الأحد، 14 يناير 2007

الشرق أحمـر.. الصين: نظرة عامة (2)

بقلم الكاتب العربي الكبير
محمد حسنين هيكل
صحيفة الإهرام القاهرية 18/2/1973
(من القرص المدمج: بصراحة، إصدار "البيت العربي للتوثيق العصري والنظم")
(الجزء الثاني من ثلاثة أجزاء)

ولقد سألت نفسى كثيراً بعد أن خرجت من الصين:
- "ما هو سر ما حدث فيها، وهو شىء أقرب إلى المعجزة؟".
ولست أسـتعمل هنا كلمة المعجزة جزافاً، لأننى حريص على الكلمة، ضنين بها، وهذا طبيعى، لأن الكلمة بالنسبة للكاتب حياة.
وإنما أستعمل هذه الكلمة لأننى أتذكر حواراً مع نيكيتا خروشوف الزعيم السوفيتى الشهير، جرى بينى وبينه سنه 1964، وكانت الصين فيه موضوعاً رئيسياً، وكان من بين ما قاله لى خروشوف وقتها:
- "سوف ترى، ونرى جميعاً، ما يحدث للصين بعد خلافها مع الاتحاد السوفيتى.
أقول لك بلا تردد، أنهم بدون مساعداتنا سوف يعودون إلى عصر المجاعات.
هل قرأت رواية الكاتبة الأمريكية بيرل باك عن "الأرض الطيبة" ووصف المجاعة فيها...؟
سوف تعود الصين إلى هذا العصر، وسوف يتعلمون درسهم.
لقد ضغطوا علينا، لأنهم أرادوا أن نسلمهم أسرار القنبلة الذرية، ونحن لن نعطيها لهم... إن القنبلة الذرية ليست لعبة... وليست مثل ما يقول "ماوتسى تونج" نمراً من ورق.
هم لا يعرفون شيئاً.. ولن يعرفوا"!
ولكن الصين لديها اليوم قنبلة ذرية، ولديها قنبلة هيدروجينية، وعندما كنت فيها، قال لى سفير أوروبى يتابع ما يجرى داخلها عن قرب وبعمق:
- "هناك معلومات لدينا تقول أنهم جربوا فى الأسبوع الماضى - وبنجاح - صاروخاً عابراً للقارات، مداه أربعة آلاف ميل"!
ولكن القنابل والصواريخ ليست فى رأيى، دليل المعجزة.
ولقد استوقفنى دليل آخر وبالأرقام.
تقول الأرقام:
أن حجم الإنتاج الصينى يعادل حجم الإنتاج اليابانى، وهو من أضخم القوى الإنتاجية.
(ولابد أن نسلم هنا بوجود فارق فى التقدم، لأن حجم الإنتاج الصينى يصنعه سكان يصل تعدادهم إلى 800 مليون بينما حجم الإنتاج اليابانى يصنعه سكان يصل تعدادهم إلى 100 مليون فقط).
لكن هذا ليس هو المهم.
المهم هو الرقم التالى عن استهلاك الصين من الوقود.
وأقصد به البترول قبل أى شىء آخر:
اليابان، لكى تصنع حجم إنتاجها، تستهلك سنوياً 240 مليون طن من البترول.
أما الصين، فإنها تستهلك سنوياً 25 مليون طن من البترول.
والغريب أن هذا الحجم الصينى فى استهلاك البترول (25 مليون طن)، هو نفسه تقريباً حجم الاستهلاك المصرى.
وإذن نخلص بمفارقة بالغة الأهمية، وهى:
"أن الصين تستخدم نفس حجم الطاقة التى تستهلكها مصر لكى تنتج نفس حجم الإنتاج الذى تصنعه اليابان".
وهذه هى الصورة الحية للمعجزة!.
والمعجزة، فى ظنى، ليست منى غيبياً، وإنما المعجزة، أو حتى ما يبدو أمامنا وكأنه معجزة له أسباب لابد أن تكون علمية.
وفى طوافى كله بالصين، فلقد أحسست بأن هناك ثلاثة أسباب محددة تكمن وراء المعجزة:
*** السبب الأول: أن كل إنسان يعمل، ولا يمكن أن يكون هناك شىء آخر وراء إنتاج بحجم إنتاج اليابان بوقود يماثل حجم استهلاك مصر، إلا العمل الإنسانى، والعمل الإنسانى وحده.
*** السبب الثانى: أنه ليس هناك ما كان يسميه الدكتور محمود فوزى، عندما كان رئيساً للوزراء "فاقد أو عادم أو ضائع" فى أى شىء.
وأتذكر أن "وولين شى" المسئول عن تحرير جريدة "الشعب" وهى كبرى الصحف الصينية، دعانى إلى عشاء ذات ليلة فى مطعم "بط بكين" الشهير.
كان العشاء سبعة أطباق من بطة واحدة!:
خمس قطع مختارة باردة من البطة فى أول طبق.
كبد البطة مقلياً فى طبق ثان.
أضلاع البطة بالصلصة فى طبق ثالث.
قلب البطة فى قطع صغيرة محمرة فى طبق رابع.
لسان البطة وأمعاؤها والبنكرياس، مطبوخة مع الخضر فى طبق خامس.
جسم البطة نفسه أخيراً، وهو الطبق الرئيسى، مشوياً فى طبق سادس.
عظام البطة مسلوقة، فى طبق حساء فى النهاية، وهو الطبق السابع.
وأتذكر أننى قلت لـ " وولين شى ":
- لم يبق من البطة غير ريشها، وأرجو أن لا نأكله؟".
وقال " وولين شى " بجد:
- "لا.... إن المطعم يبيع ريش البط لأغراض صناعية!".
*** السبب الثالث: هو التنظيم الدقيق، وهو شىء محسوس إلى "أطراف الأصابع" فى كل بقعة على أرض الصين.
ونقطة التنظيم تستحق مناقشة أطول.
"ما هو سر هذا الدور الذى يلعبه التنظيم الدقيق فى حياة الصين اليوم، وفى دورها حالياً ومستقبلاً؟".
ولقد سئلت هذا السؤال كثيراً وبإلحاح، ومنذ أن خرجت من الصين وحتى هذه اللحظة.
وكان آخر من وجه إلى هذا السؤال هو الرئيس معمر القذافى، وكان معنا فى الأسبوع الماضى لعدة ساعات يسمع "مشاهدات وملاحظات عائدين من آسيا".
وكنت دائماً ألخص رأيى فى النقط التالية:
(يتبع)

ليست هناك تعليقات: