صحيفة الحياة 27/1/2007
علي العنزي
عندما زار رئيس وزراء الصين شون لاي عشر دول أفريقية في عام 1963، لم يكن أحد يتوقع في ذلك الحين مدى تأثير تلك الزيارة في مستقبل العلاقات الصينية - الأفريقية بشكل عام، علماً أن الصين بدأت علاقاتها مع أفريقيا عن طريق مصر عام 1956، بإقامة علاقات ديبلوماسية معها، وانتهت اليوم بوجود علاقات ديبلوماسية مع 51 دولة من اصل 53، بحسب ما ذكره الباحث في معهد غرب آسيا وأفريقيا في أكاديمية العلوم الاجتماعية تشانغ باوستنع.
لقد بدأت الصين علاقاتها مع أفريقيا على أساس نشر الايديولوجية الشيوعية الماوية، وما لبثت أن تغيرت إلى أساس اقتصادي وسياسي متبادل بين هذه الدول والصين، يقوم على مبادئ "الصداقة المخلصة المتبادلة، بالمساواة والتضامن والتعاون ومبادئ التنمية المشتركة ومواجهة المستقبل"، التي حددها الرئيس الصيني السابق جيانغ تشن مين خلال زيارته لأفريقيا عام 1996. إذ تحولت الأولوية الصينية منذ ذلك الوقت في علاقاتها الأفريقية من الايديولوجية السياسية إلى الجانب الاقتصادي، ومنافسة الدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة وفرنسا، والى حد ما روسيا، كقوة اقتصادية ناشئة بقوة، وتبحث عن أسواق لمنتجاتها الصناعية المنافسة لمنتجات الدول الصناعية الأخرى في القارة الأفريقية.
إن الدور الصيني في القارة الأفريقية وغيرها هو دور ايجابي، يصب في مصلحة العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور هيمنة القطب الواحد على السياسة الدولية منذ عام 1992، وتفرد جهة واحدة بالقرارات الدولية، ولكن السؤال المطروح هو: لماذا هذا الاهتمام من جانب الصين بالقارة الأفريقية، في هذا الوقت بالذات؟ هناك عوامل عدة تجعل الصين تهتم بالقارة الأفريقية وغيرها من المناطق، وهي:
الطاقة: نظراً إلى تزايد الاستهلاك الصيني للطاقة النفطية بسب تنامي اقتصادها، حتى أصبح البحث عن مصادر جديدة للطاقة أمراً ملحاً ومهماً بالنسبة إلى الصين، وهو ما جعلها تهتم وتعزز علاقاتها مع القارة السوداء، لوجود مصادر للنفط مثل نيجيريا وأنغولا وغيرها من الدول الأفريقية المنتجة للنفط، وكذلك وجود مؤشرات على احتواء هذه القارة على احتياطي من هذه الطاقة، علماً أن الصين استوردت 38 مليون طن من النفط الخام من أفريقيا عام 2005، وهو ما يشكل 30 في المئة من مستورداتها النفطية.
الاقتصاد المتنامي: تتمتع الصين باقتصاد متنام بسرعة هائلة، تحتم عليها البحث عن استثمارات جديدة وعلى المستويات كافة، وذلك لتسويق منتجاتها في ظل منافسة حامية من الأطراف الأخرى، إذ بلغت استثمارات الصين في أفريقيا في عام 2005 ما يساوي 6.27 بليون دولار، وهو رقم يعتبر متواضعاً بالنسبة إلى دولة يشكل اقتصادها احد اكبر اقتصادات العالم، وتطمح إلى تعزيز موقعها الاقتصادي في الساحة الدولية بشكل كبير، لذا تسعى الصين بكل قوة لزيادة استثماراتها في أفريقيا في السنوات المقبلة، ضمن خطة طموحة، خصوصاً في مجال الطاقة والنفط والغاز، إذ استثمرت في عام 2006 نحو 27 مشروعاً للنفط والغاز في 14 دولة أفريقية.
تطوير علاقاتها السياسية: تحتاج الصين إلى تطوير علاقاتها السياسية مع كثير من دول العالم، لدعمها في المحافل الدولية، خصوصاً وهي تواجه ضغوطاً غربية كبيرة في مجالات مختلفة، وذلك عن طريق استخدام المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وغيرها لاستصدار قرارات تدين الصين في بعض المجالات، خصوصاً مجال حقوق الإنسان وغيره، إذ بدأت تحتاج إلى أصوات هذه الدول الأعضاء في هذه المنظمات، في مقابل حماية هذه الدول عن طريق استخدام نفوذها في مجلس الأمن الدولي لمنع استصدار أية قرارات تهدد سيادة ووحدة أي من هذه البلدان، وكذلك سعيها للتعامل مع هذه الدول على أساس صين واحدة، بالإشارة إلى تايوان، وهو ما يعتبر حجر الزاوية بالنسبة إلى سياسة الصين الخارجية.
وقد استضافت الصين قمة "بكين لمنتدى التعاون الصيني - الأفريقي"، التي حضرها 41 رئيساً أو مسؤولاً من الدول الأفريقية، وهو ما يوضح مدى الأهمية التي توليها الصين للتعاون السياسي والاقتصادي مع القارة الأفريقية، خصوصاً وهي تواجه ما يسمى استراتيجية الاحتواء السياسي التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة حيالها خلال الأعوام القليلة الماضية.
البحث عن الأسواق لمنتجاتها: تبحث الصين بشكل حثيث عن أسواق لمنتجاتها، خصوصاً في البلدان النامية، وهو ما تسعى إليه الصين من الاستثمار في القارة الأفريقية، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مستوى اكبر بكثير من مستواه الحالي، وهو ما جعلها تستثمر كثيراً من المشاريع في القارة الأفريقية، خصوصاً في البنية التحتية، مثل بناء خطوط السكك الحديد بين تنزانيا وزامبيا، وبناء السدود، وغيرها من الاستثمارات، وكذلك تدريب الفنيين الأفارقة على يد زملائهم الصينيين، ويصل عددهم إلى 15 ألف فني أفريقي.
كما أنها وعدت بإلغاء الديون المستحقة على الدول الأفريقية الأكثر فقراً، مساندة وتشجيعاً منها لهذه الدول على النمو الاقتصادي، وتعزيزاً لمواقفها السياسية تجاهها.
إن التوجه الصيني إلى القارة الأفريقية يؤكد عزمها على بناء علاقات استراتيجية سياسية واقتصادية، تقوم على الفهم والمساواة والصداقة والمصالح المشتركة بين الطرفين، وكذلك بحثاً عن خيارات استراتيجية تجنبها سياسة الاحتواء السياسي والاقتصادي حيالها، التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة أخيراً متمثلة في الضغط على إسرائيل لإلغاء صفقة أسلحة إسرائيلية للصين في مجال الإنذار المبكر، وكذلك تحذير الاتحاد الأوروبي من رفع حظر التعاون العسكري مع الصين، منعاً لاستفادتها من التقنية المتقدمة في هذه المجالات الحيوية.
إن من يتابع جولات القيادة الصينية الكثيفة في العالم، وعلى أعلى مستويات، يستخلص أن هناك استراتيجية صينية جديدة، تقوم على مبادئ واضحة، لتعزيز موقع الصين العالمي كقطب سياسي واقتصادي يساعد في إعادة التوازن في العلاقات الدولية، بعد فقدانها منذ عام 1992، عندما انهار ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي.
إن الاهتمام الصيني بالقارة الأفريقية هو إحدى حلقات استراتيجية الصين لمحاربة احتوائها فالقارة الأفريقية تمثل إحدى الحلقات المهمة لكسر سياسة الاحتواء السياسي والاقتصادي الموجهة ضدها، كما أنها سوق اقتصادية، ورصيد سياسي كبير قد تحتاجه الصين في علاقاتها الدولية، خصوصاً لتعزيز اقتصادها ودورها السياسي المتنامي في الساحة الدولية.
كما سعت الصين كذلك إلى تعزيز علاقاتها مع الهند وباكستان وإيران، ودول أخرى مهمة في أميركا اللاتينية كالبرازيل وفنزويلا، إضافة إلى السعودية التي تعتبر اللاعب الرئيس، السياسي والاقتصادي في الدول العربية، فقد قام رئيس الجمهورية الصينية بزيارات قمة لكل هذه الدول الآنفة الذكر. إن الاستفادة من هذا التوجه الصيني جعلت السعودية تقيم معها علاقات سياسية واقتصادية كبيرة، عززتها زيارات متبادلة للقيادتين، عندما قام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بزيارة الصين، ثم أعقبتها زيارة الرئيس الصيني جينتاو للمملكة.
علي العنزي
عندما زار رئيس وزراء الصين شون لاي عشر دول أفريقية في عام 1963، لم يكن أحد يتوقع في ذلك الحين مدى تأثير تلك الزيارة في مستقبل العلاقات الصينية - الأفريقية بشكل عام، علماً أن الصين بدأت علاقاتها مع أفريقيا عن طريق مصر عام 1956، بإقامة علاقات ديبلوماسية معها، وانتهت اليوم بوجود علاقات ديبلوماسية مع 51 دولة من اصل 53، بحسب ما ذكره الباحث في معهد غرب آسيا وأفريقيا في أكاديمية العلوم الاجتماعية تشانغ باوستنع.
لقد بدأت الصين علاقاتها مع أفريقيا على أساس نشر الايديولوجية الشيوعية الماوية، وما لبثت أن تغيرت إلى أساس اقتصادي وسياسي متبادل بين هذه الدول والصين، يقوم على مبادئ "الصداقة المخلصة المتبادلة، بالمساواة والتضامن والتعاون ومبادئ التنمية المشتركة ومواجهة المستقبل"، التي حددها الرئيس الصيني السابق جيانغ تشن مين خلال زيارته لأفريقيا عام 1996. إذ تحولت الأولوية الصينية منذ ذلك الوقت في علاقاتها الأفريقية من الايديولوجية السياسية إلى الجانب الاقتصادي، ومنافسة الدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة وفرنسا، والى حد ما روسيا، كقوة اقتصادية ناشئة بقوة، وتبحث عن أسواق لمنتجاتها الصناعية المنافسة لمنتجات الدول الصناعية الأخرى في القارة الأفريقية.
إن الدور الصيني في القارة الأفريقية وغيرها هو دور ايجابي، يصب في مصلحة العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور هيمنة القطب الواحد على السياسة الدولية منذ عام 1992، وتفرد جهة واحدة بالقرارات الدولية، ولكن السؤال المطروح هو: لماذا هذا الاهتمام من جانب الصين بالقارة الأفريقية، في هذا الوقت بالذات؟ هناك عوامل عدة تجعل الصين تهتم بالقارة الأفريقية وغيرها من المناطق، وهي:
الطاقة: نظراً إلى تزايد الاستهلاك الصيني للطاقة النفطية بسب تنامي اقتصادها، حتى أصبح البحث عن مصادر جديدة للطاقة أمراً ملحاً ومهماً بالنسبة إلى الصين، وهو ما جعلها تهتم وتعزز علاقاتها مع القارة السوداء، لوجود مصادر للنفط مثل نيجيريا وأنغولا وغيرها من الدول الأفريقية المنتجة للنفط، وكذلك وجود مؤشرات على احتواء هذه القارة على احتياطي من هذه الطاقة، علماً أن الصين استوردت 38 مليون طن من النفط الخام من أفريقيا عام 2005، وهو ما يشكل 30 في المئة من مستورداتها النفطية.
الاقتصاد المتنامي: تتمتع الصين باقتصاد متنام بسرعة هائلة، تحتم عليها البحث عن استثمارات جديدة وعلى المستويات كافة، وذلك لتسويق منتجاتها في ظل منافسة حامية من الأطراف الأخرى، إذ بلغت استثمارات الصين في أفريقيا في عام 2005 ما يساوي 6.27 بليون دولار، وهو رقم يعتبر متواضعاً بالنسبة إلى دولة يشكل اقتصادها احد اكبر اقتصادات العالم، وتطمح إلى تعزيز موقعها الاقتصادي في الساحة الدولية بشكل كبير، لذا تسعى الصين بكل قوة لزيادة استثماراتها في أفريقيا في السنوات المقبلة، ضمن خطة طموحة، خصوصاً في مجال الطاقة والنفط والغاز، إذ استثمرت في عام 2006 نحو 27 مشروعاً للنفط والغاز في 14 دولة أفريقية.
تطوير علاقاتها السياسية: تحتاج الصين إلى تطوير علاقاتها السياسية مع كثير من دول العالم، لدعمها في المحافل الدولية، خصوصاً وهي تواجه ضغوطاً غربية كبيرة في مجالات مختلفة، وذلك عن طريق استخدام المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وغيرها لاستصدار قرارات تدين الصين في بعض المجالات، خصوصاً مجال حقوق الإنسان وغيره، إذ بدأت تحتاج إلى أصوات هذه الدول الأعضاء في هذه المنظمات، في مقابل حماية هذه الدول عن طريق استخدام نفوذها في مجلس الأمن الدولي لمنع استصدار أية قرارات تهدد سيادة ووحدة أي من هذه البلدان، وكذلك سعيها للتعامل مع هذه الدول على أساس صين واحدة، بالإشارة إلى تايوان، وهو ما يعتبر حجر الزاوية بالنسبة إلى سياسة الصين الخارجية.
وقد استضافت الصين قمة "بكين لمنتدى التعاون الصيني - الأفريقي"، التي حضرها 41 رئيساً أو مسؤولاً من الدول الأفريقية، وهو ما يوضح مدى الأهمية التي توليها الصين للتعاون السياسي والاقتصادي مع القارة الأفريقية، خصوصاً وهي تواجه ما يسمى استراتيجية الاحتواء السياسي التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة حيالها خلال الأعوام القليلة الماضية.
البحث عن الأسواق لمنتجاتها: تبحث الصين بشكل حثيث عن أسواق لمنتجاتها، خصوصاً في البلدان النامية، وهو ما تسعى إليه الصين من الاستثمار في القارة الأفريقية، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مستوى اكبر بكثير من مستواه الحالي، وهو ما جعلها تستثمر كثيراً من المشاريع في القارة الأفريقية، خصوصاً في البنية التحتية، مثل بناء خطوط السكك الحديد بين تنزانيا وزامبيا، وبناء السدود، وغيرها من الاستثمارات، وكذلك تدريب الفنيين الأفارقة على يد زملائهم الصينيين، ويصل عددهم إلى 15 ألف فني أفريقي.
كما أنها وعدت بإلغاء الديون المستحقة على الدول الأفريقية الأكثر فقراً، مساندة وتشجيعاً منها لهذه الدول على النمو الاقتصادي، وتعزيزاً لمواقفها السياسية تجاهها.
إن التوجه الصيني إلى القارة الأفريقية يؤكد عزمها على بناء علاقات استراتيجية سياسية واقتصادية، تقوم على الفهم والمساواة والصداقة والمصالح المشتركة بين الطرفين، وكذلك بحثاً عن خيارات استراتيجية تجنبها سياسة الاحتواء السياسي والاقتصادي حيالها، التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة أخيراً متمثلة في الضغط على إسرائيل لإلغاء صفقة أسلحة إسرائيلية للصين في مجال الإنذار المبكر، وكذلك تحذير الاتحاد الأوروبي من رفع حظر التعاون العسكري مع الصين، منعاً لاستفادتها من التقنية المتقدمة في هذه المجالات الحيوية.
إن من يتابع جولات القيادة الصينية الكثيفة في العالم، وعلى أعلى مستويات، يستخلص أن هناك استراتيجية صينية جديدة، تقوم على مبادئ واضحة، لتعزيز موقع الصين العالمي كقطب سياسي واقتصادي يساعد في إعادة التوازن في العلاقات الدولية، بعد فقدانها منذ عام 1992، عندما انهار ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي.
إن الاهتمام الصيني بالقارة الأفريقية هو إحدى حلقات استراتيجية الصين لمحاربة احتوائها فالقارة الأفريقية تمثل إحدى الحلقات المهمة لكسر سياسة الاحتواء السياسي والاقتصادي الموجهة ضدها، كما أنها سوق اقتصادية، ورصيد سياسي كبير قد تحتاجه الصين في علاقاتها الدولية، خصوصاً لتعزيز اقتصادها ودورها السياسي المتنامي في الساحة الدولية.
كما سعت الصين كذلك إلى تعزيز علاقاتها مع الهند وباكستان وإيران، ودول أخرى مهمة في أميركا اللاتينية كالبرازيل وفنزويلا، إضافة إلى السعودية التي تعتبر اللاعب الرئيس، السياسي والاقتصادي في الدول العربية، فقد قام رئيس الجمهورية الصينية بزيارات قمة لكل هذه الدول الآنفة الذكر. إن الاستفادة من هذا التوجه الصيني جعلت السعودية تقيم معها علاقات سياسية واقتصادية كبيرة، عززتها زيارات متبادلة للقيادتين، عندما قام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بزيارة الصين، ثم أعقبتها زيارة الرئيس الصيني جينتاو للمملكة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق