
بقلم الكاتب العربي الكبير
محمد حسنين هيكل
صحيفة الإهرام القاهرية18/2/1973
(من القرص المدمج: بصراحة، إصدار "البيت العربي للتوثيق العصري والنظم")
(الجزء الأول من ثلاثة أجزاء)
"دونغ فانغ هونغ"، عبارة فى اللغة الصينية، ترجمتها الحرفية "الشرق أحمر"، وكانت هذه العبارة هى الإشارة المميزة التى ظل القمر الصناعى الصينى يرددها فى طوافه حول الأرض حينما انطلق سنة 1970، بينما كان ثمانمائة مليون إنسان فى الصين يلصقون آذانهم على أجهزة الراديو فى كل مكان يتسمعون إلى النبضات القادمة من الفضاء الخارجى!
ولست أعرف تماماً من الذى اختار هذه العبارة لتكون الإشارة المميزة للقمر الصناعى الصينى الأول، وقد سألت فى ذلك كثيرين ممن لقيت فى الصين، ولكن أحداً لم يعطنى إجابة قاطعة، وإن كنت شخصياً أظن أن الذى اختار الإشارة هو الرئيس "ماوتسى تونج" بنفسه لأنه بحاسته التاريخية لا يمكن أن يترك مثل هذه الإشارة وما ترمز إليه دون أن يعبئها بمعنى خاص يقصده، ثم أن العبارة من ناحية الصياغة تحمل إيماءات إلى أسلوبه الخاص فى الكتابة، وحتى فى إصدار التوجيهات، وهو أسلوب وصفه الرئيس ماو نفسه ذات يوم بقوله: "لكى يستطيع أى تعبير أن يلهم ويحرك، فإنه لابد أن يكون مزيجاً بين التحديد الذى لا يسمح بالخطأ، والإبهام الذى لا يقمع الخيال ".
وربما كان من نماذج ذلك الأسلوب، أن الرئيس"ماو" عندما يدعو أحداً إلى حوار معه، فإن تعبيره المفضل هو القول:
- "تعال نتحدث فى كل شىء من جنوب الجبال إلى شمال البحار ".
وإذا قبلنا استنتاج أن عبارة "الشرق أحمر" من اختيار الرئيس ماو.
وإذا قبلنا تفسير الرئيس ماو نفسه لأسرار الكلمات، إذن فإن العبارة قد تكون إشارة إلى أن ظل الصين - الحمراء - هو الظل الغالب على الشرق....
وإذا كان ذلك هو المقصود، فلا أظننى أختلف، لأن هذه هى الحقيقة الكبرى فى آسيا كما رأيتها. ذلك أنه على طـول المسافة من اليابان إلى الباكستان، فإن ظل الصين هو الغالب فى كل مكان، ولا أحد - فيما أتصور - يستطيع أن ينازع فى هذه الحقيقة!.
وقبل أن أذهب إلى الصين، فقد حاولت أن أستمع إلى آراء عدد من الذين سبقونى إليها.
وكان بين ما لفت نظرى أن الآراء شديدة التباين، بل شديدة التناقض.
* ومثلاً، فإن وزيراً مصرياً هو الدكتور محمود محفوظ وزير الصحة قال لى بحماسة:
- "إنك سوف تجد هناك مجتمع الفضيلة.... لا أحد يكذب... لا أحد يسرق.... لا أحد يتواكل".
وهذه النظرة المثالية للصين وكل ما يجرى فيها شائعة، وقد كان مما لفت نظرى ذات يوم، أن أحد رفاقى فى بعثة "الأهرام" إلى بكين، هو خبير متخصص فى علوم الصراع السياسى، كان يزور معنا مدرسة من مدارس 7 مايو - وهى مدارس إعادة تقويم القيادات - ودخلنا أحد فصول المدرسة، وإذا قرابة المائة دارس جالسون على الأرض، يناقشون مع أستاذ لهم، يجلس أمامهم على منصة مرتفعة بعض الشىء من الأرض، أطروحة إنجلز الشهيرة "ضد دورينج"، إذا برفيقنا تأخذه النشوة، ويقول بالحرف:
- "يا إلهى... كأن أرسطو بعث حياً مرة أخرى".
ولكن هناك نظرة أخرى متباينة، بل متناقضة للصين، وكان صاحبها سياسياً عربياً - غير مصرى - وكان قوله:
- " أنت ذاهب إلى الصين؟، إنك هناك سوف ترى مجتمع النمل!
إنك فى الغالب سوف تنزل فى فندق "الشعوب"، وإذا حدث ذلك، فإنى أرجوك أن تستيقظ مبكراً ذات يوم، وأن تنظر من نافذة غرفتك إلى الشارع تحتك، وسوف تجد على الناحيتين فى الشارع الواسع منظراً لن يبرح ذاكرتك.
طابور لا ينقطع من راكبى الدراجات الذاهبين إلى عملهم فى الصباح على هذه الناحية من الشارع، وطابور آخر لا ينقطع على الناحية الأخرى.
سوف تجدهم كالنمل فى الحركة، وفى الشكل العام.
لن تجد فى بكين إلا هذه الطوابير من راكبى الدراجات، ليس فى الشوارع سيارات، لأن السيارات لا تخصص إلا لنواب الوزراء ومن فوقهم، وللأعمال الرسمية فقط.
وفى بكين مترو تحت الأرض، وهو فخم وأنيق، ولكنه للمستقبل.
وأما الوسيلة الأساسية للانتقال فى بكين اليوم فهى الدراجة، وسوف تذكرك طوابيرها المتحركة بغير انقطاع بطوابير النمل.... النمل الفارسى بالتحديد!"
وكان هذا التباين والتناقض مصداقاً حياً لملاحظة سمعتها من رفيق آخر من رفاق السفر وهو خبير فى العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية "بالأهرام"، وقد سبقت له الإقامة المتصلة سنتين فى الصين، وكانت ملاحظته:
- "إن أحداً لا يستطيع أن يتخذ موقفاً وسطاً إزاء الصين... الصين شىء يفرض نفسه، إما أن تتعصب له.... وإما أن تتعصب ضده! ".
- ولعلى أقول برغم ذلك، أن هناك من استطاعوا أن ينظروا إلى تجربة الصين نظرة موضوعية، وبينهم السير "إليك دوجلاس هيوم" وزير الخارجية البريطانية... وأتذكر أننى فى زيارة أخيرة للندن، أتيح لى الاطـلاع على فقرات من تقرير قدمه إلى مجلس الوزراء البريطانى بعد رحلة له أخيرة إلى الصين، وكان من بين ما قاله وزير خارجية بريطانيا:
- "سوف يكون مهماً بالنسبة للعالم كله، أن يتابع عن كثب تجربة الصين، لأنها فريدة فى التاريخ.
هناك شعب يريد أن يعتمد على نفسه كلية فى بناء تطوره وتقدمه.
وهو حتى لا يريد أن يقترض من الخارج لتمويل مشروعاته.
وقد سألت رئيس وزراء الصين "شوين لاى" عن السبب فى ذلك، وكان رده:
- "نحن نفضل أن نعتمد على أنفسنا تماماً... ولا نريد أن نقترض من أحد.... وليس من أهدافـنا أن نصل إلى وضع نجد أنفسنا فيه مثل غـيرنا يقترضون من جديد ليسددوا فوائد قروض قديمة!".
وعندما ركبت القطار من "كانتون" إلى "هونج كونج" خارجاً من الصين، بعد زيارة استغرقت اثنى عشر يوماً، فلقد وجدت كثيرين من الصحفيين فى انتظارى.
كان على أن أجيب على السؤال الذى طالما كنت قد وجهته إلى غيرى:
- " كيف وجدت الصين؟ ".
وقلت لهم بسرعة:
- " أن أبرز ما لفت نظرى فى الصين هو "قوة الاندفاع ".
هناك قوة دافعة تحرك الصين بغير حدود.
وهذه القوة مزيج من عناصر مختلفة، يمكن أن يطول النقاش حول أصولها وجذورها، ولكن أحداً لا يمكن أن يختلف حول الطاقة التى تولدها.
هناك فى الصين شعب من ثمانمائة مليون.
وهذا الشعب يتحرك إلى هدف.
ولا أعتقد، مما رأيت، أن هناك أحداً يستطيع أن يحول دونه ودون بلوغ هدفه.
"القوة الدافعة" هى الشىء اللافت للنظر فى الصين".
وعندما سئلت عن أحوال الناس فى الصين، قلت بأمانة :
- " الكل يأكل بما فيه الكفاية... الكل يلبس بما فيه الدفء والكرامة أيضاً... والكل يعمل بغير انقطاع... حتى العجائز فى المزارع الجماعية يكلفونهم بالسهر فى الليل مع الأطفال يروون لهم قصة ما كان فى الصين من جوع وفوضى وعذاب وذل، حتى لا تضيع من ذاكرة الأجيال حكاية ما كان، وليستطيعوا تقدير ما هو كائن".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق