهاكات الصين لحقوق الانسان و كبت الحريات و مقاومة شعب تايوان للتوسع الصينى و ليس على عاتق اليهود حتى لو حاول مؤلف الكتاب ان ينفى عن نفسه تهمة معاداة السامية بالاشادة بذكاء اليهود و قدرتهم على تحقيق النجاح الباهر، حيث يقول "يعتقد الشعب الصيني أن اليهود أذكياء وأغتياء، لذلك ينبغي أن نتعلم منهم. وحتى أنا أعتقد أنهم بالفعل أذكياء، وربما أذكى الناس على وجه البسيطة."

الأحد، 17 فبراير 2008

هل الصين جديرة بالديمقراطية

الصين ليست غير جديرة بالديمقراطية، وليست جاهزة من خلال تقاليدها الكنفشيوسية لليبرالية السياسية


موقع إيلاف الاكتروني
صلاح نيوف

عنوان الكتاب بالعربية: الصين والديمقراطية
عنوان الكتاب بالفرنسية: La Chine et la démocratie

المؤلف (عمل جماعي): إشراف Mireille Delmas-Marty: عضو في أكاديمية العلوم السياسية الفرنسية، قاضية وأستاذة في Collège de France.
Pierre –Etienne Will: مؤرخ فرنسي للصين المعاصرة، أستاذ كرسي تاريخ الصين في Collège de France، مدير الدراسات في "مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية".
دار النشر: Fayard، باريس 2007.
عدد الصفحات: 897 صفحة.



ما بين هاتين الجملتين أو الفكرتين المبسطتين يجمع الكتاب كبار المتخصصين بالصين السياسية و يكرس لهم صفحاته، ثم ينطلق من الأسئلة التالية:
ما هو التقليد القانوني الصين؟ ما هو طريق الصين الذي سلكته منذ مشروع الدستور في عام 1908 حتى أيامنا؟ كيف بنيت وكيف تبنى دولة القانون في الصين؟ كيف يمكننا طرح سؤال حقوق الإنسان؟
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول رئيسية: ( 1ـ تقليد وإعادة بناء، 2ـ المؤسسات الإمبراطورية، 3ـ نهاية الإمبراطورية والجمهورية، 4 ـ استخدام فكرة الديمقراطية في القرن العشرين، 5 ـ الديمقراطية الضائعة، 6ـ الزمن الحاضر: بناء دولة القانون ضمن سياق العولمة، 7ـ المؤسسات الجديدة).
يقول الكتاب في مقدمته، أنه في سنوات التسعينات ظهر في القارة الآسيوية إعادة قراءة أو مساءلة للقيم العالمية الأساسية في حقوق الإنسان.. ليست حقوق الإنسان أو الأنظمة الديمقراطية نفسها هي التي رفضت، بل الإدعاء الغربي بفرض هذه القيم كمعايير للتقييم والحكم، ناكرين على الثقافات الأخرى كل إمكانيات الحوار معها أو حتى تبنيها. فالتطور السريع للعديد من اقتصاديات القارة الآسيوية (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان، سنجابور وهونغ كونغ) شجع بشكل قوي وكبير هذه النسبية الثقافية. وبعد توبيخها ونقدها للاتجاهات الغربية في موضوع الفردية والمنافسة، تؤكد نظرية "القيم الآسيوية" أنها تتمتع بقدر من التضامن وتحتفظ بروح الجماعة، احترام العائلة، التراتبية الوظيفية و النظام في العمل، كما أنها نجحت في اعتناقها ثقافة الفلسفة الكنفشيوسية.
إن الكتابات التي يضمها هذا الكتاب تحلل، ومن خلال رؤية جديدة، الخطاب الذي ينتمي إلى هذه الفلسفة وإلى المؤسسات الصينية التقليدية المتعلقة بالقيم الديمقراطية والتي تتشابه مع القيم أو النموذج الغربي. أيضا يتحدث الكتاب بكثير من الإثارة و يتساءل حول عدم التوافق المفترض "للتقليد" السياسي الصيني مع القيم و الممارسات التي تقودها الليبرالية الديمقراطية الحديثة والتي بدأت بدخول الصين قبل قرن من الزمان.
الكتّاب المشاركون فضلوا بالنسبة لمستقبل الصين الشعبية، وكما ورد في الصفحة 30 من الكتاب: " إحصاءا تاريخيا هو في نفس الوقت ينتقد ومنفتح على المؤسسات العامة و بنفس المقدار على المؤسسات المدنية، يتحدث عن حوار الأفكار، الممارسات الفكرية، ثم التجارب التي من شانها التأثير بشكل أو بآخر على مواجهة الصين مع مختلف الأشكال والنماذج السياسية، أو تنظيم وفهرسة ثم تطوير المصادر السياسية في المجتمع الصيني". هذه التحقيق الذي يقوده الكتاب، يؤدي لملاحظة أن: إذا نظام ديمقراطي هو غير منفصل عن شكل دولة القانون، فإن النظير أو المقابل لهذا أو عكسه ليس بالضرورة محقق أو مثبت. مع ذلك، التغيرات السياسية تترافق من الآن فصاعدا مع العديد من الإصلاحات القانونية، والتي، بالرغم أنها تتحول لأدوات لها غايات تشريعية ذاتية للنظام السياسي، تنتج بشكل يقيني "منعكسات أو تأثيرات للنظام" تتصف بالعديد من التسميات العفوية للقضاة و تظهر في الشعب الصيني نوعا من الوعي القانوني" كما يقال أحد المشاركين وهو Stéphanie Balme.
فتحويل القانون إلى حالة عالمية يكثف هذه المنعكسات و التأثيرات للنظام، ولكن تأثيرها السياسي ليس بسهولة يمكن رؤيته ضمن مقياس أو عملية فيها نتائج العولمة تغذي و تثير النقاش حول حدود الديمقراطية و تعزز كذلك الشكوكية الصينية في مواجهة "النموذج" الديمقراطي الليبرالي. في الواقع وكما يرى الكتاب، العولمة القانونية، التي تتصف بتشكيل فضاء افتراضي من غير حدود، تعمق الأزمة الحالية للديمقراطية و لدولة القانون. هذه الأزمة للديمقراطيات الغربية حدثت من خلال ظهور شكل من أشكال الديمقراطية التشاركية، فالسلطة التي تزعزع السياسات والتي أعطيت للقضاة الدستوريين لمراقبة قانون التصويت من قبل البرلمان و التوسع المتدرج "للاستثناءات" تعزز السلطة التنفيذية في الصراع مع الإرهاب العالمي. الكاتبة Mireille Delmas-Marty المشاركة في هذا الكتاب توصف كذلك "التناقض" داخل العولمة نفسها: " العولمة تعزز الانفتاح الديمقراطي ولكنها تنعكس بشكل سلبي على دولة القانون، وهذا له ارتدادات و أصداء على النقاش والحوار الصيني حول مدى موافقة وتلاؤم الديمقراطية".
إعادة التقييم هذه و المفكر فيها جيدا للتقاليد الصينية تنقل الكتاب إلى نتيجة وهي أن معرفة عميقة للقانون الصيني تبعد الفكرة المنتشرة كثيرا بأن الفكر الصيني هو بشكل عميق غريب عن مفهوم القانون نفسه. ويؤكد الكتاب عكس هذه النظرية عندما يقول بقلم أحد المشاركين وهو Jérôme Bourgon الذي يتساءل إذا مبدأ التوازن بين العقوبة والجريمة ليس مبدأ من اختراع الصينيين بل أن هذا المبدأ الصيني يشهد على علم حقيقي للقانون. فالإعلان عن القانون، توضيح العقوبات، مراقبة القرارات القضائية كلها كانت مضمونة في النظام الصيني القديم أكثر من الأنظمة الأوربية القديمة. بالمقابل، إن مفهوم renzhi الذي يعني (حكومة يسيطر عليها مجموعة من الرجال)، والذي يتعارض مع مفهوم fazhi (حكومة تدار بالقانون)، يشكل خطرا على عملية انحراف السلطة لأنه يترجم من خلال الفكرة القائلة بوجود مبادئ فوق القانون. بالإضافة لذلك، السلطات لم تكن منفصلة ضمن التقليد الصيني، فالسلطة القضائية ليست مستقلة: القيم الأخلاقية للحكام تتفوق على القانون.
هذه التحليلات التي يقدمها الكتاب تصل إلى نتيجة أخرى أيضا. وهي إذا "مبادئ" الديمقراطية، والتي تشكل مطلبا عند الكنفشيوسيين المعاصرين، هي في النهاية صعبة الإصلاح في التقليد الصيني كما تقول الكاتبة Anne Cheng، فإن الصين تستطيع مع ذلك استدراك وفق الكاتب Pierre Will ماض ديمقراطي. ففي الصين، وقبل ألفي عام، كان هناك أولوية للشعب على الملك. الشعب الصيني اعترف به "كأساس للأمة" guoben أو bangben، وما يثير الإعجاب أكثر أنه كان للصينيين حق الانتفاض ضد ملك غير عادل ونزعه من مهمته. وفي عهد الأسرة الحاكمة " Ming" (1368ـ1644)، العديد من الموظفين تجرؤوا على الكلام وأكدوا من جديد على هذه المبادئ ضمن إطار من النقد للسلطة الفردية.
لقد استحضر هؤلاء النظرية المؤلفة من سيادتين، الملك و الشعب. ووفق الكاتب Pierre Will فقد وجد شكل من أشكال المراقبة القانونية على تصرفات الدولة أو الملك، حيث أن للواجبات ضمن هذه المراقبة أولوية على الحقوق، وهذا ما يشكل نظاما لا بل مراقبة دستورية. وهذا عمليا يشرح ويوضح النقمة ضد تلك العائلة الحاكمة Ming والتي ترافقت مع مظاهرات مفتوحة للمعارضة أدت لإنهاء العائلة.
يحلل الكتاب في أهم محاوره الحالة الصينية في القرن العشرين. فالديمقراطية هي أولا مرتبطة بالتحديث: فقد كان على الصين ومن أجل تعزيز قوتها، أن تتخلص من إرثها الثقافي، لاسيما الكنفشيوسي، وتنقل من الغرب العلم والمؤسسات الديمقراطية. ولكن الديمقراطية أصبحت فيما بعد في خطاب السلطة وأيضا في خطاب المخالفين لها وبشكل متدرج " فزاعة ". Yves Chevrier و Xiaohong يحللان بدقة تعرجات التحول المؤسساتي للدولة قبل ومع بدايات القرن العشرين (1895ـ1949). فبعد سقوط "الأيام المائة" في 21 أيلول من عام 1898، و الديمقراطية البرلمانية عام 1913، ثم حركة 4 أيار 1919 وانتصار الدولة التسلطية لمؤسسها Guomindang، سيلجأ "ماوتسي تونغ" على توظيف مفهوم الديمقراطية ثم يرميه بعد الاستخدام.
يتحدث الكتاب هنا عن "الثورة الثقافية"، وهي فترة تم تقييمها بأنها فترة عنف أقرب للفاشية منها إلى الديمقراطية. لكن مفهوم الديمقراطية سيعود للظهور بشكل عفوي عند المثقفين الشباب خلال السبعينات من القرن العشرين مع مفاهيم القانون والمساواة. وفي الثمانينات، الرعب من الخارجي سيعود إلى صفوف حكام الصين بشكل مشابه للفوضى الكبيرة المرتبطة "بالديمقراطية الكبرى الماوية" للثورة الثقافية. هذا التشابه سيصبح ملازما للبروباجندا الرسمية الصينية. إنها وكما يشير الكتاب، مازالت قائمة: مع تخلف في صفوف الشعب، وحيث يرى النظام الصيني أن الوقت الآن هو للاقتصاد وليس للديمقراطية. إن النظرية التي وضعها الصينيون أنفسهم متوقفة عن العمل في البلاد، فالمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني تحكم الصين ومن غير أن يشار إليه نهائيا في الدستور الصيني.
ويرى الكتاب أن المشروع الديمقراطي في الصين يحتاج للمتابع حتى يُعرف إذا كان النظام يفكر فيه. فالحزب الحاكم نجح حتى الآن في كسب الوقت وعزز سلطته في الأرياف بفضل كوادره المنتشرة في كل الأنحاء ويرى فيهم الشعب أنهم الأكثر عدالة. هذه الكوادر فرضت نفسها عبر انتخابات محلية قادت إلى تحسين الاستقرار الاجتماعي والفعالية الإدارية، ثم على الشرعية السياسية للحزب. فإدخال عناصر ديمقراطية ولو بشكل محدود، يمكن أن يحمل إلى الصين "ديمقراطية صينية تحت الحزب الواحد"، وهذا يتطابق مع الجرعات الديمقراطية التي تحتاجها الصين من أجل توازن المصالح المنبثقة من تشعب المجتمع الصيني ومن الحزب نفسه خاصة فيما يتعلق بالمشاركة و المراقبة.
في النهاية يرى الكتاب أنه من الصعب الآن التوقع أو تحديد التطور الديمقراطي بشكل دقيق والذي يبدون أنه انطلق في الصين من خلال الإصلاحات. ولكن يختم صفحاته باستنتاج يبدو انه في غاية الأهمية بالنسبة لجميع المشاركين: "السيناريو الأكثر احتمالا هو دون أدنى شك في دمقرطة من خلال تخصيب قانوني للأرض السياسية".
يمكننا القول كرؤية عامة للكتاب، أنه يتمركز داخل رؤية استشراقية ديناميكية للصين: منطلقا من مصادر السياسة في هذا البلد متسائلا عن قدرة الصين في تحقيق ديمقراطيتها ضمن صيرورة خاصة بها من التطور الاقتصادي و القانوني. أما طموح جميع المشاركين لم يكن في تقديم معاينة كاملة للحالة الصينية، بل إضاءة مسيرة هذا البلد الضارب جذوره في أعماق التاريخ والذي لم يكتمل بناءه حتى اليوم.

السبت، 5 يناير 2008

لى بنغ يكتب عن : السلام والتنمية والتعاون

صحيفة الشعب الصينية
نشر // لى بنغ // الرئيس السابق للمجلس الوطنى لنواب الشعب / مجلس الشعب / كتابا اخر يستعرض فيه الاعمال الدبلوماسية فى خلال عقدين من الزمان حين كان نائبا لرئيس مجلس الدولة ورئيسا لمجلس الدولة ثم رئيسا للجنة الدائمة للمجلس الشعب .
هذا الكتاب بعنوان : // السلام .. القيمة .. التعاون -مذكرات لى بنغ الدبلوماسية // . ويتكون من قرابة الف قطعة من الصحف احتفظ بها لى بنغ ونسخ طبق الاصل لخطب القاها وتقارير صحفية عنه .
يصور الكتاب الاحداث الدبلوماسية الرئيسية التى شارك فيها فى فترة 1983 -- 2003 , موضحا العملية الدبلماسية الرئيسية للبلاد .
يعد هذا الكتاب الجديد هو السادس فى سلسلة اليوميات التى نشرها . والخمس الاخرى تغطى اعمال لى بنغ مع برنامج التحكم بالمياه فى المضائق الثلاثة وصناعة الطاقة الكهربائية ومشاريع الطاقة النووية والتشريعات والاحدات الاقتصادية .
وفى مقدمة الكتاب كتب لى بنغ بقول ان الصين ستتمسك بسياسة سلمية خارجية مستقلة كما ستساهم بالمزيد فى سبيل سلام وتنمية العالم .
يذكر ان لى كان رئيسا لمجلس الدولة لفترة عشرة سنين ورئيس لمجلس الشعب لخمس سنين اخرى .

الجمعة، 4 يناير 2008

فن الحرب لـسن تزو لا يزال صالحا للتطبيق

موقع إيلاف الإلكتروني
القاهرة ـ محمد الحمامصي
ترجع أهمية كتاب (فن الحرب The art of war) للكاتب الصيني سن تزو Sun Tzu والذي ترجمه عن الإنجليزية الناقد د.جمال التلاوي وصدر عن دار الهدي إلي العديد من العوامل فهو أقدم ما وصل إلينا من المؤلفات التي تدور موضوعاتها حول الاستراتيجية بصفة عامة والاستراتيجية العسكرية علي وجه الخصوص وهو الكتاب الذي أذاعت شهرته في المحافل العسكرية و بين المتخصصين في العلوم الاستراتيجية إلي حد تسميته بــ (الكتاب المقدس للدراسات العسكرية) . وضع الكتاب منذ حوالي 25 عاما و لا يزال صالحا للتطبيق حتي اليوم وهو يتألف من13 فصلا هي "وضع الخطط و التقديرات"، "شن الحرب"، "مبادئ الهجوم الاستراتيجية"، "المناورات التكتيكية"، "الطاقة"، "نقاط الضعف و القوة"، المناورة"،تنوع التكتيكات"،"تحرك الجيش"، "الأرض"، "المواقف التسعة"، "الهجوم بالنيران"، "استخدام الجواسيس".
ان الترجمة الحرفية عن الصينية لعنوان الكتاب هي"الاستراتيجية العسكرية لــ,(سن تزو)" و قد كتب خلال القرن السادس قبل الميلاد بواسطة ويهتم بعرض الجوانب المختلفة للحرب و قد حاز علي إعجاب المتخصصين العسكريين باعتباره كتابا محددا عن التكتيك والاستراتيجية العسكرية و هو يعد واحدا من أشهر الدراسات حول الاستراتيجية وله صدي و تأثير كبير في المجالات العسكرية و التخطيطية بصفة عامة و كانت أول ترجمة له منذ مائتي عام إلى الفرنسية علي يد الأب "أميو" حيث تأثر به نابليون و القادة الألمان وكذلك من خطط لعملية عاصفة الصحراء وقد صرح عدد من الزعماء مثل "ماوتسي تونج"و "جياب" بأنهم قد استلهموا الكثير من أفكارهم من ذلك الكتاب.
ويقول د. جمال التلاوي: تذكر مقدمة طبعة lionel gails أن"سن تزو" قاد جيشا من 30 ألف جندي واستطاع أن يهزم عدوه الذي كان جيشه يتألف من نحو 120الف جندي لأنه حقيقة الأمر انتصر دون أن يخوض أي معركة أي أن انتصاره كان انتصارا تكتيكيا و تفوقا كاسحا في فنون إدارة الأزمات والصراعات بما يضمن حسمها دون الاضطرار لخوض القتال بشكله التقليدي، ولعل هذا كان السبب الرئيسي الذي دفع إلى ترجمة "فن الحرب" الي العربية فهو بالإضافة إلى كونه مخطوطا تاريخيا هاما يحتوي علي نص لأقدم مؤلفات الاستراتيجية العسكرية و أساسا قامت عليه أبنية العديد من الإستراتيجيات العسكرية الحديثة فهو أيضا كتاب لا نظير في فنون إدارة الصراع علي كافة المستويات الفردية، والجمعية، والقومية، والدولية، وهو كذلك مادة خام يمكن بتشكيلها الخروج بقواعد ناجزة في العديد من المجالات العملية كالدبلوماسية وإدارة الأعمال وقد فطن الأوربيون ومن بعدهم الأمريكيون إلى ذلك فقتلوا الكتاب بحثا ووضعوا حوله الكثير من الشروحات التي تنحو به إلى الإفادة في شتي المجالات السياسية والإدارية وحتي الرياضية.
ويضيف: كما أن الشعب الصيني اتخذ من نصوص ذلك الكتاب وعباراته الدالة،حكما وأمثالا يتداولها أفراده كأحد أهم مكونات تراثهم الثقافي فإن الولع بنصوص و عبارات "فن الحرب"سرعان ما انتقل إلى الكثير من الدول الأوربية قبل أن تساهم "الميديا" الأمريكية بالنصيب الأوفر في انتشار الكتاب وذيوع نصوصه في العالم أجمع من خلال الأعمال السينمائية والتليفزيونية التي أشارت للكتاب ومؤلفه فقد أنتجت هوليود في عام 2000م فيلما بعنوان "فن الحرب" كان بطله لا يفتأ يقتبس نصوص "سن تزو" و لعنا نذكر "جوستاف جريفز" في فيلم "جيمس بوند" الشهير وهو يقتبس ويردد من عبارات هذا الكتاب، كما قدمت هوليود والصين مسلسلات تليفزيونية تحمل العنوان ذاته وتعرض فصول الكتاب بشكل درامي، وقد أدي كل هذا الزخم الإعلامي إلى رواج "فن الحرب"في شكله المطبوع وخروج العديد من ترجماته وتصدر تلك الترجمات لقائمة الكتب الأكثر مبيعا في الأسواق الأوربية والأمريكية.
و علي الرغم من أننا نقر باعتقادنا بعمومية "فن الحرب" و قابليتها للتطبيق في مجالات إدارة الصراع علي مختلف مستوياته فإن للكتاب فوائد حقيقية علي مستوي التطبيقات العسكرية تتجاوز كونه مخطوطا تاريخيا إذ استفاد منه الخبراء العسكريون علي مر العصور من صفوة القادة العسكريون الصينيين و محاربي الساموراي اليابانيين في زمن "سن تزو" مرورا بنابليون و قادة ألمانيا النازيين ووصولا إلى مخططي غزو أمريكا للعراق من خلال ما سمي بعاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت وتعتبر دول شرق اسيا هذا الكتاب جزءا من اختبارات القبول في الكليات العسكرية لديها و كذلك هو جزء من مناهج الدراسة بالعديد من الكليات العسكرية في الشرق الأوسط.
ترجمة أم تحقيق
ويؤكد د.جمال التلاوي أنه نظرا لأهمية الكتاب علي المستوي الاستراتيجي والمستوى التاريخي فقد وجد أن ترجمته إلى العربية ترجمة تتوخي الأمانة العلمية وتحقيق الفائدة المرجوة في آن أمر واجب التحقيق، ولكن ماذا نترجم؟ إن الطبعات المختلفة التي اعتمدنا عليها طبعات باللغة الإنجليزية تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، ولعل هذا الاختلاف يرجع إلى أن المترجمين الشراح ينتمون الي علوم مختلفة استراتيجية عسكرية، إداراة اعمال، تجارة، علوم اجتماعية،و أنهم لم يكتفوا بترجمة نص"سن تزو"كما هو بل ان اهتمامهم الاكبرانصب علي كتابة الشروحات و التعليقات و التطبيقات حتي أمست هناك صعوبة حقيقية في استخلاص عبارات النص الاصلي من بين سطور تلك الترجمات.
وأضاف: علي الرغم من صغر حجم النص الأصلي المترجم لكتاب "فن الحرب" فإن الطبعات الإنجليزية المتوفرة يترواح عدد صفحات بعضها بين مائتي صفحة وأكثر من خمسمائة صفحة.
و كان الطموح هو القيام بمحاولة تحقيق علمي للنص الأصلي بعيدا عن أي شروحات أو تعليقات أو تطبيقات غير أن التحقيق العلمي يستوجب اتقانا للغة الصينية- لغة النص الأصلي- وهو ما لم يتوفر مما ألجأني إلى الترجمات الإنجليزية التي تداخلت فيها عبارات النص الأصلي مع ما تم إضافته من شروح وتعليقات.
ترجمات فن الحرب
كتب "فن الحرب"في نصه الأصلي باللغة الصينية، وكانت أول ترجمة له للغة اليابانية حيث قام بإنجازها ثلاثة من كبار رجال الساموراي الذين عكفوا علي دراسته و تطبيقه في حروبهم من أجل توحيد اليابان غير أن التاريخ الدقيق لهذه الترجمة غير محدد، أما عن الترجمة إلى اللغات الأوروبية فقد تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية عام 1772 وان كانت موسوعة ويكيبيديا تشير إلى أن التاريخ الصحيح لهذه الترجمة هو 1782 ومن بعد الترجمة الفرنسية تعددت الترجمات إلى الألمانية والإنجليزية، وعلي الرغم من أن معظم المراجع تتفق علي ان أول ترجمة للإنجليزية تمت في عام 1910 و هي الترجمة التي قام بهاlionel gails"" فإن"james clavell "في مقدمة طبعته الصادرة عام 1983 يشير إلى أن أول ترجمة الي اللغة الإنجليزية كانت عام 1905 و قام بها p.f.calthser، أما ترجمة و طبعة لايونيل جايلز فتمت عام 1910 وهي مليئة بالتعليقات التي أضافها شراح "سن تزو"الصينيون ونقلها عنهم "لايونيل جايلز" و إذا ما توقفنا عند ترجمة و طبعة 1910 التي صدرت في انجلترا و قام بها lione gails لوجدنا أنها الأشهر وأنها كانت بمثابة الجسر الذي عبر عليه "فن الحرب"الي الفكر العالمي المعاصر، وقد كان lionel gailsعضوا بقسم الكتب و المخطوطات و المطبوعات الشرقية بالمتحف البريطاني و ذهب الي بعثة أثرية لدراسة آثار الصين ممثلا عن الحكومة الصينية.
ويري د.التلاوي أن الكتاب في نصه الأصلي عبارة عن مجموعة من التعاليم التي ترقي إلى ما يمكن تسميته بــ"فلسفة الاستراتيجية العسكرية" حيث لا يقدم "سن تزو" تفصيلات و لا ينشغل بتوفير النماذج والتطبيقات بل يطرح عبارات متتابعة في فلسفة التكتيك و المناورات و الاستراتيجية.
و بكتابة النص الأصلي بفصوله الثلاثة عشر في بنود ونقاط محددة قد ينتج عنه تكرارا وتشابها فيما يظن أن "سن تزو" قام بكتابة "فن الحرب" كمقالات مستقلة قبل أن يقوم بتجميعها عقب الانتهاء منها في كتاب واحد أو لعل الأمر مردود إلى شراحه الصينيين أو الي مترجميه إلى الإنجليزية و ليس إلى "سن تزو" نفسه.
و لا ننكر أن هذه الترجمة تحاول ان تقدم نقلا أمينا لواحد من أهم عيون التراث الإنساني الي لغتنا العربية التي أمست في أمس الحاجة الي طوفان من الترجمات يصلها بما انقطعت عنه من أسباب الحضارة الإنسانية و يعود فيضعها من جديد علي طريق المساهمة في الإنتاج الفكري العالمي.

الأحد، 2 ديسمبر 2007

سعي الصين إلى تعريف غير غربي للتحديث

صحيفة المستقبل اللبنانية
د. مسعود ضاهر
على غرار موقف الغرب من النهضة اليابانية المستمرة منذ القرن التاسع عشر، يكرر غالبية المثقفين الأوروبيين والأميركيين اليوم مواقف مشابهة تجاه حركة التحديث في الصين ولا يرون فيها سوى تقليد لمقولات الغرب، وبالإستناد إلى رساميله، ومقولاته النظرية، وتكنولوجيته المتطورة.
لكن نهضة الصين قد إنطلقت بسرعة مع بداية حركة الإصلاح والإنفتاح المستمرة مع نسبة نمو هي الأعلى في العالم والتي تراوحت ما بين 7 ـ 9% دون إنقطاع. ولم يعر المثقفون الصينيون، على غرار ما فعل مثقفو اليابان ودول النمور الآسيوية، إهتماماً كبيراً للأفكار السائدة في أوروبا وأميركا عن تجارب التحديث الآسيوية، فقادة تلك الدول أدركوا أن الغرب متقدم عليهم، وأن من واجبهم الإستفادة من تجاربه في التحديث، والأموال الوفيرة لديه، والتكنولوجيا المتطورة التي يملكها لسنوات طويلة إلى أن تتملك تلك الدول شروط نهضتها وتنافس الغرب على مختلف الصعد. وقد أدركوا ان مصالح القوى المسيطرة في الغرب هي التي أملت على شركاتها دعم البلدان الآسيوية التي تحولت إلى مراكز إنتاج تقدم لشعوب الغرب سلعة جيدة بكلفة رخيصة جداً.
لذلك إتخذ الباحث أندريه تشانغ موقفا عقلانيا من المقولات الإيدولوجية الغربية التي فندها بالتفصيل في كتابه الجديد "الممارسة الصينية" والذي شكل نقطة تحول مهمة في الدراسات الغربية تجاه الصين بشكل خاص، والدول الآسيوية بشكل عام.
فهو باحث فرنسي من أصل صيني، على درجة عالية من الثقافية النظرية والخبرة الإقتصادية معاً، ويتقن اللغة الصينية إلى جانب الفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى، ويقيم بين باريس وبكين، ويتولى إدارة مجموعة كبيرة من المؤسسات العاملة بين فرنسا والصين، ويقدم إستشارات مهمة لشركات عالمية توظف مليارات الدولارات على الساحة الصينية.
لم يكن هاجسه إيديولوجيا لأنه ليس على قناعة بأولوية الغرب على الشرق في النظام العالمي الجديد، بل يقدم صيغاً عقلانية للتعاون تمهد الطريق لعلاقات طبيعية بين الجانبين على أساس المصالح المشتركة ودون النظر إلى الشعارات الإيديولوجية السائدة .فهل صحيح أن الصينيين واليابانيين وباقي شعوب دول النمور الآسيوية هم في موقع المنفذ لمقولات الغرب ويضعون أنفسهم في خدمة رساميله التي توظف بكثافة في منطقة جنوب شرق آسيا؟ وكيف حققوا إذا نهضة سريعة، ومنهم من ينافس الغرب بأسلحته لا بل تفوق عليه على غرار تفوق اليابان في مجال صناعة الروبوت وبعض السع الإلكترونية المتطورة؟. وهل أن الصناعات المتطورة وثورات العلوم والتكنولوجيا والبيولوجيا وغيرها هي الآن حكر على الغرب كما كانت حتى أواسط القرن العشرين؟
لقد باتت بعض الدول الآسيوية شريكا للغرب في تلك الثورات، ولم تعد مجرد ملحق إقتصادي للتوظيفات الغربية. لذا يبدأ المؤلف كتابه بسؤال منهجي بالغ الأهمية: هل أن الصينيين مشاركون فعلا في بناء النهضة الصينية بمقولات صينية وأخرى مستفادة من تجارب التحديث الناجحة في العالم أم أنهم في حالة تبعية ثقافية، وتقنية، ومالية للغرب؟ أليس لديهم نظام قيم مختلف، وطريقة أخرى في التفكير والممارسة؟ وكيف بمقدور الغرب أن يقيم علاقات تعاون مع الصينيين إذا كانوا مقلدين له؟ وما هي أفضل الطرق للتخلص من تلك المقولات الإيديولوجية البالية ولبناء مؤسسات مشتركة بين الصينيين والغربيين على أساس الإحترام المتبادل؟
لقد تشوهت علاقات الغرب بالشرق الأقصى إنطلاقا من رؤيتين خاطئتين: إعجاب الغرب الخادع بحكمة الشرق من جهة، والخوف المضمر الذي يكنه الغرب لنهضة الشعوب الآسيوية من جهة أخرى. فهناك عشرات الكتب والدراسات التي تظهر خوف الغرب من نهضة العرق الأصفر إنطلاقا من مقولة تتكرر بإستمرار: "إذا إستيقظت الصين إهتز العالم". فالغرب يريد الشرق أن يبقى حكيماً لكن فقيراً ومتخلفاً، يعتاش على فتات الرساميل الغربية، ويبقى في حالة إستيراد دائم للتكنولوجيا الغربية. وحين تملك الآسيويون التكنولوجيا وطوروها، وغزت سلعهم الرخيصة الأسواق العالمية، وإختل الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة بشكل حاد حتى تجاوز المائتي مليار دولار في العام 2006، دب الذعر في صفوف عتاة الرأسمالية الغربية. فقد تحولت الصين بسرعة إلى دولة عملاقة ذات كثافة سكانية تزيد على المليار وثلاثمائة مليون نسمة. وتتمتد أراضيها على تسعة ملايين وستمائة ألف كلم 2، ولديها موارد إقتصادية وافرة، وتمتلك قوى بشرية هائلة وقادرة على المنافسة الجدية. وتملكت الصين التكنولوجيا المتطورة، وفائضاً كبيراً من الرساميل، وأمدت أسواق العالم بسلع جميلة أسعدت مليارات الناس على إمتداد العالم كله.
في هذا المجال يدور سجال حاد بين الإقتصاديين الصينيين والغربيين حول دور الرساميل الخارجية في إطلاق نهضة الصين. فقسم كبير من السلع ينتج في الصين لخدمة تلك الرساميل. وهي تقدم فوائد كبيرة لأصحاب الرساميل، وتستفيد منها الطبقات الفقيرة والوسطى في دول الغرب أكثر مما يستفيد منها العامل الصيني الذي لا ينال سوى أجر ضئيل جداً. ولا تنال الصين سوى نسبة ضئيلة جداً من الأرباح أو فائض القيمة المنتجة في تلك السلع. وهذه السياسة الإقتصادية هي اليوم موضع شكوى كبيرة في الصين نفسها. ويعاد النظر فيها بصورة جذرية بعد أن أنهكت القوى العاملة الصينية، وإستنزفت موارد الصين الطبيعية، وأدت إلى تلوث البيئة، وزادت في حدة التناقضات الداخلية.
تضمن الكتاب مقدمة وسبعة فصول حملت العناوين التالية: الحقيقة والمواربة، الإبداع والتحول، الفضيلة والتناقض، البطل والإستراتيجي، الفاعلية، التنظيم الإجتماعي، الإستدراك والعولمة .
تبدو هذه العناوين ذات طابع شمولي تجمع بين الفلسفة، والتاريخ، والإجتماع ، والإقتصاد، والسياسة، وعلم الحضارات. فالكتاب بأكمله دراسة مستفيضة للمقارنة بين أبرز المقولات الغربية وما يماثلها في الصين. فقد نظر الصينيون والغربيون إلى الموضوعات عينها من زوايا مختلفة تماماً. والسبب في ذلك إختلاف المخزون الثقافي لدى الجانبين، وكثافة التقاليد الموروثة التي تسهل أو تعيق وضع المقولات النظرية في التطبيق العملي.
لذا يصاب كثير من الباحثين الغربيين بالدهشة، وبالمرارة أحياناً، لتعثر مشاريعهم الإقتصادية في الصين لأسباب تبقى مجهولة لديهم. وفي طليعتها عدم معرفتهم بتراث الصينيين وميلهم إلى إتخاذ القرارات بطريقة جماعية وليس فردية على غرار ما هو سائد في المؤسسات الأوروبية والأميركية. يضاف إلى ذلك أن لدى الصينيين حدسا طبيعيا بأن الغربيين يعملون على إفشال تجربتهم في التحديث وإدخال الصين في أزمات داخلية وإجتماعية حادة يمكن أن تقود إلى تفكيكها من الداخل على غرار ما حل بالإتحاد السوفياتي. وهم يبدون حذرا شديداً، لا بل مبالغاً فيه، من المقولات الغربية التي تنصح الصينيين بإعتماد طرق غربية، حتى لو كانت ناجحة، في إدارة المؤسسات السياسية والإقتصادية والثقافية والإدارية الصينية. ويرى بعضهم في المقولات الغربية، خاصة الديموقراطية على الطريقة الأميركية، محاولة مكشوفة لإحتواء الصين وإدراجها قسرا في النظام العالمي الجديد من موقع التبعية لمقولات الحداثة الغربية دون سواها. بالمقابل، يجهد الصينيون في إعادة إكتشاف تراثهم الثقافي الخاص بهم، وإستنباط طرائق للإصلاح والتحديث تنسجم مع تقاليد الصين وتراثها التقليدي.وليس صدفة أن تستعاد مقولات حكماء الصين القدامى ويعاد نشرها على نطاق واسع. يكفي التذكير بأن الصين فتحت قرابة مائتي معهد في جميع أنحاء العالم خلال السنوات الخمس الماضية، وحملت جميعها إسم كبير حكماء الصين كونفوشيوس. وتدرس هذه المعاهد اللغة الصينية وآدابها، وتاريخ الصين، وفلسفتها، والطب الصيني، والمطبخ الصيني، والموسيقى الصينية. وهاجسها إظهار دور الصينيين في الإكتشافات العلمية التي مهدت للنهضة الغربية المعاصرة وأبرزها: إكتشاف البارود، والطباعة، والبوصلة، والورق وغيرها. فقد بقيت الصين حتى مطلع النهضة الأوروبية الحديثة في القرن السادس عشر ترى نفسها مركز العالم بدون منازع. وكان لتلك النظرة الإنطوائية الأثر السلبي في تخلف الصين عن ركب الحضارة الحديثة التي إنطلقت من أوروبا وعمت العالم كله. وإستمرت ترفض كل ما هو غربي حتى تم إيقاف الثورة الثقافية فيها والتي جمدت الصين خلال سنوات 1966 ـ 1976 وأرجعتها كثيرا إلى الوراء.
بالمقابل، إستفادت اليابان من نهضة الغرب طوال أكثر من قرن منذ بداية إصلاحات الإمبراطور المايجي في العام 1868 قبل أن تتعرف إليها الصين المعاصرة بعد حركة الإصلاح والإنفتاح التي قادها دينغ شياو بينغ في العام 1978.
لقد عالج هذا الكتاب، وبقدرة بحثية فائقة، مكامن الخلل في العلاقات بين أوروبا والصين. وأبرز بوضوح كيف أن تفسير المفاهيم السائدة كالحقيقة، والفضيلة، والأخلاق وغيرها من القيم الإنسانية يختلف جذريا بين الصينيين والغربيين. فهناك موروث عريق لدى الصينيين بربط أي مفهوم إنساني بخدمة الناس. فهم أقرب إلى الممارسة التطبيقية الملموسة من التجريد النظري الذي برعت فيه الفلسفة الغربية. وهم يطبقون مبدأ الواقعية المتدرجة في مختلف المجالات مع ميل واضح نحو الشمولية في معالجة القضايا بشكل تدريجي، وتجنب الحلول الجذرية والسريعة. وهم يستندون في ذلك إلى الحكمة الصينية القائلة "من أدرك الكثير لا يأبه لفقدان القليل".
يغوص المؤلف في تحليل قضايا التحديث في الصين على خلفية مفاهيم التراث التقليدي الصيني في المعالجة الشمولية. وترتكز الفلسفة الصينية على مبدأ التوازن والإنسجام بين الإنسان والعناصر الكونية الأربعة: البيئة، والماء، والموارد الطبيعية، والفضاء الكوني. وهي مستقاة من المكونات الخمسة للعناصر الطبيعية في الفلسفة الصينية القديمة: التراب، والماء، والنار، والأخشاب، والمعادن. ويواجه الصينيون إنتقادات لاذعة، من الداخل والخارج، بسبب سياسة الإستنزاف التي تقوم بها الصين اليوم إلى جانب الدول الصناعية الكبرى في عصر العولمة والتي أدت إلى إستنفاد حاد للموارد الطبيعية، يهدد بتدمير البيئة الطبيعية، والتصحر. فقد برز خلل واضح في التوازن بين عناصر البيئة الأرضية يقود لاحقا إلى خلل مدمر في علاقة التوازن بين الأرض والفضاء الكوني المحيط بها.
ختاما، يقدم هذا الكتاب المتميز دراسة تحليلة معمقة ومستقاة من دروس التاريخ لدى الصينيين والغربيين معاً. وهي دروس مفيدة جدا لقادة العولمة التي تشكل محطة بارزة في مسار التاريخ العالمي. فالثورات المتواصلة في المعلومات والتواصل والجينات والتكنولوجيا وغيرها أحدثت قفزات سريعة في المراحل التاريخية لم تكن ممكنة في العصور السابقة. وفي حين كانت الأديان، والنظم الأخلاقية تحض على الفضائل السلوكية لدى الأفراد والجماعات وتحتل مكانة بارزة في التاريخ العالمي، فإن عصر العولمة يشهد تراجعا مريعا في نظام القيم يهدد الإنسجام والتوازن بين الناس من جهة، ومع البيئة أو الطبيعة من جهة أخرى. ولا بد من إبداع قواعد جديدة لضبط سلوك الأفراد والجماعات. وإستفاض المؤلف في مناقشة مفهوم الإبداع الذي يركز على الطابع الفردي في الحضارة الغربية، والجماعي في الحضارة الصينية.

الأربعاء، 21 نوفمبر 2007

قراءة في كتاب: السياسة الخارجية الصينية وكيفية التعامل مع الأزمات الدولية ( الأزمة العراقية للفترة 1990 – 2003 أنموذجاً )

شبكة النبأ المعلوماتية

الكتاب: السياسة الخارجية الصينية وكيفية التعامل مع الازمات الدولية
تأليف :
الباحث أحمد عبد الأمير الأنباري
اصدار : مركز الدراسات الدولية/جامعة بغداد
عرض: علي الطالقاني
صدر حديثا لـ أحمد عبد الأمير الأنباري الباحث في الشؤون الدولية بجامعة بغداد ـ كتاب "السياسة الخارجية الصينية وكيفية التعامل مع الآزمات الدولية (الازمة العراقية أنموذجاً )" عن مركز الدراسات الدولية بجامعة بغداد .
يستمد موضوع الكتاب أهميته من عدة اعتبارات، فالاعتبار الأول ياتي من الاهمية التي يكتسبها كونه يتناول دراسة السياسة الخارجية لأحدى الدول الكبرى والدائمة العضوية في مجلس الامن ، وكيفية تعاملها مع الآزمات الدولية ومنها أنموذج هذه الدراسة ( الآزمة العراقية للفترة 1990 _ 2003 ) والقرارات الصادرة من مجلس الأمن المتعلقة بالعراق . كما يمكن الاستفادة من هذه الدراسة في امكانية تحديد توجهات ومواقف الصين تجاه الآزمات الدولية بشكل عام وفي منطقتنا بشكل خاص ، ومنها الآزمة النووية الايرانية ، لما لها من تأثير على منطقتنا العربية ، وخصوصاً منطقة الخليج العربي . والاعتبار الثاني يستمد اهميته كون الصين بحد ذاتها دولة اوجدت لنفسها طريقاً خاصاً بها ، وأصبحت واحدة من أكثر التجارب نجاحاً في العالم.
إن المشكلة التي يهتم بها البحث ويركز التحليل حولها هي موقف الصين من الازمة العراقية للفترة من 1990 _ 2003 وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالعراق . ودراسة امكانية الدور الذي يمكن ان تؤديه السياسة الخارجية للصين في الآزمات الدولية. وكل ذلك يتم دراسته في ضوء ما تفرضه البيئتان الداخلية والدولية ، بمستوييها الإقليمي والدولي ، من مؤثرات تفعل فعلها _ سواء اكانت هذه المؤثرات ايجابية ام سلبية _ في تحديد سلوك السياسة الخارجية الصينية تجاه هذه القضية.
لقد أنطلقت الدراسة من فرضية مفادها أن الصين لم يكن لها ان تتخذ من الازمة العراقية موقفاً يتقاطع مع الموقف الأمريكي إلا في حدود نسبية لا تؤدي إلى الحاق ضرر بالمصالح الصينية – الامريكية المشتركة الناتجة عن ارتفاع معدلات التبادل التجاري والاستثمار الاقتصادي الامريكي في الصين . خاصة وان للصين مصالح ورؤى حيوية تجاه تايوان وهي تعلم ان طموحاتها هذه يرتبط تحققها بالموقف الامريكي من هذه القضية.
لم ينظر الباحث إلى دراسة السياسة الخارجية الصينية تجاه الآزمة العراقية من مستوى واحد ( العلاقات الثنائية )، وذلك أن هذا المستوى في العلاقات بين الدول لا يشوبه الغموض . فهو يُبني على اساس ما تحققه كلا الدولتين من فوائد متبادلة . بل أن الباحث ذهب إلى معرفة حقيقة السياسة الخارجية للصين تجاه الآزمة العراقية أنطلاقاً من ادراك الصين للعوامل التي تؤثر على التفاعلات الدولية بهدف توظيف تلك العوامل لخدمة أهداف حركة السياسية الخارجية الصينية وبمستوييها الداخلي والخارجي.
ولذلك فإن الدراسة اعتمدت المنهج التحليلي في متابعة مواقف السياسة الخارجية الصينية من الازمة العراقية.
ترتبط أهداف السياسة الخارجية لاي دولة من الدول بغايات السياسة الداخلية في احد الأوجه ، وفي أوجه أخرى ، فإنها تعكس الرغبة بالدور الدولي وبالهيبة الدولية . ولكنها على العموم تدور وتتركز حول الحفاظ على الكيان الذاتي للدولة.
والسياسة الخارجية الصينية لا تخرج عن هذه القاعدة . ولهذا فقد تناول الكاتب في الفصل الأول أهداف السياسة الخارجية الصينية في كلا مستوييها الداخلي والخارجي.
غير أن أي دولة من الدول لا تمتلك مرونة مطلقة لاتخاذ قرارها السياسي ، إذ أن هناك جملة من المتغيرات تؤثر في صنع القرار السياسي الخارجي ، وهذه المتغيرات ببعديها الداخلي والخارجي هي التي تشكل بيئة القرار . وفي الوقت الذي تؤثر فيه هذه البيئة على صنع القرار فإن القرار بذاته يسعى لتغير هذه البيئة بما يتفق وأهداف التحرك السياسي.
لقد واجهت الصين متغيرات على المستوى الداخلي وأخرى على المستوى الخارجي . ويبدو أن المتغيرات الداخلية للصين ، المتغيرات المادية والمجتمعية ، كانت قد شكلت بيئة ايجابية لقرار سياسي يرتبط بالسياسة الخارجية ، غير أن المتغيرات الخارجية ، إقليمية ودولية ، تشكل في احد الوجه تحديات لقرارات السياسة الخارجية الصينية . فعلى سبيل المثال ، السياسة الأمريكية هي احد المتغيرات التي تفعل فعلها بشكل مؤثر على قرار الصين تجاه العراق . وهذا ما تم تغطيته في الفصل الثاني.
وقد تناول الكاتب في الفصل الثالث توجهات السياسة الخارجية الصينية تجاه العراق. وكتمهيد لذلك يقول الباحث، كان علينا ابتداءً أن ننظر في التوجهات الصينية تجاه الوطن العربي . أي معرفة الاهتمامات الصينية بالمنطقة العربية . ثم انتقل الكاتب في المبحث الثاني لبحث توجهات هذه السياسة تجاه العراق اعتباراً من العام 1958 ، حيث لم يكن للصين قبل هذا التاريخ علاقات مع العراق لاسباب اتى الكاتب على ذكرها في هذا المبحث. وقد اهتم هذا المبحث بمتابعة توجهات هذه السياسة تجاه العراق حتى العام 1990.
وفي الفصل الرابع تركز الاهتمام حول موقف الصين من الآزمة العراقية بعد أحداث 2 / آب / 1990. وقد أوضحنا في المبحث الأول من هذا الفصل ، ان الصين ، كانت في اغلب مواقفها من تطور الموقف الدولي من الآزمة العراقية ، غير راغبة في الخروج عن الاجماع الدولي ، لأسباب تتعلق بالصين قد ذكرناها في هذا المبحث. وفي المبحث الثاني من هذا الفصل، فقد توصل الى ان المتغير الأمريكي يشكل محدداً لدور صيني فاعل تجاه الآزمة العراقية . غير أن ذلك لن يكون من ثوابت السياسة الخارجية الصينية التي تسعى لامتلاك مقومات التأثير في النظام الدولي وتفاعلاته.

الأربعاء، 31 أكتوبر 2007

صين القرن الواحد والعشرين تلغي ماو من ذاكرتها

صحيفة الشرق الأوسط
لندن ـ نامق كامل
بيان الحزب الشيوعي الصيني عام 1981 الذي يقول فيه بأن " الثورة الثقافية التي امتدت من شهر مايو (أيار) 1966 وحتى اكتوبر (تشرين الأول) 1976، كانت المسؤولة عن أغلب الانتكاسات الخطيرة وأشد الخسارات التي لحقت بالحزب وقادها ماو تسيتونغ"، يبدو وكأنه بيان إدانة، ولكن عند نهاية كتاب "ثورة ماو الأخيرة "، وهي دراسة تتناول أسوأ السنوات في تاريخ الصين الحديث، يفهم بأن هذا التقييم او هذا الحكم الذي أطلقه الحزب ما هو إلا حكم بالبراءة.
حينما توفي ماو أواخر 1976، كانت اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة وهونغ كونغ تعيش حالة ازدهار وانتعاش كبيرين. أما الصين، وكما يقول مؤلفا الكتاب، فقد "خفضت من جناحي النسر"، وفي هذه المرة بيدها، وليس نتيجة اجتياح أجنبي أو حرب أهلية تقليدية.
رودريك مكفارغر، الخبير الغربي لتلك المرحلة من تاريخ الصين وميشائيل شونهيلز من جامعة لوند الذي يتمتع بسمعة معتبرة، هما مؤلفا عدة كتب في موضوع الثورة الثقافية. لكنهما هنا، في كتابهما الجديد "ثورة ماو الأخيرة " جمعا حصيلة كل ما اكتسباه من خبرة و دراية في هذا الموضوع. إنهما يثبتان أربع نقاط رئيسية: الأولى إن ماو كان رجلأ مخيفاً، غريب الأطوار، وشخصية خطيرة. والثانية، إن ماو ورغم كونه شيوعياً، كان آخر زعيم حاول أن يوصل صين أواخر القرن التاسع عشر/ بداية القرن العشرين إلى "هدف محافظ"، وذلك لكي يحصن شعبه ضد فساد الحياة الرأسمالية. النقطة الثالثة هي أن على الصينيين في نهاية الأمر أن يواجهوا رعب ما فعله كل واحد منهم بالآخر. و أخيراً، إن "الثورة الثقافية أصبحت الحد الاقتصادي والاجتماعي الفاصل لتاريخ الصين الحديث". لقد بقيت هذه النقاط او المحاور موضع بحث حساس للجميع باستثناء بعض الدارسين الصينيين، وأولئك الذين تخرجوا في جامعات النخبة الصينية، ثم واصلوا بعد ذلك تدريباتهم و بحوثهم الأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية.
مصادر الكتاب تألفت من "كل ما أمكن توفره "، فقد تفحص المؤلفان التواريخ والفترات الزمنية الدقيقة للأحداث وترتيبها وفقاً لسياقها الزمني وزيارة المعاهد والأشخاص من ذوي العلاقة ودراسة الوثائق الرسمية الحديثة التي قلل من شأنها عن تلك المرحلة، ثم الخطب التي كان يتم تحريرها في بعض الأحيان بعد الأحداث، وإجراء المقابلات مع ما تبقى حياً من المشاركين الأساسيين والدبلوماسيين الأجانب ومحرري الخطب وقادة الحرس الأحمر ممن ينتمون إلى زمر مختلفة، إضافة إلى تفحص الصور والصحف والكتب وغيرها.
ولعل السؤال المركزي والمهم في الثورة الثقافية والذي يعيه الكاتبان ويسهبان في تحليله وتفصيله هو: لماذا أطلق ماو حقاً تلك الثورة التي سميت بـ "الثورة الثقافية"؟. يؤكد الكاتبان بأن الثورة الثقافية كانت بمثابة ناقوس خطر قرع إثر الهجوم الذي شنه الرئيس السوفيتي آنذاك نيكيتا خروشيف على ستالين بعد موته. على إثر ذلك، خشي ماو من تفكيك الشيوعية ومن إمكانية استهدافه وتعرضه شخصياً للإدانة بعد موته. لذا أصبحت "التحريفية" هدف ماو الأول، إن كان ذلك ضمن دائرته الضيقة، أو في المدارس والجامعات ومنطقة التبت او في جيش التحرير الشعبي. في يناير (كانون الثاني) 1965 حذر ماو من "اولئك الموجودين في مواقع المسؤولية في الحزب، ممن يميلون إلى اتخاذ الرأسمالية منهجاً لهم: بعضهم من يطرح نفسه جهاراً و الآخر من يتكتم على نفسه". لم يعرف أحد من كان ماو يعنيهم، وهو الذي "يمتلك خبرة جيدة في حرب العصابات" لكي يقلم أظفاره. القليل منهم من عبر عن شكوكه، وحينما فعلوا ذلك اتخذت ضدهم إجراءات قاسية. كانت هناك فرصة أخيرة واحدة لكبح جماح ماو. ويصف الكاتبان لقاء المكتب السياسي أواخر عام 1965 الذي ناقش ولاء وإخلاص قائد الجيش ليو روجنغ، وهو أحد رواد المسيرة الكبرى.
انتهى الاجتماع الذي كان آخر فرصة لهذه الجماعة من الرجال للاتحاد وإيقاف الرئيس عند حده قبل أن ينقسموا على أنفسهم و توجه ضدهم الاتهامات أثناء الثورة الثقافية" لكن الخطوة التالية جاءت من الكوادر الرفيعة، فقد أقدم ليو روجنغ على القفز من بناية عالية، فأصيب بجروح بالغة وشل جسده. أما ليو شاوشي، الذي كان يرقد في مستشفى عسكري لوحده، ويتمنى الموت بعد أن تمت إدانته، فقد علق على محاولة الانتحار هذه قائلاً: "إذا كنت تريد الانتحار، فعليك أن تمتلك تقنيات معينة: رأس ثقيل وقدمين خفيفتين".
يلاحظ المؤلفان بأن ماو، وعلى خلاف ستالين، لم يصدر أمراً بالقتل. كانت لغته "معتمة" بشكل متعمد، تاركاً العمل لأقرب أصدقائه، وفي بعض الأحيان يتجاوزون ما يعتزم عمله. إن نفس هذه العتمة اللغوية، التي يعترف حتى أغلب رفاق ماو من ذوي المناصب العليا بأنها دائماً كانت لغة غير مفهومة، قد أَباحت للمتعصبين القيام بأعمال التعذيب والقتل من أجل "الدفاع عن ماو" في حين كان بإمكان ماو نفسه أن يدعي إساءة فهمه.
يقول لي رو، وكان سكرتيراً لماو، في اجتماع بجامعة هارفر عام2003 "كان ماو شخصاً لا يخشى الموت ولا يهمه كم قتل". إن موضوع الذين قتلوا أو عذبوا أو الذين انتحروا أو الذين أُصيبوا بالجنون جراء المحاكمات، لم يزل إلى الآن موضع نقاش، ودراسة لأساتذة الجامعات والمعنيين بتاريخ الثورة الثقافية. ولتصور الجو الذي كان سائداً أبان تلك الثورة و الإحساس به، يورد المؤلفان التوجيه الصادر من وزير الأمن العام أكسي فوشي أواخر 1966 إلى شرطته، وجاء فيه:"يجب علينا صيانة ومساندة الحرس الأحمر. لا تقولوا إنهم يخطئون في ضرب الفاسدين.. يجب ضربهم حتى الموت. هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فإن لم يضربوا حتى الموت، فإننا لا نكون قد فعلنا شيئاً".
يذكر أن الصينيين كانوا ينظرون إلى رئيس الوزراء شو ان لاي بشكل يختلف عن نظرتهم إلى ماو، فقد كانوا يجدون في شو ان لاي الوجه العطوف للحزب خلال الثورة الثقافية، ويقال بأنه انقذ العديد من الموت. لكن" لي شيشو"، الطبيب الخاص لماو، له رأي آخر، حيث يؤكد في كتاب مذكراته "الحياة الخاصة للرئيس ماو"، بأن شو ان لاي كان "لا يستطيع اتخاذ خطوة واحدة دون إذن محدد من ماو". أما أحد رفاق ماو فقد صرح عام 1986 قائلاً: "ان جميع الأوامر التي تتعلق بحماية الشعب كانت تتخذ من قبل ماو تسيتونغ، أما الإعدامات فإنها من مهمات شو ان لاي".
يصف المؤلفان تدمير المركز الثقافي المقدس الذي لا يقدر بثمن لفي عبد كونفوشيوس في إقليم كوفو التابع لمقاطعة شاندونغ، وحطام آلاف الأنصبة والنقوش الأثرية، الذي تم في نوفمبر(تشرين الثاني) 1966. ولكن وفق دراسات أُخرى أُجريت في الآونة الأخيرة، فإن فرق الحرس الأحمر ورغم قيامها بأعمال تدميرية معينة، قد تم صدها من قبل السكان المحليين والفلاحين. ومع أن القسم الأعظم من الآثار الثمينة قد دمر على امتداد الصين، فإن "شو ان لاي، وبعض الذين يتميزون بالشجاعة في القيادة استطاعوا أن يجدوا سبلاً معينة لحماية بعض المواقع والمواضع والكتب القيمة من الدمار لعلمهم بأنها تشكل تراث الصين الثقافي، حتى لو كان هذا التراث محط إدانة مستمرة من قبل قادة الثورة الثقافية باعتباره "تراثا مشينا".
أخيراً، يعتقد الكاتبان بأن ما تبقى في صين القرن الواحد والعشرين من تراث الثورة الثقافية، هو حكم "الحزب". ورغم وجود صورة هائلة لماو تسيتونغ تنتصب في ساحة "تيا نا نمين"، إلا أن ذكره قد ألغي اخيراً من كتب التاريخ في مدارس شنغهاي عدا إشارة واحدة. وإذا ما شمل هذا الإلغاء بقية المدارس الصينية، فإن ماو ربما سيختفي من فكر وذاكرة الجيل القادم.

الجمعة، 5 أكتوبر 2007

ماوتسي تونغ: القصة المجهولة

صحيفة الجريدة الكويتية
محمود شريح
تأليف: يونغ تشانغ وجون هوليداي عن «دار النهار»


في كتاب «ماوتسي تونغ: القصة المجهولة» ليونغ تشانغ وجون هوليداي، الذي نقلتاه عن الانكليزية نولا شرفان وأوديت نحاس ينيّه ووحدّت المصطلح فيه أوديت نحاس ينيّه وراجعه سليمان بختي، ردّ اعتبار وتحية وتقدير لصانع الصين الحديثة وناقلها من العبودية الى الحرية. في البدء سيرته: ولد في 26-12-1893 وفي الثالثة عشرة تحوّل لفترة قصيرة الى مهنة الزراعة ثم عاد الى عالم الكتب وتزوّج وهو في الرابعة عشرة من ابنة عمه في الثامنة عشرة، لكنها توفيت بعد عامين فغادر ماو أهله والتحق بمدرسة حديثة جسّدت له الانفتاح على الفوضوية والقومية والماركسية. في 1918 أنهى علومه في مدرسة معلّمين وتوجّه من الريف الى العاصمة بكين وكانت آنذاك من أجمل مدن الدنيا. هناك كان أمين مكتبة براتب زهيد، وفي 1919 عاد الى الريف معلماً وأعلن عن أفكاره الراديكالية في «مجلة نهر كزيانغ» الصادرة في مقاطعة تشانغشا. ومع دعوة الكومنترن في موسكو عام 1920 الى الثورة في الصين انضمّ ماو الى الحزب الشيوعي وكانت فتحت مكتبة لمنشورات الحزب وأدبياته بتوكيل من البروفسور تشن الذي أدخل ماو الى دنيا الماركسية. في هذه الأثناء أحب ماو صبية في التاسعة عشرة هي ابنة معلّمه السابق ثم اقترن بها. وفجأة أصبح ماو المفوّض لفرع الحزب الشيوعي الصيني ونقله حماسته لموسكو إلى مركز قيادي في الحزب الشيوعي الصيني، ثم اتهم بالانتهازية فأُقصي عن الحزب لزمن وعاد بعد فترة فنشط في صفوف الفلاحين. ولما ضلعت موسكو في أعمال تخريبية هدفها تقويض النظام في بكين أعطى قائد الجيش القومي شيانغ كاي شيك أوامره بتطهير الحزب القومي من النفوذ الشيوعي وأصدر لائحة تتضمّن 197 اسماً لشيوعيين مطلوبين وبينهم ماو تسي تونغ. في الأثناء كان ستالين برز الزعيم الأول في الكرملين وكان يملي شخصياً سياسته على الصين، وتجلّى ردّ فعله على انفصال شيانغ باصداره الأوامر الى الحزب الشيوعي الصيني بإنشاء جيشه من دون أي تاخير وباحتلال المزيد من الأراضي بغية إخضاع الصين بقوّة السلاح على المدى الطويل.
السرد الممتع
على هذا النوع من السرد الممتع يروي لنا تشانغ وهوليداي القصة المجهولة للرئيس الصيني ماوتسي تونغ، فكل مرحلة مقدّمة لأختها. قضت الخطة المباشرة المرسومة في موسكو بانتقال الوحدات الشيوعية المنسحبة من الجيش القومي الى الساحل الجنوبي لتسلّم الأسلحة المرسلة من روسيا واقامة قاعدة هناك، وفي الوقت نفسه تمّ تنظيم ثورات الفلاّحين في هونان وفي ثلاثة أقاليم متاخمة لها حيث توجد منظمات للفلاحين المقاتلين تهدف الى الاستيلاء على السلطة في هذه المناطق. وافق ماو على الخطة العسكرية وأعلن في اجتماع حزبي طارئ في 7 أغسطس 1927 ان السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية، ثم قاد ثورة «حصاد الخريف» الفلاحية، وعاش ماو وجنوده من خلال القيام بهجمات على المقاطعات المجاورة، لكنه كسب تأييد الفقراء فكان ماو مناسباً لأهداف ستالين إذ كان يملك جيشاً وقاعدة. في الأثناء كان تشو إن لاي الدعامة الأساسية للقيادة الحزبية في شانغهاي.
ويمضي الكاتبان في رواية السيرة المجهولة لباني الصين الحديثة. فما ان شكّل تشيانغ كاي شيك حكومة قومية في 1928 حتى بدأت موسكو تدرس مسألة اقامة دولية شيوعية في الصين. توجّه تشو إن لاي الى موسكو ومعه تقرير يفيد بأن الجيش الأحمر الصيني قوامه 627000 عنصر. أما ماو فكان يحقّق نصراً إثر آخر. وبين 1929 و1931 تمكن ماو من مدّ نفوذ جيشه على اراضٍ جديدة والتفت الى تطهير العسكر من المناوئين له، فيما أدّت قساوة ماو الى بروز سياسة فاعلة معادية لغريمه تشيانغ وتقضي باستدراج العدو ليتوغّل في المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الأحمر وبتوجيه الضربة الى العدو عندما يكون مُنهكاً. ومع الوقت أسّس دولته الشيوعية.
تصفية حسابات
يحلو للكاتبين ان ينعتا ماو بلصّ تارة ومثير للمتاعب تارة أخرى، وبالطبع التقليل من قيادته الحكيمة، فيحوّلان مقاطع كثيرة من «القصة المجهولة» الى تصفية حسابات معه، ولا عجب فهما ممعنان في الليبرالية الغربية التي تأبى أن يدوس على ذنبها أحد، ولو أخفقت، كما في العراق اليوم، أو في فلسطين أمس.
ثمّ كان الحلف المقدّس بين ماو ونصيره لين بيار فالزحف الطويل والنصر إثر النصر على جحافل تشيانغ. ثم حقّق ماو تقدماً حاسماً حين أصبح عضواً في الأمانة العامة للحزب فوثّق علاقته بموسكو. وفي أيلول 1936 صادق ستالين على خطّة لشحن كميّة كبيرة من الأسلحة الى الحزب الشيوعي الصيني عبر منغوليا، بما في ذلك مساعدة شهرية بقيمة ثلاثة ملايين دولار. ثم حدث ما لم يكن بالحسبان: خُطف تشيانغ.
لكن ستالين عارض قتله كما رغب ماو. ولما أُطلق سراح تشيانغ بدا واضحاً أن ماو يمسك بمفاتيح الحل والربط. ثم جاء الصحافي الأميركي سنو لمقابلة ماو وكان لكتابه «النجم الأحمر» أثر في جعل الرأي العام الغربي يتعاطف مع ماو. في آخر يوم من 1937 انتقل ماو الى مدينة ينان وتزوج للمرة الرابعة. ثم كانت الحرب الصينيةـ اليابانية فاغتنمها ماو لتوجيه ضربات موجعة الى القوميين، لكن لما اجتاحت المانيا الاتحاد السوفياتي في 22 يونيو 1941 تغيّرت حسابات ماو بصورة جذرية.
وبين حدث وحدث في قصة ماو يغمز الكاتبان من قناته. فهو يقود حملة رعب أو يرعى الاضطهاد وهو على الدوام ستالين الحزب الشيوعي الصيني، فلا يدري القارئ أن كان ذلك ذمّا أم مدحاً.
قمع مناهضي الثورة
الى الدولة التوتاليتارية. ففي اكتوبر 1950 أطلق ماو «حملة على صعيد الامة لقمع مناهضي الثورة» تزامنت مع الاصلاح الزراعي في المناطق المحتلة حديثاً حيث يعيش ثلث شعب الصين. وبحسب تأريخ المؤلفين بدأ التنافس مع ستالين، أي «صراع الطاغيين»، إذ طلب ماو من ستالين ان يساعده على بناء آلة حرب على المستوى الاممي وتحويل الصين الى قوة عظمى. في ديسمبر 1949 توجّه ماو بالقطار الى موسكو لتهنئة ستالين في عيد ميلاده السبعين يوم 21 ديسمبر. وفي 30 يناير 1950 وفيما كان ماو في موسكو اعترف ستالين بنظام هوشي منيه في فيتنام. وصل هوشي مينه الى موسكو عبر بكين ووصل في الوقت المحدّد ليظهر في العشاء الوداعي الذي أقامه ستالين على شرف ماو في الكرملين في 16 شباط 1950. أعلم ستالين هوشي منيه ان مساعدة فيتنام هي مسؤولية الصين وعلى نفقتها. كان منيه القائد الشيوعي الاجنبي الوحيد الذي سُمح لماو بأن يجري معه محادثات خاصة خلال رحلته. عاد الرجلان الى الصين في القطار نفسه ضمن مواكبة: بين قطار يقلّ طيارين سوفيات ذاهبين لحماية شانغهاي والمدن الصينية الساحلية وآخر يحمل مقاتلات ميغ - 15. ثم أتاح ستالين لماو فرصة شملت الحرب في كوريا ضد الاميركان، وهكذا تمكّن ستالين من إفشال خططهم فانقلبت موازين القوى لمصلحة ستالين فتحوّلت أحلامه الى وقائع. فما ان وافق ماو على وقف الحرب الكورية في مايو 1953 حتى أقرّ خلفاء ستالين في الكرملين بيع الصين او منشأة صناعية اضافة الى المشاريع الخمسين التي وافق عليها ستالين نفسه فانطلق ماو في مسار تحويل الصين الى قوة عظمى.
ثم يتهم المؤلفان ماو بشهر الحرب على الفلاحين وإضعاف خروتشوف في موسكو وشنّ عمليات ترهيب واحتلال التيبيت فقمع المثّقفين، وصولاً الى «التطهير الكبير» بين 1966 و1967، فلا يدري القارئ كيف تمكّن ماو من القضاء على 155 مليون فرد، فالله أعلم بالسرائر. ويطمئننا الكاتبان بفشل الماوية على الساحة العالمية.
الكتاب من باب التشهير بماو وان كانت هناك حقائق موثّقة لا تخفى، فالغرب، بوركت ديمقراطية أهله، لا يصدّق ان ماو قفز بالصين من الفلاحة الى الصناعة.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2007

العرب والصين: آفاق جديدة في الاقتصاد والسياسة

صحيفة الراية القطرية
صدر ضمن منشورات منتدى الفكر العربي ودار جرير للنشر والتوزيع في عمان ثلاثة كتب جديدة تضم دراسات قُدِّمت في بعض أنشطة المنتدي الفكرية من حوارات ولقاءات؛ إضافة إلي دراستين عن ابن خلدون بمناسبة مئويته السادسة.
يوثِّق الكتاب الأول، وعنوانه العرب والصين: آفاق جديدة في الاقتصاد والسياسة ، لوقائع الحوار العربي الصيني الثالث، الذي عقده المنتدي في عمّان بالتعاون مع معهد الصين للدراسات الدولية 29-30/11/2004، برعاية سمو الأمير الحسن بن طلال، وشارك فيه خبراء اقتصاديون ودبلوماسيون وباحثون أكاديميّون من الجانبين. وقد تناولوا في دراساتهم الآفاق المستقبلية للعلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدان العربية والصين، في إطار رؤية شاملة عبَّر عنها سمو الأمير الحسن بالدعوة - في كلمته الافتتاحية - إلي وضع الآليّات المناسبة لتفعيل التعاون بين الجانبين؛ مؤكّدًا أنّ مما يساعد علي تدعيم الاستقرار في منطقتنا معالجة التحدّيات وغيرها من منظور عبر إقليمي وعبر قطري، بل عبر قارّي.
ساهم في دراسات هذا الحوار كلٌّ من: السفير ما تشين قانغ عن استراتيجيّة الصين للتنمية وسياساتها الخارجيّة ، ود. هشام الخطيب حول العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة العربية الصينية وآفاقها: التحدّيات في مجال الطاقة والنّفط العربي ، ود. يانغ قوانغ الذي قدَّم تقييمًا للعلاقات بين الصّين والشّرق الأوسط وتطلّعاتها، والسفير آن هوي خاو في قراءته للأوضاع وتعزيز التعاون وتحقيق التنمية المشتركة، والمهندس فخري أبو شقرة حول المتغيّرات الجيوستراتيجيّة والسياسية الإقليميّة والدوليّة ، ود. يوسف الحسن الذي طرح مجموعة من القضايا المتعلّقة بالحوار العربي الصيني؛ إضافة إلي كلمة ختامية لسمو الأمير الحسن.

الخميس، 21 يونيو 2007

الصين ودبلوماسية "القوة الناعمة"

صحيفة الاتحاد الإماراتية
سعيد كامل
الكتاب: الهجوم الساحر: كيف تعمل قوة الصين الناعمة على تغيير العالم.
المؤلف: جوشوا كورلانتزيك
الناشر: ييل يونيفرسيتي بريس
تاريخ النشر: 2007

قد يجد المتسائلون عن الكيفية التي تمكنت بها الصين من إظهار قوتها الناعمة في مختلف أرجاء العالم، جواباً شافياً على الكثير من تساؤلاتهم في كتاب "جوشوا كورلانتزيك" الباحث بـ"مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي" الموسوم: "الهجوم الساحر: كيف تعمل قوة الصين الناعمة على تغيير العالم". وأهلية المؤلف لتقديم تلك الإجابات مستمدة إلى حد كبير من تخصصه في الشؤون الصينية ومتابعته الدقيقة لسياساتها، وجولاته المتعددة في العديد من الدول في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية بغرض رصد تأثير تلك السياسات. وهو يؤكد منذ البداية أن الغرض من كتابه هو إغلاق فجوة المعرفة حول قوة الصين الناعمة، ودبلوماسيتها المتطورة باستمرار، التي غيرت وستغير العلاقات الدولية. يقول المؤلف إنه قد اندهش للغاية عندما كان يتحدث مع أحد صناع السياسات في واشنطن عن نفوذ الصين العالمي المتنامي وقوتها الناعمة، فوجد أن ذلك المسؤول الخطير يكاد لا يعرف عن الموضوع شيئاً. وليس هذا فحسب بل إنه يؤكد أن بعض مسؤولي الإدارة الأميركية الحالية قد طلبوا منه ذات يوم أن يقدم لهم إيجازاً عن ذلك. وهكذا فإنه في الوقت الذي كان الأميركيون يغطون فيه في سبات عميق -حسب تعبيره- كانت الصين تعمل بدأب على تغيير فكرة العالم عنها كدولة تفتقر إلى فنون الدبلوماسية، وتعيش في حالة من العزلة، وتأكيد أنها تتقن فنون العلاقات العامة، وترغب في التواصل مع باقي العالم، وتقديم المساعدات للدول الفقيرة، والدخول إلى مناطق لم يكن يجرؤ غير الأميركيين على وضع أقدامهم فيها. ويُعرِّف المؤلف فكرة القوة الناعمة التي جاء بها البروفسور "جوزيف ناي" الأستاذ بجامعة هارفارد، منذ عقد من الزمان تقريباً، بأنها تلك القوة التي تعتمد على "القدرة على صياغة أولويات الآخرين... وقيادتهم من خلال القدوة.. وتوجيههم إلى الوجهة المرادة". ويقول المؤلف إن الصين قد نجحت في تطبيق تلك السياسة تماماً، وحققت ما تريد منها واقتنعت بأن القدرة على جعل الآخرين يفعلون ما تريد تغنيها عن الحاجة إلى العصا والجزرة، التي حيرت الأميركيين كثيراً ولم يدروا متى يستخدمون أياً منهما.. وكانوا في كثير من الأحيان يقومون باستخدام العصا عندما يتطلب الأمر استخدام الجزرة فقط. عبر فصول الكتاب الأحد عشر يبيِّن المؤلف كيف تمكنت الصين من بناء قوتها الناعمة عالمياً، وإثبات أنها دولة محسنة وليست خطرة كما تصورها الدعاية الغربية.. وهو أيضاً يبين بالتفصيل الوسائل والأساليب التي تستخدم بها الصين تلك القوة، والطرائق التي تستجيب بها الدول المختلفة لذلك -خصوصاً تلك التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، أو تلك الدول المتذبذبة بين الديمقراطية والسلطوية.
ويركز المؤلف في الأغلب الأعم على اهتمام الصين بتوثيق علاقاتها مع الدول النامية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا الوسطى.. وهي البلدان التي كانت بمثابة ساحات نفوذ تقليدية للولايات المتحدة.. ويؤكد أن الصين قد حققت أبرز نجاحاتها الدبلوماسية في تلك المناطق، واستطاعت ببراعة واقتدار أن تروج لنفسها كنموذج فعال للنجاح الاقتصادي والاجتماعي، في نفس الوقت الذي غضت فيه الطرف تماماً عن الحكام الطغاة والمستبدين، بل والذين يرتكبون الفظائع بحق شعوبهم في المناطق المشار إليها، على اعتبار أن ذلك من طبائع الأمور في تلك المناطق، وأن تدخلها في مثل هذه الشؤون لن يغير من الأمر شيئاً.. خصوصاً وأن غرضها في النهاية هو تحقيق مصلحتها مع إفادة تلك الدول في نفس الوقت، دون محاولة لاستغلالها بشكل بشع كما كان يحدث من قبل الدول الغربية في العهد الاستعماري.
وقد أدركت الصين أن هناك العديد من الطرائق التي يمكنها بها تعزيز نفوذ قوتها الناعمة في دولة ما، سواء كان ذلك من خلال الثقافة الشعبية السائدة في تلك الدولة خصوصاً إذا ما كانت تلك الثقافة على درجة من الثراء، أو من خلال ثقافة النخبة إذا ما كانت الثقافة الشعبية غير ثرية، أو من خلال برامج المساعدات الممولة من قبل الحكومة (الصينية)، وإقامة المشروعات المشتركة مع الدول، والاستثمار فيها، وذلك بهدف تحقيق مصالحها وزيادة نفوذها من جهة، والتأثير من جهة أخرى على الرأي العام الخارجي، وإقناعه بأن الصين قد تغيرت عما كانت عليه، ودفعه للتخلي عن أفكاره القديمة عن الصين وأنها دولة ذات نظام سلطوي، يستحيل عليها أن تحقق في ظله التقدم الاقتصادي، لأن التقدم الاقتصادي يقوم في الأساس على حرية انتقال رؤوس الأموال والبضائع، وهو ما يتعارض مع طبيعة ذلك النظام. وأيضاً إثبات أنها أصبحت قوة كبرى لديها القدرة على الدخول في صراع على مناطق النفوذ مع باقي القوى العالمية -والتقليدية منها بشكل خاص. ويؤكد المؤلف أن الصين قد طورت مفهوم القوة الناعمة نفسه، حيث لم يعد هذا المفهوم محصوراً داخل الحدود التي عينها "جوزيف ناي"، وإنما امتد إلى آفاق جديدة. فالصين ترى في الوقت الراهن أن القوة الناعمة هي أي وسيلة من الوسائل التي تقع خارج النطاق العسكري والأمني، وأنها لا تشتمل فقط على الثقافة الشعبية، والدبلوماسية العامة، ولا على كسب العقول والقلوب، ومثل هذه الأشياء، وإنما تتضمن كذلك الروافع الاقتصادية والدبلوماسية مثل المساعدات الاقتصادية، وتقديم الاستثمارات، والمشاركة في المنظمات المتعددة الجنسيات.
وفي الفصل الأخير من الكتاب يقدم المؤلف مجموعة من النصائح إلى الولايات المتحدة بشأن الكيفية التي يمكنها بها الاستجابة للتحدي الذي تمثله القوة الناعمة الصينية، ومنها على سبيل المثال تسخير إمكانياتها العسكرية لتوصيل المساعدات إلى الذين يحتاجونها وفي الأماكن التي لا يستطيع الآخرون الوصول إليها -على النحو الذي فعلته في الجهد الذي قادته لإغاثة ضحايا كارثة تسونامي. ولاشك أخيراص أن الكتاب يأتي في وقته تماماً، ويضيء مناطق لم تكن معروفة من قبل عن حملة الصين واسعة النطاق لزيادة نفوذها على المسرح العالمي.