الثلاثاء، 2 يناير 2007

آسيا بين قوتين متنافستين وفشلين مزمنين

صحيفة الأهرام المصرية
كتب : محمد إبراهيم الدسوقي
‏بينما كان العالم منشغلا بمتابعة مآسي وانفجارات الشرق الأوسط المتلاحقة في‏2006,‏ وما أكثرها‏,‏ كانت آسيا‏,‏ خاصة في جانبها الشرقي‏,‏ تموج بسلسلة من التفاعلات الدالة علي ان المنافسين للولايات المتحدة علي زعامة عالمنا قد زاد عددهم وأصبحوا يمثلون خطرا داهما للهيمنة الأمريكية‏.‏ أيضا دلت علي فشل مروع للسياسات الأمريكية قاطبة‏,‏ وتحديدا المتصل منها بالحد من الانتشار النووي‏,‏ وشكلت التجربة النووية لكوريا الشمالية‏,‏ والتدهور الأمني المريع في أفغانستان وظهور شبح حركة طالبان للسطح مجددا التجسيد الحي لهذا الفشل‏.‏
فعلي الجانب الياباني طوت اليابان صفحة رئيس الوزراء صاحب الكاريزما جونيتشيرو كويزومي الذي ضرب رقما قياسيا ببقائه في السلطة لمدة خمسة أعوام وخمسة أشهر‏,‏ لتبدأ حقبة شينزو آبي المصنف في خانة الصقور ويريد حيزا أكبر لبلاده علي الساحة الدولية‏.‏
فآبي يجسد أمل اليمين الياباني في وجود شخص بهذا المنصب الرفيع ينفذ أكثر أحلامه جموحا بعودة اليابان لموقعها ومكانتها الطبيعية المستحقة كبلد كبير يحق له نيل معاملة لائقة تناسب وضعه السياسي والاقتصادي والدولي‏,‏ ولا تطارده في كل لحظة ما بدر منه من أخطاء ماضية مطلوب منه التكفير عنها بدون توقف طوال الوقت‏.‏
والتشدد في المواقف خاصية ظاهرة في شخصية آبي‏,‏ وتتكشف من تصريحاته القوية ضد كوريا الشمالية‏,‏ وبلغت مستوي التهديد بشن هجوم استباقي عليها في حال شعورها بخطر من ناحيتها‏.‏ ويري أبي انه يكفي اليابان هذا القدر من الانزواء والخجل من التعبير عن مكامن قوتها العسكرية والسياسية‏,‏ ولا يشغله كثيرا هواجس الدول المجاورة‏,‏ التي اعتبرت أن انتخابه يعني انجراف اليابان نحو أحضان اليمين المتشدد‏,‏ وان المرحلة المقبلة ستكون عصيبة علي علاقات طوكيو مع جيرانها غير المحتاجة لمزيد من سكب الزيت علي نيرانها المستعرة‏,‏ بسبب زيارة كبار المسئولين اليابانيين لضريح ياسكوني‏,‏ المخصص للصلاة علي أرواح الجنود اليابانيين الذين قتلوا في حروب اليابان‏.‏
آبي بما يطرحه من افكار طليعية تقدمية يريد إعمال معول الهدم في أثنتين من أهم الركائز التي خلفتها قوات الاحتلال الأمريكية وقبلتها اليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية كأمر مسلم به وهما‏,‏ الدستور السلمي‏,‏ الذي صاغه الأمريكيون‏,‏ ونظام التعليم‏.‏
ويعتقد آبي‏,‏ انه آن أوان ان يكتب اليابانيون دستورهم بيدهم لإزالة ما تضمنه من موانع ومحاذير مسموح لبقية دول العالم التمتع بمزاياها بدون ان ينزعج الجيران أو يحسوا بالخوف‏.‏
وفي عهد آبي حطمت اليابان دفعة واحدة ركنين أساسيين من نهجها السلمي المتبع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهما‏,‏ موافقة البرلمان علي تحويل وكالة الدفاع لوزارة‏,‏ بعد ان حرمت البلاد منذ عام‏1945‏ من انشاء وزارة للدفاع‏,‏ واقراره مشروع قانون ببث روح القومية والوطنية في نفوس طلاب المدارس عبر ما يدرس لهم من مناهج تعليمية‏.‏
ولم تكن اليابان وحدها غير الشاعرة بالخجل من الافتخار بقوتها‏,‏ حيث شاركتها الجارة الصاعدة الصين‏.‏
فالصين بلغت حدا من الثقة في النفس أنها لم تعد تخجل من الافتخار والتباهي بطريقتها بجهدها الذي أوصلها لتبوؤ مقعدها المريح في نادي الكبار‏,‏ بعد أن كانت تفضل دوما تصنيفها ضمن الدول النامية الكادحة الساعية لاعطاء زخم لحركة التنمية الاقتصادية‏.‏ التنين الصيني بات مقتنعا أن آوانه قد حان مستندا إلي حضارة عريقة عمرها‏5‏ آلاف سنة‏,‏ وحاضر مزدهر تدعمه قوة اقتصادية ـ معدل النمو الاقتصادي بلغ نحو‏9.5%‏ ـ وعسكرية صاعدة لآفاق تزداد رحابة واتساعا يوما بعد يوم‏.‏ قوة تريد أن تأخذ مكانة متقدمة ومتميزة يعتبرها ساسة بكين حقا مشروعا للصين‏,‏ حتي ولو لم يكن ذلك يشعر كثيرين بالارتياح‏.‏
رجع الصدي في واشنطن للهجة الثقة الصينية اتسم بدرجة عالية من التخوف والذعر‏,‏
فتصرفات وتحركات القيادة الصينية رسخت اعتقادا لدي اركان إدارة الرئيس جورج بوش أن الصين عازمة علي منازعتها الزعامة والشاهد كان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي التي أعلنها البيت الأبيض منتصف مارس الماضي‏,‏ ففي الوثيقة المكونة من‏49‏ صفحة ورد اسم الصين في‏28‏ موضعا تترجم القلق الأمريكي من التنين الصيني‏.‏
وفي رأي المفكر الأمريكي ناعومي تشومسكي فان الصين من الأرقام الصعبة في الحسابات الأمريكية‏,‏ فهي ليست سهلة الانقياد والرضوخ لضغوط واشنطن كما في الحالة الأوروبية‏,‏ ويري ان هذا الجانب يعمق خوف المسئولين الأمريكيين من بكين ويجعلهم يستهدفونها بحرب كلامية لا تتوقف‏.‏
فامريكا لا تملك فعل اي شيء وهي تتابع تحول الثقل الاقتصادي منها ومن أوروبا باتجاه آسيا‏,‏ فاقتصاديات الصين واليابان والهند وتايوان وكوريا الجنوبية وتايلاند واندونيسيا وسنغافورة في صعود علي حساب بريطانيا وايطاليا وكندا والمانيا وفرنسا واسبانيا‏.‏ ولن يعجز الباحث في تقارير ودراسات المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية عن معرفة ان الاقتصاد الصيني ينمو بمعدل يزيد علي‏9%‏ سنويا والهندي‏8%,‏ في حين تتراوح المعدلات في بقية الدول ما بين‏6‏ و‏7%.‏
نخلص الي ان امريكا تواجه صعود منافسين صعبين لها‏,‏ وبما ان المتاعب تأتي جملة‏,‏ فانها تقف امام فشلين في كوريا الشمالية وأفغانستان‏.‏
فقد جنت الولايات المتحدة حصاد سياساتها غير الموفقة بخروج الأزمة النووية الكورية عن طوق السيطرة‏,‏ عقب اجراء كوريا الشمالية اولي تجاربها النووية بنجاح في التاسع من اكتوبر الماضي‏,‏ مع انه كان مقابلها العديد من الفرص السانحة في الأعوام المنصرمة لترضية بيونج يانج وتجميد برنامجها النووي‏.‏
التجربة أوجدت واقعا جديدا في شمال شرق آسيا‏,‏ خريطة الواقع الجديد تحدد ان القوي الإقليمية في المنطقة أصبح عليها رغما عنها التعايش مع حقيقة أن الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية بات قوة نووية ستمثل تهديدا لأمنها واستقرارها عند أول منعطف‏.‏
الآن الأولويات اختلفت لدول الجوار‏,‏ ولم يعد محور الارتكاز لها الخلافات التاريخية العاصفة مع اليابان‏,‏ وما اقترفته يد جنود الجيش الإمبراطوري من مآس وجرائم‏,‏ بل قنبلة بيونج يانج النووية‏,‏ وما سيلحق بها من تلال من المشاكل‏.‏
أيضا فان جزءا من الواقع الجديد‏,‏ أن التجربة أطلقت العنان لماراثون التسليح النووي في شرق القارة الآسيوية‏,‏ والتسابق سيكون محموما في الغالب بين قطبين هما‏,‏ اليابان وكوريا الجنوبية اللذان يرغبان في وضع سلاح ردع تحت يدهما في وجه الخطر النووي الكوري الشمالي‏.‏
والولايات المتحدة مسئولة عن عدم التوصل لحل للأزمة النووية الكورية بسبب فشل سياساتها وتخبطها والتفافها حول ما يمكن أن يسفر عن تقارب وجهات النظر‏,‏ خاصة في جولات المحادثات السداسية‏.‏
اذا ابتعدنا عن شرق آسيا ناحية جنوب القارة‏,‏ فان الصورة في أفغانستان عبارة عن نسخة كربونية من المشهد العراقي‏,‏ فدوامة العنف تلف البلاد‏,‏ وحركة طالبان أصبحت شوكة في جنب قوات حلف شمال الأطلنطي الناتو والقوات الأمريكية‏,‏ وكل يوم يمر يشهد قتلي في صفوف هذه القوات‏,‏ وتتضاعف وطأة الأزمة بما يتكشف من قصف متعمد لأماكن تجمع المدنيين‏.‏ وبلغ الاحتقان الذروة لدرجة دفعت الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لمطالبة القوات المتعددة الجنسيات بتوخي الدقة عن القيام بغارات جوية والتحقيق فيما سبق من انتهاكات‏.‏
وحينما تبحث عما أنجز في السنوات الخمس المنصرمة في أفغانستان‏,‏ لا تدهش إذا عرفت أنها كانت في أضيق الحدود‏,‏ فحال البلد لم يتطور عما كان عليه في حقبة طالبان‏,‏ ولايزال علي تخلفه الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي‏.‏ ولايزال الأفغان لا يجدون ما يحصلون منه علي قوت يومهم سوي زراعة الأفيون والاتجار في المخدرات‏,‏ احد الأسباب المبررة لغزوه‏.‏ ويصعب علي المتابع للشأن الأفغاني العثور علي ملمح محدد لسياسة أمريكا هناك‏.‏

ليست هناك تعليقات: