صحيفة البيان الإماراتية
بقلم :د. مغازي البدراوي
فاجأت روسيا والصين مجلس الأمن الدولي في مطلع عام 2007 بفيتو مشترك ضد مشروع قرار أميركي ـ بريطاني بشأن ميانمار (بورما سابقا) وهو الفيتو الثاني لهاتين الدولتين معا في تاريخ المجلس حيث كان الأول عام 1972 وأيضا ضد مشروع أميركي ـ بريطاني خاص بالصراع العربي الإسرائيلي، ولكن الفيتو الأخير كان بمثابة صدمة لواشنطن ولندن ومؤشرا قويا على نهج جديد ستتبعه الدولتان في المرحلة المقبلة.
وتتمثل الصدمة الأميركية ـ البريطانية من هذا الفيتو أنه جاء على غير المتوقع في قضية لا خلاف عليها موضوعيا، حيث طلبتا واشنطن ولندن في مشروع القرار بإدانة النظام العسكري الحاكم في ميانمار لانتهاكه حقوق الإنسان ضد مواطنيه واستخدامه أساليب القمع والإرهاب ضد معارضيه في الداخل.
وطالب المشروع بإطلاق سراح السجناء السياسيين وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب في ميانمار، علما بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان كانتا قد أدانتا أكثر من مرة نظام ميانمار بهذا الخصوص بأغلبية كبيرة، الأمر الذي جعل الجميع يندهش من هذا الفيتو في هذا التوقيت بالتحديد، خاصة .
وأن الصين صاحبة المصالح الكثيرة مع واشنطن لم تستخدم الفيتو في تاريخها سوى خمسة مرات فقط، بينما الاتحاد السوفييتي السابق استخدمه 120 مرة، ومن بعده روسيا استخدمته مرتين فقط عام 1995 بشأن البلقان وعام 2004 بشأن قبرص، والولايات المتحدة استخدمته 76 مرة منها 35 مرة لصالح إسرائيل، وكان آخر فيتو أميركي في أكتوبر الماضي على مشروع قرار بإدانة الأعمال الإسرائيلية في قطاع غزة.
أوضحت روسيا التي ترأس مجلس الأمن في يناير الجاري في تبريرها للفيتو أنها ترفض تماما مناقشة قضايا حقوق الإنسان في مجلس الأمن، باعتبار أن هناك مؤسسات متخصصة في هذا المجال في الأمم المتحدة مثل مجلس حقوق الإنسان، وأن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان شأن داخلي للدول ولا تمس الأمن والسلام الدولي اللذين يناط بمجلس الأمن تولى الأمور المتعلقة بهما، وعبرت موسكو عن استيائها للاستخدام السياسي لمجلس الأمن الدولي لصالح أهداف ومصالح خاصة لبعض الدول، الأمر الذي أدى في السنوات الماضية بالمجلس إلى افتقار الهيبة والاحترام وأيضا فقدان الفاعلية المطلوبة منه.
الواقع أن موسكو وبكين ليست لهما مصالح خاصة مباشرة مع نظام ميانمار المدان من المجتمع الدولي أكثر من مرة على سياساته القمعية، كما أن مجلس الأمن الدولي لم يعتد من روسيا والصين استخدامهما للفيتو بهذه السهولة والبساطة، خاصة وأنهما لم يشتركا في فيتو من قبل إلا مرة واحدة .
كما ذكرنا، وأيضا الأمر لا يستدعي بالضرورة الصدام مع واشنطن من أجل قضايا جانبية ليست ملحة ولا حيوية، ولكن على ما يبدو أن وراء الأمر شيء آخر تسعى الدولتان لإثباته وتكريسه في المرحلة المقبلة وهذا بالتحديد ما أزعج واشنطن ولندن من هذا الفيتو بالتحديد.
حيث يفهم منه مباشرة أن هناك تنسيقا روسيا ـ صينيا مشتركا على تفعيل دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتحديد في الفترة المقبلة بعد أن بات واضحا مساعي واشنطن ولندن لتهميش دور المجتمع الدولي والمنظمة الدولية وفرض سياسات المصالح الخاصة للجهات الأقوى المهيمنة على الساحة الدولية والضاربة عرض الحائط بمبادئ الشرعية الدولية.
هذا الفيتو ربما يجعل واشنطن تراجع نفسها في التعامل مع الأمم المتحدة، وربما أيضا العكس فيجعلها تزيد من إهمالها وتهميشها لدور المجتمع الدولي، لكنه في نفس الوقت يعطي مؤشرات على بوادر تشكيل نظام عالمي جديد ربما يضع حدا في المستقبل القريب لسياسات هيمنة القطب الأوحد.
وعلى جميع الدول وخاصة الدول العربية أن تسعى لدعم هذا النظام الجديد من الآن قبل فوات الأوان، وحتى لا تتشكل قوى عالمية جديدة لا تضع للعرب اعتبارا بسبب سلبيتهم وخضوعهم للواقع المفروض عليهم، وأمامنا ما يحدث في أميركا اللاتينية يعطي مؤشرات واضحة لهذا النظام الجديد، والتقارب الروسي ـ الصيني ـ الهندي الذي يتوقع له المراقبون أن يحتل الصدارة في النظام العالمي القادم.
علينا نحن العرب أن ننظر لواقعنا الحالي في إطار ما يحدث في العالم كله وليس فقط على المستوى الإقليمي، وذلك حتى لا نخضع لسياسات التهديد والتخويف والابتزاز من قوى نعتقد خطأ أنها تملك كل شيء بينما الآخرون يعرفون جيدا نقاط ضعفها ويتعاملون معها أفضل منا بكثير.
بقلم :د. مغازي البدراوي
فاجأت روسيا والصين مجلس الأمن الدولي في مطلع عام 2007 بفيتو مشترك ضد مشروع قرار أميركي ـ بريطاني بشأن ميانمار (بورما سابقا) وهو الفيتو الثاني لهاتين الدولتين معا في تاريخ المجلس حيث كان الأول عام 1972 وأيضا ضد مشروع أميركي ـ بريطاني خاص بالصراع العربي الإسرائيلي، ولكن الفيتو الأخير كان بمثابة صدمة لواشنطن ولندن ومؤشرا قويا على نهج جديد ستتبعه الدولتان في المرحلة المقبلة.
وتتمثل الصدمة الأميركية ـ البريطانية من هذا الفيتو أنه جاء على غير المتوقع في قضية لا خلاف عليها موضوعيا، حيث طلبتا واشنطن ولندن في مشروع القرار بإدانة النظام العسكري الحاكم في ميانمار لانتهاكه حقوق الإنسان ضد مواطنيه واستخدامه أساليب القمع والإرهاب ضد معارضيه في الداخل.
وطالب المشروع بإطلاق سراح السجناء السياسيين وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب في ميانمار، علما بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان كانتا قد أدانتا أكثر من مرة نظام ميانمار بهذا الخصوص بأغلبية كبيرة، الأمر الذي جعل الجميع يندهش من هذا الفيتو في هذا التوقيت بالتحديد، خاصة .
وأن الصين صاحبة المصالح الكثيرة مع واشنطن لم تستخدم الفيتو في تاريخها سوى خمسة مرات فقط، بينما الاتحاد السوفييتي السابق استخدمه 120 مرة، ومن بعده روسيا استخدمته مرتين فقط عام 1995 بشأن البلقان وعام 2004 بشأن قبرص، والولايات المتحدة استخدمته 76 مرة منها 35 مرة لصالح إسرائيل، وكان آخر فيتو أميركي في أكتوبر الماضي على مشروع قرار بإدانة الأعمال الإسرائيلية في قطاع غزة.
أوضحت روسيا التي ترأس مجلس الأمن في يناير الجاري في تبريرها للفيتو أنها ترفض تماما مناقشة قضايا حقوق الإنسان في مجلس الأمن، باعتبار أن هناك مؤسسات متخصصة في هذا المجال في الأمم المتحدة مثل مجلس حقوق الإنسان، وأن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان شأن داخلي للدول ولا تمس الأمن والسلام الدولي اللذين يناط بمجلس الأمن تولى الأمور المتعلقة بهما، وعبرت موسكو عن استيائها للاستخدام السياسي لمجلس الأمن الدولي لصالح أهداف ومصالح خاصة لبعض الدول، الأمر الذي أدى في السنوات الماضية بالمجلس إلى افتقار الهيبة والاحترام وأيضا فقدان الفاعلية المطلوبة منه.
الواقع أن موسكو وبكين ليست لهما مصالح خاصة مباشرة مع نظام ميانمار المدان من المجتمع الدولي أكثر من مرة على سياساته القمعية، كما أن مجلس الأمن الدولي لم يعتد من روسيا والصين استخدامهما للفيتو بهذه السهولة والبساطة، خاصة وأنهما لم يشتركا في فيتو من قبل إلا مرة واحدة .
كما ذكرنا، وأيضا الأمر لا يستدعي بالضرورة الصدام مع واشنطن من أجل قضايا جانبية ليست ملحة ولا حيوية، ولكن على ما يبدو أن وراء الأمر شيء آخر تسعى الدولتان لإثباته وتكريسه في المرحلة المقبلة وهذا بالتحديد ما أزعج واشنطن ولندن من هذا الفيتو بالتحديد.
حيث يفهم منه مباشرة أن هناك تنسيقا روسيا ـ صينيا مشتركا على تفعيل دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتحديد في الفترة المقبلة بعد أن بات واضحا مساعي واشنطن ولندن لتهميش دور المجتمع الدولي والمنظمة الدولية وفرض سياسات المصالح الخاصة للجهات الأقوى المهيمنة على الساحة الدولية والضاربة عرض الحائط بمبادئ الشرعية الدولية.
هذا الفيتو ربما يجعل واشنطن تراجع نفسها في التعامل مع الأمم المتحدة، وربما أيضا العكس فيجعلها تزيد من إهمالها وتهميشها لدور المجتمع الدولي، لكنه في نفس الوقت يعطي مؤشرات على بوادر تشكيل نظام عالمي جديد ربما يضع حدا في المستقبل القريب لسياسات هيمنة القطب الأوحد.
وعلى جميع الدول وخاصة الدول العربية أن تسعى لدعم هذا النظام الجديد من الآن قبل فوات الأوان، وحتى لا تتشكل قوى عالمية جديدة لا تضع للعرب اعتبارا بسبب سلبيتهم وخضوعهم للواقع المفروض عليهم، وأمامنا ما يحدث في أميركا اللاتينية يعطي مؤشرات واضحة لهذا النظام الجديد، والتقارب الروسي ـ الصيني ـ الهندي الذي يتوقع له المراقبون أن يحتل الصدارة في النظام العالمي القادم.
علينا نحن العرب أن ننظر لواقعنا الحالي في إطار ما يحدث في العالم كله وليس فقط على المستوى الإقليمي، وذلك حتى لا نخضع لسياسات التهديد والتخويف والابتزاز من قوى نعتقد خطأ أنها تملك كل شيء بينما الآخرون يعرفون جيدا نقاط ضعفها ويتعاملون معها أفضل منا بكثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق