‏إظهار الرسائل ذات التسميات النشرة الاسبوعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النشرة الاسبوعية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

نشرة الصين بعيون عربية.. العدد الثالث والأربعون


إلى أين يقود النزاع الصيني الياباني البلدين؟

نحييكم ونقدم لكم العدد الثالث والأربعين من "نشرة الصين بعيون عربية" والذي يتضمن العديد من الملفات والمواضيع التي تهتم بشؤون الصين.
ملف هذا العدد يركّز على التوتر المتصاعد بين الصين واليابان ويتضمن عدة مواضيع هي:


الإعلام الصيني يحذّر اليابان من تصعيد الأزمة البحرية
إلى أين يقود النزاع الصيني الياباني البلدين؟
العلاقات الصينية اليابانية

وفي الاتجاه نفسه تصب افتتاحية العدد بقلم رئيس تحرير النشرة وهي بعنوان:

الصين واليابان: التأزم يتصاعد


وهذا نصها:

كانت العلاقات الصينية اليابانية متأزمة على امتداد السنوات المئة الماضية، وهي متأزمة الآن، ولا يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.
ليس في ما تشهده العلاقات الصينية اليابانية من توتر ما يفاجئ، فالبلدان يخوضان منذ عقود صراعاً أسهله يترجم نفسه علاقات باردة، وأصعبه يعبر عن نفسه بحرب دامية لا تبقي ولا تذر، لا تزال آثارها حتى اليوم تعتمل في نفوس الصينيين الذين لا يمكن أن ينسوا احتلال أرضهم ومحاولة تقسيم بلادهم (جمهورية منشوريا) ولا الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بحقهم(مجزرة نانكين كمثال).
واليوم وبعد فترة من الهدوء اللافت بين البلدين، والذي استفاد منه الاقتصادان الصيني والياباني، تعود نبرة الاختلاف إلى الارتفاع، وصولاً إلى إطلاق تهديدات ناعمة (حتى الآن) تتراوح بين التلويح بعقوبات اقتصادية متبادلة والحديث عن الزوارق الحربية والأراضي التي لا بد أن تستعاد من جهة أخرى.


وليست مسألة الجزر المتنازع عليها بين البلدين (تسميها الصين دياويو واليابان سينكاكو) إلا شرارة إطلاق السباق نحو التصعيد المتبادل، فالحادث البسيط الذي حدث عند هذه الجزر بين قارب صيد صيني وزورقي دورية يابانيين كان يمكن أن يعالج بكل هدوء لـو أن هنـاك نيـة حقيقية بعدم إثارة القضايا الخلافية المتعددة التي تحكم العلاقة بين البلدين.


وإذا كانت الجزر المتنازع عليها تملك قيمة اقتصادية عالية لجهة كون محيطها غنياً بمصائد الأسماك من جهة، وبالبترول والغاز من جهة أخرى، فإن الخلاف عليها يظل واحداً من الملفات السياسية والاقتصادية والتاريخية المفتوحة بين البلدين.


وفي نظرة إلى ما خلف الظواهر والأسباب المعلنة للخلاف، يبدو للمتابع أن هناك نوعاً من الكباش المعنوي بين البلدين، أو لنقل إنه صراع على إثبات الوجود لكل طرف في وجه الآخر.


اليابان تريد أن تقول إنها ما تزال تلك الدولة الكبرى التي احتلّت في الماضي وأقامت الإمبراطورية العسكريتارية الكبرى التي لا يمكن أن تمحى بصماتها عن التاريخ، وإنها الدولة التي حققت نهضة كبرى خوّلتها الوصول إلى المرتبة الثانية على المستوى الاقتصادي في العالم، وإنها ما تزال في تلك المرتبة ولا يمكن أن تتخلى عنها بسهولة.. وخصوصاً لجارتها القريبة البعيدة.


والصين تريد أن تأخذ من جزر دياويو ذريعة لإطلاق صافرة الإعلان عن وجودها كدولة عظمى في شرق آسيا، ومن ثم في العالم ككل، وترغب في جعل قضية هذه الجزر الإشارة المطلوبة لليابان كي تتنحى عن دورها التاريخي في المنطقة، وكذلك كي تتراجع عن موقعها الاقتصادي المميز بين دول العالم، ولا سيما إن الصين تجاوزت العام الماضي ألمانيا وباتت الدولة الثالثة على المستوى الاقتصادي في العالم.


ولكن إلى أين سيوصل هذا التصعيد؟


لا أحد يعتقد أن الحرب ستدور بين البلدين، فالروابط الاقتصادية بينهما قوية جداً، والمنطق لا يسمح لأي منهما باستعادة مراحل الحروب العالمية ومآسيها، ولكن هذا لا يمنع من تصور تصاعد التوتر بين الطرفين إلى مستوى محسوب، يعطي لأحد الطرفين (والأرجح أنه الصين) الفرصة لتأكيد نوع من الهيمنة على البحر الفاصل بين البلدين، وإظهار صورة الصين الجديدة التي لم تنسَ دعوة الزعيم التاريخي دينغ سياو بينغ للتخفي، ولكنها ترغب في إظهار بعض القدرة المتوافرة لديها بين الحين والآخر.





وفي العدد تغطية لأخبار العلاقات بين العرب والصين على أبواب افتتاح المنتدى الاقتصادي الصيني العربي في مدنيغيشيا الصينية. وهذه عناوين هذه التغطية:


ـ المنتدى الاقتصادي الصيني العربي فرصة نادرة لتنمية وتعزيز صناعة السياحة
ـ أهمية الحوار الحضاري والتبادل الثقافي بالنسبة للتعاون الاقتصادي الصيني - العربي
ـ الجزائر تأمل في توسيع التعاون السياحي مع الصين
ـ منتدى الشباب الصيني والسعودي يعقد فى بكين
ـ مباحثات سورية صينية لإنشاء مصفاة لتكرير النفط
ـ هبة من الصين لبناء كلية للطب بموريتانيا



ويتضمن العدد مواضيع اقتصادية عدة هذه عناوينها:
ـ أسواق المستقبل ستكون حتماً صينية
ـ الصين لن تصبح الهدف الرئيسي في إستراتيجية الولايات المتحدة في المدى القريب
ـ اقتصاديون صينيون: مشاكل الولايات المتحدة ليست مسؤوليتنا
ـ الولايات المتحدة تتجاهل الصين وتشن هجوما قويا على اليوان
ـ كيف تتحول الصين من " مصنع العالم " إلى " قاعدة ابتكارات العالم"؟
ـ الصينيون يزيحون دايملر من صدارة إنتاج الشاحنات عالميا



وفي الشؤون السياسية يتضمن العدد موضوعين هما
ـ خبير: يتعين دفع العلاقات الصينية الروسية قدما باستمرار
ـ دبلوماسي إيراني يرى قوة كامنة كبيرة للتعاون بين الصين وإيران

وفي شؤون البيئة والعلم تحقيقات ومواضيع هذه عناوينها:
ـ رييويتان.. أضخم بناية للطاقة الشمسية في العالم
ـ الصين قطب مغناطيسي للتقنيات الخضراء
ـ انتشار الكتب الالكترونية يتعثر في الصين

وفي العدد دراسة موسعة تحت عنوان: مسيرة تاريخ ترجمة القرآن الكريم للغة الصينية

وفي الصفحة الأخيرة من العدد رسالة خاصة بـ "نشرة الصين بعيون عربية" من قارئ عربي في الصين تتضمن مشاهداته وقصيدة بعنوان: "البحيرة الغربية"

وإضافة إلى قراءة النشرة والتفاعل معها ندعوكم إلى التعرف إلى موقع "الصين بعيون عربية" على شبكة الانترنت
www.chinainarabic.org

موقع متكامل يتضمن الخبر والمعلومة والرأي والتحليل والتحقيق والدراسة ويتناول قضايا الصين الداخلية وعلاقاتها مع الدول العربية والعالم ككل، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والمنوعات والرياضة.

الموقع الشامل يعتمد على عشرات المصادر الإخبارية العربية والعالمية، إضافة إلى المواضيع الخاصة به التي ستغني الموقع وتقدم للقارئ كل ما يحتاج معرفته عن الصين وارتباطاتها بالقضايا العالمية.

وفي الموقع أبواب ثابتة تحوي معلومات متكاملة عن الصين تاريخياً وجغرافياً وسياسيا واقتصادياً، إضافة إلى الصورة الجميلة والمواقع المفيدة.

موقع الصين بعيون عربية www.chinainarabic.org هو استكمال لمشروع "الصين بعيون عربية" الذي تضمن المدونة التي تحمل الاسم نفسه (الصين بعيون عربية) http://chinainarabic.blogspot.com والنشرة الالكترونية الأسبوعية بالعنوان نفسه أيضاً (الصين بعيون عربية) والتي صدر منها ثلاثة وأربعون عدداً.

إنه مشروع متكامل، يهدف إلى جعل الصين أقرب، وهي التي باتت تفرض نفسها في كل مكان في العالم، والتي تحولت إلى فرصة وتحدّ في الآن عينه، وهو لبنة أولى في بناء المعرفة العربية حول الصين.

الموقع والمدونة والنشرة، صفحات مفتوحة لمن يرغب بالمساهمة في هذا المشروع الرائد، وذلك من خلال الكتابة حول كل المواضيع التي تهم الصين والعلاقات العربية معها، وحول واقع الصين ومستقبلها في العالم.

لتعليقاتكم واستفساراتكم وملاحظاتكم ومقالاتكم، يمكنكم مراسلتنا على العناوين البريدية التالية:

بريد موقع الصين بعيون عربية الرسمي: info@chinainarabic.org

مجموعة الصين بعيون عربية على الفايسبوك

China In Arab Eyes الصين بعيون عربية

بريد المجموعة الإخبارية: chinainarabic@gmail.com

بريد مدير المشروع: ramamoud@gmail.com

مدير المشروع على الماسنجر: rayamahmoud1@hotmail.com

الاثنين، 13 سبتمبر 2010

إيران والصين.. علاقة ثابتة على الدوام



افتتاحية العدد الثاني والأربعين من نشرة الصين بعيون عربية سأل كثيرون عن السبب الكامن وراء موافقة الصين على قرار مجلس الأمن رقم 1929 الذي يفرض عقوبات جديدة على إيران، واعتبرت تحليلات عديدة أن إيران والصين باتا في موقعين متعارضين، متوقعة أن يتسع الشرخ أكثر فأكثر بين بكين وطهران، بما يؤدي إلى اندثار العلاقة المميزة التي تجمع بينهما. بعد مرور ثلاثة أشهر على القرار يبدو مما يرد من أخبار أن العلاقة بين الصين وإيران هي أقوى اليوم مما كانت عليه قبل إصدار القرار الدولي، بما خيّب آمال الكثيرين في الغرب والشرق على السواء. تقدّم الصين الدليل تلو الآخر على أنها لا يمكن أن تتخلى عن أصدقائها بسهولة، ولا سيما إذا كان هؤلاء الأصدقاء يمتلكون وزناً استراتيجياً كذلك الذي تملكه إيران، في حين أن طهران لا يمكن أن تضحي بعلاقة تاريخية ومصيرية كتلك التي تجمعها بالصين. مشاريع تلو أخرى يتم التوقيع عليها بين البلدين، ليس آخرها مشروع مد خط قطار بين طهران والحدود العراقية بقيمة مليار ونصف مليار دولار ستتولى الصين تنفيذه في القريب العاجل، كما ذكرت صحيفة دايلي تلغراف البريطانية. المهم في الخبر أن هذا المشروع هو جزء من "خط حرير جديد" يربط الصين بالشرق الأوسط عبر دول آسيا الوسطى ومن خلال المرور بطهران ليكون خطاً تجارياً يملك مواصفات وقدرات دولية فائقة. إن المتتبع لمسار العلاقات الصينية الإيرانية يكتشف يوماً بعد يوم صدق النظرة التي تعطي لهذه العلاقة بعداً حضارياً تاريخياً يعود إلى آلاف السنوات، بما يشير إلى أن علاقة مستمرة على امتداد الزمن لا يمكن أن يعرقلها حدث هنا أو مشكلة هناك. لعل أفضل من أرّخ لتاريخ العلاقات الإيرانية الصينية وحاضرها ومستقبلها هو الكاتب الأميركي جون جارفر في كتابه: "الصين وإيران: شريكان قديمان في عالم ما بعد الإمبريالية" والصادر معرّباً عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. يقول الكاتب في آخر عبارة من كتابه الذي يحوي أكثر من 500 صفحة: "بالرغم من أن سبل التعاون بين الصين وإيران وقنواته ستتغير بتغير المصالح المتبادلة، إلا أن الحوافز التي تقف وراءه ستظل ثابتة على الدوام". إن هذه العبارة تحكم في الحقيقة العلاقات المستمرة بين البلدين والتي شهدت الكثير من التحولات على مدى الإمبراطوريات الماضية، وقبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها، فالصين ترى في إيران ركناً من أركان سياستها الخارجية ومتنفساً لها إلى الخليج و "قلب العالم"، وإيران ترى في الصين عمقاً لا تنضب إيجابياته، ولذلك فإن ضغوطاً من هنا وهناك لن تترك على هذه العلاقات إلا ندوباً طفيفة ما أسرع ما تندمل لتعود هذه العلاقات إلى طبيعتها المشرقة. كانت موافقة الصين على العقوبات فرصة للتخلص من الضغوط الأميركية الشديدة، لتعاود بكين ترتيب ملفات علاقاتها مع طهران، وما رفض القيادة الصينية لتصعيد العقوبات وتشديدها من خلال قرارات أميركية أحادية إلا دليل على أن الصين جارت واشنطن إلى حدود معينة، وذلك بعد أن بذلت جهودها لإفراغ العقوبات من تأثيراتها القاسية على طهران، وذلك كما فعلت تماماً عام 1997، وهي ستستمر في السير في هذا الطريق حفاظاً على الروح الحقيقية للعلاقة مع إيران والتي يصفها الكاتب جون جارفر في كتابها بأنها تقوم على عنصرين: الحضارة والقوة.

العدد الثاني والأربعون من نشرة الصين بعيون عربية



صدر العدد الثاني والأربعين من نشرة "الصين بعيون عربية" التي تعود إليكم بعد انقطاع طويل سببه ظروف خاصة، على أمل أن ينتظم صدور النشرة من أجل تقديم المعلومة والتحليل والتعليق حول الصين وعلاقاتها مع العرب والعالم.
يتضمن العدد ملفاً حول الصعود الصيني، فيه موضوعان:
ـ الخطر الأصفر قادم من الشرق .. الصين نحو المرتبة الأولى اقتصاديا
ـ هوية الصين كدولة نامية لم تتغير

أما افتتاحية العدد وهي بقلم رئيس تحرير النشرة فتحمل عنوان: إيران والصين.. علاقة ثابتة على الدوام،
وفي العدد مواضيع أخرى هذه عناوينها:
ـ عودة التوتر بين الهند والصين بعد رفض بكين منح تأشيرة لجنرال هندي
ـ الهند تتابع عن كثب أنشطة
الصين في المحيط الهندي
ـ لعبـة قـوة صينية أمريكية فـي المياه الآسيوية
ـ الصين تبدأ مناورات في البحر الأصفر
ـ أولى مقاتلات الجيل الخامس الصينية تحلق عام 2020
ـ تايوان تطلب شراء طائرات امريكية بعد تقرير بشأن التفوق الصيني
ـ طموحات الغاز الإيرانية تتوقف على فك الصين أسرار الغاز المسال
ـ الصين تقاوم من أجل كبح جماح تصدرها لقمة مستهلكي الطاقة في العالم
ـ الصين تغلق آلاف المصانع لتحسين صورتها قبل استضافة مؤتمر المناخ
ـ الصين تحتل المرتبة الأولى في العالم في خمس صناعات كبيرة
ـ الصين تسعى لدفع إستئناف المحادثات النووية السداسية
ـ (الصين ـ باكستان): الصديق وقت الحاجة هو الصديق الحقيقي
ـ الصين تسعى إلى رفع قدرة البلدان الأفريقية في مجال الزراعة
ـ شهر الصوم في الصين
ـ الفوانيس المستوردة من الصين تخفض مبيعات المصرية في رمضان
ـ لمحة عن العلاقة بين معاهد كونفوشيوس ونشر الثقافة الصينية
ـ الصين أصبحت أكبر دولة تخرج الدكاترة

الاثنين، 27 يوليو 2009

أزمة شينجيانغ بين الحقوق المحلية المشروعة والتدخلات الدولية المكشوفة


محمود ريا

أن يغادر الرئيس الصيني هو جينتاو إيطاليا على جناح السرعة، تاركاً قادة العالم مجتمعين في قمة الثماني الاقتصادية، ليعود إلى بلاده إثر الاضطرابات التي تشهدها منطقة شينجيانغ غرب الصين، فهذا يعني واحداً من أمرين: إما أن الرئيس الصيني غير مهتم بقمة الزعماء الاقتصاديين في ظل معلومات عن عجزها عن اجتراح حلول للأزمة الاقتصادية العالمية، أو ان الوضع في منطقة شينجيانغ خطير فعلاً إلى درجة جعلت قائد ثالث أكبر اقتصاد في العالم يتخلى عن كل شيء للعودة إلى «قواعده» من أجل معالجة ما يحصل هناك.
المواقف التي أعلنها أكثر من مسؤول صيني توحي بأن الصين مهتمة فعلاً بالقمة الاقتصادية العالمية، فهي ناضلت كثيراً للوصول إلى المشاركة في القمة، بالرغم من الوزن الاقتصادي الذي تشكله على المستوى العالمي، وبالتالي فالقيادة الصينية لا تفرط بسهولة بحضور هذه اللقاءات التأسيسية التي تحمل تأثيراً استراتيجياً على الاقتصاد العالمي، ولا سيما أن هذه القمة التي تحتضنها مدينة أكويلا تشهد مشاركة العديد من رؤساء الدول النامية بما يشكل منتدى اقتصادياً عالمياً لا يمكن تفويته.
يبقى الاحتمال الآخر، وهو أن الصين تعيش وضعاً خطراً حقاً، وهذا ما دفع الرئيس الصيني إلى ترك التفكير بالعالم وأزماته الآن، لينصرف إلى إيجاد حل للأزمة الحقيقية التي تعيشها بلاده، حيث تنتشر على امتداد مليون وستمئة ألف كيلومتر من ملايين الأرض الصينية التسعة فتنة تكاد تطيح الأخضر واليابس.
صحيح أن الصين ستتغلب على هذه الأزمة التي تفجرت بشكل يعتبره المراقبون مفاجئاً وسريعاً، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمة ستترك ندوباً عميقة على جبهتين:
ـ جبهة العلاقات العرقية بين القوميات الصينية المختلفة، ولا سيما بين قوميتي الهان والإيغور اللتين خاضتا في هذه الأحداث حتى سالت من الطرفين بحور الدم.
ـ وجبهة صورة الصين التي تبذل الحكومة الصينية جهوداً جبارة لجعلها صورة مشرقة ومعبرة عن قوة تسعى بشكل حثيث كي تحمل لقب قوة عظمى في السنوات المقبلة، لتأتي أحداث جسيمة من هنا وهناك، فتعيد تلويث هذه الصورة وتفرض على المؤسسة الصينية العمل لجلائها من جديد.
وإزاء هذا الواقع تبدو عودة الرئيس الصيني إلى بيجينغ تصرفاً بعيداً عن العشوائية، وخطوة مطلوبة بقوة من أجل توحيد كل الجهود داخل الإدارة الصينية للخروج من هذا المأزق الذي ضُبط الصينيون فيه دون سابق إنذار.
مما لا شك فيه أن الأحداث الدائرة في إقليم شينجيانغ هي نتيجة سنوات طويلة من الاحتقان الذي تعيشه تلك المنطقة نتيجة حالة الانقسام العرقي الشديد الذي يذر بقرنه بين قوميتي الهان والإيغور، هذه الحالة التي عززتها إجراءات قامت بها السلطة الصينية من أجل فرض قومية على أخرى بشكل فجّ في أحيان كثيرة، وهذا ما أدى إلى شعور القومية الأخرى بأنها مستهدفة بتاريخها وبإيمانها وبثرواتها وبمستقبلها.
وقد تراكمت هذه الأحاسيس على مدى عقود، لتعيد إحياء أحلام قديمة وإيقاظ أحقاد أكثر قدماً، في ظل غياب معالجة ناجعة من قبل المسؤولين الصينيين الذين يُشهد لمتأخريهم بالعمل على تخفيف الإجراءات التعسفية بحق المواطنين الإيغوريين.
إلا أن ما لا يمكن إنكاره بالمقابل هو حجم الرعاية الخارجية لعملية إيقاظ المشاعر الدفينة لدى الأقليات في الصين، تماماً كما يحصل في كل منطقة يكون فيها للأصابع الغريبة وجودها النابع من مشاريع بعيدة كل البعد عن مصالح السكان الأصليين.
وقد كان وجود «قيادة الانتفاضة» الإيغورية في الولايات المتحدة الأميركية بالتحديد مثيراً للكثير من الأسئلة لدى المتابعين لشؤون الصين، وعلى رأسها السؤال الأكبر: إلى أي مدى يتمتع المقيمون في العاصمة الأميركية باستقلالية الحركة التي تسمح لهم باتخاذ قرارات كبيرة بحجم تفجير الوضع في منطقة شاسعة مثل إقليم شينجيانغ دون تدخل من الموسوسين الدوليين والغربيين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح المجال للإجابة عن أسئلة أخرى من قبيل: هل كان التحرك الشعبي الإيغوري عفوياً، وهل كان مجرد ردة فعل على قتل مواطنين إيغوريين في أحد المصانع من قبل مواطنين آخرين من قومية الهان؟
هل هذا التحرك معزول تماماً عن مشاريع إلهاء الدول التي تشكل خطراً على الولايات المتحدة، أو التي ستشكل خطراً في المستقبل، في مشاكل داخلية حادة يمكن من خلالها لواشنطن إعادة موازنة دورها ووجودها في العالم في ظل النكسات الشديدة التي تعرض لها هذا الدور خلال السنوات الماضية؟
وهل الصين هي الضحية الجديدة لما يراه بعض المتابعين للشؤون الدولية سياسة أميركية جديدة في التعاطي مع قضايا العالم، بعد فشل السياسة الحمقاء التي كانت الإدارة الأميركية السابقة تعتمدها؟
وأي دور لعبه الإعلام الجديد في تفجير الانتفاضة الإيغورية بعد أن قام بدوره كاملاً في مناطق أخرى من العالم خلال الأشهر الماضية، قبل أن تجد «الدول المعنية» وسائل ناجعة للعمل على إسكاته وإفشال المخططات الموضوعة له؟
هذه الأسئلة وغيرها لا تنفي أبداً المسؤولية الصينية عما يحصل داخل الصين، ولا عما يجب أن تقوم به حكومة بكين لإيجاد صيغة سحرية تجمع بين الحفاظ على وحدة البلاد والسعي لإعطاء الأقليات المزيد من الحقوق الأساسية التي لا يمكن العيش بدونها، ولكنها تفتح المجال أيضاً للبحث في الكيفية التي يقود بها بعض المتنفذين الدوليين لعبة بناء مستقبل جديد للعالم في ظل التنوع على مستوى الثقافات، وعلى مستوى مراكز السيطرة والتحكم في الوقت نفسه.
هذا المقال نشر في صحيفة السفير اللبنانية، صفحة قضايا وآراء يوم الجمعة 10/7/2009 تحت عنوان: مـن أضـرم النـار فـي الصيـن؟ وذلك على الرابط التالي:
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1283&articleId=1106&ChannelId=29637&Author=محمود%20ريا

السبت، 20 يونيو 2009

ماذا تريد الصين من العرب؟.. ماذا يريد العرب من الصين؟



محمود ريا

مع الصعود السريع للصين على مسرح العلاقات الدولية.. والحجم الكبير الذي يأخذه الاقتصاد الصيني على الخارطة الاقتصادية العالمية، يصبح السؤال عن فحوى العلاقات بين العرب والصين وما هو مطلوب لها وما هو مطلوب منها أكثر مشروعية من أي وقت مضى، فالصين هي ثالث اقتصاد في العالم الآن، وربما تصبح الاقتصاد الأول عالمياً قبل عام 2020، مع ما يعنيه ذلك من وزن سياسي واقتصادي للعملاق الأصفر في المرحلة القادمة.

إلا أن السؤال حول طبيعة العلاقات العربية الصينية يحمل في طياته عدة أسئلة اخرى: هل الصين واحدة في النظرة إلى العرب، وهل العرب يحملون نظرة واحدة لما يريدونه من الصين؟

أحد الخبراء العرب بالشؤون الصينية عاد منذ فترة من بيجينغ حاملاً نصف إجابة للسؤال الأول، ويبقى المطلوب السعي للوصول إلى استكمال الإجابة على هذا السؤال، ومن ثم الإجابة على السؤال الثاني بما يحمله من احتمالات وتعقيدات.

في دردشة، أرادها خاصة، وحاول أن ينطق بالكلمات خلالها بشكل هامس يدل على خطورة ما يقول، تحدث الخبير العربي (الذي يزور الصين أكثر من مرة في السنة) عن وجود تيار من الجيل الجديد في القيادة الصينية يطرح سؤالاً يشغل بال الجميع: ما هي العناصر المطلوبة للحفاظ على النمو المتصاعد للاقتصاد الصيني، وأين يمكن إيجاد هذه العناصر؟

يرى المنتمون إلى هذا التيار أن الحاجة ماسة إلى ثلاثة عناصر أساسية لاستمرارية نمو الاقتصاد الصيني هي المال والطاقة والتكنولوجيا العالية (الهايتيك)، ويتابعون أن الموجود في العالم العربي هو الطاقة والمال. ويبقى العنصر الثالث المطلوب، وهو التكنولوجيا العالية.

وهنا يقف أعضاء هذا التيار أمام سؤال عن الأماكن التي يمكن الحصول منها على هذه التكنولوجيا، فلا يجدون إلا مصدرين أساسيين لها: المصدر الأول هو الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الدولة تضع عقبات كثيرة أمام "نقل التكنولوجيا" إلى الصين خوفاً من المنافسة الشديدة التي يشكلها الاقتصاد الصيني للاقتصاد الأميركي. أما المصدر الثاني الذي يمكن الحصول منه على هذه التكنولوجيا العالية فهو إسرائيل.

وأمام هذه "المعادلة" ينطلق المنتمون إلى هذا التيار ليقولوا إن كلاً من المال المطلوب للاستثمارات، والطاقة اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد يمكن الحصول عليهما من مصادر أخرى غير الدول العربية، حيث أن النفط والغاز متوافران في دول كثيرة غير الدول العربية، كما أن الأموال المخصصة للاستثمارات ليست موجودة عند العرب وحدهم، ولا يتحكم بها العرب بشكل مستقل.

بالمقابل فإن التكنولوجيا العالية (وهي حاجة حيوية للاقتصاد الصيني) لا يمكن توفيرها إلا من إسرائيل ـ بعد الولايات المتحدة الأميركية ـ ويصلون إلى مفاضلة لا بد منها تقوم على قاعدة وجوب الوقوف إلى جانب إسرائيل والانسحاب من الموقف التقليدي الذي تقفه الصين إلى جانب العرب في منطقة الشرق الأوسط.

ينطق الخبير العربي هذه الكلمات ببطء ليضيف بعدها أن "السلطة الحاكمة" في الصين ترفض التسليم بالخلاصة التي يصل إليها "التيار الإسرائيلي" في القيادة الصينية، مشيراً إلى أن الشخصيات الأكثر بروزاً في القيادة الصينية تقرّ بأهمية العلاقة مع إسرائيل ولكن ليس على حساب العلاقات مع العرب، وتصرّ على الاحتفاظ بموقف متوازن من الصراع في المنطقة، حفاظاً على المصالح الاقتصادية الصينية من جهة، وتعزيزاً للدور الصيني المتنامي في السياسة الدولية من جهة أخرى.

هذا هو "نصف الجواب" الذي يقدمه الخبير العربي في الشؤون الصينية على سؤال: ماذا تريد الصين من العرب، ولكن هناك نصفاً آخر لم يتطرق إليه، وهو موقف القيادات "الأكثر تشدداً" في السلطة الصينية، سواء كانوا في الحزب الشيوعي أو في القيادة العسكرية الصينية.
تفيد معطيات مستقاة من أكثر من مصدر صيني أن القيادات الأكثر راديكالية في المؤسستين العسكرية والإيديولوجية الصينية لا تزال تنظر إلى العالم على قاعدة الصراع القادم لا محالة مع الولايات المتحدة الأميركية، وترى هذه القيادات في العالم العربي (بغض النظر عمّا يراه هو في نفسه) نقطة ارتكاز أمامية في أي نزاع قد يحصل مع واشنطن، أو حتى في أي حرب تندلع معها في المستقبل.

وبناءً على هذه الرؤية، يصر كبار الحاملين لهذه الأفكار على فرملة أي اندفاعة صينية واسعة النطاق باتجاه إسرائيل التي يعتبرونها حليفة لأميركا إن لم تكن جزءاً منها في المواجهة القادمة. ويعبر هؤلاء عن مواقفهم من خلال التعاون العسكري غير الخفي مع دول عربية بعينها، ومع دول أخرى في المنطقة لا تقيم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها إيران، ومن خلال تحصين المحيط الصيني من خلال المنظمات الإقليمية كمنظمة شنغهاي وآسيان، أو من خلال علاقات أكثر حميمية مع دول مؤثرة كروسيا.

وإذا كانت الصين، الدولة الواحدة، تحمل ثلاث رؤى متباينة حول العلاقة مع العالم العربي، فكيف ينظر العرب، بعالمهم المترامي الأطراف ودولهم المتنافرة الوجهات ومصالحهم المتناقضة، إلى الصين وما يريدونه منها؟

يمكن القول إن هناك ثلاثة تيارات أيضاً تحتوي النظرة العربية إلى الصين:

ـ التيار الأول: هو تيار ما يسمى بدول الممانعة، والتي لم يبقَ منها على ما يبدو إلا سوريا وحلفائها في المنطقة، وهذه الدول تريد الصين التي تقف إلى جانب القضايا العربية بقوة، وترغب في تحقيق تعاون عميق مع بيجينغ قد يصل إلى حد التحالف، وهي لا تخفي سرورها بأي تطور تشهده العلاقات مع الصين في أي مجال من المجالات، وبالمقابل فهي تنظر بريبة واستئياء إلى كل تطور تشهده العلاقات الصينية الإسرائيلية.

ـ التيار الثاني: هو التيار الرئيسي السائد في العالم العربي والذي اصطلح على تسميته بتيار "الدول المعتدلة"، وهذا التيار يرغب في علاقات جيدة مع الصين، ويحاول الحصول من القيادة الصينية على مواقف متفهمة للمبادرات والتحركات العربية الهادفة إلى تحقيق السلام في المنطقة، ولا تمانع في قيام علاقات صينية إسرائيلية قوية، لأنها تعتبر أن الصين قد تتمكن من خلال هذه العلاقات من الضغط على إسرائيل بشكل أو بآخر للسير في عملية السلام دون تاخير. كما ان هذه الدول تريد من الصين الوقوف إلى جانب الدول العربية في مجلس الأمن، ولا سيما في ظل سيطرة الفيتو (والقرار) الأميركي على هذا المجلس في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ـ ويبقى التيار الثالث من الدول العربية، وهو تيار الدول التي تريد الصين كاقتصاد، وتتعامل معها على أساس الفرص المتوافرة، بغض النظر عن الموقف السياسي، وهذه الدول تقع في شرق العالم العربي وغربه، ولا تتوقف كثيراً عند ما تقوم به الصين أو تفعله، إلا لجهة كونه يشكل مجالاً للاستثمار أو للحصول على دعم أو مساعدة صينية في هذا المجال أو ذاك.

إن نظرة سريعة إلى أرقام التبادل التجاري بين العالم العربي والصين (133 مليار دولار عام 2008) مقارنة بحجم التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل (4.5 مليار دولار عام 2007) توحي أن الصين لن تتخلى عن علاقاتها مع العرب بسهولة من أجل علاقة أكثر قوة مع إسرائيل، ولكن هذا التصور يفترض أن يكون لدى العرب كلمة واحدة يقولونها للمسؤولين الصينيين، ويتطلب أن يستطيع المسؤولون العرب إقناع الصينيين بالتعامل معهم كفريق واحد، وليس كدول متفرقة كل واحدة منها لها مصالحها وتطلعاتها ونظرتها إلى الأوضاع في المنطقة والعالم

* هذا المقال نشر مع بعض الاختصار في صحيفة السفير اللبنانية في صفحة قضايا وآراء يوم الثلاثاء 16/6/2009 تحت عنوان:

هل تستبدل الصين العرب بإسرائيل؟
وهذا رابط الموضوع في صحيفة السفير

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1261&ChannelId=29108&ArticleId=1635&Author=محمود%20ريا

السبت، 2 مايو 2009

البحرية الصينية:عيد.. ودور

افتتاحية العدد التاسع والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
محمود ريا
احتفلت البحرية الصينية خلال الأسبوع الماضي بذكرى تأسيسها الستين، في استعراض للقوة لم يحصل من قبل، ما حمل أكثر من دلالة على الاستراتيجية التي وضعتها الصين للمستقبل، ليس على مستوى القوة العسكرية فحسب، وإنما على مستوى التعامل مع العالم بشكل عام.
كانت دعوة قطع بحرية من أربعة عشر بلداً حول العالم إشارة لا بد منها إلى الدول القوية بوجوب أخذ القوة الصينية المتصاعدة بالحسبان، وفي هذا تخلّ عن مبدأ كانت الصين تعمل جاهدة على الحفاظ عليه، مبدأ "الاختباء" من وجه العالم حتى تحين اللحظة المناسبة.
هذا الاختباء كان يفترض أن الصين لم تحقق بعد القوة اللازمة كي تخرج على العالم بإعلان صريح يؤكد أنها قوة عظمى ولا بد من التعامل معها على هذا الأساس، لا بل إن القياديين الصينيين كانوا يصرون دائماً على أن الصين دولة من الدول التي لا تزال على طريق النمو، وإنها دولة لا همّ لها إلا أن تحمي أرضها من أي هجوم خارجي، في رؤية دفاعية لم تتغير منذ قرون ولم تشهد أي نقض لها من أي تصرف رسمي صيني تجاه دول الخارج.
اليوم تقول الصين: بالإذن.. نحن هنا، وقد اختارت البحرية في عيدها لتقول هذه الكلمة الجريئة، وليس هذا الاختيار نابعاً من فراغ، وإنما له عمق يتمثل في قيام البحرية الصينية خلال العام الماضي بمهمتين رياديتين يحملان "الرقم واحد" بكل جدارة: الأولى إلى مياه بحر عمان وخليج عدن للمساهمة في مكافحة مشكلة القراصنة الصوماليين، وذلك في أول تحرك عسكري ردعي تقوم به الصين في تاريخها، والثانية إلى جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي حيث أكدت الصين بذلك قدرتها على فرض رأيها في قضايا الخلافات الحدودية المفتوحة في تلك المنطقة، عندما تشاء ذلك.
لقد حملت هاتان المهمتان رؤية "حماية المصالح" الصينية، ما يشكل افتراقاً عن السياسة التقليدية المتبعة والتي تنص على "حماية الأراضي" الصينية من الاعتداء.
البحرية الصينية اليوم أكبر وأقوى وأكثر فاعلية، تماماً كما هي الصين في أذهان العالم، وقد جاء احتفال هذا الأسبوع بمثابة إطلاق صافرة إنذار لا بد من سماعها جيداً.
هل تسرّعت الصين في إظهار نفسها، وهل تجاوزت برنامجها السابق الذي كان يقوم على الانتظار عشر سنوات أخرى قبل القيام بهذه الخطوة؟
هناك من يقول إن الصين أسرعت لتلاقي ظروفاً كانت تظن أنها متأخرة الحصول، ظروف انهيار القوة العالمية العظمى التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية، وانكفاء قوى دولية أخرى عن لعب دور القوة الكبرى. وبذلك وجدت الصين نفسها على حين غرة في موقع المطالب بموقف.. وهذا ما كان.

الأربعاء، 22 أبريل 2009

مؤتمرات إقليمية لأزمة عالمية

افتتاحية العدد 38 من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية

محمود ريا

تشهد مدن العالم الكبرى العديد من المؤتمرات التي تنعقد على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية التي تضرب كل مكونات الاقتصاد وتهدد بانهيار القواعد التي تقوم عليها الحركة الاقتصادية العالمية إضافة إلى انهيار امبراطوريات كبرى والكثير من الدول الصغرى.
وإذا كان بعض هذه المؤتمرات التي تنعقد هي ذات طبيعة دورية ، بحيث أن انعقادها يحصل كل عام أو أكثر، إلا أن هذا لا ينفي كونها باتت منحصرة في البحث عن علاج ما للورطة التي وقعت فيها دول العالم والتي بدأت معالمها بالظهور في أكثر من منطقة.
فبعد مؤتمر العشرين الذي انعقد في بداية شهر نيسان/ أبريل الحالي ومؤتمر الآسيان الذي كاد أن يتحول إلى كارثة دولية بعد مهاجمة المتظاهرين للمؤتمرين في العاصمة التايلندية بانكوك، جاء مؤتمر بواو في جزيرة هاينان الصينية ليعبر عن التوجه الذي بات يسود في العالم، حيث ضم المؤتمر الذي انعقد هذا العام تحت عنوان: "الأزمة الاقتصادية وآسيا" أكثر من 1600 شخصية من جنوب شرق آسيا بينهم زعماء عشر دول من آسيا.
والمعروف أن منتدى بواو يقدم موقع حوار رفيع المستوى لتشاور شخصيات مختلف الأطراف حول قضايا التنمية الاقتصادية والسكان والبيئة بآسيا، ويعكس المطالب العصرية لطموحات مختلف الدول الآسيوية في تعزيز الحوار والبحث عن التعاون لتحقيق التنمية المشتركة في ظروف العولمة الاقتصادية.
وقد أظهرت المناقشات التي جرت في المؤتمر هذا العام مدى حاجة الحاضرين إلى مناقشة هذه القضايا
بشكل معمق على ضوء التطورات الدراماتيكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
رئيس الوزراء الصيني ون جياباو قدم صورة مختلفة قليلاً عندا قال إن إجراءات التحفيز الصينية
"ستظهر القدرة الكامنة للنمو الاقتصادي الصيني باستمرار، وأثناء تحسين معيشة الشعب الصيني، ستتوفر المزيد من الفرص التجارية والاستثمارية لدول العالم."
إلا أن هذه النظرة الإيجابية لم تخف اعتراف جياباو بأن "الأزمة المالية الدولية ما زالت تنتشر، وأن الوضع الأساسي لركود الاقتصاد العالمي لم يتغير، وتجاوز تدهور الكيانات الاقتصادية التوقعات، وقد يشهد انتعاش الاقتصاد العالمي عملية طويلة ومعقدة".
فهل نجح مؤتمر بواو الذي أسس ليكون النسخة الآسيوية من مؤتمر دافوس العالمي في تقديم بعض العلاجات لأزمة قد لا ينفع معها إلا الكي؟
على الصين أن تبرهن للعام أنها قادرة على إعطاء الأمل بتحقيق ذلك، وإلا فإن العالم يسير بالفعل إلى المجهول.

الاثنين، 19 مايو 2008

الزلزال

افتتاحية العدد السابع والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
استفاقت الصين يوم الاثنين 12 أيار/ مايو على واحدة من أكبر الكوارث التي مرّت عليها، حين ضرب زلزال شديد القوة مقاطعة سيشوان في الجنوب الغربي من البلاد موقعاً عشرات الآلاف من الضحايا وأكثر من خمسة ملايين مشرد وعشرة ملايين من المتضررين.
الزلزال الذي وقع في منطقة حساسة أثار مخاوف من كوارث مختلفة، منها الناجم عن إمكانية انفجار السدود في المنطقة، ومنها ما يتعلق بحصول تسرب من مصانع كيماوية منتشرة في المنطقة، ومنها أيضاً ما يعود إلى وجود مصانع نووية هناك ايضاً.
وما زاد في المخاوف الزلزال الجديد الذي ضرب المنطقة نفسها صباح الأحد 18 أيار/ مايو وكان بقوة تزيد على الست درجات، ما نشر حالة من الذعر بين سكان المنطقة والمناطق المجاورة.
الأضرار البشرية كبيرة جداً، وكذلك الأضرار المادية المباشرة، ومعهما تأتي الأضرار التي نزلت بالاقتصاد الصيني والتي قدرت بشكل أولي بما يزيد عن عشرين مليار دولار، وهذا الرقم قابل للتصاعد بشكل كبير بعد انتهاء الكشف على المناطق المتضررة.
كيف ستخرج الصين من هذه المحنة؟
ما يزال مبكراً التفكير في ذلك، فالضحايا لا يزالون تحت الأنقاض، والمباني المدمرة ما تزال ركاماً فوق الأجساد، ومخاطر التسرب والانهيارات، وحتى الزلازل اللاحقة، لم تتبدد بعد.
إلا أن كل هذه الأزمات لم تمنع القيادة الصينية من التفكير في كيفية احتواء الأزمة، بالرغم من الأولوية الآن هي لمعالجة الآثار المباشرة لما حصل.
المسؤولون الصينيون يطمئنون إلى أن الأزمة الحالية لن تترك آثارها على النمو الصيني على المدى الطويل.
ويؤكد هؤلاء المسؤولون جهوزية خطط الطوارئ لمعالجة الآثار المترتبة على الزلزال، فيما يرى البعض أن الدمار الذي حلّ بالمنطقة سيطلق ورشة إعمار كبرى قد تكون حافزاً لنمو مضطرد يترك آثاره الإيجابية على مجمل الوضع الاقتصادي الصيني.
وبغض النظر عن تحقق هذه الاحتمالات أم لا فالأمة الصينية محزونة اليوم، وهي تعبر عن حزنها بمختلف السبل، ولعل حملة التضامن الكبرى التي تشهدها مختلف المناطق الصينية مع المنطقة المنكوبة تشكل مؤشراً على إرادة وتصميم الصينيين على الخروج من تأثير هذه الكارثة.
إن أبناء البشرية في كل أنحاء العالم يعيشون اليوم هذا الحزن ويقدمون التعازي للقيادة والشعب الصينيين على هذه المصيبة الكبرى، آملين أن تتمكن الأمة الصينية من تخطيها في أقرب وقت ممكن. وقد أثبتت الصين قبل ذلك على قدرتها.

الأربعاء، 19 مارس 2008

تسلّح الصين وتنطّح أميركا


افتتاحية العدد السادس والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الأسبوعية الإلكترونية
مرة أخرى يعود ملف رفع الميزانية العسكرية للصين إلى السطح، وهو مرشح لأن يبقى في مقدمة جدول أعمال العلاقات الأميركية الصينية طوال السنوات القادمة.
لم تكد بكين تعلن عن زيادة الميزانية الدفاعية للعام 2008 بنسبـة 17 بالمئة حتى انتفضت الولايات المتحدة موجهة الانتقادات إلى هذا ”الاندفاع الصيني“ إلى تصعيد الأجواء العسكرية، وإلى انعدام الشفافية لدى رجل الدولة الصيني تجاه الموضوع العسكري.
هذا الكلام الأميركي لاقى رداً مناسباً من القيادة الصينية التي رفضت الانتقادات الأميركية ووجهت بالمقابل انتقادات إلى الولايات المتحدة التي يبلغ إنفاقها على التسلح (480 مليار دولار) أكثر من خمسة أضعاف الميزانية التي تقدرها واشنطن للإنفاق العسكري الصيني (حوالي 100 مليار دولار) وما يقارب عشرة أضعاف الرقم الصيني الرسمي لهذا الإنفاق ( 57 مليار دولار).
والصين تزيد على هذه المقارنة بين الميزانيتين الأميركية والصينية للإنفاق العسكري بالقول إن الصين تزيد إنفاقها لخدمة الجنود ورفع مستواهم المعيشي وليس من أجل شراء الطائرات وتكديس المعدات العسكرية.
وتذكّر الصين البنتاغون أيضاً بأن ما تضعه الولايات المتحدة في ميزانيتها العسكرية لا يشمل إنفاق واشنطن على حروبها المختلفة، والذي بلغ أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار خلال السنوات القليلة الماضية.
إذا بين الأرقام الرسمية الصينية المعتدلة جداً وبين الأرقام الأميركية التي تضخّم هذا الإنفاق، تبقى العقدة الأميركية من الصين على تضخمها، وهي التي تظهر في كل حركة أميركية، وفي كل تقرير عسكري صادر عن أي ذراع من أذرع القوة العسكرية الأميركية، حيث تحتل الصين دون غيرها من دول العالم صدارة لائحة الظهور في هذه التقارير.
وإذا كانت الصين تصر على أن جيشها ليس له أي أهداف توسعية، وإنما هدفه فقط هو حماية الحدود الصينية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، فإن التحديات الكبرى التي تواجهها الصين سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العلاقة مع الضفة الأخرى لمضيق تايوان، تدفع إلى التساؤل عن مغزى إصرار واشنطن على إظهار الصين بمظهر الوحش الذي يستعد لافتراس العالم، والذي يهدد المصالح الأميركية في الكرة الأرضية.
لا شك أن واشنطن تعلم ان المدّ الصيني بات خارج القدرة على إيقافــه، على المستوى السياسي والاقتصادي ، ولذلك هي تلجأ إلى جعـل العالم ينشغل بالأرقام العسكرية الصينية عن مراقبة أرقام النجاح الاقتصادي الصيني، دون ان تستطيع بذلك أن تحوّل الأنظار عن حقيقة الوهن الذي يصيب الامبراطورية الأميركية على مختلف المستويات.

الثلاثاء، 11 مارس 2008

بكين بين المونديال ودارفور

افتتاحية العدد الخامس والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الألكترونية الأسبوعية
تقف الصين في موقع المتهم، وهي ترى نفسها ضحية أكثر من أي شيء آخر.
يدعو أكثر من طرف لمقاطعة الأولمبياد على أرضها، وهي التي ترى في هذه المناسبة العالمية فرصة لتأكيد مشروعية مسيرتها التنموية وتعزيز انخراطها في المنظومة العالمية.
يحشد الفريق الداعي لمقاطعة المونديال كل ما لديه من أسلحة سياسية وإعلامية، ومن بروباغندا، ومن شخصيات عامة مشهورة، والهدف تشويه فرحة الصينيين بالحدث العالمي الذي ينعقد للمرة الأولى على أرضهم.
والسبب المبرر لكل هذا الحشد هو الموقف الصيني مما يحدث في إقليم دارفور غرب السودان في أفريقيا.
يبدو الفريق الداعي للمقاطعة حريصاً جداً على المواطنين هناك، ويبذل كل طاقته لمنع الصين من الاستمرار في دعم الحكومة السودانية التي يعتبرها هؤلاء مسؤولة عما يحصل من مذابح مفترضة في تلك المنطقة من العالم.
وفوق ذلك، يقول هؤلاء إن الصين تقدم أسلحة وذخائر إلى الجيش السوداني تستعمل في هذه المذابح ”لذلك لا بد من الضغط على الصين كي تغير موقفها وتتراجع عن دعم النظام السوداني“.
لا تنكر بكين أن لها مصالح كبرى في السودان، هي جزء من مصالحها الاستراتيجية في أفريقيا كلها، سواء لجهة تأمين الطاقة والمواد الأولية الضرورية للصناعة الصينية، أو لتوفير سوق استهلاكية ضخمة لتصريف المنتجات الصينية.
ولكنها تقول إن هذه المصالح لا تنسيها دورها السياسي والإنساني، فهي تقدم النصيحة للحكومة السودانية كي تتفاوض مع المتمردين، وترسل جنوداً ضمن ”القوة الهجينة“ التي تخدم في الإقليم، كما تقدم مساعدات ضخمة للاجئين وللمتضررين من الحرب في دارفور.
وإذ ترفض الصين أن يتم ربط الأولمبياد بأي شأن سياسي، لأن هذا الربط يفقد هذه المناسبة العالمية رونقها ومعناها، فإنها ترد على ما يقوله الغرب حول تقديمها السلاح للحكومة السودانية بإحصائية واضحة وبسيطة تقول ”إن حجم مبيعات الأسلحة الصينية للسودان لا يتجاوز 8 بالمئة من حجم مشتريات الخرطوم من السلاح“، و“إن هناك سبع دول كبرى تبيع السلاح للسودان، وتوقف الصين عن تزويد الخرطوم بالأسلحة لن يحل المشكلة“ كما جاء على لسان المبعوث الصيني إلى دارفور الذي زار الخرطوم مؤخراً.
إنه تحدّ مزدوج تقف أمامه الحكومة الصينية: تحدي القدرة على منع الحملة الأميركية الغربية من إفساد فرحة الشعب الصيني بالألمبياد، وتحدي منع هذه القوى من حرمان بكين من موطئ قدم حيوي واستراتيجي في قلب أفريقيا.
ينبغي على بكين بذل جهود كبيرة للفوز بالتحديين.
محمود ريا

الأربعاء، 27 فبراير 2008

تحديات العام الجديد

افتتاحية العدد الرابع والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية"
العاصفة المروّعة التي شهدتها الصين خلال الشهر الماضي وأوائل الشهر الحالي، موقعة خسائر بشرية كبيرة، وخسائر مالية فظيعة، إضافة إلى أضرار عظيمة بالبيئة، لم تكن النكسة الوحيدة التي تشهدها الصين خلال الفترة الحالية، بل هناك جديد في أكثر من مجال:
ـ الأرقام تتحدث عن ارتفاع كبير في رقم التضخم، حيث وصل إلى 7.1 بالمئة، وهو رقم لم يسجل منذ أحد عشر عاماً، أي منذ انطلقت الصين في عملية الإصلاح والانفتاح الاقتصادي .
ـ الأرقام الأخرى تتحدث عن انخفاض كبير في النمو الاقتصادي الإجمالي لهذا العام، حيث يتوقع أن ينخفض من خانتين (حوالي 11 بالمئة) إلى خانة واحدة، في ظل أرقام متوقعة لا يمكن تصديقها ترى أن النمو الصيني هذا العام لن يزيـد عن 7 بالمئة.
ـ الحرب الأميركية على الصين تتخذ أكثر من صورة، وآخر فصولها هجمة الرئيس الأميركي جورج بوش على أفريقيا التي بدأت الصين تعتبرها بمثابة ”سياجها الاقتصادي الخلفي“، الأمر الذي يدل على ممانعة أميركية قوية في السماح للصين ببسط نفوذها على القارة السمراء.
ـ وإذا كانت الصين ترى في استضافتها لألمبياد العام 2008 في العاصمة بكين نقطة قوة تمنحها لحظات اعتزاز قومي وتدفع اقتصادها وترفع من شأنها على المستوى الدولي، فإن الذين يكيدون للصين لا يجلسون مكتوفي الأيدي، وإنما هم يبذلون جهوداً جبارة لتشويه صورة البلاد وحرمانها من بناء موقع معنوي مميز على مستوى العالم، وذلك من خلال استغلال العديد من النقاط التي يرون أنها تشكل نقاط ضعف في السياسة الصينية، سواء على مستوى حقوق الإنسان في الصين، أو على مستوى علاقات الصين مع العالم، وبالتحديد أفريقيا، حيث يغمز الكثيرون من قناة الدعم الذي تقدمه الصين للسودان محمّلين هذا الدعم مسؤولية ”الوضع الكارثي“ في إقليم دارفور.
كل هذه المعطيات التي تجمعت في وقت واحد، لم تبتعد عن جو روحي تعيشه الصين في ما تسميه على مستوى تقويمها بـ ”عام الجرذ“ الذي بدأ هذا الشهر، حاملاً معه حسب المعتقدات الصينية أخطاراً كثيرة منها ما هو متوقع، ومنها ما لا يمكن توقعه.
كيف تتصدى الصين لكل هذه المخاطر والتحديات؟
تبدو القيادة الصينية حتى الآن بعيدة عن التداعي أمام هذه الهجمة التي تواجهها، وتعمل على معالجة كل مشكلة على حدة، بادئة بأزمة الطقس التي تعاملت معها بقوة وحزم وفاعلية، فيما تعد الخطط للتعامل مع المشاكل التي يواجهها الاقتصاد الصيني، أما على صعيد الهجمة الأميركية فهي تنتقل بسرعة من مرحلة الدفاع إلى الهجوم متخذة من عدد من القضايا منصات للهجوم كالموقف من استقلال كوسوفو أو إسقاط البحرية الأميركية للقمر الاصطناعي في الفضاء.
وأمام هذه التحديات تبدو الصين في موقع صعب هذا العام، فهل تتمكن من الخروج منه؟
ما يزال العام في بداياته، والانتظار مفيد.


بعد غياب دام نحو شهر ونصف، تعود ”نشرة الصين بعون عربية“ الالكترونية الأسبوعية إلى الصدور، لتقدم للقارئ التحليل والمعلومة حول الصين بشكل عام وحول العلاقات العربية الصينية بشكل خاص.لقد كانت فترة الغياب هذه ضرورية لإعادة هيكلة النشرة، ورسم خط تحريري جديد لها، تمثل في التركيز على التحليلات والقضايا الرئيسية، فيما تترك التفاصيل والمسائل الأخرى لمراجعتها من مصادرها الرئيسية، سواء في وسائل الإعلام العالمية أو في مدونة ”الصين بعيون عربية“ التي تستمر في جمع أهم الأخبار والمعلومات عن الصين وتقديمها للمتصفح العربي على شبكة الإنترنت، تمهيداً لخروج الموقع المتكامل الذي يحمل الاسم نفسه إلى الهواء، وهو الأمر الذي بات قريباً جداً إن شاء الله.نشرة ”الصين بعيون عربية“ مع قرائها إذاً بمضمون جديد، وصولاً إلى تحقيق الهدف المنشود، وهو بناء جسر تواصل بين الشعوب العربية والصين

الأربعاء، 16 يناير 2008

الغول الذي يخيف التنين

افتتاحية العدد الثالث والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
إذا سألت أي صيني، من رأس الدولة إلى أبسط مواطن في شوارع أي مدينة نائية: ما هو الغول الذي يخيف التنين، فإن الجواب سيكون فوراً: التضخم. يعيش الصينيون
هذه الأيام كابوس استمرار ارتفاع مستوى التضخم الذي وصل إلى نسبة 6.9 بالمئة، وهي نسبة توصف بأنها قاتلة لاقتصاد ما يزال في طور النهوض ويعاني فيه المواطنون أصلاً من ضغط الأسعار نتيجة انخفاض الأجور.‏
وإذا كانت أرقام من هذا النوع تحمـل أخباراً غير سارة للمستهلكين الصينيين، فإن أصداء هذه الأرقام تتردد في أنحاء العالم، بدءاً من أسواق الولايات المتحدة وأوروبا وصولاً إلى أسواق الدول النامية التي باتت تعتمد على الصناعة الصينية لتوفير السلع المنخفضة الكلفة التي يقتنيها المواطنون من اصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، ما يعني اقتراب أفول عصر السلع الرخيصة التي توفرها الصين، وبالتالي ارتفاع مستويات التضخم في هذه الدول بمجملها في الأعوام القادمة.‏
هذه الحقائق دفعت الحكومة الصينيـة إلى التحرك سريعاً من أجل محاولة احتواء ارتفاع الأسعار في الداخل، والذي يتوازى بدوره مع ارتفاع في أجور العاملين الصينيين من جهة وارتفاع في أسعار المواد الأولية اللازمة للصناعة على مستوى العالم ( ولا سيما النفط)، ولكن هذه الإجراءات لم تنتج حتى الآن أي انخفاض فعلي في أرقام التضخم المتوقعة خلال العام القادم، وإن كانت أوحت بإمكان تجمد نسبة التضخم عند الرقم الذي وصلت إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي والذي قارب السبعة بالمئة.‏
هي معضلة حقيقية تواجه القيادة الصينية التي أصدرت قرارات مشددة تمنع التلاعب بالأسعار وبث الشائعـات، ولكن الظروف التي تمر بها الصين هذا العام لن تكون مساعدة على ما يبدو، ولا سيما في ظل احتضان العاصمة الصينية بكين للألعاب الأولمبية، وهي استضافة لها تأثيرها الواضح على الوضع الاقتصادي ولا سيما على صعيد مستوى الأسعار، حيث يتذمر الكثير من المواطنين الصينيين من أن بكين لن تبقى مفتوحة أمام الفقراء بعد الأولمبياد نتيجة الارتفاع الكبير لأسعار المواد الضرورية للحياة فيها.‏
كيف تتمكن الصين من الاحتفاظ بنسبة نمو كالتي عرفتها خلال السنوات الماضية دون أن يؤدي ذلك إلى الارتفاع الكبير في الأسعار في الداخل وفي أسعار المواد الأولية من الخارج، بما يؤثر بالتالي على التطور الاقتصادي ونسبة النمو؟‏
إنها ليست دائرة مفرغة على ما هي في ظاهرها، فالحكومة الصينية تعمل على التوصل إلى حلول تحقق كل هذه الأهداف في وقت واحد، والعبرة في التطبيق وفي نجاح هذه الإجراءات في وقت واحد، وهذا ما ينتظره العالم من بكين.‏
محمود ريا‏

السبت، 12 يناير 2008

الصين والولايات المتحدة.. والنفط

افتتاحية العدد الثاني والثلاثين من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
ارتفعت أسعار النفط بشكل غير مسبوق في الأشهر الأخيرة من السنة الماضية، حتى وصلت مع مطلع العام الجديد إلى أكثر من مئة دولار للبرميل الواحد.
ومن بين العديد من الأسباب التي قُدّمت لارتفاع الأسعار بهذا الشكل، وجهت أصابع الاتهام إلى الصين، بصفتها الدولة الثانية في العالم في استهلاك النفط، مع نسبة نمو في الاستهلاك والاستيراد لم تسبقها إليها أي دولة أخرى، وذلك نتيجة النمو الاقتصادي الهائل الذي تشهده هذه الدولة.
وفي المقابل فإن الكثير من المراقبين يعتبر أن هذا الارتفاع الجنوني لأسعار النفط سيؤدي إلى عرقلة النمو الاقتصادي الصيني وإلى خلق الكثير من السدود التي تحول دون القدرة على الاستمرار في تقديم الأداء الاقتصادي المتميز الذي تشهـده الصين في السنوات الأخيرة.
وبين هذا الحد وذاك تبدو العلاقة بين الصين والنفط معقدة بشكل كبير، وتتداخل فيها الكثير من المعطيات الاستراتيجية والسياسية والاقتصـادية .
فالصين التي تعتبر من الدول المنتجة للنفط باتت مع النمو الكبير الذي يشهده اقتصادها من أكبر الدول المستوردة، الأمر الذي وضعها في موقع المنافسة مع دول أخرى تعتبر الثروات النفطية الموجودة في العالم جزءاً من أمنها القومي، وعلى رأس هذه الدول بالطبع الولايات المتحدة الأميركية.
وقد تحول التنافس على البحث عن مصادر النفط إلى تنافس لبسط النفوذ وجذب الدول للانخراط في تحالفات اقتصادية هي أقرب إلى التحالفات السياسية منها إلى أي شيء آخر، وبات النزال واضحاً تماماً بين بكين وواشنطن في أكثر من منطقة في العالم، ولا سيما في أفريقيا وأميركا اللاتينية. لا بل إن بعض المراقبين يضعون ما تشهده منطقتنا العربية الإسلامية من تطورات، بدءاً من الغزو الأميركي للعراق وصولاً إلى تهديد واشنطن بضرب إيران، (في جزء منه على الأقل) في إطار السعي الأميركي لوضع حواجز أمام التمدد الصيني إلى المنطقة.
وإزاء هذا الواقع تبدو الأمور مرشحة في المستقبل إلى المزيد من التفاقم، سواء فيما يتعلق بأسعار النفـط التي يرى محللون اقتصاديون أنها قد تصل إلى مئتي دولار للبرميل الواحد خلال السنوات القليلة المقبلة، أو بالنسبة لانعكاسات هذا الارتفاع الهائل لأسعار النفط على الوضع الاستراتيجي والاقتصادي العالمي.
فهل سيكون النفط هو وقود نزاعات المستقبل وهو شرارة انطلاق هذه النزاعات في الوقت نفسه، أم أن العـالم سيتأقلم مع سياسة نفطية دوليـة تحوّل التنافس إلى تعاون يحمي الأرض من حرب على ثرواتها؟

الخميس، 3 يناير 2008

الصين 2007: الارتقاء

افتتاحية العدد 30 ـ 31 من نشرة "الصين بعيون عربية" الالكترونية الأسبوعية
انتهى عام ويبدأ آخر ومسيرة الارتقاء الصينية لم تتوقف.
في كل خبر تجد الصين، انتاجاً أو تصديراً أو ستيراداً او استهلاكاً أو استثماراً.
باختصار باتت الصين جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي العالمي، لا بل إنها صارت الأرضية التي يتحرك عليها هذا الاقتصاد في كل فروعه، فهي ترفع سعر النفط وسعر المواد الأولية وسعر كل شيء من وسائل الانتاج، وهي تخفض سعر الأدوات الكهربائية والسيارات وكل شيء من أدوات الاستهلاك، وهي تخلق بذلك مشكلة كبرى لكل المنتجين وعلى رأسهم الدولة الاقتصادية الأعظم في العالم ـ حتى الآن ـ (الولايات المتحدة)، وهي الدولة التي تعاني أكثر من غيرها في البحث عن كيفية التعامل مع هذا العملاق القادم.
ربما من اجل ذلك لم يكن غريباً أن تصدر مجلة نيوزويك الأميركية في عدد رأس السنة وعلى غلافها صورة عملاق صيني طويل وهو يضع العالم كرة صغيرة قرب رجله.
هذا ليس الغلاف الوحيد الذي خصصته المجلة الأميركية للصين هذا العام، ولا غيرها من المجلات والصحف الأميركية المختلفة، ما يشير إلى فهم حقيقي لمدى الخطر الذي تمثله الصين على مستقبل الولايات المتحدة.
ولكن التحدي الصيني لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، وإنما يشمل كل الدول الكبرى في العالم، وليس غريباً أن ينتهي العام مع إطاحة الصين لألمانيا عن موقعها كثالث قوة اقتصادية في العالم، فيما ”يحج“ رئيس الوزراء الياباني إلى بكين وغيرها من المدن الصناعية الكبرى، باحثاً عن صيغة مشرفة لإعلان تسليم الصين موقع القوة الثانية في القريب من السنوات.
لقد انقضى العام 2007 والصين منطلقة بقوة صاروخية أوصلتها على مستوى الفضاء إلى القمر، وقريباً إلى المريخ، وعلى مستوى الأرض إلى قوة اقتصادية عظمى، دون أن تبعدها عن لعب دور مهم على المستوى السياسي، وإن كان دوراً لا يتناسب مع حجم هذا العملاق الذي يدق أبواب القضايا الدولية كلها دفعة واحدة، متحضراً للدخول إليها وإعلان موقفه منها دون ضعف أو تردد.
وإذا كانت قوة الصين تظهر في مقارعتها المواقف الأميركية في كل مكان، وفي سلبها الاعتراف الدولي من تايوان من خلال إقامة علاقات مع معظم الدول التي كانت تعترف بالجزيرة العاصية من قبل، فإن موقف الصين في الشرق الأوسط يبقى المثال الأبرز على الحذر الصيني من الدخول في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، وإن كانت الممانعة الصينية بدأت تبرز في الملف النووي الإيراني وفي تأكيد دعم الصين للقضية الفلسطينية.
فهل يلاقيها العرب في منتصف الطريق، ليكون الارتقاء الصيني قوة للعرب بدل ان يكون نقمة عليهم؟

الاثنين، 24 ديسمبر 2007

حوار استراتيجي.. وكلمات جارحة


افتتاحية العدد التاسع والعشرين من نشرة "الصين بعيون عربية"
وزيران وعشرات المسؤولين من الجانب الأميركي، كبار الشخصيات من الجانب الصيني، وحوار استراتيجي يجمعهما على طاولة مفاوضات طرح عليها الكثير من المواضيع، وووقعت عليها اربع عشرة وثيقة ومذكرة تفاهم مشتركة، ولكنها لم تحل المشاكل الاستراتيجية القائمة بين البلدين.
”الحوار الاقتصادي الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية“ الذي انعقد في العاصمة الصينية بكين يومي 12 و13 كانون الأول/ ديسمبر الحالي هو اعتراف من الطرفين بضرورة إيجاد وسائل متعددة للنقاش حول الخلافات الكثيرة والعلاقات المتشابكة بينهما، وقد عبّر وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون الذي زار الصين خلال انعقاد الحوار عن هذه الآلية بالقول: ”لم يكن الهدف من هذه المبادرة أن تحل محل الحوارات الاقتصادية الكثيرة القائمة بالفعل، بل تأسيس منتدى عالي المستوى يتسم بالشمول والعمق الإستراتيجي. وهو المنتدى القادر على بناء الثقة بين الجانبين من خلال إظهار التقدم الحاصل في التعامل مع القضايا الملحة التي تواجهنا“.
إذاً هي الرغبة في بناء الثقة في علاقة تعاني من الكثير من الشكوك والعقبات، على المستوى الاقتصادي كما على مختلف المستويات الاستراتيجية الأخرى، وبالتحديد على المستويين السياسي والعسكري.
لقد اطلق الطرفان تصريحات جميلة خلال اللقاءات الثنائية التي عقدها الوفد الأميركي ”المتعدد الرؤوس“ مع الرئيس الصيني ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين الآخرين، ولكن رئيسة الوفد الصيني إلى الحوار الاستراتيجي، نائبة رئيس الوزراء وو بي لم تكن بهذا القدر من ”الدبلوماسية“ وعبّرت بكلمات واضحة عن موقف بلادها من الاتهامات الأميركية المتتالية للصين ومن محاولات عرقلة الاندفاعة الصينية نحو مستقبل اقتصادي تجد فيه الولايات المتحدة نفسها فيه وقد فقدت موقعها كاقتصاد أول في العالم.
ولا يجانب الطرفان الصواب وهما يتحدثان عن كون الحوار ”مثمراً“ (وهي الكلمة التي اتفق المسؤولون من الطرفين على استخدامها) ولكن ليس من الضرورة أن تكون كل الثمار حلوة المذاق لكلا الطرفين، حيث يجد كل منهما في التفاهمات التي وقعت والطلبات التي قدمت ما لا يستسيغه في ممارساته الاقتصادية، دون أن يجد القدرة على رفضه والتخلص منه.
وإذا كان لا بد من وصف آخر لهذا الحوار، فربما يمكن القول إنه كان ”حواراًً متكافئاً“ أبرز كل طرف فيه كل ما لديه من قدرة على التفاوض واستخدم كل ما يمكنه من أسلحة بعيداً عن وسائل الإعلام التي لم يسمح لها بحضور سوى جزء بسيط من جلسة الحوار.
إنه حوار استارتيجي بكلمات جارحة، تماماً كما هي العلاقة بين واشنطن وبكين.

الجمعة، 14 ديسمبر 2007

الندوة العربية الصينية الثانية في الرياض

افتتاحية العدد 28 من نشرة "الصين بعيون عربية"
محمود ريا
انعقدت الندوة العربية الصينية الثانية في العاصمة السعودية الرياض، وحضرها عشرات من النخب العربية من رجال الفكر والثقافة والاقتصاد، إضافة إلى شخصيات سياسية بارزة من الدول العربية ومن الصين.
خرجت الندوة بتوصيات هامة، وكان لها دور كبير في خلق نوع من التفاعل والتواصل بين المهتمين بالشأن الصيني من العرب، وبين الصينيين الذين حضروا بعدد كبير يعبر عن مدى الاهتمام بالعلاقات مع الدول العربية في مختلف المجالات.
تعددت الكلمات التي ألقيت والدراسات التي وزعت والمعلومات التي جرى تبادلها.
كل هذا حصل، والإعلام العربي غائب عن الندوة، وعن المشاركة فيها والتفاعل مع المواضيع المطروحة وعن نقل صورة دقيقة عما جرى، وكأنها ندوة عادية تعقد في دولة عربية وتتناول قضية محلية ضيقة لا تثير اهتمام العرب ولا تفرض نفسها على حاضرهم ومستقبلهم.
من المتابعة الحثيثة لهذا الموضوع على شبكة الانترنت يتضح مدى التقاعس العربي عن الاهتمام بهذه القضية، فلا خبر خاص، ولا مقابلات مميزة ولا تغطية لافتة، بل مجرد تكرار لما أوردته وكالة الأنباء السعودية على موقعها من تغطية رسمية شاملة، ولكن قاصرة عن التعبير عن حجم التفاعل الذي كان موجوداً بين المشاركين.
لا بد أن يطرح هذا الموضوع عدة أسئلة: لماذا يتجاهل الإعلام العربي الموضوع الصيني؟
لماذا تقتصر تغطية النمو الكبير الذي تعيشه الصين على ترداد ما تقوله وسائل الإعلام الأجنبية دون سعي من الإعلاميين العرب إلى الذهاب إلى مصدر الخبر وتقصي تطوراته، واكتشاف ما يحصل في تلك القارة من تطورات؟
تبدو الصين غريبة فعلاً وبعيدة جداً عن اهتمام العرب، فيما هي باتت في عمق اقتصادياتهم وفي أساس الكثير من مواقفهم السياسية، فيما الإعلام العرب يتعامل معها وكأنها دولة في أميركا الجنوبية أو قطعة من قارة أنتركاتيكا، لا خبر فيها ولا حدث ولا تأثير لها على الأوضاع في العام.
إن لقاءات مثل تلك التي انعقدت في الرياض تشكل فرصة هامة لكي يتعرف العرب أكثر على المارد الصيني، فهل يتمكن الإعلام العربي من إيصال هذه المعرفة إلى متابعيه، أم ننتظر ما يرد من وسائل الإعلام الأجنبية كي ينقل لنا الصورة كما يريدها هو، لا كما هي في الواقع.
والسؤال مطروح أيضاً بالمناسبة على الإعلام الصيني الذي غاب بدوره عن الندوة فلم يعطها حقها من التغطية. فإلى متى تبقى الأمور على هذه الحال، ومتى يحصل التفاعل الحقيقي؟
محمود ريا

الصين تحيي ذكرى فلسطين

افتتاحية العدد السابع والعشرين من نشرة "الصين بعيون عربية"
محمود ريا
زيارات متبادلة بين المدن الصينية ومدن فلسطين، مشاركة صينية حماسية في مؤتمر أنابوليس حول الشرق الأوسط، وبالتحديد حول القضية الفلسطينية، وفوق ذلك إحياء صيني لليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو اليوم الذي نسي كثير من العرب على ما يبدو الاحتفال به.
إنه اهتمام مميز، يثير أسئلة حول ما الذي تريده الصين من هذا التفاعل الحميم مع القضية الفلسطينية بالتحديد، ومع القضايا العربية بشكل عام.
إن الإجابة ينبغي لها ـ قبل أن تصبح جاهزة ـ أن تمر على تاريخ العلاقة الصينية مع القضية الفلسطينية، والذي لا يمكن وصفه إلا بأنه كان تاريخاً ناصعاً على مدى سنوات طويلة.
لقد وقفت الصين دائماً إلى جانب الحقوق العربية، ولا سيما إلى جانب حق الفلسطينيين في دولة لهم، وقدمت دعماً كبيراً لفصائل الثورة الفلسطينية، سواء على مستوى الدعم المالي، أو على مستوى التسليح والتدريب.
وفي الأمم المتحدة كان الصوت الصيني ـ الذي يحمل حق الفيتو ـ ”مضموناً ” إلى جانب الدول العربية، ولا سيما إلى جانب القرارات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية.
ورفضت بكين بشكل دائم إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وإن كان هناك بين الحين والآخر بعض المعلومات التي تتحدث عن اتصالات ولقاءات تجري بعيداً عن الإعلام بين مسؤولين من مستويات غير رفيعة مـن الطرفين.
وعندما قرر العرب ”الانفتاح“ على إسرائيل عاملتهم الصين مثل ما عاملوا هم به الفلسطينيين، وكان لسان حال القيادات الصينية: ”لن نكون عرباً أكثر من العرب“ وأقامت بكين علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وعززت علاقاتها الاقتصادية معها، وتركز الاهتمام على التبادل العسكري والتكنولوجي، نظراً للتقدم الإسرائيلي في هذا المجال، وللحاجة الصينية الشديدة إلى التكنولوجيا المتقدمة، في سعيها نحو البناء.
ولا يمكن إغفال حقيقة أن العلاقة مع إسرائيل باتت في العصر الحاضر الجسر الذي يوصل إلى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وهي العلاقات التي تحتاجها بكين بشدة نظراً لمساعيها الهادفة لتحسين اقتصادها.
بهذا الحضور الصيني على ”أرض“ القضية الفلسطينية تقول بكين إنها ما زالت مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأنها تدعم موقف القيادة الفلسطينية من أجل تأمين هذه الحقوق.
إنه موقف يحاول استذكار ماضي الوقوف الصيني بقوة إلى جانب الثورة الفلسطينية، فهل يستطيع العرب تنمية هذا الشعور كي لا يخسروا وقوف عاصمة كبرى مثل بكين إلى جانبهم، أم إنهم تعودوا تضيع الأصدقاء في سعيهم لتملّق الأعداء؟

لبنان والصين

افتتاحية العدد السادس والعشرين من نشرة "الصين بعيون عربية
محمود ريا
من يستمع إلى الأرقام التي ”تطايرت“ في فضاء القاعة التي انعقد فيها مؤتمر الاستثمارات المتبادلة بين لبنان والصين قد يصاب بنوع من الصدمة على عدة مستويات.
المؤتمر الذي عقدته الرابطة اللبنانية ـ الصينية للصداقة والتعاون في جامعـــة سيدة اللويزة شمال بيروت يوم 16 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي حفل بدراسات ومعلومات و“تمنيات“ كثيرة، ولكن كل واحدة من هذه ”المعطيات“ قد تشكل صدمة في حد ذاتها.
تبدأ الصدمة من المقارنة بين البلدين، وهي بحد ذاتها مفارقة كبيرة، سواء على مستوى المساحة أو على مستوى عدد السكان، او حجم الاقتصاد، إلى الحديث عن الميزان التجاري بين الدولتين والذي يعتبر مائلاً بشدة لمصلحة الصين، إلى عدد الزوار بين البلدين، والذي يشهد ”انقلاباً“ في الأرقام (عشرة آلاف لبناني يزورون الصين سنوياً مقابل عدد لا يذكر من الصينيين الذين يزورون لبنان).
كل هذه المعطيات تشهد على الخلل الذي يحكم العلاقة بين بيروت وبكين، وقد جاء هذاا المؤتمر المتخصص (وهو الثالث للرابطة بعد مؤتمر أول في بيروت وثانٍ في بكين) ليظهّر هذا الخلل من ناحية، وليقترح حلولاً عملية من أجل تصحيحه، ولو على صعيد تحقيق تبادل منافع بين الشعبيـن والاقتصادين.
وقد يتساءل البعض: ماذا يقدّم لبنان، هذا البلد الصغير الذي قد لا يظهر على الخريطة إلى الصين الدولة العملاقة التي ينظر إليها العالم اليوم برهبة وانبهار؟
المؤتمر كان واضحاً في الإجابة على هذا السؤال، وأبرزت الدراسات والأبحاث التي ألقيت فيه الكثير من الصور التي يمكن ان يظهر من خلالها التعاون بين الدولتين، لا بل إن بعض الدراسات ذهبت إلى حد اعتبار أن الصين بحاجة إلى لبنان، اكثر من حاجة لبنان إلى الصين، وذلك نظراً إلى ما يتمتع به العنصر البشري اللبناني من قدرة على ”تسويق“ الصين في العالم العربي بشكل خاص وفي العالم كله بشكل عام.
وقد طرحت خلال هذا المؤتمر الكثير من الأفكار التي تعزز التعاون والتي تحتاج إلى المتابعة على الصعيد الرسمي بين البلدين كي تتحول إلى مشاريع عملية تخدم الاقتصادين وتشكل منطلقاً لتعاون أوسع على مستوى المنطقة، وربما تحوّل لبنان إلى بوابة للصين على المنطقة العربية.
ما ننشره في هذا العدد هو بعض ما قيل في المؤتمر، أما كل ما ورد من دراسات وأبحاث، ولا سيما الدراسات الهامة لاثنين من أكبر علماء الاقتصاد الصينيين فيبقى ملكاً للرابطة التي تنوي إصدار هذه الدراسات في كتاب ينشر قريباً، ليكون مرجعاً حقيقياً لمن يرغب في الاطلاع على إمكانيات التعاون بين لبنان والصين، وحتى بيـن الدول العربية كلها وبكين.

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2007

موقف متقدم

افتتاحية العدد الخامس والعشرين من نشرة "الصين بعيون عربية"
محمود ريا
تقف الصين موقفاً متقدماً من قضية الملف النووي الإيراني، أو على الأقل هكذا يمكن رؤية الأمر من وجهة النظر الإيرانية.
هذه الرؤية ستؤدي بالطبع إلى اعتبار الطرف الآخر ـ الأميركي والأوروبي ـ أن الموقف الصيني محافظ جداً، لا بل هو متخلف كثيراً عن الموقف الدولي من هذا الموضوع الحيوي.
كيف يمكن ان ”يتقدم“ موقف الصيني حسب الرؤية الأميركية؟
الأمر بسيط: الرضوخ للضغوط الأميركية، والسير في العقوبات على طهران، سواء من خلال المشاركة فيها مباشرة أو من خلال تمريرها قراراته في مجلس الأمن الدولي، وربما المشاركة في أي حرب عسكرية قد تشنها الإدارة الأميركية على إيران.
طبعاً، إذا كانت هذه هي ”التقدمية“ كما تراها اميركا، فإن الصين فضّلت على ما يبدو أن تبقى ”متخلفة“، وأن تتخذ مواقف حاسمة في كل القضايا التي تطلبها واشنطن، فبكين تشدد على الحل السلمي لقضية الملف النووي الإيراني، وتؤكد على عدم ضرورة توقيع عقوبات جديدة على طهران، وتفعل عكس ذلك تماماً، إذ هي تزيد من التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين، بل وتزيد من اعتمادها على النفط الإيراني كمصدر رئيسي للطاقة في الصين.
وبكين لم تكتفِ بذلك بل هي أرسلت وزير خارجيتها إلى طهران لينقل رسالة دعم واضحة، قابلها تأكيد من القيادات الإيرانية على عمق الصداقة مع الصين، وقد عبّر عن ذلك الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي قال ”إن أعداء إيران والصين لا يطيقون العلاقات الودية بين البلدين“.
ربما تعلن الصين موقفها بشكل موارب إلى حد ما، وربما هي تؤكد في ما تعلنه من تصريحات ومواقف على وجوب أن تتعامل إيران بجديّة مع القلق الدولي حول برنامجها النووي، وربما أيضاً أن الصين لا ترغب بأن تتحول المواجهة الإيرانية الغربية إلى مواجهة عسكرية، أو في أقل تقدير مواجهة حامية تنعكس حرارتها على سياسة العالم واقتصاده، ولكن كل ذلك لا يعني أن الصين محتارة في تعيين الجهة التي قررت الوقوف إلى جانبها، أو أنها يمكن أن ”تضيع“ في تحديد الطرف الذي ينبغي عليها أن تسانده في هذه المواجهة.
وقد عبّرت الصين بكل وضوح عن هذه الحقائق من خلال رفضها حضور اجتماع الدول الست الذي كان مقرراً لبحث فرض عقوبات على إيران، وهي وإن علّلت الرفض بأسباب تقنية، إلا أن هذه ”الأسباب“ كان يمكن لمن ”يرغب“ بتجاوزها أن يتجاوزها، وهذا ما لم تفعله القيادة الصينية.. وفي هذا موقف ليس بعده أي التباس.
يمكن القول إن كل ذلك يعني شيئاً واحداً: الصين تصفع الولايات المتحدة على وجهها، مرّة تلو مرّة تلو مرّة. وفيما واشنطن تتلقى هذه الصفعات، تصر على أن الصين ”متخلّفة“ وأنها ستقودها إلى التقدم.
فهل سـ ”تنقاد“ الصين“ أم أن قاطرتها الاقتصادية والسكانية الكبرى ستعود بالقطار الأميركي المندفع بلا كوابح.. إلى ”الوراء“، فتجنّب العالم أخطار التهوّر الأميركي التي تتجاوز كل توقع؟

An Advanced Position

Opening of 24th issue of “China in Arab Eyes” News Bulletin
Mahmoud Raya
China holds an advanced position regarding the Iranian nuclear issue or at least, this is Iran’s viewpoint on this matter.
This viewpoint will naturally lead towards believing that the other side – American and European – will regard the Chinese position as very preservative; rather, it will be regarded as a very retarded position, tarrying behind the international stand on a vital issue.
How can the Chinese position “progress” according to the American view?”
The answer is simple; China must submit to the U.S. pressures and go along with the sanctions on Tehran by either participation or by approving the decision of the International Security Council, and perhaps participating in any military war the U.S. administration might be mulling against Iran.
If this is “progressivism” as seen by the U.S., China on the other hand would rather retreat and express decisive positions on all the matters which Washington demands. Beijing stresses on the peaceful solution regarding the Iranian nuclear issue and stresses on the unnecessary approval of new sanctions against Tehran. China is adopting an entirely different direction. It wishes to increase the chances of the mutual economic and commercial exchange between the two countries. Moreover, it wishes to rely on the Iranian oil as a main source of the energy which China requires.
Beijing was not satisfied; it also deployed its foreign minister to Tehran to deliver a clear message, which was received by the Iranian command through a deep friendship with China. This issue was expressed by the Iranian president Mahmoud Ahmadinejad saying, “The enemies of Iran and China cannot bear the friendly rapport between the two countries.”
China might express a similar position to some extent, but it is also stressing on Iran that it must seriously deal with the international worry regarding its nuclear program. In addition, perhaps China does not wish for the Iranian-Western conflict to take a military form or at least, face a heat wave which might influence the world policy and economy. However, all these issues does not mean that China is confused about which side to take for support, and it will not lose its way identifying the party that it will support during such confrontation.
China has expressed clearly these facts by refraining from attending the six countries meeting that was decided in order to discuss the imposition of sanctions on Iran. Although it referred such refrain to technical reasons, yet anyone could have ignored these “reasons” unlike the Chinese commandment. This was a crystal clear stance of China.
One can say that this issue in its entirety means one thing: China is slapping the U.S. face repeatedly. Washington, receiving these slaps, keeps insisting that China is “retarded” and that it will lead it towards progression.
Therefore, will China be “led” or will its gigantic economic and populated locomotive hold back the U.S. unrestraint rushing train, hence saving the world the gravities of the U.S. heedlessness that exceeds all expectations?