الاثنين، 12 فبراير 2007

صعود القوة العظمى الصينية


صحيفة البيان الإماراتية
بقلم :ناصيف حتي
الجولة الإفريقية التي يقوم بها الرئيس الصيني هوجينتاو إلى ثمانية بلدان إفريقية: الكاميرون وليبيريا والسودان وزيمبابوي وناميبيا وجنوب إفريقيا وموزمبيق وجزر سيشل تندرج تحت عناوين ثلاثة:

أولا، تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية الصينية في القارة السمراء فالصين صارت في الخمس سنوات الأخيرة الشريك التجاري الثالث لإفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا اللتين تملكان تاريخا طويلا في القارة السمراء وقد فاقت التجارة الصينية الإفريقية الخمسين مليار دولار العام الماضي.
ثانيا، تعزيز دبلوماسية تأمين مصادر الطاقة. فالصين تعتمد بشكل أساسي وفي نموها المتسارع والمرتفع الوتيرة على مصادر خارجية للطاقة وقد صارت تستورد 31% من النفط الخام الذي تستورده من إفريقيا ويزداد الاهتمام الصيني بإفريقيا ايضا في هذا المجال بقدر ما يبدو الشرق الأوسط مضطربا وخاصة منطقة الخليج وبقدر ما ان الوجود الأميركي في تلك المنطقة طاغٍ وبالتالي معرضا المصالح الصينية النفطية للمرور ربما عبر بوابة واشنطن وهو ما تحاول الصين تلافيه.
ثالثا، تعزيز الاستراتيجية السياسية العالمية للصين التي تحاول بناء منطقة نفوذ كبيرة في القارة السمراء وتقدم نفسها كقوة عظمى سلمية براغماتية لا تحمل أي صور سلبية تشوه وضعها الحالي باعتبار انه لا يوجد تاريخ استعماري للصين في المنطقة. وتحاول الصين الشعبية في المقابل احتواء بعض التداعيات السلبية على بعض القطاعات الاقتصادية الهشة للدول الإفريقية التي تدفع ثمن «الاجتياح» الاقتصادي الصيني أو ما وصفه احدهم بالتسونامي الاقتصادي خاصة، مثلا في قطاع النسيج وبداية ظهور مخاوف و اعتراضات وانتقادات على الاكتساح الاقتصادي الصيني.
وقد نقل عن رئيس إفريقيا الجنوبية قوله بوجود مخاطر استعمار جديد صيني، تحاول الصين احتواء ذلك كله من خلال سياسة مساعدات اقتصادية. وبالفعل فقد أعلن الرئيس الصيني قبل قيامه بهذه الجولة التي هي أيضا بمثابة حملة علاقات عامة عن تخصيص مبلغ ثلاثة مليارات دولار من القروض الميسرة ومن القروض دون فائدة للقارة الإفريقية حتى عام 2010.
يأتي ذلك كإحدى أولى نتائج القمة الإفريقية الصينية التي تهدف من وجهة نظر بكين إلى مأسسة العلاقات الصينية الإفريقية وإحداث شراكة اقتصادية وسياسية بين الطرفين. فالذهاب إلى إفريقيا هو الذهاب إلى الخزان الأساسي للمواد الأولية ومصادر الطاقة للصين، وهو يعكس في وجه منه التنافس الناجح الذي تقوم به الصين مع الشركات الأميركية في المنطقة بسبب المرونة التي تتمتع بها شركات الدولة الصينية في هذا المجال.
الصين مازالت تثير المفاجآت في العالم على كافة الأصعدة فرغم محاولة الصين التغطية على تجربتها الأولى لإطلاق صاروخ مضاد للأقمار الصناعية فان حصول هذا الأمر ضمن ما وصف بعسكرة الفضاء دليل على التحول النوعي والقفزة العالية التي تقوم بها الصين في استراتيجيتها العسكرية وقدراتها التكنولوجية أيضا على الصعيد العالمي. ذلك كله يندرج فيما يمكن وصفه بصعود القوة السلمية الصينية كما يقول المسؤولون الصينيون.
الصين ايضا التي جذبت عام 2006 أكثر من 50 مليار يورو من الاستثمارات الخارجية المباشرة والتي استثمرت شركاتها المالية أكثر من 15 مليار دولار في قطاعات اقتصادية مختلفة في العالم صارت مندمجة بشكل كبير في الاقتصاد العالمي وصارت احد اهم محركات العولمة المتسارعة على كافة الأصعدة.
الصين أيضا التي استفادت من الانشغال الأميركي في آسيا الوسطي والشرق الأوسط منذ أحداث 11سبتمبر وغرق اميركا في هذه المنطقة وجدت ايضا الفرصة الذهبية للانطلاق بقوة نحو تعزيز علاقاتها ووجودها في جنوب شرق آسيا معززة ما انطلقت به من سياسة حملت بالأمس عنوان الانخراط البناء.
الصين تعزز وجودها في هذه المنطقة من خلال الاقتصاد وبعض مساعدات التنمية ومحاولة استثمار ما تملكه من «قوة لينة» أي قوة الاقتصاد والاستثمار والتجارة .
الصين تحولت من شريك استراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة في عهد كلينتون إلى المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة في عهد بوش. لكن هذه الصين القوة العظمى الصاعدة دوليا تعيش ايضا بروز مشاكل اقتصادية ذات تداعيات اجتماعية حادة ولاحقا سياسية كبيرة في الداخل، اذ يزداد الشرخ عمقا بين صين اقتصادية صناعية منفتحة في منظومة قيم استهلاكية غربية بدأت تستقر فيها وبين صين زراعية، صين الأمس التي بقيت خارج عملية هذا النمو المتسارع بل ازدادت تهميشا.
ويقول احد كبار المعلقين الصينيين ان شعورها بالسقوط على قارعة الطريق قد يخلق حالة من الاستفزاز وبالتالي رد الفعل عند هذه الصين الزراعية «المتروكة جانبا» مما قد يؤدي إلى مزيد من التوترات الاجتماعية و السياسية. في موازاة ذلك مازالت القيادة الصينية تؤكد على نموذج التنمية الشاملة الذي لجأت إليه والذي يؤكد على أولوية التنمية الاقتصادية على ان يلحقها بعد ذلك الإصلاح السياسي وليس العكس.
وتقول إن هذا النموذج هو الأفضل والأصلح للدول النامية، ولكنه بأي حال هو النموذج الأكثر طمأنة وبالتالي فتحا للأبواب عند حكومات الدول النامية التي تخاف التغيير السياسي او تود الإمساك به والتحكم بوتيرته في حين أنها تريد التنمية الاقتصادية في الوقت ذاته.
والمثير للاهتمام ان عددا من المراقبين للشأن الصيني يؤكدون أنه فيما الإصلاح السياسي الكبير مازال غائبا فان هنالك بعض الديمقراطية التي تمارس ليس في المجتمع الصيني بل ضمن الحزب الحاكم. ويرى البعض ان ذلك يشكل بداية لتغير بطيء ولكنه قادم فيما يرى البعض الآخر انه محاولة استباقية لامتصاص أي محاولات تغيير.
لكن النخبة السياسية الجديدة المعولمة والمنفتحة على الخارج وذات المصالح الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد العالمي والمتفاعلة مع الخارج. هي النخبة التي دون شك ستحمل وتيرة التغيير وستدفع به على الصعيد السياسي كما هي الحال على الصعيد الاقتصادي ايا كانت سرعة ذلك التغيير او ايا كان مداه. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو السؤال الذي أثاره الرئيس الصيني عندما قال في نهاية العام الماضي ان القرن الواحد والعشرين سيكون قرن آسيا، مع الصعود الهائل للقوة الهندية إلى جانب الصين.
يلاحظ ايضا النشاط المتزايد للدبلوماسية الصينية في المحافل الدولية وهي التي تدعو إلى سياسات متعددة الأطراف ومقاربات شاملة للتعامل مع الأزمات الدولية. ويبدو ان هذه الدعوات صارت تلاقي صدى وتجاوبا اكبر من أوساط دولية مختلفة في ظل الأزمة الحادة التي تعيشها الأحادية الأميركية وفشل هذه السياسة الأحادية في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط والعالم، وفي ظل التحولات الحاصلة على بنية القوى الدولية.
وذلك نحو بروز عالم متعدد الأقطاب وتكريس دور أساسي لابد انه قادم للدبلوماسية متعددة الأطراف للتعامل مع الأزمات الدولية المختلفة. ذلك كله ومع انتقال الثقل إلى آسيا يساهم من جهة في تكريس دور الصين الشعبية كقوة عظمى قادمة ومن جهة أخرى في بروز تحد امام القيادة الصينية في التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية الاجتماعية الداخلية الناتجة عن عملية التحول التاريخية التي تمر بها الصين.

ليست هناك تعليقات: