‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات استراتيجية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات استراتيجية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 مارس 2010

استراتيجية الصمت الصيني تستفز واشنطن


محمود ريا
نشر في صحيفة السفير اللبنانية يوم الخميس 4/3/2010 على الرابط التالي: هنا
تضرب الصين بقوة، وتُضرب بقوة. هذا هو قدر المتحفز ليأخذ دوراً على الخارطة العالمية، فكيف إذا كان هذا الدور بحجم عملاق كالتنين الأصفر الذي يثير خشية الكثيرين، كما يثير خيال الكثيرين أيضاً، وخصوصاً أولئك الذين يبحثون عن بديل ما للنظام الكوني الذي يتحكم بالحركة السياسية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة.
الضرب الصيني يستمر في أخذ جانب النعومة التي اعتادت الصين على اعتمادها كوسيلة أساسية في علاقاتها مع الدول الأخرى، وهي نعومة ناشئة عن قرار مركزي ـ وتاريخي في الآن نفسه ـ بوضع المصلحة الصينية فوق أي اعتبار، وفي المرحلة الحالية، فإن المصلحة الاقتصادية تعلو على أي مصلحة أخرى، حتى ولو كانت مصلحة «تحرير الأرض» (تايوان مثلاً) أو مصلحة لعب دور يتوازى مع الحجم الكبير في السياسة الدولية.
من أجل ذلك تواصل الصين العمل بصمت، والسعي إلى تكديس المزيد من القوى الاقتصادية والمالية والعسكرية والبشرية، وتكريسها لخدمة النمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي، إلى حد جعل البعض يتساءل بشكل جدي: هل إن هذا الصمت الصــيني ناجم عن عدم الاقتناع بالقدرة على إحداث تغيير ما في الواقع العالمي، أم إنه ناشئ عن قرار واعٍ ومشروع يرتكز على مخطط مسبق، يهدف إلى الاستمرار باعتماد سياسة «الصعود السلمي» وصولاً إلى امتلاك القدرة على قلب الطاولة على الجميع دون استثناء وخلق نظام جديد تكون الكلمة فيه للصين وحدها أو ذات وزن حاسم من بين كل الكيانات السياسية الأخرى في العالم.
والصين التي تحقق إنجازات تخرج عن القدرة على الرصد والإحصاء في مختلف المجالات الاقتصادية (صناعة وتجارة وخدمات) والتي تدق أبواب الفضاء بقوة، وتضرب صواريخها إلى ما بعد طبقات الغلاف الجوي للكرة الأرضية، هذه الصين العملاقة تتعرض للضرب.
حتى هذه اللحظة لا تزال الضربات الموجهة إلى الصين تتم من خلال قفازات تختلف ألوانها وأنواعها بحسب نوع الضربة، لكن الضاربين ـ على رأسهم ضارب واحد في الواقع يحمل على صدره نجمة المارشال السائب في الغرب الأميركي ـ لم يجرؤوا على خلع قفازاتهم، وعلى وضع أصابعهم في العين الصينية، كما فعلوا سابقاً مع الاتحاد السوفياتي في لحظات ضعفه.
لا يزال الغرب، برأسه الأميركي، يوجه الإنذارات للصين، أو إنه يقول لها إنه يراها وهي تسير في الخفاء، لتكون القوة الاقتصادية الأولى بعد أقل من عشر سنوات، ويرصد حركتها وهي تعمل على الاستحواذ على الكثير من الموارد الطبيعية في مختلف القارات، ولا سيما في أفريقيا وأميركا الجنوبية، ويعرف مخططاتها التي تمررها تحت ستار اعتماد سياسة «التطنيش» تجاه الكثير من الأحداث العالمية والهرب من اتخاذ موقف إزاء الكثير من التطورات، في حين هي تعمل على تحقيق الهدف الأول الذي وضعته، وهو التحول إلى قوة عظمى حقيقية، قوة عظمى لا تنفع كل محاولات القوى الأخرى في الوقوف بوجهها.
لكن، إلى متى ستبقى هذه الدول الكبرى صامتة على ما تقوم به الصين، وإلى متى أيضاً يستطيع بعض الصينيين الصمود في مربّع التخلي عن الدور العالمي والتهرّب من الإعلان الصريح عن حجم القوة الصينية.
تبدو التحرشات الأميركية بالصين في الفترة الأخيرة مؤشراً على بدء نفاد الصبر تجاه الصعود الصيني الصاروخي. استقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما للدالاي لاما، وصفقة الأسلحة الأميركية المتطورة لتايوان، ووقوف مؤسسة الدولة الأميركية بقوة إلى جانب شركة غوغل في مواجهتها مع بكين، إضافة إلى التهديد بفرض غرامات اقتصادية على الصين بسبب ما قيل إنه إخلال بالالتزام بمبادئ التجارة الحرة، والضغوط التي تمارس على الصين للسير في مشروع العقوبات الأميركية على إيران، تبدو كلها مؤشرات على أن الولايات المتحدة ـ ومعها الغرب بالتأكيد ـ بدأت تهزُّ العصا بشكل أو بآخر للصين، أو انها بدأت تلوّح بنزع القفاز وخوض كباش حقيقي مع الصين قبل أن تصبح قوة لا مجال لضبطها وترويضها.
في المقابل هناك في الصين من لا يعجبه الاستمرار في سياسة النفس الطويل، لا بل إن هناك من يعتبر أن الصين تصمت على الإهانات التي تتعرض لها من الغرب دون أن ترد بالشكل الملائم.
يتزامن هذا الشعور الذي يعززه صعود ايديولوجي في صفوف مجموعات كبيرة من التيارات السياسية داخل الحكم الصيني مع المؤشرات التي تتوالى صعوداً على المستويين العسكري والاقتصادي.
وفي حين تصر الصين على اعتبار نفسها دولة نامية، تؤكد دراسة للاكاديمية الصينية للعلوم (CAS) نشرت مؤخراً أن الصين باتت دولة نامية من المرتبة الأولى، وهي تسمية ملطفة للتعبير عن تحول الصين إلى قوة كبرى حقيقية. في الوقت نفسه تقول دراسة للاكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS) إن الصين أصبحت بما لا يقبل الجدل القوة العسكرية الثانية في العالم، أي إنها تخطت كل الدول الأخرى ـ بما فيها روسيا ـ ولم يبقَ أمامها إلا الولايات المتحدة الأميركية.
إن هذا الشعور الصيني بالقوة الفائضة دفع إلى واجهة الضوء تياراً كبيراً في الصين بات يطلق عليه وصف «تيار ايديولوجيي بكين» مقابل التيار المسيطر على اللعبة السياسية في الصين حالياً الذي يصطلح على تسميته بـ«تيار اقتصاديي شانغهاي».
وبينما يصر التيار الاقتصادي على التعامل مع القضايا العالمية بكثير من التوافق مع قرارات الولايات المتحدة، فإن معلومات وردت من روسيا ونشرتها وكالة أنباء نوفوستي الروسية تفيد أن تيار ايديولوجيي بكين، أرسل موفدين إلى موسكو ليطالبها باتخاذ موقف أكثر حزماً في مواجهة الضغوط الأميركية تجاه فرض عقوبات على إيران.
وقالت الوكالة الروسية في تقرير بثته يوم الجمعة (19/2): لقد «وصلت أصداء المواجهة بين «الكومسوموليين البكينيين» و«رجال الأعمال الشنغهاويين» إلى العاصمة الروسية موسكو، إذ توافدت اليها وفود صينية لتستطلع رأي القيادة الروسية وتعرف مع مَن تقف موسكو: بكين أم واشنطن».
وإزاء هذا الوضع المتداخل، يصبح الحديث عن تشكّل صورة جديدة للعالم أمراً قريباً من الواقع، بغض النظر عن شكل هذه الصورة ومدى سوداويتها، لكنها صورة مرسومة بخطوط فيها الكثير من اللون الأصفر القادم من شرق آسيا، فيما تبدو سلسلة الضربات المتوالية بين الصين والغرب سائرة في متوالية هندسية لن تصل في المستقبل المنظور إلى المواجهة العسكرية، لكنها لن تيقي الأمور أبداً في خانة المسايرة الصينية للقرارات الأميركية، أو الصمت الأميركي عن الانجازات الصينية التي تكاد تقارب المستحيل.

السبت، 30 أغسطس 2008

الجولة الآسيوية للرئيس الصيني لها أهمية استراتيجية

وكالة أنباء الصين الجديدة ـ شينخوا

ذكر وزير الخارجية الصيني يانغ جيه تشي الجمعة أن جولة الرئيس الصيني هو جين تاو فى آسيا الوسطى، والتى شملت ثلاث دول لها أهمية استراتيجية بالنسبة للسلام والاستقرار الإقليميين.

وذكر يانغ، الذي يرافق هو في جولته، أن الرئيس تبادل وجهات النظر بشكل مكثف مع زعماء تركمنستان وكوريا الجنوبية وروسيا حول الروابط الثنائية، والقضايا الدولية والاقليمية الرئيسية ذات الاهتمام المشترك، وتوصلوا الى توافق عريض.

حول تعميق التعاون، وتدعيم الروابط

بعد إقامة الصين للروابط الدبلوماسية مع كوريا الجنوبية وطاجيكستان وتركمنستان قبل 16 عاما، تمتعت روابطها مع الدول الثلاث بتنمية سريعة، كما شهدت مجالات التعاون الثنائي توسعا مستمرا.

وخلال زيارة الرئيس هو، أصدرت الصين بيانا مشتركا مع كوريا الجنوبية، كما أصدرت بيانات مشتركة مع طاجيكستان وتركمنستان. وتم توقيع أكثر من 30 وثيقة تعاون ثنائي بين الصين والدول الثلاث.

وفي سول، قال هو أن الروابط الصينية مع كوريا الجنوبية يجب أن تهدف إلى تحقيق التنمية المشتركة على المدى الطويل ، كما يجب أن يتقاسم البلدان فرص التنمية، ويواجها التحديات معا، ويعمقا التعاون الشامل، ويعززا التنسيق والتعاون في التعامل مع القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية.

وخلال زيارته لطاجيكستان، قال هو أن سياسة الصين الراسخة تهدف إلى تعزيز تطوير علاقات صينية - طاجيكية تتسم بالصداقة الدائمة، والمساواة، والثقة، والمنفعة المتبادلة، والنتائج المربحة للجانبين.

وفي عشق أباد عاصمة طاجيكستان، وصف الرئيس التركماني قربان قولى بردي مخمدوف الصين بأنها واحدة من أهم الشركاء الذين يعتمد عليهم بالنسبة لتركمانستان.

ووافق الجانبان على تدعيم التبادلات في شتى المجالات، وتعميق التنسيق والحوار، وتعزيز التعاون في مجالى البنية التحتية والطاقة.

كما أكدت كل من كوريا الجنوبية وطاجيكستان وتركمنستان التزامها بسياسة صين واحدة فى قضايا تايوان والتبت. وأكدت ايضا دعمها لجهود الصين في حماية سيادتها ووحدة أراضيها.

حول تطوير منظمة شانغهاي للتعاون

أشار يانغ إلى أنه بعد سنوات من التطوير، أصبحت منظمة شانغهاي للتعاون منظمة هامة لحماية السلام والاستقرار في آسيا الوسطى، ودفع النمو الاقتصادي قدما، وتدعيم التبادلات الثقافية.

وفي خطابه الهام في قمة المنظمة أمس (الخميس) في دوشنبه، قدم الرئيس هو تحليلا عميقا عن الوضع الأمني الإقليمي، وكذا المخاطر والتحديات التي تواجه الدول الأعضاء بالمنظمة.

وناشد الدول الأعضاء تعزيز العلاقات، وتطبيق معاهدة الصداقة والتعاون طويلة الأجل القائمة على حسن الجوار، ودعا هو كافة الأطراف الى تدعيم الثقة السياسية المتبادلة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة، والعمل معا على بناء التناغم الإقليمي، وفقا لما ذكره يانغ.

وذكر وزير الخارجية الصيني أن قمة المنظمة بدوشنبه توجت بتوقيع عدة وثائق هامة مثل بروتوكول المنظمة لشراكة الحوار، وإعلان مشترك.

وأضاف يانغ أنه على هامش القمة، عقد الرئيس هو اجتماعات مع نظيريه الروسي والقرغيزي، حيث تبادلوا الآراء حول الروابط الثنائية، والقضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتدعيم التفاهم والثقة الثنائيين ، وتعزيز التعاون متبادل المنفعة.

حول توضيح مسار التنمية

طوال رحلته، وفي قمة المنظمة، أوضح الرئيس هو سياسات الصين المحلية والخارجية، مؤكدا على أن انجازات بلاده في الثلاثين عاما الماضية نتجت من سياستها للإصلاح والانفتاح، التي سوف تعتمد عليها أيضا التنمية في المستقبل.

وقال هو أن الشعب الصيني سيواصل بثبات الإصلاح والانفتاح، وسيناضل من أجل تحقيق مجتمع معتدل الرخاء، وتسريع التحديث.

وأكد مجددا على أن الصين سوف تتبع بثبات مسار التنمية السلمية، واستراتيجية الكسب المتبادل في سياستها الانفتاحية.

كما أشار إلى أن الصين تسعى إلى تنمية سلمية منفتحة وتعاونية، وتعمل جاهدة من أجل بناء عالم متناغم يتسم بالسلام الدائم، والرخاء المشترك.

وقال يانغ أن جولة الرئيس هو فى الدول الثلاث، حققت التوقعات المبدئية منها، وتعتبر زيارة ناجحة التزمت بحسن الجوار،وتعميق التضامن، والثقة المتبادلة، وتحقيق المنفعة المتبادلة، ونتائج مربحة للجانبين.

واختتم يانغ حديثه قائلا أن جولة هو سيكون لها تأثير هام وبعيد الأثر على تطوير علاقات الصين مع الدول الثلاث، وتعزيز تنمية صحية ومستقرة طويلة الأجل لمنظمة شانغهاى للتعاون، وبناء التناغم الإقليمي والدولي.

أولمبياد بكين بخصائص صينية


خاص ـ موقع "الصين بعيون عربية"
د. مسعود ضاهر (رئيس الرابطة اللبنانية الصينية للصداقة والتعاون)


بدأت الدورة التاسعة والعشرون للألعاب الاولمبية في بكين بافتتاح ضخم في 8 آب 2008، فانتزعت اعترافا عالميا بأنه حفل رائع لا مثيل له في تاريخ تلك الألعاب .

قدمت وسائل الإعلام العالمية تغطية نادرة تظهر مدى الجهود الكبيرة التي بذلتها الصين في إنشاء البنى التحتية لإنجاح جميع المباريات الأولمبية.، فوصف الحفل بالجمال الكامل الذي لا ثغرات فيه. فقد كان متميزا لدرجة أقرب إلى الكمال الفني أمام جمهور تجاوز التسعين ألف متفرج على أحد ملاعب العاصمة بكين .

وكتبت تقارير وانطباعات لا حصر لها حول النجاح المذهل الذي حققه الأولمبياد،

لكن قلة منها اهتمت بحرص الصين على إظهار طابع الأصالة في حفل افتتاح الأولمبياد انطلاقا من الاختراعات العظيمة التي حققها قدامى الصينيين وأبرزها : صناعة الورق، والطباعة المتحركة، والبوصلة، والبارود. وكانت تلك الاختراعات بمثابة صك برءاة علمية لدور الصين في نشر العلوم العصرية وتطور الحضارات الإنسانية، فاستخدمت تلك الاختراعات بكفاءة عالية في حفل الافتتاح وأثارت الدهشة في العالم كله. فقد وظف تطور صناعة الورق في الحفل عبر لفيفة صينية بالغة الإتقان لتبدأ بها العروض الفنية.واستخدم التطور التكنولوجي الذي عرفته الطباعة المتحركة في الصين لكتابة جزء من مراسم الاحتفال، فاتخذت شكل صندوق يعبر عن الكلمات القديمة ولوحة مفاتيح الكمبيوتر الحديثة. وأكدت الصين مجددا على أن الطباعة المتحركة عامل أساسي في تطور الحضارة الحديثة. ووظفت البوصلة في عدد من العروض الفنية التي رسمت طريق الحرير وفي إشارات مكثفة لحجم التبادل الاقتصادي والثقافي بين الصين ودول الغربية. وحمل أحد المشاركين بيده بوصلة قديمة. كما ظهر البارود بكثافة في عروض الألعاب النارية التي فاقت بجمالها جميع العروض العالمية المماثلة.

لقد استجمعت الصين حكمة الأجداد، ثم وظفت العلوم العصرية المتجددة لدى شعبها العظيم. وبدت بكين مدينة متألقة أمام الضيوف القادمين من جميع أنحاء العالم. فكل ما فيها متجدد ويشير إلى حيوية بالغة لمواكبة هذا الحدث التاريخي وإنجاحه بما يبهر شعب الصين أولا ومعه جميع شعوب العالم. وشهدت بكين في فترة الإعداد للأولمبياد نشاطا محموما لتجديد شبه كامل في بناها التحتية، وزينتها، وصناعاتها، وحرفها، وتطويرا لنظم الخدمات والرقابة الصحية والبيئية في جميع أحيائها.

ولاحظ القادمون إليها تبدلات جذرية في مستوى الخدمات العصرية والرقابة الصارمة لتبدو مدينة عريقة تعيش أرقى درجات العصرنة والتحديث الشامل. فبدا واضحا أن ما قدمته الإدارة الصينية على مستوى تطوير البنى التحتية والخدمات الخاصة والعامة لإنجاح الاولمبياد كان يحتاج لأكثر من عشر سنوات في الظروف العادية.

بعبارة موجزة، لقد انتهز الصينيون الفرصة التاريخية التي قدمتها لهم الألعاب الأولمبية من أجل إظهار الجوانب الحضارية في تراثهم الثقافي من جهة، ومدى التطور التكنولوجي الذي حققوه في مجال العلوم العصرية من جهة أخرى. فنجحت الصين في تقديم صورة عقلانية جديدة لتاريخها الثقافي المتطور باستمرار من خلال التركيز على إظهار الأولمبياد بحلة صينية، وبخصائص صينية غير مسبوقة .

ولم تدخر جهدا في الدعوة إلى نشر ثقافة السلام والانسجام بين شعوب العالم، والتي تجلت بوضوح ساطع من خلال الصور الجميلة التي قدمها المشاركون في حفل الافتتاح، وأبهرت شعوب العالم ببرنامج من الفنون الإبداعية، واللوحات الرائعة، والإخراج التقني الشديد الإتقان. وبعد أن تمسكت بكل ما هو إيجابي في تراثها التقليدي وثقافاتها الموروثة ، وظفت العلوم العصرية المتجددة التي أكتسبها الشعب الصيني خلال العقود الثلاثة التي أعقبت بداية حركة "الإصلاح والانفتاح" في عام 1978 لتقدم صورة رائعة جدا لتطور الصين التكنولوجي .

لقد بدت بكين مدينة متألقة أمام الضيوف القادمين من جميع أنحاء العالم. فكل ما فيها كان متجددا ويشير إلى حيوية بالغة لمواكبة هذا الحدث التاريخي وإنجاحه لدرجة الإبهار. فبكين في الأولمبياد مدينة عريقة ومزدانة بكل جديد . لكن الصين العصرية التي تحترم تراثها القديم في عصره الذهبي إلى أقصى درجات الاحترام ، كانت حريصة أيضا على تقديم صورة جديدة لثقافتها وعلومها الحديثة المتطورة باستمرار من خلال التركيز على إظهار الأولمبياد بحلة صينية، وبخصائص صينية غير مسبوقة، وبالقدرة على إبهار العالم بالتوازن الدقيق بين تراثها الثقافي والإنساني المميز وعلومها العصرية القادرة على إنقاذ الصين من مخاطر عصر العولمة والنزاعات المتفاقمة بين الأقطاب الكبار في النظام العالمي الجديد.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال العقود الثلاثة الماضية على بدء سياسة الإصلاح والانفتاح، لم تدخر الصين جهدا في الدعوة إلى نشر ثقافة السلام والانسجام بين شعوب العالم، والتي تجلت بوضوح ساطع من خلال الصور الجميلة التي قدمها المشاركون في حفل الافتتاح.فارتقت تكنولوجيا الصين إلى مصاف أرقى الدول الكبرى من حيث القدرة على الإبهار الفني، واستخدام التقنيات الحديثة لأغراض سامية تحمل أنبل المشاعر والقيم الإنسانية. فترك حفل الافتتاح بصمات شفافة للغاية ستبقى طويلا في ذاكرة الناس الذين شاهدوه عبر وسائل الإعلام المرئي، ويقدر عددهم بأكثر من أربعة مليارات إنسان على امتداد الكرة الأرضية.

ودل المهرجان على أن الصين تسير بخطى ثابتة لكي تلعب دورا إيجابيا في بناء الأسرة الدولية على أساس عولمة أكثر إنسانية. فهي لا تقيم وزنا كبيرا لمظاهر العداء المتواصل ضدها في كثير من الدول الغربية. وما زالت تتمسك بسياستها السلمية وتعزيز علاقاتها مع جميع الدول، المجاورة منها والبعيدة على حد سواء.

وتعمل الصين بكامل طاقاتها من أجل حل المشكلات الدولية الموروثة عبر المفاوضات السلمية، وتدعم المنظمات الدولية الفاعلة لمواجهة الاحتباس الحراري، وحل مشكلات الطاقة، ومكافحة الإرهاب الدولي. وترفض وسائل الإعلام الصينية كل أشكال التحريض ضد الغرب، وتدعو إلى التعاون معه في كافة المجالات بما يضمن المصالح المتبادلة بين الصينيين وجميع شعوب العالم.

وكان لنجاح الأولمبياد أثر كبير على صحافة الغرب التي بدأت تنشر مقالات رصينة عن الصين الجديدة التي لا تخيف نهضتها العالم كما كانت تروج في السابق. وتخلت بعض الصحف الغربية، ولو مرحليا، عن عدائها التاريخي للصين، والتحريض الدائم على الإدارة الصينية، واتهامها بمعاداة الديموقراطية وحقوق الإنسان، ودعتها إلى القيام بدور فاعل لا يمكن تجاوزه لحل كثير من المشكلات العالمية، إذ تلقى سياستها السلمية تفهما متزايدا من المجتمع الدولي الذي تعاني دوله تراجعا في النمو الاقتصادي، وزيادة حجم التضخم المالي. وأكد بعض المحللين المنصفين على أن نمو الصين المرتفع والثابت خلال ثلاثة عقود متتالية ليس مسؤولا عن الأزمة العامة للرأسمالية في المرحلة الراهنة، بل تُسأل عنها الإمبريالية الجديدة ذات النزعة العسكرية التي وضعت في خدمة الاحتكارات العالمية لكي تمارس الاستغلال، ونهب مدخرات الشعوب الفقيرة، وإشعال حروب متنقلة في أكثر من منطقة من العالم.

على العكس من ذلك، تساهم الصين بفاعلية كبيرة في نمو الاقتصاد العالمي، وفي تخفيف نسب التضخم من طريق القروض الميسرة، وبناء المشاريع الكبيرة في الدول النامية بكلفة متدنية، وتقديم سلع متميزة بأسعار رخيصة في متناول الطبقة الوسطى والفقيرة.
وتشير بعض الاحصائيات الدقيقة إلى أن الصين ساهمت في الحد من ارتفاع الأسعار على المستوى الكوني، ووقف موجة الغلاء وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ووقفت بصلابة ضد الارتفاع المتواصل في أسعار الحبوب العالمية، ودعت إلى مراقبة سلامة الأغذية بما يضمن صحة مليارات من الناس ومنهم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون داخل الصين وحدها، وهم يشكلون أكثر من ربع سكان الكرة الأرضية. ويعاني شعبها مشكلات معيشية حادة، وأزمات متفاقمة بسبب نقص الموارد الطبيعية الضرورية لإطعام أكثر من مليار وثلاثمائة مليون إنسان، والكوارث البيئية والطبيعية المتلاحقة التي ضربت الصين خلال السنوات الثلاث الماضية، وكان آخرها الزلزال الكبير الذي ضرب مساحة تجاوزت المائة ألف كلم2 ،وأودت بحياة أكثر من ثمانين ألف إنسان، وشردت أكثر من خمسة ملايين آخرين.

مع ذلك لا بد من التأكيد على أن الصين حققت خطوة متقدمة جدا على طريق الاكتفاء الذاتي في مجال الحبوب، وضمان الأمن الغذائي، وساهمت في حل المسألة النووية الكورية بالطرق السلمية، وشاركت في عمليات حفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة.

ونجحت أيضا في تجاوز مشكلة الفقر والأمية داخل الصين، وبناء مساحات شاسعة من الغابات الصناعية في الصين خلال العشرين سنة الماضية. وبعد تحقيق إنجازات كبيرة في العقود الثلاثة الماضية بات هاجس الصين منصبا على إظهار قدرات شعوبها الفنية والتكنولوجية ومساهمتها في خدمة أهدافها البعيدة في بناء السلام ونشر الازدهار على المستوى الكوني، فقدمت للوافدين إلى المهرجان نموذجا متطورا يظهر المستوى الرفيع الذي بلغته الصين في مختلف المجالات.

فاستمرار وتيرة النمو المرتفعة عززت ثقة الصين بنفسها وبقدرة شعوبها على مواجهة عصر العولمة بالوحدة الداخلية، وبالتضامن بين قومياتها التي تقدر بست وخمسين قومية، وبإصرار إدارتها على بناء عالم آمن، تسوده الوحدة والانسجام، وتعمل دوله على بناء عولمة أكثر إنسانية.

نخلص إلى القول إن الصينيين قدموا حفلا رائعا في افتتاح دورة الألعاب الأولمبية التاسعة والعشرين في العاصمة بكين. وعبرت عروضه المتميزة جداً وغير المسبوقة في تاريخ الألعاب الأولمبية عن موقع الصين المتقدم في النظام العالمي الجديد كدولة عظمى تجمع بين روعة الأصالة ومتعة الحداثة التي قاربت حد الإبهار. وأثبتت إدارتها أن لدى الصينيين قدرات تنظيمية وتقنية وفنية ورياضية قادرة على تقديم حفل أسطوري لأكثر من خمس ساعات، فشكل حدثا فريدا في تاريخ الأولمبياد العالمي قد يصعب تجاوزه لسنوات طويلة. وحقق الصينيون حلما طالما راودهم منذ عقود طويلة بأن يرتقوا بمستوى الأولمبياد إلى مرتبة التحفة الفنية التي تعبر عن أصالة الشعب الصيني، وتمسكه بكل ما هو إيجابي في تراثه الحضاري. وأثبت الشعب الصيني العظيم أن العقود الثلاثة الماضية التي رافقت حركة الإصلاح والانفتاح في الصين منذ العام 1978 كانت كافية لاستيراد التكنولوجيا المتطورة، وتوطينها، والإبداع فيها. وقد ساعدت الصين على تقديم حفل الافتتاح في 8 آب 2008 بخصائص صينية واضحة، ومشبعة بتقاليد التراث الصيني العظيم، فقدمت الدليل القاطع على قدرة الصين على بناء حداثة سليمة تقيم التوازن الرائع بين الأصالة والمعاصرة دون أن تضع أحدهما في مواجهة الأخرى.

لقد ارتقت الصين بمستوى الأولمبياد إلى مصاف أرقى الدول الكبرى من حيث القدرة على الإبهار الفني،واستخدام التكنولوجيا المتطورة لأغراض فنية وإنسانية . فترك حفل الافتتاح بصمات شفافة للغاية، لذلك وصفت بعض وسائل الإعلام الغربية الحفل بأنه" جمال كامل لا ثغرات فيه ". فقد كان متميزاً جداً لدرجة أقرب إلى الكمال الفني أمام جمهور تجاوز التسعين ألف متفرج على أحد ملاعب العاصمة بكين. وأعجب العالم كله بالبرنامج الجميل لما تضمنه من فنون إبداعية، ولوحات رائعة، وإخراج تقني شديد الإتقان، وتذكير واضح بالأهداف الإنسانية الكامنة وراء إعداد المهرجان، والدعوة إلى عولمة أكثر إنسانية.

أخيرا، خططت إدارة الأولمبياد منذ سنوات عدة لتحسين صورة الصين في العالم، ودفع عجلة النمو الاقتصادي فيها خطوات كبيرة باتجاه المستقبل. فوظفت عشرات مليارات الدولارات في دورة الألعاب الاولمبية، وتحمس القطاع الخاص لحفل الافتتاح فتحمل نسبة كبيرة من التمويل وشارك فعلا في إنجاحه .وهو يعلق أهمية كبيرة على الآثار الإيجابية لحفل الاولمبياد على الاقتصاد الصيني، خاصة قطاع السياحة الذي سيتطور بسرعة في السنوات القليلة القادمة. وأثبتت العروض المتميزة جدا في حفل الافتتاح، وما أعقبها من حصاد وفير في الميداليات الذهبية التي بلغت 50 ميدالية متجاوزة الولايات المتحدة الأميركية وجميع الدول الأخرى بفارق كبير في مستوى الأداء الرياضي والفني أن الصين باتت في موقع متقدم جدا في النظام العالمي الجديد كدولة عظمى وقطب كبير محتمل في التنافس على الزعامة العالمية ورفض سياسة القطب العالمي الواحد الذي يحلم به الأميركيون.

ختاما، أثبتت عروض الافتتاح ونتائج الألعاب الأوليمبية في بكين لعام 2008 أن لدى الصينيين قدرات تنظيمية وتقنية وفنية قادرة على تقديم حفل أسطوري شكل حدثا فريدا في تاريخ الأولمبياد العالمي قد يصعب تجاوزه لسنوات طويلة . وأن لديها طاقات ومواهب رياضية قادرة على المنافسة الندية على المستوى الكوني . فارتقى الصينيون بمستوى الأولمبياد إلى مرتبة التحفة الفنية التي تعبر عن أصالة الشعب الصيني، وتمسكه بكل ما هو إيجابي في تراثه الحضاري. ونجحت الصين في تقديم حفل فني رائع بخصائص صينية واضحة، ومشبعة بتقاليد التراث الصيني دون أي تراث آخر.

الجمعة، 29 أغسطس 2008

صاعدة بلا توقف


كما كان الافتتاح، كذلك الختام، حفل مهيب، ملي بالرموز التي لم يتأخر العالم في التقاطها، وهو يرى القوة الصاعدة.. صاعدة بلا توقف.
سلّمت بكين الراية الأولمبية إلى لندن، و"أهدتها" همّ العمل من أجل تقديم حفل أفضل، أو على الأقل حفل يتناسب مع بعض ما قدمته الصين للعالم في أولمبيادها، ولكن ما وضعت العالم أمامه أكبر بكثير.
لم يعد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب مزحة، ولا صارت الإشارة إلى القوة الآسيوية الصاعدة أمراً نادراً، ولا حتى الحديث عن يوم سيأتي وتكون فيه الصين أقوى من الولايات المتحدة عاد أمراً مستهجناً.
لقد قدمت الصين في سبعة عشر يوماً كل الدلائل على أنها تسير بشكل حثيث لتكون كل ذلك وأكثر، بالخمسين ملياراً من الدولارات التي دفعتها لتحضير البنية التحتية اللازمة لاستضافة الألعاب الأولمبية، وبحفلي الافتتاح والاختتام اللذين أذهلا البشرية، وبالذهبيات الخمسين التي اختطفها رياضيوها، ما وضعها على رأس لائحة الميداليات الذهبية لأول مرة في تاريخها.
ولكنها قدمت أيضاً خلال هذه الأيام وقبلها وبعدها أكثر من دليل على أنها تسير في خط تصاعدي لا يتوقف، سواء على مستوى الاقتصاد، أو على مستوى السياسة العالمية التي كان لها منها أكثر من موقف لافت ومميز.
فالصين وقفت بوجه قرار إحالة الرئيس السوداني إلى المحكمة الدولية بشأن دارفور، والصين اتخذت موقفاً ممالئاً لروسيا في ما قامت به في القوقاز، ودفعت قمة دول منظمة شنغهاي في دوشنبه لاتخاذ موقف مؤيد بقوة لروسيا في "جهودها لمعالجة الموقف في جورجيا"، والصين تبرز في أي مكان تكون فيه الولايات المتحدة في موقف المتراجع والمربك.. والمحبط.
فهل بدأت الصين تعلن عن نفسها، بعد طول عمل بالخفاء، وهل كان حفلا بكين هما إعلان انطلاق "المسيرة الكبرى" نحو "صين عظمى"، أم أن علينا أن ننتظر بعض الوقت كي نصل إلى مرحلة البحث عن معالم الحرب الباردة الحقيقية بين الولايات المتحدة.. والصين؟
محمود ريا

الخميس، 14 أغسطس 2008

أطلبوا التحديث ولو فى الصين!..

صحيفة العرب أون لاين
أزراج عمر

ها هى جمهورية الصين الشعبية تفرض نفسها كقوة رياضية عالمية فى الألعاب الأولمبية التى تجرى على أراضيها الآن.إنها قد برهنت على منافستها للدول الغربية الكبرى التى كانت فى الماضى تسيطر على جميع أنواع الرياضات.

فالأمر ليس مجرد مصادفة، وإنما هو نتيجة للتطور الذى أنجزته الصين بسواعد أبنائها وبناتها.

من المعروف أن الصين كانت تصنف ضمن دول العالم الثالث اقتصاديا، وعسكريا، وتكنولوجيا، وحتى رياضيا.

إلى جانب ذلك فإنها قد عانت من الاستعمار الغربي، واليابانى لسنوات طويلة. إذ لم تسترجع إلى حد اليوم وحدتها الترابية حيث أن انفصال تايوان يمثل مشكلة كبيرة للصين.

ومع ذلك، فإن جميع الدلائل تؤكد أن جمهورية الصين على طريق التحول إلى دولة عظمى يحسب لها ألف حساب على المستوى الآسيوى والعالمي. ومما لا شك فيه أن التطور المنجز فى الصين متعدد الجوانب، ويتسم بالتزامن كوحدة عضوية.

إن الدولة الصينية قد فهمت بجد وأدركت أن الطريق إلى الحداثة ليس مفروشا بالورود. ولذلك فقد سطرت منهجا متميزا لتحقيق مشروع الدولة العظمى. إذ خاضت غمار الثورة الثقافية لسنوات طويلة لبناء هويتها، والقضاء على الإقطاعية، والأفكار الرجعية.

وعلى الرغم من بعض الأخطاء التى رافقت الثورة الثقافية فإن الصين تمكنت من تصحيح الجوانب السلبية منها فى إطار النقد الذاتي.

ومن العناصر الأساسية التى تأسست على قاعدتها النهضة الصينية الالتزام بالتقاليد الوطنية الأصيلة فى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج.

وهكذا حافظت الصين على الروح الجماعية، والانضباط، وعدم تقليد التجارب الدولية تقليدا أعمى.

إن تشبث الصين بهويتها وخصوصيتها إلى جانب التفتح على أبرز عناصر الحداثة الصناعية، والمعمارية، والاقتصادية الغربية بذكاء وفرادة قد وضعها على طريق تجاوز التخلف الذى هو سمة من سمات العالم الثالث.

من الناحية الاقتصادية فإن جمهورية الصين تعتبر القوة الخامسة على المستوى العالمي، إذ يبلغ دخلها الوطنى الإجمالى السنوى ما لا يقل عن 2.5 تريليون دولار.

أما على صعيد بناء المدن الحديثة، والبنية التحتية المتطورة فإن الصين قد قطعت أشواطا معتبرة تضعها بين الدول الكبرى.

وعلى الصعيد الأمني، فإن الصين قد بنت قوة عسكرية دفاعية تعززها الترسانة النووية. وفى السنوات القليلة الماضية شرعت الصين فى التفتح على العالم الخارجى استثمارا اقتصاديا، وتعاونا ثقافيا، وتكنولوجيا، وخاصة على مستوى القارة الإفريقية.

وهنا يتساءل المرء: لماذا تقدم غيرنا فى آسيا وبقينا نحن ندور حول التخلف دون أن ننفصل عنه؟

الذهب جيد ولكن الاهم الروح الرياضية


شبكة الصين
خمسة أيام من المنافسة في ألعاب أولمبياد بكين، ويستمر التشجيع الحماسى للمتفرجين من الدولة المضيفة بقوة الدفع الثابتة للرياضيين الصينيين في حصدهم للميداليات الذهبية.

ومع حصول الفتيات الصينيات فى الجمباز على أول لقب أولمبي للفريق في التاريخ، ضمنت الصين اربع ميداليات ذهبية اخرى للحفاظ على صدارتها في جدول الميداليات بـ 17 ذهبية و خمس فضيات وخمس برونزيات.

كما هو الحال في اي العاب سابقة، فإن كل ذهبية للصين تم الاحتفال بها بشكل جيد، بالاخبار العاجلة على صفحات المواقع الالكترونية وعناوين الصحف والصور علاوة على الهتافات والتصفيق من المدرجات أو امام التلفزيون. ولكن هناك ما هو أكثر من الابطال الاولمبيين في دائرة الضوء.

فقد وضعت الجماهير الصينية عيونها، بينما كانت تتذوق بهجة النصر الاولمبي واحدا تلو الآخر على تراب بلادها، على "الابطال الخاسرين" يشاركونهم آلامهم ويبدون اعجابهم بجهودهم ويتطلعون إلى نجاحهم في المستقبل." فائزون أو خاسرون، كل الاولمبيين ابطال." اصبح هذا مصطلح شائع في وسائل الاعلام الصينية وعشرات الملايين من الجماهير الصينية في هذه الايام.

ومع الدعم المستمر من المشجعين المحبين، ستعيد دو لي، رامية الصين المفضلة التي بكت بعد فشلها في الحصول على أول ميدالية ذهبية لها في بندقية الهواء 10 أمتار يوم السبت، حشد قواها يوم الخميس للسعي إلى ميدالية في البندقية 50 مترا من ثلاثة أوضاع.

وقال ملايين المشجعين الصينيين وهم يمسحون دموعهم صباح يوم السبت، بعد ليلة مؤرقة ليشهدوا الافتتاح الكبير للالعاب "دو لي، من فضلك لا تبكي. لا تزالين بطلة في قلبي". ووجد البعض الراحة سرا في الاعتقاد الخرافي بأن الدولة المضيفة لا تحصل على أول ميدالية ذهبية في الالعاب ابدا.

وشهدت الايام الخمسة الماضية دموعا وضحكات لمعظم الصينيين. ويعد الولع الاولمبي ابيض حارا ومن المستحيل على المشجعين المحليين الاحتفاظ بدموعهم عندما يبكي ابطالهم من الفرحة أو الحزن.

وعندما حصل وو بنغ أفضل سباح أولمبي صيني على المركز الرابع في نهائي سباق فراشة 200 متر رجال يوم الاربعاء، بكى الكثيرون ولكن شكا القليلون.

قال وو (21 عاما) بعد السباق "لقد بذلت أقصى ما لدي. ولم اخسر لانني كنت بطيئا للغاية -- بل لان المنافسين كانوا سريعين للغاية. وآمل ألا أكون قد خذلت والدى."

كان والد وو الذي توفي في عام 2005 يأمل دائما ان يراه على المنصة الاولمبية. وبعد ثلاث سنوات، عمل الرياضي الشاب بجد على تحقيق حلم والده. وقال في هدوء "الان احتاج للعمل أكثر من اجل الالعاب القادمة."

تعليق: الاولمبياد يجعل العالم يعرف الصين

صحيفة الشعب الصينية
اقيمت الدورة ال29 للالعاب الاولمبية الان فى بكين، بذلت وسائل الاعلام لمختلف البلدان جهودها الكبيرة لنشر انباء وتقارير حول حفلة افتتاحها ومبارياتها. اشارت وسائل الاعلام وبعض الحكماء بعيدى النظر فى بعض الدول الغربية واحدة تلو اخرى الى وجوب استغلال هذه الفرصة لمعرفة الصين معرفة عقلانية من جديد.
اشارت صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية فى مقالة لها يوم 9 اغسطس الحالى الى ان حفلة افتتاح الاولمبياد جرت // فى حالة جيدة وبلا عيب تقريبا//، انفجر المشاهدون الذين عددهم 91 الفا واللاعبون ومنظمو المباريات وكبار المسؤولين فى العالم بالهتافات والتصفيقات بين حين وحين//، الصين ترغب فى //الا تدخر جهدا لنقل معلومات حول السلام والتناغم عبر حفلة الافتتاح //. نشرت صحيفة فيغارو الفرنسية يوم 8 اغسطس الجارى افتتاحية موقعة تحت عنوان // فهم الصين//، ترى فيها ان // اولمبياد بكين سيجعل الصين ترتقى الى دولة كبرى على الغالب فى نهاية المطاف، وتلقى انطباعا جيدا وتقديرا من غيرها//.
اجرت اذاعة بى بى سى البريطانية قبل ذلك استطلاعا شعبيا باسم // كيف تعامل الجماهير الشعبية فى العالم الصين// وذلك فى بريطانيا، والولايات المتحدة، وجمهورية كوريا، والبرازيل، والهند، اظهرت نتائج الاستطلاع ان // الصين ليست صانعة للمشاكل العالمية //. وان معظم الذين اجرى عليهم الاستطلاع فى بريطانيا والولايات المتحدة لا يرون ان ارتفاع اسعار الاغذية والنفط وتقلبات الجو ومسائل اخرى سببتها الصين، تعتبر الجماهير الشعبية البريطانية الصين حليفا لها بصورة متزايدة.
فى الولايات المتحدة، لقى // تهديد الصين// / رواجا/ احيانا فى الماضى، ولكن كثيرا من الحكماء بعيدى النظر دعوا مؤخرا الولايات المتحدة الى نبذ هذه الذريعة باسرع وقت ممكن. اشار مستشار الامن القومى الامريكى السابق برزيزنسكى الى ان مستقبل العلاقات الصينية الامريكية يدعو الى التفاؤل الكبير، تلعب الصين الان دورا بناءا فى المجتمع الدولى، ويتجه // تهديد الصين // الى افولها يوما بعد يوم فى الولايات المتحدة. اشار بروفيسور فى جامعة امريكية الى ان // الخطورة الاكبر ل// تهديد الصين// قد يؤدى الى الصعود المتواصل للعداء وسوء التفاهم بين الغرب والصين، ويتحول الى // نبوءة يتم تحقيقها ذاتيا// فى نهاية المطاف.
مواجهة للاقوال الاوربية المعارضة للصين، نشر مجلة دير شبيغل الالمانية مقالة نظمها المستشار الالمانى السابق شرودر تحت عنوان // لماذا نحتاج بكين//، واشار فيها الى ان الصين تنفذ سياستها الخارجية فى جميع الاتجاهات، وخاصة، عندما تقع بينها وبين الدول والمناطق المتجاورة تناقضات ، تعمل الصين جاهدة على حلها عبر المفاوضات السلمية. لا يمكن الانفصال عن الصين اذا اريد حل المشاكل المتعددة بما فى ذلك تقلبات الجو، وامن الطاقة ومكافحة الارهاب والتى يواجهها العالم فى الوقت الحاضر، ولا يمكن اعتبار الصين عدوا ابدا. لذلك //يحتاج الغرب الى الصين، هذا الشريك//.
بدأ العالم الغربى يعرف الصين من جديد، يرجع السبب فى ذلك الى حد كبير الى ان الصين تلعب الان دورا ايجابيا لا بديل له فى حل المشاكل العالمية، وتلقى تأكدا من ذلك من المجتمع الدولى يوما بعد يوم. فى ظل ظروف تباطؤ نمو اقتصاد العالم، واستمرار التضخم المالى، لم تقدم الصين مساهمات كبيرة فى نمو اقتصاد العالم فحسب، بل تخفف التضخم العالمى بصورة واضحة ايضا. وفقا للاحصاء الوارد من مجلس الادارة الاقتصادية الاسيوى الباسفيكى التابع للامم المتحدة انه منذ عام 2000، فان المساهمات التى قدمتها الصين فى نمو اقتصاد العالم كانت اكبر، وخلال الفترة من عام 2001 الى عام 2005، جعلت صادرات الصين التضخم الامريكى ينخفض ب 0.28 نقطة مئوية سنويا، والتضخم فى الاتحاد الاوربى ينخفض ب0.37 نقطة مئوية، والتضخم فى اليابان ينخفض ب 0.65 نقطة مئوية. بمناسبة الارتفاع المتواصل لاسعار الحبوب العالمية، ومواجهة سلامة الاغذية العالمية ازمة، حققت الصين التى وصل عدد سكانها الى اكثر من 1.3 مليار نسمة الاكتفاء الذاتى فى الحبوب. وفى مجال حفظ الامن الدولى، اصبحت المحادثات السداسية التى تترأسها الصين حول المسألة النووية الكورية منصة هامة لحل المسألة النووية الكورية. اضافة الى ذلك، اشتركت الصين ايضا فى عمليات حفظ السلام للامم المتحدة، وحتى الان، ارسلت الصين الى انحاء العالم اكثر من 7000 عامل من عاملى حفظ السلام الدولى. وفى مسألة استئصال شافة الفقر العالمية، خففت او الغت الصين الديون المستحقة على 44 دولة متخلفة بقيمة 20 مليار يوان رنمينبى، وقررت ايضا ان تقدم قروضا افضلية قيمتها 10 مليار دولار امريكى الى الدول غير المتطورة. لاجل مواجهة تقلبات الجو، اصبحت مساحة الغابات الصناعية الصينية اكبر من غيرها فى العالم كله فى غضون العشرين سنة الماضية، وبامكانها امتصاص 51 طنا من ثانى اكسيد الكربون؛ وانخفض استهلاك الطاقة للوحدة الصينية من اجمالى الناتج المحلى بنسبة 46.6 بالمائة، وذلك يعادل تقليل انبعاث 1.8 مليار طن من ثانى اكسيد الكربون.
دلت هذه الوقائع على ان الصين قدمت مساهمات لا بديل لها فى السلام والازدهار العالمين. ان اقامة اولمبياد بكين جعلت شعوب العالم تجد فرصا اكثر لمعرفة الصين، ومعرفة الامال الجميلة والثقة الراسخة لشعب الصين فى دفع العالم المتناغم. وبهذه المعرفة، سيعامل العالم // الصين بابتسامة//.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

من وحي أولمبياد الصين

صحيفة الخليج الاماراتية
حسن مدن

الحفل المهيب الذي أقامته الصين في افتتاح الاولمبياد المقام حالياً على أراضيها حمل، أو أريد له أن يحمل، مغازي كثيرة.

الصين التي تُبهر العالم بانجازاتها الاقتصادية، أبهرته أيضاً بالحفل الذي به افتتحت الاولمبياد، لا لكي تُظهر قدراتها العالية في التنظيم فقط، وجدارتها باستضافة الحدث الرياضي الأبرز في العالم، لتفنيد حجج المشككين، وإنما لتُذكر العالم، خاصة غرماءها في الغرب، بأنها ليست قوة راهنة ومستقبلية فحسب، بل هي قوة تمثل حضارة عظيمة تمتن لها البشرية في الكثير من عوامل تقدمها.

وحين نتحدث عن الغرماء، فإن من يمثل في الذهن هي الولايات المتحدة بالذات، التي بوسع الصين أن تفاخر أمامها بميراثها الحضاري العريق، إزاء تاريخ الغزو و”الكوبوي” الأمريكي، الذي لم تسنده سوى القوة الغاشمة.

كما نتحدث عن الأفراد الذين يعملون في صمت، علينا كذلك أن نتحدث عن الدول التي تعمل في صمت وتحقق الانجازات، فيما سواها مشغول بالضجيج من دون فعل.

وحين يتعين علينا أن نضرب مثلاً على هذا النوع من الدول، فإن أكثر ما ينطبق عليه الأمر هي الصين بالذات، الماضية بدأب في تنفيذ مشروعها للمستقبل ولكن من دون إثارة غبار كثيف، وبأناة وصبر وصمت.

ولا تبدو الصين راغبة في التورط الكبير في قضايا الساعة الدولية، ليس لأنها زاهدة في ذلك، وإنما لأنها لا تريد لقواها وجهودها أن تتشتت في ما لا تعده جوهرياً بالنسبة لها، وهذا الجوهري هو بناء صين المستقبل، الصين القادمة، لأنها تدرك أن المهمة الماثلة أمامها معقدة، وهي البلد الممتد على مساحة جغرافية مهولة وبعددٍ من السكان مهول، حيث لا يحتمل الأمر المزاح أو المغامرة أو القفز بخطوات غير محسوبة.

تقرير بثته شبكة إخبارية غربية مؤخراً تحدث عن زيادة كبيرة في الفائض التجاري للصين بلغت 5،31% خلال عام واحد. وحسب خبراء اقتصاديين فإن هذا الرقم دليل آخر على “قوة الاقتصاد الصيني، ففي الوقت الذي يتراجع فيه الطلب ويتباطأ الاقتصاد العالمي تسجل الصادرات الصينية أداء قوياً”.

لا تكثر الصين الآن من الحديث عن الأيديولوجيا، ولكنها تعمل تماماً وفق الإيقاع الذي يستجيب لمصالح الصين وطموحاتها كقوة دولية كبرى. والصين “الصامتة” تتعمد الصمت. إن عينها ليست على الحاضر.. إنما على المستقبل.

العالم... صُنِع في الصين!


صحيفة الجريدة الكويتية
د. ساجد العبدلي


لن أفاجئ أحداً، بل لن آتي بجديد على الإطلاق، حين أتحدث عن كيف أضحت الصين اليوم قوة اقتصادية ساحقة، وكيف أنها تسير بخُطى راسخة لتصبح القوة الاقتصادية الأقوى في كل العالم قاطبة، وكيف أن صادراتها قد أصبحت تشكل نسبة كبيرة ومؤثرة من إجمالي الصادرات العالمية في الاتجاهات كلها، لأن هذا الكلام قد صار من المعلوم بالضرورة، الذي يعرفه الناس كلهم على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم.

وأنا متأكد أنه لو نظر القارئ إلى ما حوله الآن، لوجد أكثر من نصف الأشياء المحيطة به وقد طُبع عليها «صُنِع في الصين»!

أولادي الصغار يحلمون ليل نهار بزيارة الصين، لأنهم لكثرة ما شاهدوا جملة «صُنِع في الصين» منقوشة على ألعابهم ومقتنياتهم، صاروا يظنون أنها الجنة التي فيها كل شيء!

لم يتسنَّ لي أن أشاهد وقائع احتفال افتتاح دورة الألعاب الأولمبية المنعقدة حاليا في الصين حين بثت على الهواء مباشرة، لكنني بعدما سمعت وقرأت عن كيف أنه كان احتفالا خياليا بل يفوق الخيال، حرصت على مشاهدة تسجيلاته من خلال «اليوتيوب».

لا أدري كيف يمكن وصف ما شاهدت... لربما سأقول إنه كان خياليا بكل معنى الكلمة... أو سأقول بأنه يبهر بشكل منقطع النظير... أو ربما يحبس الأنفاس ويخلب الألباب... لكنني سأجدني وقد وصلت إلى أنه لا كلمات يمكن أن توازي روعة وجمال ما شاهدته العين في ذلك الاحتفال الأسطوري!

أعدت مشاهدة وقائع الاحتفال لأكثر من مرة، لتجاوز تأثير بريق الألعاب النارية، وتناسق حركات مئات بل الآلاف ممن قاموا بتأدية فقرات الاستعراضات، في محاولة لبلوغ النواة الجوهرية في باطن ما أشاهد، لأصل إلى نتيجة مقاربة لما انطلقت منه في بداية المقال.

لكن ما يضحك فعلاً هو محاولة بعض كتّاب الصحف الغربية هذه الأيام التشكيك في ما شاهدوه في التلفاز، ومحاولتهم القول إن ما نقلته الشاشات عن ذلك الاحتفال هو عبارة عن خدع سينمائية تم «تزييفها» بواسطة الكمبيوتر، وذلك في محاولة منهم للتقليل من حجم الانبهار العالمي الذي أعقب مشاهدة الناس في دول العالم المختلفة ذلك الاحتفال الأسطوري.

إن هذا الاحتفال الشديد الضخامة، والذي أقيم على تلك المنشآت المهولة بهندستها المعمارية الفائقة التي أقيمت خصيصا لهذا الغرض، مع تلك الموارد البشرية التي شاهدناها تقوم بذلك الأداء الاستعراضي المبهر، بأدق تفاصيل تفاصيله وتناسقه المنقطع النظير، لترسم لوحة خيالية نقلت لملايين البشر حول العالم، ليَدلّ على أن قوة الصين حقيقة قائمة لا «تزييف» فيها، وأنها غدت اليوم أكثر بكثير من مجرد قوة اقتصادية عالمية كبرى!

ومن شاهد الفقرات التعبيرية التي قام بها الراقصون خلال الاستعراضات في ذلك الحفل، وكيف عبّرت عن تطور الصين عبر العصور، وكيف أن الصينيين هم من اخترعوا البارود وأحرف الطباعة وغيرها من المخترعات التي استفادت منها البشرية قاطبة، سيستنتج أن لهذه الفقرات رسائل أبعد بكثير من مجرد التذكير بتاريخ الصين، وأنها تقول في حقيقة الأمر بأن أغلب اقتصاد العالم، إن لم يكن كله، قد يصبح في يوم من الأيام... صُنِع في الصين!

أولمبياد بكين.. بين السياسة والثقافة

صحيفة أوان الكويتية
وحيد عبد المجيد

نجح الفنان الصيني تشانغ ييمو مصمم حفل افتتاح أولمبياد بكين، الذي بدأ يوم الجمعة الماضي، في تقديم عرض رائع عبر عن روح ثقافة بلاده العريقة، ولكن دون دروس تاريخية أو حضارية تثير ملل الملايين الذين تابعوه في أنحاء العالم.

ربما يكون الدرس الأكبر في هذا العرض هو إعادة تقديم ثقافة الصين الجماعية وقد تناغمت مع فردية عصر العولمة في مزيج فريد يؤكد وجود نموذج صيني يستحق الاحترام، يغرف من التاريخ ليضيء المستقبل.

ومع ذلك فمن الصعب معرفة ما إذا كان هذا العرض، وما عداه من مظاهر الخصوصية الثقافية الصينية في الأولمبياد الحالي، لقي ما يستحقه من اهتمام في عالم يتوقف مستقبله على احترام تنوعه الثقافي - الحضاري.

غير أن القدر المتيقن حتى الآن هو أن الإعلام العالمي لم يعن كثيراً بذلك، وإنما انغمس أغلبه وأكثره انتشاراً في إبراز المشكلات المعروفة في الصين بدءاً من حالة حقوق الإنسان، وصولاً إلى وضع إقليم التيبت، ومروراً بالقيود التي تفرضها سلطة الدولة على استخدام «الإنترنت». هذا فضلاً عن مشكلة تلوث البيئة التي أفاض الإعلام الغربي في الحديث عنها إلى حد أثار قلق بعض اللاعبين المشاركين في ألعاب مختلفة، ودفع عدداً منهم إلى تأخير وصولهم بكين إلى آخر وقت ممكن خوفا من هذا التلوث.

وبالرغم من أن هذا المنحى الغالب في الإعلام العالمي، وخصوصاً الغربي، حقق نتائج إيجابية، مثل دفع السلطات الصينية إلى رفع الحظر عن بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بمنظمات حقوق الإنسان الدولية، إلا أن التسييس المفرط للحدث جاء على حساب الاهتمام ببعده الثقافي وما ينطوي عليه من تأكيد لمفهوم التنوع الحضاري في عالمنا.

وكان واضحا، مثلاً، أن الكثير من وسائل الإعلام خصصت مساحات ورقية وزمنية كبيرة لمشكلة التيبت، في ظل نشاط مكثف قام به تيبيتيون في المنفى لاستثمار الحدث في طرح قضيتهم التي شهدت تطورات عنيفة في بداية العام الجاري.

وقد أثار ذلك قلق السلطات الصينية، ولكن ليس من هذه الزاوية وحدها، وإنما لأنه يرسم صورة سلبية لدولة صاعدة تشق طريقها نحو قمة العالم بثبات شديد، أو بالأحرى تثبيت هذه الصورة الشائعة عنها باعتبارها دولة شمولية مغلقة تفرض هيمنتها على المجتمع وتنتهك حقوق الإنسان.

ولذلك فعندما دعا الرئيس هو جينتاو، قبيل بدء الألعاب الأولمبية، إلى عدم تسييسها، كان هذا تعبيراً عن قلقه من أن يصبح هذا الحدث الكبير نقمة على بلاده فيلحق الضرر بها، بدلاً من أن يكون نعمة تتيح لها فرصة استثنائية لتقديم صورة طيبة وإبراز الإنجازات الكبرى التي حققتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصاً على صعيد الاختراق التنموي غير العادي.

وفيما كان الرئيس الصيني محقاً في قلقه هذا فقد بدا محلقاً في عالم خيالي شديد المثالية، خلال حديثه الذي كان أقرب إلى خطب الوعظ، عن أن التسييس يخالف تقاليد الأولمبياد، أو ما أسماه «الروح الأولمبية».

فهذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن تكون عليه الألعاب الأولمبية، التي كان أحد أهدافها حين بدأت هو تعزيز التفاهم ونشر السلام بين الشعوب.

ولكن كم من أهداف مثالية تتعلق بالسلام العالمي توارت وراء تلال من المشكلات والأزمات والصراعات.. ولم يكن الأولمبياد استثناء من هذا الواقع، الذي يصعب في ظله عزل الأحداث غير السياسية عن تأثير التوترات الدولية. وقد وصل هذا التأثير إلى حد إقدام بعض الدول على مقاطعة دورات للألعاب الأولمبية لأسباب سياسية، مثلما فعل الاتحاد السوفييتي السابق ومعظم حلفائه في شرق أوروبا، عندما قاطعوا أولمبياد لوس انجلوس في العام 1984، ردا على مقاطعة الولايات المتحدة واليابان وبعض الدول الأوروبية أولمبياد موسكو في العام 1980 بسبب الغزو السوفييتي لأفغانستان، بعد أن كانت 26 دولة أفريقية قد قاطعت أولمبياد مونتريال في العام 1976 بسبب مشاركة نيوزيلندا التي كانت قد خرقت الحظر الدولي على جنوب أفريقيا في مرحلتها العنصرية.

ولكن التوترات الدولية المستمرة ليست هى السبب الوحيد الذي يحول دون إبعاد الألعاب الأولمبية، وغيرها من الأحداث الرياضية الكبرى في العالم، عن العوامل السياسية. فالولع الشديد بالألعاب الرياضية ومسابقاتها الكبرى، من جانب معظم شعوب العالم إن لم يكن جميعها، يجعلها مناسبات يحرص كثير من الحكومات وقادة الدول على استثمارها لتحقيق شعبية في داخل بلادهم. وهذا يفسر مشاركة 77 رئيس دولة وحكومة في افتتاح أولمبياد بكين وإشعال شعلة الدورة يوم الجمعة الماضي.

وقد أضحى حضور رؤساء الدول والحكومات المناسبات الرياضية الكبرى تقليداً ثابتاً وآخذاً في التوسع. وقد رأينا قبل أسابيع في يونيو الماضي، كيف كرس رؤساء دول وحكومات أوروبية الوقت اللازم لحضور مباريات منتخبات بلادهم في كأس الأمم الأخيرة (يورو 2008) التي أقيمت في كل من النمسا وسويسرا.

ولم يقتصر ذلك على المباراة النهائية التي تحدد الدولة الفائزة بالكأس، بخلاف ما كان عليه الحال حتى وقت قريب. فقد بدأ بعض رؤساء الدول والحكومات في مؤازرة منتجات بلادهم من داخل الملعب ابتداء من دور الثمانية أو ربع النهائي. وحتى تركيا التي لا تعتبر أوروبية بالكامل كان رئيس وزارئها رجب طيب أردوغان مع منتخبها الذي لم يصل إلى الدور النهائي.

ولا يرجع ذلك فقط إلى شغفه شخصياً بكرة القدم التي مارسها خلال صباه. ربما يكون هذا أحد دوافعه. ولكن المحرك الأساسي له للانتقال إلى حيث كان المنتخب التركي يلعب هو حرصه على حصد مزيد من الشعبية، وخصوصاً في لحظة كانت عصيبة بالنسبة إلىه ولحزبه (العدالة والتنمية) قبل أسابيع قليلة على قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن تحديد مصيرهما.

ولكن باقي الزعماء الأوروبيين الذين تباروا في حضور مباريات منتخبات بلادهم في (يورو 2008) لم يكونوا في محنة من هذا النوع أو غيره. ومع ذلك حرصوا على المشاركة تقرباً إلى شعوبهم وسعياً إلى زيادة رصيدهم. ويتساوى في ذلك من يشاركون أردوغان ولعه بكرة القدم مثل رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، ومن لا يُعرف عنهم الشغف بها مثل رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس ثاباتيرو الذي حصل منتخب بلاده على البطولة بعد أن تخطى المنتخب الإيطالي، الذي لم يتغلب عليه في مسابقة رسمية منذ دورة الألعاب الأولمبية في العام 1920، أي منذ 88 عاماً كاملا.

والعلاقة بين شعبية القادة السياسيين واهتماماتهم الرياضية ليست افتراضاً يختلف عليه المختلفون إلا من حيث المدى الزمني الذي يستمر فيه الأثر الإيجابي للتقدير الشعبي الذي يحصل عليه القيادي السياسي بسبب حدث رياضي. فإجادة استثمار المناسبات الرياضية الكبيرة ليست عصا سحرية. ولكنها تفيد رجال الدولة من حيث المبدأ، وإن اختلف مدى استفادتهم وفقاً لظروف كل منهم. فقد يقتصر الأثر الإيجابي للحدث الرياضي على وقف التدهور في شعبية رئيس دولة أو حكومة، وقد يتيح له هذا الحدث أن يحصد شعبية كبيرة.

ولذلك ربما يراهن رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على حضوره القوي في الساحة الرياضية لتعويض التراجع الشديد في شعبيته الآن، بالرغم من إخفاقه في المحافظة على التوازن اللازم بين النوادي الرياضية الإنجليزية الكبرى. وهو يستخدم مساندته للنجم الكبير ديفيد بيكام، في مشروعه الخاص بأكاديمية الناشئين في لندن، ومساندة حملة بلاده لاستضافة كأس العالم (المونديال) للعام 2018، وسيلة للوصول إلى قلوب الجمهور العاشق لكرة القدم.

وإذا كان براون يأمل في وقف التراجع في شعبيته، فالرئيس البرازيلي لولا داسيلفا الذي يحظى بقبول جماهيري واسع هو بدوره دائم الحضور في المناسبات الرياضية والعناية بمنتخب بلاده. وهو منخرط الآن في حملة البرازيل لتنظيم «مونديال» 2014.

ولكن هذا الأثر وقتي بطابعه لأن الناس سرعان ما يتجاوزون الحدث الذي أدى إلىه ويهتمون بحدث آخر. كما أن تأثير التداخل بين المجالين السياسي والرياضي يقل إذا كان الأداء في المجال الأول سيئاً أو ضعيفاً على نحو لا يمكن لأي دور في المجال الثاني أن يعوضه حتى إذا كان هذا الدور متواصلاً وليس مقصوراً على المشاركة في حدث رياضي أو آخر.

والمثال البارز، هنا، هو برلسكوني الذي كانت رئاسته لأحد أكثر الأندية الرياضية الإيطالية شعبية (نادي ميلان) منذ 22 عاماً أحد العوامل الرئيسية التي صنعت دوره السياسي، وأتاحت له الوصول إلى رئاسة الحكومة ثلاث مرات آخرها منذ شهور. ولكن ارتباطه بنادي (ميلان) لم يعصمه من السقوط عندما ساء أداء حكومتين سابقتين تولى رئاستهما.

وهكذا أصبحت العلاقة بين الرياضة والسياسة وثيقة على نحو لم يدع مجالاً للأمنيات الصينية بشأن عدم تسييس أولمبياد بكين. ومع ذلك فإذا كانت الصين تبدو خاسرة من هذا التسييس، فهي لن تخرج من هذه المناسبة الكبرى دون أرباح يُعتد بها. فبالرغم من أن التسييس خلق حاجزاً أمام إبراز الإنجازات التي حققتها، فقد أتيح لثقافتها أن توضع في الضوء وإن بدرجة أقل مما كان مفترضاً بالنسبة إلى حضارة عريقة هي الوحيدة الباقية من بين الحضارات الموغلة في القدم.

وكان لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية جاك روج دور كبير في إلقاء الضوء على الجوانب الثقافية لهذا الأولمبياد من خلال احترامه للاختلاف الحضاري وحرصه على أن يعرف العالم المزيد عن الصين، وأن يعلم شعبها بدوره عن الثقافات الأخرى.

غير أنه إذا كانت تداعيات تسييس الأولمبياد تظهر بشكل فوري، فالأمر يختلف بشأن آثاره الثقافية التي يصعب الحكم عليها قبل عام أو عامين حين يتضح ما إذا كان قد حقق شيئا من الفهم المتبادل بين الصين والعالم، أو بين الحضارتين الكونفوشيوسية والغربية .. وإلى أي مدى.

أعظم عرض في العالم

صحيفة الحياة
جهاد الخازن

«أعظم عرض في العالم» هي ترجمتي لعبارة بالإنكليزية تستخدم في وصف أي عرض كبير، فني أو رياضي أو غير ذلك، مميّز أو ممتاز. وهي تعود الى عام 1952 عندما صدر فيلم بهذا العنوان، من اخراج سيسيل دي ميل، عن سيرك الإخوة رنغلنغ وبارنوم اند بيلي، وتحديداً عن لاعبي الجمباز في السيرك.

وأسمع العبارة باستمرار في وصف ما يستحق وبعض ما لا يستحق، غير أنني أصبحت الآن أعتقد بأنها صيغت وبقيت تنتظر أكثر من نصف قرن حتى جاء من يستحقها فعلاً، في افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين الأسبوع الماضي، فقد جمع العرض الالكتروني حضارة ثلاثة آلاف سنة وتكنولوجيا المستقبل، وفاق كل التوقعات، فاستحق ميدالية ذهبية قبل أن تبدأ المباريات، ولعله أجمل عرض في تاريخ التلفزيون حول العالم.

وكان المخرج الأميركي البارز ستيفن سبيلبرغ أعلن انسحابه كمستشار فني للألعاب، وأثبت المخرج الصيني جانغ يينو ان بلاده لا تحتاج الى مخرج أجنبي، حتى لو كان من مستوى سبيلبرغ، فقد أخرج عرضاً تُقصِّر عنه هوليوود كلها.

مقاطعة الألعاب في الصين فشلت على رغم كثرة الأسباب، والذين أصروا على التظاهر وجدوا ان الحكومة الصينية خصصت لهم ثلاث منـــاطق مــعزولة داخل العاصـــمة يهتـــفون فيها لأنفسهم، فميثاق اللجنة الأولمبية/ الدولية يمنع التظاهر «لأسباب دعاية سياسية أو دينية أو إثنية»، إلا أن التقليد في الدورات الأخيرة اتجه نحو اعطاء الناس فرصة لإبداء آرائهم بعيداً من الألعاب نفسها.

لا أحتاج الى وصف الافتتاح أو الألعاب، فأعظم عرض في العالم شاهده مباشرة 80 رئيس دولة، و91 ألف متفرج، مع بلايين البشر على التلفزيون، وشارك فيه 15 ألف عارض، مع وجود 11 ألف رياضي مشارك، أي ما يعادل حجم دولة عربية صغيرة. ولا بد من ان المقاطعين ندموا، فالألعاب الأولمبية أقوى من أي مقاطعة، كما حدث عام 1976 في مونتريال عندما قاطعت 22 دولة أفريقية احتجاجاً على مشاركة نيوزيلندا بعد أن لعب فريق رغبي نيوزيلندي في جنوب أفريقيا، وهي ممنوعة من المشاركة، وعام 1980 في موسكو احتجاجاً على غزو أفغانستان، وعام 1984 في لوس انجيليس احتجاجاً على المقاطعة السابقة.

في لوس انجيليس فازت الصين بأول ميدالية ذهبية لها، وكانت في الرماية بالمسدس. وفي دورة سيول عام 1988 حلت الصين حادية عشرة ولها خمس ميداليات ذهبية، وزاد رصيد الصين الذهبي تدريجاً، وحلت ثانية عام 2004 في أثينا ولها 36 ميدالية ذهبية. وقد افتتحت تشن (التي لا أعرف كيف انقل اسم أسرتها Xiexia الى العربية) السجل الذهبي في بكين بالفوز ببطولة رفع الأثقال لوزن 48 كيلوغراماً، وتوالت الذهبيات بعدها، مع توقعي شخصياً أن تهزم الصين في دورتها الولايات المتحدة وروسيا في عدد الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية.

الصين أنفقت على تنظيم الدورة الحالية من الألعاب الأولمبية 43 بليون دولار، وبنت مع الأستاد الكبير الذي اكتسب فوراً لقب «عش العصفور» شبكة طرق وخط مترو وتسهيلات من كل نوع. الا أن الدعاية التي ستحصل عليها لا تقدر بثمن، ولا بد من ان ملايين حول العالم سيخرجون مع انتهاء الألعاب مقتنعين بأن الصين هي الدولة العظمى القادمة.

لا أستغرب أن يثير نجاح الصين مزيداً من قلق الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، ولا أستغرب بالتالي أن يبدأ تدبير «المقالب» للصين لوقف زحفها. وقد رأينا إرهاصات لذلك في بعض دعوات المقاطة المشبوهة، فقضية التيبت قديمة، ومع ذلك أثيرت عشية الألعاب كأنها وقعت قبل أسبوع، وفوجئ العالم بها، أما مجازر دارفور، وهي حقيقية، فقد وجدت مستغرباً ان يحمل لواءها أميركيون لو انصفوا لتظاهروا ضد ادارة جورج بوش، ولطالبوا بتحويل رئيسهم الى محكمة جرائم الحرب الدولية، بسبب ما ارتكبت ادارته في العراق لأسباب مزورة أو ملفقة أو مبالغ فيها. غير أن الأميركيين الذين عينوا جورج بوش رئيساً مرة، وانتخبوه مرة ثانية، تركوه يواصل الاحتلال غير الشرعي للعراق، وتحدثوا عن دارفور.

يجب أن يحاكم المسؤولون عن جرائم دارفور، ولكن شرط أن يسبقهم جورج بوش وديك تشيني وبول وولفوفيتز والآخرون من عصابة الحرب المعروفة، فالجريمتان في اقليم دارفور وضد العراق بدأتا عام 2003، ومقابل 200 ألف ضحية الى 300 ألف في دارفور، هناك حوالى مليون ضحية في العراق، ومقابل 2.5 مليون مشرد من دارفور هناك خمسة ملايين مشرد عراقي داخل البلاد وخارجها

بوش في بكين.. تداخل السياسة بالرياضة


موقع قناة الجزيرة
بكين ـ كريم حسين

بينما تحظى فعاليات أولمبياد بكين بالنصيب الأكبر من التغطيات الإعلامية في جميع أنحاء العالم هذه الأيام، لم تغفل الكاميرات التلفزيونية تواجد الرئيس الأميركي جورج بوش في هذا الحدث العالمي الكبير، وسلطت عليه الأضواء أيضا.

ورغم أن الأجندة السياسية تتصدر زيارته للصين وعقد لهذا الغرض محادثات مع نظيره الصيني هو جينتاو ورئيس الوزراء وين جياباو لبحث عدد من المسائل التي تهم البلدين، فإن بوش سعى أيضا للتأكيد على أن الهدف الرئيس من تواجده في هذا البلد هو رفع الروح المعنوية للرياضيين الأميركيين المشاركين في الأولمبياد وذهب إلى وصف نفسه بأنه "المشجع الأول لهؤلاء الرياضيين في الدورة".

وللتأكيد على ذلك حضر بوش برفقة عائلته إلى ملعب كرة السلة لتشجيع الفريق الأميركي في مباراته التي هزم فيها الصين 101-70، كما حضر سباق السباحة الحرة لأربعمائة متر، والذي حطم فيه السباح الأميركي مايكل فيلبس رقمه القياسي العالمي وأحرز ذهبية السباق، فضلا عن حضوره عدة مباريات أخرى للرياضيين الأميركيين المشاركين في الدورة.

الرئيس الأميركي لم يترك مناسبة تواجده في الصين دون أن يبعث برسالة ضمنية إلى قادتها يحثهم فيها على تحسين سجلهم في حقوق الإنسان عبر زيارته إلى إحدى الكنائس في العاصمة بكين وأدائه الصلاة فيها.

وقبلها تحدث عن هذه القضية صراحة في كلمته الإذاعية الأسبوعية التي ألقاها السبت الماضي من بكين وعبر فيها عن القلق العميق على وضع الحريات وحقوق الإنسان في الصين، مشددا على أن إتاحة الحرية للتعبير عن الآراء وممارسة الشعائر الدينية لا تشكل تهديدا لمستقبل هذا البلد.

علاقات إستراتيجية
حساسية الحكومة الصينية حيال هذه التصريحات التي تعتبرها تدخلا في شؤونها الداخلية أو تسييسا للأولمبياد، لم تمنع الرئيس جينتاو من الإعراب أثناء لقائه مع بوش عن رغبته في تحسين العلاقات بين البلدين والتأكيد على أنه ينظر إلى هذه العلاقات انطلاقا من منظور طويل الأمد وإستراتيجي.

وفي هذا الإطار يرى البروفسور قاوجي كاي مدير الجمعية الوطنية الصينية للدراسات الدولية في حديث للجزيرة نت أن الخلافات بين البلدين ليست كبيرة كما يعتقد البعض، ولا تحتاج إلى إصلاح بل إلى توجيه نحو الطريق الصحيح.

أما زيارة بوش للكنيسة –يضيف كاي- فإنها لا تحمل أي رسالة، لأنه حر بزيارة أي مكان يمارس فيه معتقداته الدينية، مشددا على عدم وجود أي تقييد على حرية الأديان في الصين، وهي مصانة دستوريا على حد قوله.

واتفق البروفسور شين شي شوان الأستاذ في المعهد الصيني للعلاقات الدولية مع هذا الرأي، وقال في حديث للجزيرة نت إن الصين رحبت بزيارة بوش للكنيسة ولم تبد أي اعتراض عليه، ووصف العلاقات بين البلدين بأنها ناضجة وقوية، والرئيس الأميركي حريص على تطويرها لأنه يدرك الثقل الذي تتمتع به بكين في المحافل الدولية.

آراء المواطنين الصينيين والأميركيين المتابعين للأولمبياد تفاوتت بشأن زيارة بوش، فبينما رأى البعض أنها يمكن أن تخفف حدة التوتر بين البلدين، رأى آخرون أن بوش يسعى لزيادة الضغط على بكين لتحسين سجل حقوق الإنسان، في حين اعتبر البعض الآخر أن العلاقات بين البلدين معقدة جدا ولا تكفي زيارة واحدة لتذيب الجليد بينهما، وأن بوش حضر بوصفه مشجعا للرياضيين الأميركيين لا أكثر.

الأربعاء، 6 أغسطس 2008

تعليق: تعديل استراتيجية الدفاع الامريكية سيحدث تأثيرا هاما فى اتجاه سير الوضع الدولي


صحيفة الشعب الصينية
اصدرت وزارة الدفاع الامريكية يوم 31 تموز/ يوليو الماضى "استراتيجية الدفاع الامريكية" لعام 2008، والتى تحتوى رئيسيا على "ضمانين" و"تغيير" واحد: ان القوات الامريكية تضمن قدرتها على كسب حرب مكافحة الارهاب التى ستكون "حربا طويلة الامد"، وفى الوقت نفسه تضمن موقعها القيادي في المجال العسكري التقليدي؛ يجب على القوات الامريكية ان تغير الاعتماد على القوة العسكرية بصورة مفرطة، لتجمع بين قوتها الفعلية الصلبة وقوتها الفعلية المرنة، لكسب حرب مكافحة الارهاب و"حروب غير تقليدية".
وفقا لهذه الاستراتيجية، يتعين على القوات الامريكية ان تعتبر العمل العسكرى لمكافحة الارهاب مهمة رئيسية لها، اما حرب العراق وحرب افغانستان فتشكل جبهة مركزية لهاتين الحربين. كما قدمت هذه الاستراتيجية ايضا وجوب مجابهة التحديات ممكنة الوقوع التى تشكلها "دول اكثر قوة فعلية" على النظام الدولى بقيادة الولايات المتحدة، ووجوب ايلاء بالغ الاهتمام على وجه الخصوص لتحركات مستقبلية تقوم بها الصين وروسيا اللتين قد تكونان منافستين هامتين للولايات المتحدة، ووجوب سعي الولايات المتحدة الى اقامة علاقات الشراكة مع الصين وروسيا.
باعتبارها وثيقة منهجية ترشد التحركات المستقبلية للاستراتيجية العسكرية والامنية الامريكية، ترث هذه الاستراتيجية الافكار الاستراتيجية التى تمتاز بها "استراتيجية الامن القومى" الامريكية لعامى 2002 و2006، و"تقرير المراجعة الدفاعية الذى يصدر كل اربع سنوات" الامريكى والصادر فى شباط/ فبراير عام 2006، مثل اعتبار مواصلة كسب حرب مكافحة الارهاب مهمة رئيسية للقوات الامريكية، وعدم اعتبار الضرب العسكري عن طريق المبادرة بالضرب نقطة رئيسية، بل التأكيد على الاستفادة من القوة الفعلية المرنة والتعاون الدولي للقضاء على الارهاب. يتحلى هذا التغيير بخلفية دولية ومحلية عميقة للغاية .
في العلاقات الخارجية، لا تزال الولايات المتحدة تقع عميقا في مستنقعات حرب العراق وحرب افغانستان. قتل اكثر من 560 جندي امريكي فى افغانستان، وأكثر من 4100 جندي امريكي فى حرب العراق، واستهلكت هاتان الحربان 860 مليار دولار امريكى من قبل الولايات المتحدة.
في افغانستان، بالرغم من ان القوات الامريكية لم تشهد زيادة كبيرة في عدد افرادها، الا ان الوضع الأ منى لا يزال متدهورا. ذكر تقرير صادر عن وزارة الدفاع الامريكية بصورة متشائمة ان الهجمات المتكررة التى شنتها طالبان وتنظيم "القاعدة" جعلت افغانستان تقع في"حالة التمرد الطويل الامد"، تعجز الحكومة المركزية الافغانية عن فرض سيطرتها على المناطق الاخرى خارج كابول عاصمة افغانستان.
فى العراق، بالرغم من ان الوضع شهد تحسنا شيئا ما الا ان الخطورة الكامنة لا تزال موجودة. جعل الوضع المضطرب فى كل من افغانستان والعراق الارهاب يجد أوسع مجال وأكبر حجة. إضافة الى ذلك، في داخل الولايات المتحدة، اثارت التكاليف الحربية العالية انتقادات لاذعة، فشهد صوت المطالبة بانسحاب القوات الامريكية من العراق ارتفاعا عاليا متواصلا. ومن هذه النقطة نرى ان هذه الاستراتيجية تمتاز بشىء من الاستجابة لنوايا الشعب.
جعلت وقائع أفغانستان والعراق الولايات المتحدة تفهم تدريجيا انه بالرغم من ان الضرب العسكرى عن طريق المبادرة بالضرب يستطيع ان يكسب النصر خلال فترة وجيزة الا انه لا يقدر على كسب التأييد من الجماهير الشعبية فىي المناطق المحتلة، ولا يلقى تأييدا من المجتمع الدولى. لذا اقترحت "استراتيجية الدفاع الامريكية لعام 2008" انه على الولايات المتحدة ان تهتم بتعزيز القوة الفعلية المرنة وذلك يتضمن تعزيز التعاون الدولي مع دولها المتحالفة، ودفع المصالحة بين مختلف الفصائل داخل افغانستان والعراق وتقديم اللوازم اليومية والمنشآت الاساسية الى الجماهير الشعبية محليا اذا ارادت كسب النصر فى حرب مكافحة الارهاب. سيحدث تعديل استراتيجية الدفاع الامريكية تأثيرا هاما فى اتجاه سير الوضع الدولي في المستقبل.

صعوبات الاقتصاد الصيني قللت من ضغوط التضخم في أنحاء العالم


صحيفة الشرق الأوسط ـ خدمة «نيويورك تايمز»
هونغ كونغ ـ كيث برادشير
كان العديد من الصينيين يتوقعون تباطؤا في الاقتصاد بعد انتهاء دورة الألعاب الأولمبية، لكن هذا التباطؤ بدأ بالفعل قبل أن تبدأ الدورة.
وقد أفادت العديد من المصانع في الصين بأنها شهدت انخفاض الطلبات الجديدة خلال الشهر الماضي. وقد ازداد الطلب قليلا على التصدير. وكذلك فإن سوق العقارات تشهد حالة من الضعف حيث انخفضت أسعار الشقق في الجنوب الشرقي من الصين، وهي المنطقة التي شهدت عددا كبيرا من الأزمات الاقتصادية. وقد بدأ الشعور بهذه التطورات التي لا تتعلق في واقع الأمر كثيرا بدورة الألعاب الأولمبية (حيث إن دورة الألعاب الأولمبية التي تفتتح يوم الجمعة المقبل لا تقارن بحجم الاقتصاد الصيني) في جميع أنحاء العالم. ويعتبر تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني أحد عوامل انخفاض أسعار البنزين في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وبالمثل، فإن الأسعار العالمية للمعادن مثل النحاس والقصدير والزنك والألومنيوم انخفضت بشدة خلال الأسابيع الماضية، حيث أغلقت المصانع الصينية أبوابها، أو قامت بتخفيض إنتاجها. وعلى الرغم من أن الصعوبات التي تواجه الاقتصاد الصيني قللت من ضغوط التضخم في جميع أنحاء العالم، إلا أنه تهدد بمزيد من التباطؤ الذي يؤثر بالفعل على نمو الاقتصاد العالمي. ويقول هونغ ليانغ وهو اقتصادي صيني كبير في مؤسسة غولدمان ساكس: «إن الاقتصاد الصيني تباطأ كثيرا بالفعل لكنه سوف يواصل المزيد من التباطؤ».
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن ينخفض معدل النمو من النسبة الحالية التي تبلغ 11 في المائة أو أكثر إلى 9 أو 9.5 في المائة خلال العام المقبل. ومعظم دول العالم تحسد الصين على هذا المعدل، لكن معدل النمو الذي يبلغ 9 في المائة في دولة مثل الصين من شأنه أن يجعل أمر حصول ملايين من الصينيين ـ الذين ينتقلون من الريف إلى المدن بحثا عن عمل ـ على وظائف، أمرا في غاية الصعوبة. ومن شأن أي تباطؤ في نمو الاقتصاد أن يعمل على إحداث أزمة للعمال الذين يحصلون على زيادات في رواتبهم كل عام، حيث تعاني الكثير من الشركات في العثور على ما يكفي من العمال للعمل في المصانع الخاصة بها.
وسوف تكون كيفية إدارة السلطات الصينية للتباطؤ الاقتصادي وتأثيره على حياة 1.3 مليار صيني، اختبارا للنظام الحاكم، ويبدو أن النظام يستجيب بسرعة لعلاج هذه الأزمة. وقد عقدت اللجنة التنفيذية في الحزب الشيوعي اجتماعات في 25 من يوليو (تموز) لاستبدال الأهداف الاقتصادية السابقة بأخرى جديدة، لمنع المزيد من التباطؤ الاقتصادي والتحكم في التضخم. وكما أعلن الرئيس هو جينتاو في لقاءات أخيرة، فإن الأهداف الآن تدور حول تسريع واستمرار النمو الاقتصادي مع الاستمرار في ضبط التضخم. وقد أفاد الرئيس في لقاء صحافي، من النادر عقده، يوم الجمعة الماضي بقوله: «يجب علينا أن نحافظ على النمو الاقتصادي والتطور السريع وعلينا أن نتحكم في ارتفاع الأسعار».
وبعد أن قام خبراء الاقتصاد الصينيون ببعض الإجراءات التي من شأنها الحد من النمو الاقتصادي خلال السنوات الخمس الماضية والتحكم في التضخم، فإنهم الآن يقومون بإزالة بعض هذه الإجراءات من أجل منع النمو الاقتصادي من أن يشهد المزيد من التباطؤ.
وعلى سبيل المثال، فبعد ترك العملة الصينية ترتفع بشكل غير مسبوق أمام الدولار في النصف الأول من العام الجاري، عمل البنك المركزي الصيني على خفض قيمة عملته أمام الدولار في الأيام الأربعة الأخيرة بما في ذلك الانخفاض الذي حدث يوم الاثنين بنسبة 0.13 في المائة. ومن شأن ذلك أن يساعد المصدرين الصينيين على الاستمرار في المنافسة داخل أسواق التصدير الأجنبية على الرغم من مخاطرة إغضاب الولايات المتحدة والشركاء التجاريين الآخرين. وفي الأيام العديدة الماضية، رفعت السلطات الصينية أيضا من ضرائب تصدير الملابس على الشركات ـ وهي الصناعة التي تعرضت للضعف بسبب التشريعات التي يضعها المشرعون الذين يرغبون في الاهتمام بالصناعات الأكثر تقنية. كما اتجه صانعو السياسات إلى تسهيل حدود قروض الائتمان من البنوك أيضا. ويعتبر انخفاض الطلب من جانب الولايات المتحدة خلال العام الماضي والآن من أوروبا جزءا من المشكلة الأخيرة في الصين. وفي مساء يوم الأحد، كان الميناء هنا نصف مليء بالحاويات، على خلاف ما كان عليه الحال دائما، وهو ما يعكس تباطؤ نمو الصادرات.
وقد كان ضعف الصادرات باديا على وجه الخصوص في صناعات السلع الخفيفة من الجنوب الشرقي في الصين، وهو أحد أهم منطقتين للتصدير في الصين، إلى جانب منطقة دلتا نهر يانغتسي حول شنغهاي. وفي شركة ينويان باغز لصناعة الحقائب في دونغوان التي تبعد نحو 40 ميلا باتجاه نهر بيرل عن هونغ كونغ، انخفضت المبيعات إلى الولايات المتحدة بنحو 20 في المائة خلال العام الماضي. ويقول جيم جيانغ وهو مدير مبيعات الشركة: «كان علينا أن نخفض طلباتنا كذلك للموردين المحليين الذين يقدمون لنا المواد الأولية مثل النيلون والبوليستر».
وقد خفضت شركة جاي دي باور من توقعاتها لمبيعات السيارات في الصين خلال هذا العام إلى 5.95 مليون سيارة ـ بارتفاع طفيف عن العام السابق الذي بلغت المبيعات فيه 5.42 مليون، ولكن بانخفاض عن توقعات سابقة بوصول المبيعات إلى نحو 6.2 مليون. وهناك علامات أخرى على تباطؤ الاقتصاد الصيني حيث تشهد سوق العقارات حاليا ضعفا بعد سنوات من ارتفاع الأسعار الذي قد يسبب فقاعة اقتصادية محتملة. ومرة أخرى، يبدو الضعف ظاهرا في جنوب الصين. وقد أفاد مين هوا وهو سمسار عقارات في شانزهين، وهي مدينة يسكنها نحو 12 مليون نسمة على الأقل بالقرب من هونغ كونغ، بأن أسعار العقارات السكنية قد انخفضت بنسبة 10 في المائة خلال العام الماضي في المناطق التي تشهد رواجا كبيرا حول وسط المدينة وانخفضت بنسبة بلغت 40 في المائة في المناطق البعيدة. ويقول: «لقد شهدنا عددا قليلا من المشترين خلال الأشهر القليلة الماضية»، وهناك عدد قليل من المقاطعات مثل شاندونغ وشانزي التي تشهد نقصا في إمدادات الطاقة. ويجبر هذا النقص تلك المصانع على تقليل ساعات العمل بسبب نقص الفحم الذي يستخدم في إمداد العديد من مصانع الطاقة التي تم افتتاحها في السنتين الأخيرتين. ويمثل عدد السكان في بكين أكثر قليلا من 1 في المائة من تعداد الشعب الصيني وأقل قليلا من نحو 5 في المائة من الناتج القومي، ولذلك فمن غير المتوقع أن يؤثر الإنفاق المتزايد في منطقة بكين على المواقع الأولمبية في رفع النمو خلال الأشهر الماضية أو في خفض النمو مع انتهاء عمليات البناء الآن. لكن الخوف من التباطؤ الاقتصادي بعد دورة الألعاب الأولمبية أصبح جزءا من الثقافة العامة في الصين، وموضوعا يحظى بأهمية كبيرة بين المستثمرين في سوق الأسهم التي انخفضت بأكثر من النصف بعد الارتفاع القياسي الذي حدث في شهر أكتوبر (تشرين الأول).
ويبدو أن الزلزال الذي وقع في مقاطعة سيشوان خلال شهر مايو (أيار) الماضي لم يؤثر كثيرا على الاقتصاد، بل ربما يكون قد ساعد على نمو الاقتصاد مع اتجاه المدن إلى إعادة البناء من خلال حصولها على المزيد من المساعدات الحكومية.
وبصورة أكثر شمولا، فإن الاستثمارات الصينية الضخمة في بناء طرق وموانئ وخطوط سكك حديدية جديدة وغيرها من شبكات المواصلات، بدأت في كسب المزيد من الأرباح التي يمكن أن تساعد الاقتصاد على النمو. وما زال الاستثمار الأجنبي يتجه إلى الصين ويزداد توجيهه إلى صناعات التقنية العالية على الرغم من أن بعض البلاد الآسيوية الأخرى ما زالت تجذب المزيد من الاستثمارات أيضا. ويقول كريس ويدورد وهو مدير تنفيذي في ريدر الصين وهي من أكبر الشركات التي تعمل في مجال شحن قطع غيار السيارات إن الشركات الأميركية ما زالت تتوسع في الصين على الرغم من انخفاض الصادرات الصينية، ويقول: «لقد توجه قدر كبير من الاستثمار إلى البنية التحتية وهي ليست مجرد البنية التحتية المادية وإنما هي تدريب وتطوير الأفراد».

الثلاثاء، 5 أغسطس 2008

الأمريكيون متنبهون لتنامي الصين اقتصادياً وعسكرياً


موقع سي أن أن
كشف استطلاع قومي حديث أن معظم الأمريكيين ينظرون إلى الصين كتهديد اقتصادي على الولايات المتحدة، إلا أن آراء المستطلعين اختلفت حول كون المارد الشيوعي يمثل تهديداً عسكرياً على بلادهم.
ونظر 70 في المائة من المشاركين في استطلاع CNN و"أوبينيون ريسيرتش كورب"، إلى الصين كتهديد اقتصادي، و51 في المائة على أنها تهديد عسكري كذلك.
وتزامن إصدار نتائج المسح مساء الاثنين، مع بدء الرئيس الأمريكي جورج بوش جولة آسيوية يختمها في الصين حيث يشارك في افتتاح الدورة الصيفية للألعاب الأولمبية.
وقال كبير المحللين السياسيين بشبكة CNN، بيل شنايدر، إنه "وبحسب دراسة جديدة لمجلس الشؤون الدولية، مقره شيكاغو، فهناك أعداد متزايدة من الأمريكيين ممن يعتقدون بأن الاقتصاد الصيني سيفوق الأمريكي، وأن الدولة الشيوعية ستصبح أكبر منافس لأمريكا على القوى."
وفي هذا السياق، عقب مدير قسم الاستطلاع بالشبكة، كيتينغ هولاند، قائلاً إن "ثمانية من كل عشرة أمريكيين يعتقدون أن التبت يجب أن تكون دولة مستقلة، فيما رأت شريحة ضئيلة (14 في المائة) أن يظل الإقليم جزءاً من الصين."
وقوبل إعلان الرئيس الأمريكي في وقت سابق بمشاركته في مراسم افتتاح الأولمبياد، بانتقادات عدد من السياسيين والمنشقين الصينيين.
إلا أن المسح أظهر أن الأمريكيين لا يمانعون حضور الرئيس، ودعم 63 في المائة من المستطلعين، قراره بالمشاركة.
وأضاف شنايدر قائلاً: "هناك تزايد في الانتقادات الشعبية للصين، وقلق حول تنامي قواها الاقتصادية، إلا أن الأمريكيين لا يحبذون العدائية التامة، خصوصاً في الألعاب الأولمبية، التي لا يفترض أن تكون سياسية."
وأجرى المسح خلال الفترة من 27 إلى 29 يوليو/تموز الماضي، وشارك فيه 1041 أمريكياً تمت مقابلتهم، ويشار إلى أن الأسئلة المتعلقة بالصين كتهديد والتبت، وجهت إلى نصف العينات المشاركة، وجاء هامش الخطأ في تلك الأسئلة الثلاث بنسبة 4.5 نقطة مائوية زيادة أو نقصاناً. أما هامش الخطأ في السؤال المتعلق ببوش فجاء بنسبة 3 نقاط مائوية، زيادة أو نقصاناً.

الآن الوقت المناسب لتحرير التجارة مع الصين


صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
جاك ما
مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، يدور كثير من الجدل حول مستقبل التجارة العالمية وحول ظهور الصين رائدة على هذا الصعيد. ووسط هذه الأجواء يشكل التباطؤ الاقتصادي عنصرا يزيد من ظهور موجة جديدة من العاطفة الحمائية. لكن من المهم أن يقاوم زعماء العالم الدعوات التي تنادي بالحمائية ويعملوا على إزالة الحواجز والمعوقات التجارية. إن تقبل مزيد من تحرير التجارة مع الصين باعتبارها أحد محركات النمو العالمي - هو أفضل فرصة لإعادة إطلاق الاقتصادات وتوفير فرص العمل في البلدان المتقدمة والنامية في آن معا.
وهناك عاملان يشعلان فتيل هذه المجادلات. الأول، أنه في أي تراجع اقتصادي يمكن للخوف أن يزيد بسهولة السياسات الحمائية فيما يتعلق بالتعرفات والحصص. لكن هذه القيود يمكن أن تكون ذات أثر مدمر وتزيد من تباطؤ الاقتصاد.
والعامل الثاني هو أن عدم الارتياح لظهور الصين قوة اقتصادية جعل الناس يعتقدون أن الأنشطة العملية والوظائف أخذت تنتقل الآن إلى ذلك البلد، لكن قلة هي التي تعلم أن التجارة مع الصين تولد فرصاً وظيفية لأوروبا والولايات المتحدة.
وإذا نظرنا إلى ما وراء العناوين الرئيسية لوجدنا أن هناك اتجاهاً متنامياً كثيراً ما يتم إغفاله: دور الصين في السوق العالمية يتطور من كونها أكبر مركز للصناعة التحويلية وأكبر مصدِّر، إلى مشتر عالمي قوي. هذا الاتجاه الجديد في بداياته الأولى ويحتاج إلى دعم من زعماء العالم، لأنهم يستطيعون المساعدة في الارتقاء بالاقتصاد العالمي من خلال مزيد من الانفتاح الاقتصادي فقط.
وفي العقدين الماضيين طرأت تغيرات كبيرة على التجارة مع الصين. فقد مكنت الإصلاحات الاقتصادية الجريئة، إلى جانب الدخول في منظمة التجارة العالمية، الصين من تزويد أوروبا والولايات المتحدة ببضائع رخيصة، وساعدت الشركات الغربية على خفض تكاليفها عبر نقل خطوط إنتاجها إلى الصين.
وأصبحنا الآن في مرحلة جديدة زادت فيها مشتريات الصين من السوق العالمية. فقد دلت أحدث الأرقام التجارية في الصين على استمرار ارتفاع صادراتها بنسبة 18 في المائة عما كانت عليه قبل سنة خلت، لتصل إلى 121.53 مليار دولار، في حين أن وارداتها ارتفعت بنسبة 31 في المائة إلى 100.18 مليار دولار، الأمر الذي قلص الفائض التجاري للبلاد في الشهر الماضي. وتأتي الصين في المرتبة الثالثة من حيث حجم التجارة، ومن المتوقع أن تصبح بعد عشر سنوات أكبر سوق مستوردة في العالم.
ولا يعني هذا أن دور الصين بوصفها أكبر مورِّد في العالم سيتلاشى. ففي حين أن هناك قدراً كبيراً من المنافسة لها من أسواق بديلة أرخص كالهند، وبنجلادش، وفيتنام، فلا شيء يستطيع التغلب على سعة الخيارات الخاصة بالمنتجات الصينية والموردين الصينيين. فعبر السنوات أعاد الموردون الصينيون تعريف أنفسهم خارج نطاق الأسعار وزادوا من ميزتهم على صعيد التحول السريع، والبنية التحتية الجيدة، وسرعة الوصول إلى السوق، والتقيد بالمعايير الدولية. وأظهر مسحنا العالمي الأخير لشركات الشراء الكبرى من أوروبا والولايات المتحدة أن معظم تلك الشركات لا تخطط لتخفيض طلبياتها من الصين في المستقبل القريب، ما يؤكد تنامي الثقة بالموردين الصينيين.
لذلك سيستمر المستهلكون في سائر أنحاء العالم في الإفادة من قدرة الصين على توفير خيار واسع من البضائع بأسعار مربحة. وفي الوقت نفسه، فإن البائعين الخارجيين يفيدون من شهية الصين المتنامية. ونظرة سريعة على ما يشترونه من أوروبا والولايات المتحدة تكشف عن طلبيات كبيرة لشراء المواد الغذائية والمشروبات، والأدوات المنزلية، والبضائع المتخصصة، والآليات الصناعية، ومواد الإنشاءات.
وستظل التغييرات الكبيرة في السوق العالمية مدفوعة بالشركات الصغرى، خصوصا تلك التي تستخدم الإنترنت. وتوجد في هذه الأيام سوق إلكترونية (إنترنت) عالمية ضخمة وذات معقولية، إذ توجد أكثر من 30 مليون شركة إنترنت مسجلة لم تكن قائمة قبل أكثر من عقد بقليل - وهذه هي البداية فقط. هذه السوق الجديدة تمهد الملعب وتمكن الشركات الصغيرة من منافسة الشركات الكبرى حول العالم بخطى سريعة.
وبدأنا نشهد على موقع الإنترنت الخاص بنا عدداً متزايداً من أصحاب المشاريع من أوروبا والولايات المتحدة يبنون شركاتهم عبر البيع في الصين. وبفضل الدور الجديد للصين في الاقتصاد العالمي، ستتوسع هذه السوق بشكل أكبر وتستقطب مزيداً من المشترين والبائعين من الصين وحول العالم.
وبينما يهدأ غبار هذا الجدل التجاري، هناك أمر واحد مؤكد، هو أن دور الصين باعتبارها مزودة رئيسية ومشترية رائدة الآن يتسبب في ظاهرة اقتصادية جديدة يجب تبنيها، وليس الخوف منها. وبالنسبة لمؤسسي المشاريع من أوروبا والولايات المتحدة، فإن هذه أفضل فرصة لمزيد من المبيعات للصين، وتوليد مزيد من الوظائف، ودعم اقتصاداتهم. وبالنسبة لزعماء العالم، فإن إجراءاتهم إزاء التجارة والحمائية يمكن أن تحرك، أو تعطب محرك النمو الجديد للاقتصاد العالمي.

حدود التقارب بين الصين الشعبية وتايوان


صحيفة الاقتصادية السعودية
د. عبد الله الأشعل
عقدت في بكين خلال الأسبوع الأول من حزيران (يونيو) 2008 جولة من المحادثات الرسمية لأول مرة منذ عام 1999 ولكن هذا المستوى من التمثيل والقضايا التي أثيرت والنتائج التي ترتبت عليها تمثل نقطة مهمة في ملف العلاقات بين البلدين، حيث تم الاتفاق على فتح مكاتب دائمة في كل منهما في عاصمتي البلدين، كما تم الاتفاق على تسيير خطوط طيران منتظمة بين البلدين. ولا شك أن هذه التطورات قد تراكمت عبر سنوات وبلورت هذا الاتجاه الذي لا شك سوف يؤدي إلى الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة.
والملاحظ أن العلاقات بين الصين الشعبية والصين الوطنية لا تزال من مناطق التجاذب الساخنة في علاقات القوى العظمى خاصة الصين الشعبية والولايات المتحدة. ومعلوم أن التطورات الأخيرة في تايوان واللقاءات بين المسئولين الكبار في البلدين واتجاهات الناخب التايواني التي تميل إلى التقارب مع الوطن الأم قد فرضت نفسها خلال العامين الماضيين.
إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التقارب وما الموقف الأمريكي من هذه التطورات؟
أما الاعتبارات التي تساعد على تفهم حدود هذا التقارب أن الموقف الصيني التقليدي الذي يصر على أن الصين واحدة وأن الفرع، أي تايوان، يجب أن ينضم إلى الأصل وأنها لا ترضى أية مساومة في ذلك وإن كانت تملك رصيداَ من الصبر الصيني غير المحدود، كما تملك مرونة في الرؤية ازدادت ثراء خلال استردادها إقليم هونج كونج عام 1984 الذي رسمت الاتفاقية الصينية ـ البريطانية حوله الخطوط الرئيسية التي توفق بين انطلاق الإقليم سياسياَ واقتصاديا وعلاقته العضوية بالوطن الأم.
أما الاعتبار الثاني فهو الموقف التقليدي الأمريكي الذي بدأ مع بداية ظهور الصين الوطنية التي استعصت على ثوار الصين الكبرى منذ عام 1949 فتمسكت واشنطن ولم تمانع أي دولة من الدول الكبرى حينذاك في أن الصين المؤسس للأمم المتحدة صاحب المقعد الدائم في مجلس الأمن ليس قطعاً هو الصين الثورية التي خرجت على قواعد السياسات الدولية المرعبة في بداية عصر جديد عقب حرب طاحنة استمرت ست سنوات وأرهقت العالم كله وآذنت بعالم جديد تماما بمعالمه المعروفة. ولكن واشنطن أدركت أن الصين الشعبية المعزولة هي الثقل الحقيقي وهي طرف أصيل في التفاعلات الدولية خاصة بعد دورها في كوريا والهند الصينية خاصة فيتنام والحركة الشيوعية العالمية, فأحلت واشنطن بكين محل تايوان في الأمم المتحدة وسحبت اعترافها من تايوان وتبعها معظم دول العالم, خاصة بعد أن أصرت بكين على أن الصين الواحدة هي البداية والنهاية والمعروفة بنظرية ماوتسى تونج أهمها عدم إحباط سكان هذا البلد الصغير الذين أظهروا تقدما وتفوقاً أهلهم لكي يكونوا بين النمور الآسيوية في المجال الاقتصادي, فضلا عن أن التطور الديمقراطي في ظل التشجيع الأمريكي ضرب مثلاً عالمياً يدعو للإعجاب. ولكن واشنطن ترى أن تايوان ملف يمكن المداعبة به وورقة يمكن استخدامها في سياق العلاقات المتشعبة بين واشنطن وبكين في مواقفها ضد واشنطن تشددت واشنطن في ورقة تايوان إلى حد دعوة رئيسها لزيارة واشنطن والتلويح بإدخالها عضواً في الأمم المتحدة على غرار ألمانيا الغربية والشرعية قبل توحيدها عام 1990, مع فارق مهم وهو أن كلا من الألمانيين قد اعترف كل منهما بالآخر أولاً, ولكن واشنطن تريد أن تفرض استقلال تايوان رغم إرادة بكين, وتشجع العناصر الاستقلالية داخلها رغم أنها تعلم جيداً حدود توظيف هذا الملف.

الصين.. نحو قطب عالمي جديد


صحيفة الوطن السورية
فيصل سعد (دكتور في علم الاجتماع ومدرس سوسيولوجيا الإعلام في جامعة تشرين)
تفيد دروس التاريخ الحديث والمعاصر أن الأحادية القطبية هي الاستثناء الذي يُؤكد حقيقة التعددية القطبية كقاعدة تاريخية. ذلك أن آليات عمل النظام الذي يقوم على أحادية القطب هي من نوع الإكراه والعنف والاستئثار والتضليل، وليست من نوع الحوار والعدالة أو الندّية والديمقراطية. الأمر الذي يدفع، لاحقاً، إلى انفجار النظام الدولي، القائم في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وانهياره على نفسه تحت ثقل التناقضات التي يحبل بها على خلفية عنف منطقه البنيوي ودكتاتورية آليات عمله السياسي.
وبالنتيجة تبدأ مرحلة انتقالية تتبلور خلالها قوى أخرى وأقطاب حقيقية تُنهي نظام القطب الواحد بإنتاج مداخل تاريخية نحو نظام عالمي آخر بديل يقوم على قواعد العدالة والتعددية والديمقراطية، ودائماً بالمعايير التاريخية الجارية جريان التاريخ نفسه.
تلك هي القانونية التاريخية التي حكمت النظام الرأسمالي (كأول نظام عالمي في التاريخ البشري) منذ انطلاقته الأولى قبل خمسة قرون وحتى هذه الآونة، فمعاهدة وستفاليا (1648) سرعان ما أعلنت نهاية الهيمنة الهولندية، بعد فترة وجيزة من نشوئها، وأقرت التعددية القطبية: الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، بينما أعاد مؤتمر فيينا (1815) التأكيد على توازن القوى القارية (الفرنسية والبروسية والنمساوية والروسية) بعد خلل اعتراه دفع بالهيمنة البريطانية إلى السطح، مؤقتاً ولزمن غير طويل. وقد أفصحت قمة الدول الثماني التي انعقدت في بطرسبورغ (2006) عن ولادة أقطاب أخرى جديدة تنمو بمعدلات غير مسبوقة في اتجاه اللحاق بالقطب الأميركي المُهيمن، وهي، بالضبط، تلك التي أشار إليها خطاب القمة للرئيس الروسي السابق بوتين: (روسيا- الصين- الهند- البرازيل، إلى جانب اليابان وألمانيا).

وبالفعل، تُشير الوقائع الملموسة، مدعومة بالأرقام والنسب المئوية، إلى حقيقة أن تلك البلدان هي مشاريع أقطاب عالمية، وقد غدا بعضها على مشارف إنجاز المشروع، والانتقال، بالتالي، من حالة مشروع قطب إلى حالة قطب حقيقي مُكافئ وندّي للقطب الأميركي ليس على مستوى واحد، وإنما على كل، أو معظم، مستويات القوة التي تتطلبها ظاهرة القطب، الاقتصادية منها والسياسية والإستراتيجية، تماماً كواقع الحال الذي كان قائماً بين العملاقين الأميركي والسوفييتي في ظل نظام الثنائية القطبية بين عامي (1945) و(1991).
ويبدو لي، احتكاماً لحقائق التاريخ المنطقية ومعطيات اللحظة التاريخية الراهنة وقرائنها المادية، أن الصين هي اليوم أقرب إلى ذلك الواقع وأسرع الأقطاب العالمية الأخرى الناشئة داخل مضمار السباق إلى تحدي القطب الأميركي ومنافسته على شغل كرسي زعامة العالم في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب جديد حقاً. وأُسجّل هنا حقيقة تاريخية أزعم أنها ضرورية لإضفاء بعض المصداقية على هذه الرؤية، ومفادها أن الانتقال من نظام تاريخي إلى آخر يتم انطلاقاً من بلدان أطرافه، التي ستغدو، لاحقاً، مراكز النظام الجديد أو عواصمه، وليس من بلدان مراكزه، التي تشغل أطراف أو محيط النظام الأخير. فالانتقال إلى النظام الرأسمالي لم ينطلق من مناطق الشرق الصيني والعربي (مراكز النظام الإقطاعي في حينه)، وإنما من مناطق أوروبا الطرفية الأقل تقدماً في الحين نفسه. وكذلك الأمر بالنسبة للانتقال إلى النظام الإقطاعي الذي حصل، بداية، من مناطق الهمج أو البربر المشاعية المتخلفة في أوروبا وليس انطلاقاً من أثينا وروما (مراكز النظام العبودي) الأكثر تطوراً في ذلك الحين التاريخي.
والحال فإن الصين اليوم (كمشروع قطب عالمي كبير) هي أكثر بلدان محيط النظام الرأسمالي منجزات فعل وطاقات قوة على اختراق جدار محيطه مدخلاً إستراتيجياً نحو نظام عالمي آخر جديد تشغل فيه أحد مراكزه أو مركز عاصمته. فعلى المستوى الاقتصادي غدت الصين القوة الاقتصادية الثالثة في العالم وفق التصنيفات الصادرة عن البنك الدولي أوائل العام ألفين وثمانية، وبينما وصل الفائض التجاري بين الصين والولايات المتحدة، لهذا العام، إلى مئتين وخمسين مليار دولار، لمصلحة الصين، فإن احتياطها من الدولار، للعام نفسه، قد بلغ نحو تريليون دولار. الأمر الذي انعكس، بصورة طبيعيــة، في زيادة الدخل الفردي للمواطن الصيني، وتعاظم القيمة الشرائية لليوان ( العملة الوطنية ) نتيجة ارتفاع سعر صرفه بالدولار.
ولا بأس أن نعرض هنا اللوحة الإحصائية التالية التي تعرض القوة الصينية على المستوى الاقتصادي بالأرقام والنسب المئوية: (بلغ إجمالي ناتج الصين القومي للعام الجاري (3.2) تريليونات دولار، وينمو الاقتصاد الصيني، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، بمعدل نمو سنوي قدره (12%).
وقد غدت مدينة شنغهاي ثاني أكبر مدن «المال والأعمال» في العالم، فالصين اليوم هي أكبر بلد مُصدّر وثالث أكبر مستورد في العالم. وهي، علاوة على ذلك، البلد الأول، بامتياز، في إنتاج كل من أجهزة الاتصال المحمولة والكاميرات الرقمية والغسّالات وألعاب الأطفال الإلكترونية وأجهزة التلفزيون، وكذلك في إنتاج الحديد الخام والفحم والإسمنت والحبوب واللحوم والعسل و.. الخ). والصين من بلدان الطليعة في إنتاج الصناعات المعدنية الأساسية وآلات ومعدات النقل والصناعات البتروكيماوية الثقيلة وصناعة الإنشاءات الهندسية الضخمة، ناهيك عن تميّزها في صناعة كل من الطاقة النووية وطائرات النقل العملاقة. على هذا النحو، الموجز للغاية، تبدو الصين قوة اقتصادية هائلة، بالمقاييس العالمية للقوة، في عصر منطقه القوة لا قوة المنطق، فالمصالح الاقتصادية المتوحشة تلتهم المبادئ الأخلاقية في «غابة» العولمة الأميركية، بصورة غير مشهودة في تاريخ العلاقات الدولية.
وتتجلى القوة الصينية على المستوى السياسي بجملة من الحقائق الكبيرة، لعل أبرزها حقيقة أن الصين عضو دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي يتمتع بحق النقض (veto) كما هو حال الأعضاء الآخرين دائمي العضوية تحت قبة المجلس العتيد، الأمر الذي يعني أن الصين جزء عضوي من القرار السياسي الدولي وأحد الرسامين الأساسيين لخريطة العالم السياسية. والدولة الصينية، كحقيقة سياسية ثانية، تُسيطر على علاقاتها الخارجية وتقودها في الاتجاه والشكل اللذين يدعمان تنميتها الوطنية ويحفظها، بعيداً عن التبعية.
والحقيقة السياسية الثالثة هي أن الأمة الصينية تعمل، حثيثة، على بناء وتوطيد وحدتها السياسية القومية، فقد عادت إلى الوطن الأم كل من هونغ كونغ عام (1997) وماكاو عام (1999) والتيبت سنة (2003)، وكذلك ولاية «براديش» في كشمير، وتبذل الصين قصارى جهدها لاستعادة تايوان كثروة علمية- تكنولوجية هائلة.
والصين، كمشروع قطب بنيوي جديد، هي نموذج لنظام عالمي آخر كخيار سياسي بديل من الخيار الرأسمالي لعموم المجتمع البشري، فالمشروع الصيني يقوم على منطق بنيوي فريد يجمع، على نحو جدلي، بين إيجابيات كل من المشروع السوفييتي المهزوم والمشروع الرأسمالي العولمي المأزوم تحت عنوان عريض هو «اشتراكية السوق»، بمعنى الإنتاج بآليات السوق الرأسمالية وتوزيع الإنتاجية بآليات الاشتراكية (أو العدالة الاجتماعية).
وعلى المستوى الإستراتيجي (بالمعنى الواسع للكلمة)، فقد أضحت الصين قوة عظمى أو «شبه عظمى» على هذا المستوى من القوة الضرورية لنشوء القطب وتبلوره.
وللقوة على المستوى الإستراتيجي أربعة جوانب أساسية هي جانب الرصيد البشري ومخزون الثروة الطبيعية - الجغرافية وكذلك الجانب العسكري والجانب الفضائي وجانب النفوذ الدولي، بمعيار الحضور اللوجستي الفاعل، والفعّال، خارج حدود الذات القومية. فمن الجانب الأول تعتبر الصين أكبر «كتلة بشرية» في العالم (23% من سكان الأرض) والصينيون ليسوا مجرد رقم إحصائي، وإنما كيف ونوع، أيضاً، نتيجة الثورة الثقافية «الماوية» المشهودة والثورة العلمية - التكنولوجية الراهنة. ومن حيث المساحة تقع الصين في المرتبة الثالثة عالمياً (10.500.000) مليون كيلومتر مربع تمتد من آسيا الوسطى غرباً إلى أقصى شرق آسيا وشمالها على شواطئ ثلاثة بحار كبرى هي بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والبحر الأصفر.

وبينما تعتبر الصين من أغنى بلدان العالم بالمياه الجوفية، ومن أغناها، كذلك في الثروات النباتية والحيوانية والثروة الخشبية. والصين ليست معروفة ببحارها الثلاثة فقط، وإنما أيضاً بنهريها الأطول فــي العالم وهما: نهر اليانغتسي (6300) كم والنهر الأصفر (5464) كم.
ومن الجانب الثاني، باتت الصين اليوم واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، سواء من حيث الإنتاج والتصدير العسكريين أم من حيث استيراد السلاح والميزانية العسكرية. فآلة الحرب الصينية هي، في معظمها، صناعة وطنية، وقد صارت تُساهم، بقسط كبير، في تكوين إجمالي الناتج القومي الصيني عبر تصدير التقانة والخبرات العسكرية إلى عدد كبير من بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وبينما بلغت ميزانية الدفاع في الصين لعام ألفين وسبعة نحو(80) مليار دولار، فإن وارداتها من السلاح، للعام نفسه، وصلت إلى (14%) من إجمالي واردات العالم منه، وهي، بذلك، قد غدت أكبر مستورد للسلاح في العالم، ودائماً حسب معطيات مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية المنشورة في كبرى العواصم المعنية. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين قوة نووية كبرى، ليس للأغراض السلمية، فقط، وإنما، كذلك، للأغراض العسكرية، فهي رابع قوة نووية عسكرية في العالم.
وعلى الجانب الثالث من المستوى الإستراتيجي أضحت الصين، مؤخراً، قوة عظمى حقيقية على خلفية نيلها عضوية «نادي الفضاء الدولي». فالصين اليوم هي اللاعب الثالث «الجديد» في النادي العتيد، إلى جانب اللاعبين المعروفين الأميركي والروسي، فلقد انطلقت الصين إلى الفضاء، بروّادها ومركباتها وخبراتها الوطنية، وليس بالمشاركة أو الاستعانة بالآخرين، بل تزامن مع إسقاطها قمراً أميركياً تجسسياً فوق أراضيها في شباط (2007) واعتراضها قمراً آخر في نيسان من العام نفسه. ناهيك عن امتلاك الصين عدداً كبيراً من الأقمار الصناعية، وكذلك مساهمتها، بكوادر بشرية وطاقات مادية وطنية، في الأبحاث والاختبارات الفضائية التي تُجريها وتُشرف عليها الجهات الدولية والمؤسسات المختصة.
ومن الجانب الرابع لمستوى القوة الإستراتيجي، تتمتع الصين (باعتبارها قوة اقتصادية كبيرة) بحضور حيوي وتأثير فعّال في اقتصادات، وبالتالي، سياسات البلدان الأخرى وخياراتها الكبرى البنيوية، فالمصالح الاقتصادية هي متن العلاقات الدولية وناظمها في ظل العولمة النيو ليبرالية. وحسب السوسيولوجي الكندي المعروف «جون صاول» في كتابه الهام «انهيار العولمة» فإن الصين، التي صدّرت، على مدى أربعين عاماً، الفكر «الماوي» إلى مختلف بلدان آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، تقوم اليوم، ومنذ وقت قريب، بـ«تصدير» نموذج فريد من التنمية في وقت سئمت فيه تلك البلدان نموذج التنمية الرأسماليــة المزعوم الذي «ألغى» الفقراء، وليس الفقر، بعد ستة عقود على انطلاقة العمل به من جانب البلدان الضحية.

وعلى حين تُؤكد المصادر المطلعة أن الصين قد تفوّقت، في الآونة الأخيرة، على الولايات المتحدة في حجم الرساميل المستثمرة في الخارج (نحو 180 مليار دولار)، فإن المصادر نفسها تُشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين ورابطة دول (آسيان) تجاوز الـ(80) مليار دولار لعام (2006)، وقد بلغ بينها وبين كل من البلدان الإفريقية نحو (60) مليار دولار ومع بلدان أميركا اللاتينية نحو (30) مليار دولار ومع الهند (20) مليار دولار للعام نفسه. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين غدت في مقدمة الدول المانحة للمساعدات المالية، معطوفاً عليها حقيقة أخرى لا تقل أهمية عنها، ومفادها، تبعاً للباحث الأميركي الكبير «بول كيندي»، أن الصين تتعهد ببناء مشاريع البنى التحتية في عدد كبير من بلدان القارتين الإفريقية وأميركا اللاتينية بكلفة زهيدة قدرها (25%) من كلفة بنائها من جانب الشركات الأميركية الرسمية منها أو الخاصة.
تلك هي أبرز مستويات وجوانب قوة الصين وطاقتها على إنجاز مشروعها كقطب عالمي جديد مرشّح لزعامة العالم عام ألفين وعشرين، بتوقيت المؤرخ وعالم الاجتماع البريطاني المعروف هامش ماكري. لكن، علينا أن نشير هنا إلى أن ثمة تحديات داخلية وخارجية كبيرة وخطيرة، في آن معاً، يجب على الصين قهرها شرطاً موضوعياً لإنجاز المشروع الوطني في بعده العالمي.
ولعل أخطر التحديات الداخلية هو النمو السكاني المرتفع، نسبياً، وكذلك التوزيع غير المتكافىء للخدمات والدخل أو الثروة الوطنية بين المناطق والأقاليم المترامية (31 مقاطعة و56 قومية). وبالتالي تبرز أمام الصين ضرورة اعتماد سياسات سكانية عقلانية تضبط معدل نمو السكان وتتحكم به ضمن الحدود التي تُبقي على الأيدي و(العقول) العاملة عنصراً من عناصر الإنتاج المتعددة، ناهيك عن ضرورة المضي في مشروع التنمية الوطنية تحت العنوان العريض نفسه (اشتراكية السوق)، بحيث لا يلتهم السوق جانب (الاشتراكية)، بالمعنى اللاتيني الأصيل للكلمة socialism (العدالة الاجتماعية) وليس بالمعنى (السوفييتي) المبتذل لها، شرطاً آخر للتنمية المتوازنة وتوزيع الإنتاجية بعدالة بين فئات السكان والمناطق المختلفة ما يحفظ وحدة الصين السياسية والجغرافية.
والتحدي الأميركي هو أخطر التحديات الخارجية للتنمية والقطبية الناشئة الصينية، فالأميركيون (تبعاً للاقتصادي الكبير سمير أمين)، يعتبرون أن الصين، بنموذجها التنموي (غير الرأسمالي) هي عدوّهم الرئيس الذي ينبغي تدميره يوماً ما إذا مضى بعيداً في مشروع التنمية والازدهار.

وما دام الكبر، من المنظور الأميركي، هو العلامة الفارقة لأميركا، وحدها دون سواها، فإن تفكيك الصين غاية أميركية. وبعد أن يدعو الصحافي الأميركي المقروء توماس فريدمان الإدارة الأميركية إلى اتخاذ سياسات اقتصادية عقابيـــة إزاء الصين، فهو يُشير (بالتوافق والتطابق مع إشارة نانسي بيلوسي) إلى أن الوقوف أمام صعود الصين سوف يكون قضية الديمقراطيين الأولى في حال وصولهم إلى البيت الأبيض. ويذهب فريدمان في هذا الصدد إلى حد تأكيد أن (أهم حدث في هذه الحقبة التاريخية ليس هجمات أيلول عام ألفين وواحد ولا احتلال أميركا لأفغانستان والعراق، وإنما هو نهوض الصين وبروزها كعملاق آسيوي كبير).
وفي مواجهة التحليق الصيني المذهل يدعو مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق (زبيجنيو بريجينسكي) إلى إعادة إنتاج العلاقات الأميركية - الأوروبية بالصورة التي تضمن الصمود في وجه ذلك الصعود، وبهذا المعنى يقول: (سوف تبتلعنا الصين إذا لم نُبادر إلى إحداث تعديلات جوهرية في خططنا ورؤانا الإستراتيجية، بحيث نعمل على تفعيل التحالف مع أوروبا الموحدة ( عوضاً عن تقسيمها إلى أوروبا قديمة وأخرى جديدة ) ونسعى، بجدّية، إلى منح ألمانيا العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي).
وبينما يرى رهط من الخبراء الإستراتيجيين وعلماء الاقتصاد البارزين أن حروب أميركا الأخيرة في البلقان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وكذلك تشييد القواعد العسكرية في تلك المناطق (الرخوة) من بطن العالم، هي مجرد مقدّمات لوجستية ونقاط استناد إستراتيجية لحروب أميركية قادمة ضد كل من الصين وروسيا، وربما الهند، فإن زعيم الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية (هنري كيسنجر) يدعو، بهذا الصدد، إلى التسليم بحقيقة مرّة باتت أمراً واقعاً لا مفر من الاعتراف به والتعاطي (العقلاني) معه، قائلاً: (اليوم، ينتقل مركز ثقل العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. والحال، علينا أن ندرك حقيقة صعود الصين لا أن نعمل على مواجهة صعودها، الذي بات حقيقة واقعة لا رجعة عنه. وبالتالي ليس ثمة بديل آخر (غير انتحاري) من الاعتراف بالصين قوة كبرى والعمل معها على هذا الأساس في سبيل بناء نظام عالمي جديد يُجنّبنا حروب إلغاء الآخرين التي، إن حصلت، ستكون كارثية).

الثلاثاء، 29 يوليو 2008

اليابان والصين عملاقا توازن القوى الدولية القادمة!

صحيفة 26سبتمبر اليمنية
د. زيد علي حجر
لا ريب ان اليابان اصبحت وبصورة جلية تقترب حثيثاً من مكانة الدولة العظمى خاصة في ظل ما يشهده العالم من تحكم وعدم اتزان في السياسة الخارجية الامريكية في عالم توحي كل ملامحه بخطورة الآلة العسكرية الامريكية على العالم، في ظل ما اختطته لنفسها على لسان وزيرة خارجيتها السمراء «كوندوليزا رايس» في استراتيجيتها المعاصرة التي تقوم على اساس اشاعة ثقافة «الفوضى الخلاقة» التي بالنتيجة فكراً وعقلاً لا تؤدي إلا الى استخدام الآلة الحربية الامريكية بطريقة عشوائية لا تميز بمعيار «الفوضى الخلاقة» بين الخطأ والصواب المبني على اسس الادارة الذواقة، واعتبار رغبات وارادات الشعوب حقوق وخطوط كما هي مكفولة للشعب الامريكي لا تخترق، فهي ايضاً بحتمية وجوب المساواة مكفولة لكل الشعوب التي هي في الاصل للسلام والامن والاستقرار تواقة.
حال من سيطرة العنف الامريكي لابد من ان تدفع بدولتي اليابان والصين الى موقع المسؤولية الادبية والانسانية امام المجتمع الدولي بشكل عام وامام القارة الآسيوية العملاقة بصورة خاصة نحو اعادة النظر في ترتيب علاقاتهما الامنية والاقتصادية على اساس من القواسم المشتركة بين كل منهما التي من الممكن ان تجعل منهما صمام امان لكل دول القارة الآسيوية التي تتعرض دولها وحكوماتها للابتزاز الامريكي تحت مسميات وذرائع لا تقوم إلا على قاعدة من التلكؤ الامريكي في ابعاد الدول الآسيوية عن بعضها لتتمكن من احكام واستمرار سيطرتها، مستغلة حالة الضعف السياسي والاقتصادي التي تعاني منها دول العالم الثالث، وعلى وجه الخصوص دول القارة الآسيوية العملاقة.
فاليابان لم تعد مجرد قوة اقتصادية تحتل مركزاً متقدماً في عالم اليوم، فكل الاحصائيات والمقاييس العلمية والتكنولوجية والاقتصادية تشير الى انها اصبحت بحاجة الى ترتيبات امنية وسياسية واقتصادية جديدة ليس فقط في الاطار الآسيوي وتحديداً شرق هذه القارة العملاقة بل وعلى مستوى العالم على نفس المقياس من مساعيها لاحتلال مقعداً دائماً في مجلس الامن.
ولعل القدرات الدفاعية والعسكرية لاية دولة هي الركيزة الاساسية في تحركاتها الاقليمية والدولية الامر الذي يتوافق مع حركة اليابان الخارجية الجديدة ونفقاتها العسكرية مع محاولة زيادة الانفاق العسكري بالصورة التي تجعل منها اكثر قوة، فالقدرات الاقتصادية والمالية العملاقة لليابان تسمح لها بزيادة نفقاتها العسكرية دون ان يشكل ذلك على ميزانيتها اي عبء، كما ان ميزاتها الخاصة التي تتمتع بها في قدرتها على تحويل الكثير من صناعاتها وتكنولوجيتها المدنية الى اغراض عسكرية باعتبار تفوقها في مجال الصناعات ثنائية الاستخدام المدني والعسكري، هذا بالاضافة الى قدراتها على انتاج القنبلة النووية باعتبار ما تمتلكه من القدرات العلمية والفنية والمادية التي تؤهلها لانتاج مثل ذلك النوع من السلاح.
وبالرغم من تقديم مجموعة المحفزات الدافعة والمؤهلة لليابان لامكانية احتلالها مكانة عظمى في المجتمع الدولي، فثمة في المقابل مجموعة من الاعتبارات التي تشكل ضابطاً ومحدداً لتنمية مثل تلك القدرات العسكرية، خاصة الضوابط الداخلية المتمثلة في الضوابط الدستورية وفي محددات ادراك اليابانيين مدى الصعوبات والتضحيات التي ينبغي تحملها في سبيل تمكن بلادهم من احتلال المكانة العظمى التي تجعلها قادرة على المشاركة في قيادة شؤون العالم، والتخفيف من الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة وبعض شركائها من الغرب الاوروبي على العالم خاصة على دول القارة الآسيوية العملاقة إلا ان الصين المارد الآسيوي الجديد بقدرتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية ومكانتها المتميزة، في المجتمع الدولي يمكن لها ان تغطي ذلك الجانب من القدرات العسكرية، اذا استطاعت مع اليابان ومع الشركاء الآسيويين الجيران تجاوز الميراث التاريخي العدائي الذي يمتد جذوره الى التاريخ الاستعماري الياباني والى جذور حادثة عام 1937م عندما قامت القوات اليابانية بقصف مدينة «نانجنج» الصينية ونتج عن ذلك القصف مصرع نحو 300 الف من الصينيين وهو الامر الذي تنكره بعض الكتب الدراسية اليابانية كما انه نفس الامر الذي يثير بعض المشكلات الدبلوماسية بين البلدين من وقت لآخر.
ان ذلك الميراث الذي ولد حساسية تعيق مجال التكامل والتعاون الآسيوي قد ساعد على توسيع فجوة حالة الحذر التي تضعف الثقة بين البلدين العملاقين الآسيويين، خاصة فيما يتعلق بمجال السياسة الاقليمية حيث تنظر الصين بعين القلق الى المساعدات التي تقدمها اليابان لكوريا الجنوبية تحسباً لاستخدام الجانب الكوري الجزء الاكبر من تلك المساعدات في تطوير القدرات العسكرية وفي الوقت ذاته لا تخفي اليابان قلقها من تطور برامج الصين العسكرية والنووية بالاضافة لدعمها لبعض القوى الاقليمية كفتنام وكوريا الشمالية، وذلك بالتأكيد يؤثر بصورة قوية في تلاقي المصالح بين الدولتين الآسيويتين العملاقتين مما يجعل بروزهما من الصعوبة بمكان كقوتين آسيويتين تساوي في درجة ومستوى القوة للولايات المتحدة التي تلعب دوراً رئيسياً بشكل مباشر وقوي في اضعاف العلاقات اليابانية- الصينية وبالتالي العلاقات الآسيوية- الآسيوية.
ومن هنا يمكن القول ان على العملاقين الآسيويين «اليابان والصين» التركيز على دراسة الاهمية الكبيرة في تلاقي المصالح بينهما كون ذلك التلاقي يمثل الجسر المتين الذي سيوصل الدول الآسيوية ببعضهما في اطار من التعاون والتكامل القوي الذي سيعمل على الحد من النفوذ الامريكي ويجعل من امكانية تحقيق التكامل بين الدول الآسيوية املاً اقرب من تحقيق التكامل العربي- العربي، كما ان تلاقي المصالح بين «اليابان والصين» سيعمل بمثابة القوة الدافعة لكل دول القارة الآسيوية العملاقة نحو التعامل مع الولايات المتحدة على اساس من حتمية التساوي في الحقوق والواجبات امام المجتمع والقانون الدولي والى عدم الرضوخ لضغوط وابتزاز واشنطن مستعدين القوة في ندية التعامل على قدم المساواة من صمام امان القارة الآسيوية العملاقة المتمثلة في العملاقين الآسيويين «اليابان والصين» بالاضافة الى قوة الهند، الامر الذي حتماً سيضعف من سيطرة نظام القطب الواحد وسيفتح مجالاً جديداً يتبلور في اطاره نظام دولي يقوم على تعدد الاقطاب ويعمل على اعادة توازن القوى الدولية والاقليمية.
ويكفي القول ونحن نتحدث عن العلاقات اليابانية- الصينية ان عدد السكان الصيني يمثل بالنسبة لليابان سوق ذات امكانات هائلة في مجال استيعاب المنتجات والاستثمارات اليابانية وعند حديثنا عن القوتين العملاقتين من وجهة النظر الاقتصادية فهما بكل معايير ومقاييس الاقتصاد الدولي عملاقان اقتصاديان لا يستهان بهما، هذا بالاضافة الى ما يمكن ان تضيفه القوة العسكرية والجيوسياسية الصينية من قوة سياسية لليابان الى جانب قوتها الاقتصادية وهو ما يعد تكاملاً منطقياً بين القوة العسكرية والاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة والقوة الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها كلاً من اليابان والصين.
كما اننا اذا تحدثنا عن دعم آسيوي للقوتين «اليابانية والصينية» فإننا نتحدث عن قوة اضافية استراتيجية في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والامنية والعسكرية، فاليابان والصين اضافة الى الهند قوى آسيوية لو وصلت في تعاونها الى مرحلة التكامل حتماً ستمنح دول القارة الآسيوية قوة متميزة، ومكانة دولية غاية في الاثر وغاية في اضعاف النفوذ الامريكي وثقافة «الفوضى الخلاقة» وما تسببه من عبث في العلاقات الدولية وفي تشويه صورة وثقافة الشعب الامريكي، ان ما احدثه انهيار الاتحاد السوفيتي السابق من انهيار للنظام الدولي المتوازن يمكن ان يحدثه تكامل وتعاون العملاقين الآسيويين في اعادة بناء النظام الدولي من جديد على اساس من تعدد القطبية وتوازن القوى الدولية والاقليمية، ويبدو ان مؤشرات التغَّير في النظام الدولي تبشر بتعدد القطبية القادم.

الثنائي الروسي ـ الصيني معاً في وجه الأميركيين

صحيفة صدى البلد اللبنانية
فانيسا باسيل
في ظل التقدم السريع للولايات المتحدة الاميركية وتزايد اهمية دورها على الساحة الدولية عسكريا واقتصاديا وسياسيا، رأت الدول الكبيرة ضرورة التحرك خوفا على مصالحها. ويشكل الاتفاق الصيني- الروسي خطوة مهمة على الصعيد الدولي لأنه يغير في موازين القوى. فلن تظل الولايات المتحدة القوة الوحيدة المسيطرة في وجه هذا الاتفاق، اذ ان التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا اليوم يشكل مواجهة ضد الهيمنة الاميركية. ولتفسير سبب هذا الاتفاق، نعود الى مجموعة المواقف التي تجمع كلاً من البلدين والتي تتمثل بمعارضة استقلال كوسوفو ومعارضة منظومة الصواريخ الدفاعية الأميركية، اذ تعتبر انها تعرقل الجهود الدولية للحد من التسلح وتحول دون تعزيز الثقة بين الدول وتحقيق الاستقرار الاقليمي. وساد الدفﺀ في العلاقات بين الصين وروسيا في فترة التسعينات، اللتين قامتا بمناورات عسكرية مشتركة، كما شكلتا مجموعات أمنية إقليمية مشتركة مثل منظمة شنغهاي للتعاون، لإبقاﺀ الغرب بعيداً عن أواسط آسيا الغنية بمصادر الطاقة. وتضم هذه المنظمة كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان واوزبكستان وتهدف الى خلق قوة في وجه حلف شمال الاطلسي. ولروسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الامن الدولي مقاربة مشتركة حول العديد من الملفات الدولية، لا سيما الملفين النووين لايران وكوريا الشمالية. والتعاون الاقتصادي الروسي- الصيني في اعلى مستوياته. فقد سجل حجم التبادل التجاري بين البلدين رقما قياسيا بلغ ١٦, ٤٨ مليار دولار العام ٢٠٠٧ + (٣, ٪٤٤ مقارنة مع السنة السابقة).
وبحسب تقديرات الخبراﺀ فانه يمكن ان يرتفع اكثر ليصل الى اكثر من ٦٠ مليار دولار هذه السنة. وحاليا يشكل النفط القسم الاساسي من الصادرات الروسية الى الصين (٧, ٪٤١) ويليه الخشب، فيما تصدر بكين لروسيا تجهيزات تقنية وانسجة وملابس ومنتجات كيميائية ومواد غذائية. ويتجاوز نمو الصادرات الصينية نحو روسيا (تضاعف بمعدل ١٥ مرة بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٧) الى حد كبير حجم الصادرات الروسية الى الصين (تضاعف بمعدل ٣ مرات خلال الفترة نفسها) بحسب الخبراﺀ الروس. وكما تشير المعطيات فان العلاقات الروسية - الصينية تتمتع بمستقبل مشرق، وستعمل الدولتان على المحافظة على مصالحهما ومواجهة العملاق الكبير علها تقلص دوره على الساحة الدولية، وتمنعه من تحقيق مشروع الاحتلال الكلي للكرة الارضية.