حوار مع د. أنور عبد الملك
مجلة "السياسة الدولية" المصرية
العدد يناير/ كانون الثاني 2007
السياسة الدولية : كيف تفسرون الصعود الآسيوى المتزايد ؟
- لا يختلف المحللون على أن هناك طفرة تنموية وصعودا هائلا فى منطقة شرق آسيا، الممتدة من اليابان إلى إندونيسيا - تلحق بها أيضا عملية التحديث والتنمية فى الهند - وأن الصين تقع فى قلب هذه الطفرة وهذا الصعود. فالقارة الآسيوية، حيث يعيش ثلثا سكان المعمورة، قد أصبحت الدائرة المركزية لصياغة مستقبل الاقتصاد العالمى، ولكننا يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من السطح لنفهم الدلالات الحقيقية لهذا التطور.
فقد جاءت هذه الطفرة فى إطار رؤية حضارية متكاملة، ارتكزت على القيم الثقافية العريقة من أجل بناء القوة الوطنية. ففى الصين، ارتكزت جهود التنمية إلى مباديء صاغها القائد الصينى ماوتسى تونج، استنادا إلى الثقافة الكونفوشية والتاوية. لقد جاء الانفتاح الصينى على العالم فى إطار مبدأ عام مفاده 'ليخدم كل ما هو عالمى كل ما هو صيني'، ولذلك فقد تعاملت الصين مع كل من يستطيع مساعدتها فى تطوير قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، دون النظر إلى أى اختلافات سياسية أو عقائدية. فعلى سبيل المثال، أرسلت الصين أعدادا كبيرة من الطلبة إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة والتكنولوجيا، عاد منهم إلى الوطن أكثر من 85%، حيث أïعطوا امتيازات اجتماعية واقتصادية، ووïفرت لهم كل الإمكانات، حتى أرسوا قواعد الانطلاق الصناعى والتكنولوجي. وطبقت الصين منذ ثمانينيات القرن الماضى سياسة الانفتاح الاقتصادى، وفتحت الباب للاستثمارات من كل مكان، غربا وشرقا. حتى تايوان، والتى لا تعترف بها الصين ككيان سياسى مستقل، فتحت لها الباب، بل وأعطت مستثمريها تسهيلات خاصة، حتى أصبحت تايوان حاليا من أكبر المستثمرين داخل الصين. ورغم اختلافاتها السياسية مع استراليا، فقد تعاملت معها الصين بشكل ذكى، وامتنعت عن مهاجمتها، حتى تستطيع تأمين احتياجاتها من اليورانيوم، حيث تشترى ما يقرب من 85% من الإنتاج الاسترالي. ويأتى هذا الانفتاح على أساس قاعدة اجتماعية داخلية متماسكة، تستمد تماسكها من التاريخ الحضارى والسياسى الممتد عبر القرون.
إن المفاهيم المستمدة من الثقافة الكونفوشية والتاوية، والتى صاغها ماوتسى تونج فى مباديء تشكل المحاور الرئيسية فى الدستور الصينى، مازالت منبع الفكرة الوطنية فى الصين، وتشكل الدعامة الأساسية فى بناء قوتها الوطنية. وفى مقدمة هذه المفاهيم، إعلاء قيمة الجماعة على قيمة الفرد، وهو اختلاف أساسى بين الحضارات الشرقية والحضارة الغربية، وهو الذى أعطى جهود التنمية فى الصين قاعدة اجتماعية متماسكة، وقدرة هائلة على التعبئة والحشد والثبات أمام المصاعب والكوارث.
والجدير بالذكر أن هذا البعد الثقافى لعب دورا مماثلا فى البلاد ذات التاريخ الحضارى الطويل فى شرق آسيا، ومنها اليابان. فاليابان استطاعت الاحتفاظ بتماسكها الثقافى والمجتمعى، وإحساسها بالانتماء الوطنى، رغم الهزيمة العسكرية والاحتلال الأمريكي. بل لقد وظفت الوجود الأمريكى لإعادة بناء قوتها الوطنية، بدءا بالقوة الاقتصادية. والآن، هى فى سبيلها إلى ممارسة جميع أبعاد الدور الذى تستحقه كقوة على المستوى العالمى، بما فى ذلك حقها فى امتلاك قوة عسكرية، كما تتجه تدريجيا إلى الاستقلال عن تبعيتها السياسية للولايات المتحدة.
وتتبدى أهمية الدور الذي تلعبه هذه القيم الثقافية المجتمعية فى التعامل مع المشكلات التى خلفتها عملية التنمية 'الصاروخية' فى الصين. فالقيادة المركزية الصينية الحالية تعتنق الفكر الماوى بالأساس، فيما يطلق عليه الماويون الجدد. ولذلك، فهى تعطى أولوية لقيمة الحفاظ على التوازن الداخلى للمجتمع، عن التى أعطتها القيادة السابقة. لقد أوجدت عملية التنمية فروقا هائلة بين المناطق الصناعية على الساحل الشرقى والمناطق الداخلية والغربية، كما أوجدت آثارا شديدة السلبية على البيئة. وبينما كانت القيادة السابقة ترى أن دفع عملية التنمية له الأولوية، وأن التعامل مع الأفكار السلبية يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة، فإن القيادة الحالية تعمل بجدية على 'فرملة' هذه الانطلاقة، فى سبيل تنمية وتطوير المناطق الداخلية، وإصلاح الخلل الناتج عن الفروق الكبيرة فى الدخول ومستوى المعيشة.
السياسة الدولية: ما هو تقييمكم للدور الذى تلعبه الصين على الساحة الدولية؟ وكيف تدير بكين علاقاتها مع الدول الأخري؟
- إن نمو القوة الوطنية لدول شرق آسيا - وفى قلبها الصين - له مغزى عميق من المنظور الحضارى، فهو يعنى أن مركز الثقل الحضارى والمبادرة التاريخية فى القرن الحالى قد انتقل من الغرب إلى دائرة الحضارة الشرقية، حيث تنشأ اليوم رؤية جديدة لعالم متعدد الأقطاب والمراكز، متشابك العلاقات والمنافع. وكما لعبت القيم الحضارية - الثقافية دورا فى بناء القوى الوطنية، فهى تؤثر أيضا على هذا النظام العالمى الذى يتشكل. فالمنهج الذى يحرك الفكر الصينى فى كل الاتجاهات هو أن 'التناقض هو جوهر الوجود'، حسب رسالة ماوتسى تونج الشهيرة. إن هذا المبدأ لا يعتمد ضرورة تفجير المتناقضات من أجل توليد تركيبة أو صيغة جديدة، فالمتناقضات، - من وجهة النظر هذه - لا تنتهى، إنما صيغ الصراع هى التى تتغير. ولذلك، فإن الصين لا تجد غضاضة فى التعامل مع عدد كبير من أنماط التناقض الدولية، دون الإحساس بضرورة تغييب أى من القوى الفاعلة. ورغم أن الرؤية الصينية تحدد التناقض الرئيسى فى عصرنا بالصراع بين تحكم وهيمنة القطب الواحد بالعنف، ونشأة نظام عالمى متعدد الأقطاب والمراكز، فإن الصين تقبل بوجود واستمرار الولايات المتحدة كقطب دولى، وتحتفظ بعلاقات تجارية قوية معها، بل وتسعى للاستفادة من التقدم الأمريكى فى شتى المجالات.
ولكن فى الوقت الذى لا تسعى فيه الصين 'لكسر' أو استفزاز هذا القطب الدولى، فإنها تعمل بأسلوب هاديء على احتواء نفوذه وتقليل فرصه فى الإضرار بمصالحها. فعلى سبيل المثال، أقامت الصين علاقات قوية مع كوريا الجنوبية، حليف الولايات المتحدة القوى فى آسيا، بالإضافة إلى علاقاتها القوية مع كوريا الشمالية. ولذلك، فمن المتوقع عند إعادة توحيد الكوريتين - وهو ما سيحدث حتما - أن تكون الصين الحليفة الرئيسية لهذه الدولة، التى ستصبح 'يابان' جديدة. وتعتمد الصين - فى تعاملها كقطب دولى - على التأثير المعنوى، لا التلويح بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، وهى تسعى إلى تقوية علاقاتها مع كل المراكز الآسيوية، روسيا واليابان والهند، متجاوزة فى ذلك الخلافات الحدودية والحروب التاريخية. وعلى سبيل المثال، ورغم المشاعر العدائية التى خلفها الاحتلال اليابانى للصين، والتى مازالت مستعرة حتى اليوم، فإن الصين تسعى لتقوية العلاقات مع اليابان، وترى أن تشابك المصالح الاقتصادية يوجد عالما جديدا، لن تصعد فيه الخلافات الآسيوية إلى مستوى النزاعات المسلحة مرة أخري.
وكما تسعى الصين إلى احتواء النفوذ الأمريكى فى آسيا، فقد مدت علاقاتها إلى 'الحديقة الخلفية' للولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية، بإقامة علاقات قوية مع كوبا، التى تمدها بالسلاح، ومع فنزويلا من أجل الحصول على النفط. وهى فى تعاملاتها كقطب دولى، تعتمد أسلوبا مختلفا عن الولايات المتحدة. ويتبدى ذلك - بشكل خاص - فى الوجود الصينى القوى فى إفريقيا. ففى مقابل فتح السوق الإفريقية الهائلة أمام المنتجات الصينية، وتأمين الحصول على النفط، فإن الصين تسهم جديا فى تطوير القارة عن طريق بناء شبكات واسعة من البنية التحتية والمستشفيات. ولذلك، فالوجود الصينى فى إفريقيا مقترن بالبناء، وليس بالاحتلال أو السيطرة، وهى لا تسعى لفرض قيم معينة أو للتدخل فى الشئون الداخلية للدول الإفريقية.
ويأتى السؤال: ما موقعنا نحن فى هذا النظام العالمى الجديد الذى يتشكل؟ إن مصر ومنطقة الشرق الأوسط لها صلات تاريخية وحضارية مع شرق آسيا. فبالتعريف الحضارى، فإن 'الشرق' هو الدائرة الواسعة التى تضم ثلاث حضارات إنسانية ظلت محتفظة باستمراريتها فى إطار مجتمعى وسياسى قومى حتى يومنا هذا : الحضارة الصينية، والحضارة الفارسية ثم الفارسية - الإسلامية، والحضارة المصرية. وجغرافيا، فإن هذه الدائرة تمتد من الصين واليابان فى شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهناك قيم حضارية مشتركة بين الحضارة الإسلامية، التى تنتمى إليها الآن كل من مصر وإيران، وبين الحضارة الصينية، خاصة فيما يتعلق بإعلاء قيمة المجتمع على الفرد. كما أن هناك تقديرا عميقا فى الصين لهذه الحضارات العريقة، خاصة الحضارة المصرية، التى يعترف الصينيون بأنها أقدم من حضارتهم.
ولا تنظر الصين إلى الإسلام فى إطار 'صراع الحضارات'، كما يفعل الغرب، وهى تحترم تقاليد وعقائد الأقلية المسلمة التى تعيش فيها، ومشكلتها هى بالأساس مع النزعات الانفصالية من جماعات مسلمة فى هذه الأقاليم الحدودية الحساسة مع روسيا. إن الاتحادات والتكتلات الآسيوية، خاصة منظمة شنغهاى للتعاون، سوف يكون لها دور بارز على الساحة الدولية فى الفترة القادمة، وهى تمد نفوذها وعلاقاتها لتشمل دولا مثل إيران وباكستان وماليزيا. وعلى الدول العربية كلها أن تهتم بتقوية الصلات مع هذه القوة الصاعدة، سواء على مستوى الدول أو مستوى التنظيمات الإقليمية.
السياسة الدولية: كيف ترون العلاقة بين الشرق الأوسط والشرق الآسيوي؟ وما هى فرص الالتقاء بين الطرفين؟ وهل هناك فى التجربة التنموية الآسيوية ما يمكن أن نستفيد منه؟
- إن التجربة التنموية فى شرق آسيا تعطينا دروسا مهمة عن كيفية توظيف الأبعاد الحضارية والثقافية فى تنمية القوة الوطنية، وفى التحرك على المستوى العالمي. ولكى ننجح فى الاستفادة منها، يجب أن نعى بوضوح دورنا ومكانتنا وتاريخنا الحضاري. فمصر تقع فى قلب الدائرة التى ظهرت فيها الديانات التوحيدية الثلاث، وقد سبقتها فى تبنى الإيمان بالحياة البعدية. كما أنها أعطت أبلغ المثل عن الاستخدام الحضارى للقوة فى المعاهدة التى أبرمها الملك رمسيس بعد معركة 'قادش'، والتى أرست مبدأ احترام العدو المهزوم، وعدم أحقية المنتصر فى ممارسة القتل أو الهدم أو الاعتداء على النساء (قارن ذلك بما حدث فى العراق من القوات الأمريكية).
وعلينا أن نفهم أيضا عمق علاقاتنا الحضارية التاريخية مع إيران، وأهميتها كمركز ثقل إقليمي. فمصر وإيران تجمعهما دائرة الحضارة الإسلامية، ويجمعهما تاريخ مشترك فى السعى من أجل التحرر الوطني. ويجب ألا نغفل مغزى إعلان رئيس الوزراء الإيرانى مصدق تأميم شركة البترول البريطانية - الإيرانية من القاهرة فى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. وفى رأيى، فإن النظام الحالى فى إيران يمثل امتدادا لهذه الثورة الوطنية التى بدأها مصدق، لكن بزعامة دينية. وبناء إيران لقوتها الوطنية لا يشكل تهديدا لنا، كما أن الخلاف المذهبى لا يشكل عائقا أمام التعاون معها. فكما أن آسيا تتسع للعديد من مراكز القوة، الصين واليابان ومستقبلا كوريا وفيتنام، فليس هناك من تهديد من وجود عدة مراكز قوة فى الشرق الأوسط، مثل مصر، وإيران، وأيضا تركيا، لأنها تشترك فى إطار دائرة حضارية واحدة.
إن بناء القوة الوطنية المصرية لا ينفصل عن إدراك الأبعاد التاريخية والحضارية لدورها إقليميا وعربيا، ولا عن تقبل فكرة أن التقارب مع الشرق لا يعنى التضحية بالصلات مع الغرب. وعلينا أن نسعى لإيجاد الوعى بين النخب السياسية والثقافية بمعالم هذا النظام العالمى الجديد، وكيفية التعامل، من خلاله، لتحقيق المصالح الوطنية.
العدد يناير/ كانون الثاني 2007
السياسة الدولية : كيف تفسرون الصعود الآسيوى المتزايد ؟
- لا يختلف المحللون على أن هناك طفرة تنموية وصعودا هائلا فى منطقة شرق آسيا، الممتدة من اليابان إلى إندونيسيا - تلحق بها أيضا عملية التحديث والتنمية فى الهند - وأن الصين تقع فى قلب هذه الطفرة وهذا الصعود. فالقارة الآسيوية، حيث يعيش ثلثا سكان المعمورة، قد أصبحت الدائرة المركزية لصياغة مستقبل الاقتصاد العالمى، ولكننا يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من السطح لنفهم الدلالات الحقيقية لهذا التطور.
فقد جاءت هذه الطفرة فى إطار رؤية حضارية متكاملة، ارتكزت على القيم الثقافية العريقة من أجل بناء القوة الوطنية. ففى الصين، ارتكزت جهود التنمية إلى مباديء صاغها القائد الصينى ماوتسى تونج، استنادا إلى الثقافة الكونفوشية والتاوية. لقد جاء الانفتاح الصينى على العالم فى إطار مبدأ عام مفاده 'ليخدم كل ما هو عالمى كل ما هو صيني'، ولذلك فقد تعاملت الصين مع كل من يستطيع مساعدتها فى تطوير قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، دون النظر إلى أى اختلافات سياسية أو عقائدية. فعلى سبيل المثال، أرسلت الصين أعدادا كبيرة من الطلبة إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة والتكنولوجيا، عاد منهم إلى الوطن أكثر من 85%، حيث أïعطوا امتيازات اجتماعية واقتصادية، ووïفرت لهم كل الإمكانات، حتى أرسوا قواعد الانطلاق الصناعى والتكنولوجي. وطبقت الصين منذ ثمانينيات القرن الماضى سياسة الانفتاح الاقتصادى، وفتحت الباب للاستثمارات من كل مكان، غربا وشرقا. حتى تايوان، والتى لا تعترف بها الصين ككيان سياسى مستقل، فتحت لها الباب، بل وأعطت مستثمريها تسهيلات خاصة، حتى أصبحت تايوان حاليا من أكبر المستثمرين داخل الصين. ورغم اختلافاتها السياسية مع استراليا، فقد تعاملت معها الصين بشكل ذكى، وامتنعت عن مهاجمتها، حتى تستطيع تأمين احتياجاتها من اليورانيوم، حيث تشترى ما يقرب من 85% من الإنتاج الاسترالي. ويأتى هذا الانفتاح على أساس قاعدة اجتماعية داخلية متماسكة، تستمد تماسكها من التاريخ الحضارى والسياسى الممتد عبر القرون.
إن المفاهيم المستمدة من الثقافة الكونفوشية والتاوية، والتى صاغها ماوتسى تونج فى مباديء تشكل المحاور الرئيسية فى الدستور الصينى، مازالت منبع الفكرة الوطنية فى الصين، وتشكل الدعامة الأساسية فى بناء قوتها الوطنية. وفى مقدمة هذه المفاهيم، إعلاء قيمة الجماعة على قيمة الفرد، وهو اختلاف أساسى بين الحضارات الشرقية والحضارة الغربية، وهو الذى أعطى جهود التنمية فى الصين قاعدة اجتماعية متماسكة، وقدرة هائلة على التعبئة والحشد والثبات أمام المصاعب والكوارث.
والجدير بالذكر أن هذا البعد الثقافى لعب دورا مماثلا فى البلاد ذات التاريخ الحضارى الطويل فى شرق آسيا، ومنها اليابان. فاليابان استطاعت الاحتفاظ بتماسكها الثقافى والمجتمعى، وإحساسها بالانتماء الوطنى، رغم الهزيمة العسكرية والاحتلال الأمريكي. بل لقد وظفت الوجود الأمريكى لإعادة بناء قوتها الوطنية، بدءا بالقوة الاقتصادية. والآن، هى فى سبيلها إلى ممارسة جميع أبعاد الدور الذى تستحقه كقوة على المستوى العالمى، بما فى ذلك حقها فى امتلاك قوة عسكرية، كما تتجه تدريجيا إلى الاستقلال عن تبعيتها السياسية للولايات المتحدة.
وتتبدى أهمية الدور الذي تلعبه هذه القيم الثقافية المجتمعية فى التعامل مع المشكلات التى خلفتها عملية التنمية 'الصاروخية' فى الصين. فالقيادة المركزية الصينية الحالية تعتنق الفكر الماوى بالأساس، فيما يطلق عليه الماويون الجدد. ولذلك، فهى تعطى أولوية لقيمة الحفاظ على التوازن الداخلى للمجتمع، عن التى أعطتها القيادة السابقة. لقد أوجدت عملية التنمية فروقا هائلة بين المناطق الصناعية على الساحل الشرقى والمناطق الداخلية والغربية، كما أوجدت آثارا شديدة السلبية على البيئة. وبينما كانت القيادة السابقة ترى أن دفع عملية التنمية له الأولوية، وأن التعامل مع الأفكار السلبية يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة، فإن القيادة الحالية تعمل بجدية على 'فرملة' هذه الانطلاقة، فى سبيل تنمية وتطوير المناطق الداخلية، وإصلاح الخلل الناتج عن الفروق الكبيرة فى الدخول ومستوى المعيشة.
السياسة الدولية: ما هو تقييمكم للدور الذى تلعبه الصين على الساحة الدولية؟ وكيف تدير بكين علاقاتها مع الدول الأخري؟
- إن نمو القوة الوطنية لدول شرق آسيا - وفى قلبها الصين - له مغزى عميق من المنظور الحضارى، فهو يعنى أن مركز الثقل الحضارى والمبادرة التاريخية فى القرن الحالى قد انتقل من الغرب إلى دائرة الحضارة الشرقية، حيث تنشأ اليوم رؤية جديدة لعالم متعدد الأقطاب والمراكز، متشابك العلاقات والمنافع. وكما لعبت القيم الحضارية - الثقافية دورا فى بناء القوى الوطنية، فهى تؤثر أيضا على هذا النظام العالمى الذى يتشكل. فالمنهج الذى يحرك الفكر الصينى فى كل الاتجاهات هو أن 'التناقض هو جوهر الوجود'، حسب رسالة ماوتسى تونج الشهيرة. إن هذا المبدأ لا يعتمد ضرورة تفجير المتناقضات من أجل توليد تركيبة أو صيغة جديدة، فالمتناقضات، - من وجهة النظر هذه - لا تنتهى، إنما صيغ الصراع هى التى تتغير. ولذلك، فإن الصين لا تجد غضاضة فى التعامل مع عدد كبير من أنماط التناقض الدولية، دون الإحساس بضرورة تغييب أى من القوى الفاعلة. ورغم أن الرؤية الصينية تحدد التناقض الرئيسى فى عصرنا بالصراع بين تحكم وهيمنة القطب الواحد بالعنف، ونشأة نظام عالمى متعدد الأقطاب والمراكز، فإن الصين تقبل بوجود واستمرار الولايات المتحدة كقطب دولى، وتحتفظ بعلاقات تجارية قوية معها، بل وتسعى للاستفادة من التقدم الأمريكى فى شتى المجالات.
ولكن فى الوقت الذى لا تسعى فيه الصين 'لكسر' أو استفزاز هذا القطب الدولى، فإنها تعمل بأسلوب هاديء على احتواء نفوذه وتقليل فرصه فى الإضرار بمصالحها. فعلى سبيل المثال، أقامت الصين علاقات قوية مع كوريا الجنوبية، حليف الولايات المتحدة القوى فى آسيا، بالإضافة إلى علاقاتها القوية مع كوريا الشمالية. ولذلك، فمن المتوقع عند إعادة توحيد الكوريتين - وهو ما سيحدث حتما - أن تكون الصين الحليفة الرئيسية لهذه الدولة، التى ستصبح 'يابان' جديدة. وتعتمد الصين - فى تعاملها كقطب دولى - على التأثير المعنوى، لا التلويح بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، وهى تسعى إلى تقوية علاقاتها مع كل المراكز الآسيوية، روسيا واليابان والهند، متجاوزة فى ذلك الخلافات الحدودية والحروب التاريخية. وعلى سبيل المثال، ورغم المشاعر العدائية التى خلفها الاحتلال اليابانى للصين، والتى مازالت مستعرة حتى اليوم، فإن الصين تسعى لتقوية العلاقات مع اليابان، وترى أن تشابك المصالح الاقتصادية يوجد عالما جديدا، لن تصعد فيه الخلافات الآسيوية إلى مستوى النزاعات المسلحة مرة أخري.
وكما تسعى الصين إلى احتواء النفوذ الأمريكى فى آسيا، فقد مدت علاقاتها إلى 'الحديقة الخلفية' للولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية، بإقامة علاقات قوية مع كوبا، التى تمدها بالسلاح، ومع فنزويلا من أجل الحصول على النفط. وهى فى تعاملاتها كقطب دولى، تعتمد أسلوبا مختلفا عن الولايات المتحدة. ويتبدى ذلك - بشكل خاص - فى الوجود الصينى القوى فى إفريقيا. ففى مقابل فتح السوق الإفريقية الهائلة أمام المنتجات الصينية، وتأمين الحصول على النفط، فإن الصين تسهم جديا فى تطوير القارة عن طريق بناء شبكات واسعة من البنية التحتية والمستشفيات. ولذلك، فالوجود الصينى فى إفريقيا مقترن بالبناء، وليس بالاحتلال أو السيطرة، وهى لا تسعى لفرض قيم معينة أو للتدخل فى الشئون الداخلية للدول الإفريقية.
ويأتى السؤال: ما موقعنا نحن فى هذا النظام العالمى الجديد الذى يتشكل؟ إن مصر ومنطقة الشرق الأوسط لها صلات تاريخية وحضارية مع شرق آسيا. فبالتعريف الحضارى، فإن 'الشرق' هو الدائرة الواسعة التى تضم ثلاث حضارات إنسانية ظلت محتفظة باستمراريتها فى إطار مجتمعى وسياسى قومى حتى يومنا هذا : الحضارة الصينية، والحضارة الفارسية ثم الفارسية - الإسلامية، والحضارة المصرية. وجغرافيا، فإن هذه الدائرة تمتد من الصين واليابان فى شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهناك قيم حضارية مشتركة بين الحضارة الإسلامية، التى تنتمى إليها الآن كل من مصر وإيران، وبين الحضارة الصينية، خاصة فيما يتعلق بإعلاء قيمة المجتمع على الفرد. كما أن هناك تقديرا عميقا فى الصين لهذه الحضارات العريقة، خاصة الحضارة المصرية، التى يعترف الصينيون بأنها أقدم من حضارتهم.
ولا تنظر الصين إلى الإسلام فى إطار 'صراع الحضارات'، كما يفعل الغرب، وهى تحترم تقاليد وعقائد الأقلية المسلمة التى تعيش فيها، ومشكلتها هى بالأساس مع النزعات الانفصالية من جماعات مسلمة فى هذه الأقاليم الحدودية الحساسة مع روسيا. إن الاتحادات والتكتلات الآسيوية، خاصة منظمة شنغهاى للتعاون، سوف يكون لها دور بارز على الساحة الدولية فى الفترة القادمة، وهى تمد نفوذها وعلاقاتها لتشمل دولا مثل إيران وباكستان وماليزيا. وعلى الدول العربية كلها أن تهتم بتقوية الصلات مع هذه القوة الصاعدة، سواء على مستوى الدول أو مستوى التنظيمات الإقليمية.
السياسة الدولية: كيف ترون العلاقة بين الشرق الأوسط والشرق الآسيوي؟ وما هى فرص الالتقاء بين الطرفين؟ وهل هناك فى التجربة التنموية الآسيوية ما يمكن أن نستفيد منه؟
- إن التجربة التنموية فى شرق آسيا تعطينا دروسا مهمة عن كيفية توظيف الأبعاد الحضارية والثقافية فى تنمية القوة الوطنية، وفى التحرك على المستوى العالمي. ولكى ننجح فى الاستفادة منها، يجب أن نعى بوضوح دورنا ومكانتنا وتاريخنا الحضاري. فمصر تقع فى قلب الدائرة التى ظهرت فيها الديانات التوحيدية الثلاث، وقد سبقتها فى تبنى الإيمان بالحياة البعدية. كما أنها أعطت أبلغ المثل عن الاستخدام الحضارى للقوة فى المعاهدة التى أبرمها الملك رمسيس بعد معركة 'قادش'، والتى أرست مبدأ احترام العدو المهزوم، وعدم أحقية المنتصر فى ممارسة القتل أو الهدم أو الاعتداء على النساء (قارن ذلك بما حدث فى العراق من القوات الأمريكية).
وعلينا أن نفهم أيضا عمق علاقاتنا الحضارية التاريخية مع إيران، وأهميتها كمركز ثقل إقليمي. فمصر وإيران تجمعهما دائرة الحضارة الإسلامية، ويجمعهما تاريخ مشترك فى السعى من أجل التحرر الوطني. ويجب ألا نغفل مغزى إعلان رئيس الوزراء الإيرانى مصدق تأميم شركة البترول البريطانية - الإيرانية من القاهرة فى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. وفى رأيى، فإن النظام الحالى فى إيران يمثل امتدادا لهذه الثورة الوطنية التى بدأها مصدق، لكن بزعامة دينية. وبناء إيران لقوتها الوطنية لا يشكل تهديدا لنا، كما أن الخلاف المذهبى لا يشكل عائقا أمام التعاون معها. فكما أن آسيا تتسع للعديد من مراكز القوة، الصين واليابان ومستقبلا كوريا وفيتنام، فليس هناك من تهديد من وجود عدة مراكز قوة فى الشرق الأوسط، مثل مصر، وإيران، وأيضا تركيا، لأنها تشترك فى إطار دائرة حضارية واحدة.
إن بناء القوة الوطنية المصرية لا ينفصل عن إدراك الأبعاد التاريخية والحضارية لدورها إقليميا وعربيا، ولا عن تقبل فكرة أن التقارب مع الشرق لا يعنى التضحية بالصلات مع الغرب. وعلينا أن نسعى لإيجاد الوعى بين النخب السياسية والثقافية بمعالم هذا النظام العالمى الجديد، وكيفية التعامل، من خلاله، لتحقيق المصالح الوطنية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق