الثلاثاء، 26 ديسمبر 2006

العلاقات الصينية-الإفريقية .. شراكة اقتصادية دون مشروطية سياسية

مجلة السياسية الدولية ـ مصر
جورج ثروت فهمي

شهدت العاصمة الصينية بكين ,بداية شهر نوفمبر2006, أعمال القمة الصينية-الإفريقية , بمشاركة اكثر من أربعين زعيما إفريقيا , تحت شعار 'صداقة وسلام وتعاون وتنمية', و هي القمة الأرفع مستوى والاجتماع الأضخم بين الزعماء الصينيين والأفارقة منذ شروع الصين والدول الإفريقية في إقامة روابط تعاون فيما بينهما خلال عقد الخمسينيات. و قد اختتمت القمة أعمالها بالموافقة على إعلان القمة الذي أعلن فيه رسميا إقامة وتطوير الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الصين وإفريقيا, وتلا الإعلان كل من الرئيس الصيني هو جين تاو، وميليس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي تولت بلاده الرئاسة المشتركة للمنتدى مع الصين، والرئيس المصري حسني مبارك , حيث تستضيف مصر المؤتمر الوزاري القادم للمنتدى عام 2009.
وقد أكد الإعلان أن الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الصين وإفريقيا تقوم بالأساس على المساواة والثقة المتبادلة سياسيا والتعاون والحصول المشترك على المنافع اقتصاديا والتبادلات والاقتباسات المتبادلة ثقافيا, كما أشار إلى أن الأهداف التنموية بين الصين وإفريقيا مشتركة والمصالح متماثلة، ومستقبل التعاون واسع في ظل الأوضاع الجديدة، وإن تعميق الصداقة التقليدية وتوسيع التعاون المتبادل هو طريق لا بد منه لتحقيق التنمية والرخاء المشتركين بين الصين وإفريقيا في القرن الجديد.
العلاقات الإفريقية-الصينية
ترجع العلاقات بين الصين ودول القارة الإفريقية لأكثر من نصف قرن , وإن اختلفت توجهاتها . فخلال عقد الستينيات , وفي إطار أجواء الحرب الباردة , ساندت الصين العديد من الحركات السياسية ذات التوجه اليساري في إفريقيا في إطار سياستها لنشر 'الماوية'، ثم شهدت العلاقات بين الجانبيين حالة من الفتور امتدت منذ منتصف السبعينيات و حتى نهاية القرن العشرين. و مع نهاية التسعينات، عادت العلاقات الصينية-الإفريقية للانتعاش مرة أخرى , خاصة مع انطلاق منتدى التعاون الصيني-الإفريقي الذي تأسس في عام2000, وشكل آلية فعالة للحوار الجماعي و ملتقى مهما للتعاون بين الصين وإفريقيا. وتحت إطار المنتدى, قامت الصين بإلغاء ديون تصل قيمتها إلى 10.9 مليار يوان (1.38 مليار دولار أمريكي) كانت مستحقة على 31 من البلدان الأقل تقدما المثقلة بالديون في إفريقيا, كما أنها وسعت من نطاق إلغاء التعريفة الجمركية على بعض الواردات إلى الصين. كما منحت الصين 29 دولة إفريقية , من الدول الأقل نموا و التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين, 190 نوعا من المنتجات, ينتظر أن تصل خلال السنوات القادمة إلى 440 نوعا من المنتجات, إعفاء من الرسوم الجمركية.
وتقوم الاستراتيجية الصينية على تقديم المساعدات للدول الإفريقية بدون أي شروط سياسية مسبقة بهدف تسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية الإفريقية، ومواصلة تعزيز الروابط التجارية والاقتصادية معها.
و خلال 6 سنوات من إقامة منتدى التعاون الصيني الإفريقي, عقد مؤتمران وزاريان في كل من بكين و اديس ابابا , كما تبادل زعماء الطرفين اكثر من 180 زيارة، منها 140 زيارة قام بها الزعماء الأفارقة للصين, و تضاعفت التجارة بين الجانبيين الصيني و الإفريقي أربع مرات خلال السنوات الخمس الماضية, لتصل من 10,5 مليار دولار أمريكي عام 2000 إلى اكثر من 39,7 مليار دولار أمريكي عام 2005,لتصبح الصين ثالث اكبر شريك تجارى للقارة الإفريقية بعد كل من الاتحاد الأوربي و الولايات المتحدة, و يسعى الطرفان الصيني و الإفريقي لرفع حجم التجارة بينهما لتصل إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2010 .
وطبقا لإحصائيات عام 2005, وصلت الاستثمارات المباشرة الصينية في إفريقيا إلى 1.18 مليار دولار أمريكي, كما أسست الصين حوالي 810 مؤسسات هناك.
من جهة أخرى، أبدت الصين اهتماما ملحوظا بمصادر الطاقة في القارة الإفريقية, فبدأت مصادر الطاقة الإفريقية والمواد الخام والمنتجات الصناعية في الدخول إلى السوق الصينية، خاصة أن الاقتصاد الصيني, الذي حافظ على معدل للنمو 9 في المائة سنويا على مدى العقدين الماضيين, تتزايد حاجته لمصادر رخيصة للطاقة لكي يحافظ على هذا المعدل للنمو. و طبقا للخبراء بأنه بحلول عام 2045, فان الصين ستعتمد في 45% من استهلاكها للطاقة على مصادر خارجية , و هو ما يبرر سعى الصين لضمان مصادر رخيصة للطاقة من الدول الإفريقية , خاصة السودان , ونيجيريا , والجابون, وتشاد.
وبجانب تنمية اوجه التعاون في مجالي التجارة والاقتصاد، فقد شهدت العلاقات الثقافية بين الجانبين أيضا نشاطا ملحوظا , فقد وقعت الصين، حتى نهاية عام 2005, 65 اتفاقا ثقافيا مع الدول الإفريقية وقامت بتنفيذ 151 خطة للتبادلات الثقافية.
على المستوى السياسي , فان الصين - باعتبارها اكبر دولة نامية تشترك مع إفريقيا كقارة - تحتوى على اكبر عدد من الدول النامية في العالم, في العديد من الآراء بشأن القضايا الدولية المهمة. و تتبع الصين في علاقتها مع الدول الإفريقية مبدأ 'عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول', و تقدم نفسها دائما باعتبارها بلدا ناميا , لتضمن التقرب للدول و الشعوب الإفريقية ، و هو الأمر الذي شجع العديد من الدول الإفريقية على التعاون مع الصين, حيث يمكن لدول القارة الإفريقية إقامة اتفاقيات تعاون اقتصادي مع الصين غير مرتبط بمشروطية سياسية كما هو الحال مع الولايات المتحدة و الاتحاد الأوربي و المنظمات الاقتصادية الدولية (البنك الدولي و صندوق النقد الدولي) .
و يمكن إيجاز موقف الصين من قضايا الديمقراطية و الحكم الصالح في إفريقيا بما صرح به ون جيا باو رئيس مجلس الدولة الصيني خلال زيارته لبعض الدول الإفريقية, الصيف الماضي, حيث أعلن أن' الصين تشجع الدول الإفريقية على الديمقراطية , وسيادة القانون, والعدالة الاجتماعية والمساواة' ثم أضاف أن الصين ' تثق تماما في أن الدول الإفريقية تستطيع أن تحل قضاياها الداخلية بنفسها' .
ومن جانبها، فقد قدمت العديد من الدول الإفريقية دعما قويا في إحباط الاقتراحات المعادية للصين من جانب بعض البلدان الغربية في مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وساعدت الصين على إجهاض المحاولات الكثيرة من جانب تايوان 'للمشاركة في الأمم المتحدة' وللدخول في منظمة الصحة العالمية وهيئات دولية أخرى.
وأصدرت الحكومة الصينية في يناير 2006 برنامج سياساتها الإفريقية, تحت عنوان ' وثيقة سياسات الصين إزاء إفريقيا' , و التي جاء في مقدمتها أنها تهدف إلى إعلان أهداف سياسات الصين تجاه إفريقيا وإجراءات تحقيقها، وتخطيط التعاون المستقبلي في مختلف المجالات بين الجانبين من أجل دفع العلاقات الصينية-الإفريقية إلى تطور مستقر طويل الأجل وتعاون المنافع المتبادلة إلى مستوى جديد باستمرار. و قد تناولت الوثيقة المكانة المهمة التي تحتلها القارة الإفريقية و الروابط التاريخية التي تربطها بالصين، بالإضافة إلى سبل تعزيز التعاون الصيني الإفريقي في المجالات السياسية و الاقتصادية و الثقافية بالإضافة إلى قضايا السلام و الأمن .
انتقادات محلية و دولية
على جانب آخر , تواجه السياسات الصينية تجاه إفريقيا بالعديد من الانتقادات الدولية و المحلية .
على المستوى المحلي، وجهت بعض الانتقادات إلى الطريقة التي تتعامل بها الشركات الصينية مع العمال الأفارقة , خاصة بعد المظاهرات التي شهدتها زامبيا في يوليو 2006 و ترددت خلالها مزاعم بإساءة معاملة العاملين في منجم تديره شركة صينية. كما توجه انتقادات للشركات الصينية العاملة في إفريقيا بأنها تؤثر سلبا على الصناعات الوطنية و أنها لا توفر فرص عمل للعمالة الوطنية.
وعلى المستوى الدولي, وجهت انتقادات غربية إلى الصين لتعاملها مع أنظمة قمعية في إفريقيا، وسعيها لزيادة نفوذها السياسي في تلك القارة , على حساب قيم الحرية الديمقراطية , و رأت بعض الدوائر الغربية أن الأسلوب الصيني في تقديم القروض و المساعدات , دون أي مشروطية سياسية، يعد دعما اقتصاديا لبعض الأنظمة السلطوية في إفريقيا, و حافزا لها على الاستمرار في ممارستها كما هو الحال مع نظام الرئيس موجابي في زيمبابوي .

ليست هناك تعليقات: