الثلاثاء، 13 فبراير 2007

الصين واختراق النظام العالمي في أفريقيا

صحيفة الاتحاد الإماراتية
حلمي شعراوي
ليس مؤكداً لدى الكثير من الباحثين أن الصين الشعبية تعمل على أن تكون "قطباً عالمياً" حتى هذه اللحظة، وتتعدد الأقوال حول اتجاهها إلى هذا الهدف خلال العشرين عاماً القادمة أو أقل؛ لأن هذا القول كان يتردد مع مطلع القرن الحادي والعشرين. وإن كان التنافس الاقتصادي قد جعلها في طليعة منجزي التنمية، فإنها قد اخترقت الاقتصاد الأميركي نفسه، حتى قبل أن تمس العالم الأوروبي بنفس الدرجة. وها هي تحقق أكبر اختراقاتها في ساحة العالم الثالث قادمة من آسيا إلى القارة الأفريقية، فضلاً عن بعض مواقعها في أميركا الجنوبية.كانت الصين الشعبية حتى دخولها الأمم المتحدة 1971 بل وبعد "إصلاحات" هياو دنج 1979، مثلما هي الآن، لا تبالي بـ"النظام الدولي" أي بقواعد لعبة "الاستقطاب السياسي"، ومع قفزاتها بـ"الإصلاحات الاقتصادية" بعد ذلك كدولة "اشتراكية مستقلة" تحتفظ بقوة تماسك الحزب الشيوعي وتوجهاته في الإمساك بأجهزة الدولة المركزية، فقد راحت تخطط لعمليات "اختراق" داخل هذا النظام العالمي وفي هوامشه على الأساس الاقتصادي دون مبالاة بـ"السياسة الدولية" فهي تلتزم بخطط براجماتية تماماً تخدمها في تحقيق تطورها الاقتصادي السريع. وقد حماها هذا الموقف بالطبع من ضغط "المخاوف" السياسية التي قد يبثها ضدها منافسوها أو حتى أعداؤها. بل إنها حين راحت تقتحم فضاءات النظام الدولي أو العالمي بهذه الروح لم تجد مقاومة تذكر. وقد تكون بدائل السوق الأميركية، وما يُقال عن الرأسمالية المالية، و"النانو تكنولوجي" وحرب العملات.. الخ، هي موضع دراسة أخرى عند فقهاء الاقتصاد الذين يثقون في أن الولايات المتحدة تقف طبعاً بالمرصاد لهذا التطور الصيني، وتتحفز لمواجهته.
بقي التساؤل قائماً حول الموقف في ساحة تهميش عالمي واسعة مثل الساحة الأفريقية (وأعني هنا التهميش السياسي وليس الاندماج الفعلي القائم في النظام الرأسمالي العالمي الآن)، وهل ستنمو الصين بعيداً عن هذه الساحة أم تساند نموها بدورها أم تتحول لقوة استغلال جديدة كلها؟ هنا توجه الصين ضرباتها بعمليات اختراق اقتصادي ملفته لهذه الساحة لا تتحدث خلالها عن الأوزان السياسية. وبهذه القدرة المدهشة للصين حتى الآن على تجاهل "الدور السياسي" بعد أن كانت تملأ الدنيا ضجيجاً بفلسفة "الرفيق ماو" و"لين بياو" عن تحرير الريف العالمي (العالم الثالث) من هيمنة الإمبريالية الرأسمالية أو حتى الاشتراكية (السوفييت)، إذ أنها تفرغت في عملية بناء ذاتي نادرة لتجديد هويتها، دون أن تنسى في الواقع بعث الرسائل الهادئة عن خطة القطب العالمي بعد حوالى عشرين عاماً!
ولأنها ابتعدت عن الضجيج السياسي، فإنها تجد أرضية قبول واسعة لدى نظم سياسية تتسم أصلاً بالهشاشة، وتبدو متهالكة بشكل أكبر أمام ضغط "النظام العالمي" الحالي الذي يمارس كل ألوان الهيمنة السياسية والعسكرية عليها، وينشر "الفوضى" التي يسميها الفوضى البناءة، ويروج دعاويه في الهيمنة بادعاء تحقيق الديمقراطية والحكم الرشيد، بينما يعرف الجميع أن السياسة الأميركية التي تقود هذه "الدعايات المغرضة" غارقة في استبداد أيديولوجي لا يخفي على أحد ومن ثم تتجاهل مثله الصين نفسها. ولأن الذكاء الصيني يعرف كل هذه الأحاجي، فإن الصين تواصل هجومها بعمليات الاختراق النشطة لتكوين جبهتها الخاصة دون ضجيج سياسي ملحوظ، بل إن تسللها ذلك من دون غطاء سياسي بدأ يثير ريبة البعض مرة أخرى، وكأنها بدورها تخفي "إيديولوجيا" خبيثة لابد من إدراكها.
هذا ما يبدو للكثيرين حين يحللون "الوقائع الصينية" مع منطقة مثل أفريقيا لأقل من عام واحد. إذ نرصد ببساطة زيارتين لرئيس الدولة الصينية "هوجنتاو" لأفريقيا مايو 2006 ويناير 2007 حيث زار في الأولى أربع دول، وفي الأخيرة ثماني دول. وكان قد تبعه رئيس وزرائه في العام الماضي بزيارة سبع دول، ثم عقد في بكين نفسها في نوفمبر 2006 أكبر مؤتمر أفريقي صيني ضم حوالى خمسين رئيساً لدولة أفريقية. وفي السنوات الأخيرة قفزت تجارة الصين مع أفريقيا من بضعة ملايين دولار إلى 20 ملياراً سنة 2001 إلى 40 ملياراً سنة 2005 إلى 55 ملياراً سنة 2006 بخطة الوصول إلى مئة مليار دولار سنة 2010!
وهي تتجنب كل أشكال "التنافس السياسي" لاختراقاتها هذه، فلا تواجه الأميركيين وحدهم في بلد مثل نيجيريا أو جنوب أفريقيا بل تخترق دولاً كبرى من بين الدول الأنجلوفونية، وأخرى من الفرانكفونية. بل و"الآرابوفونية" إن جاز التعبير! وهي تخترق المقولات الكبرى ضد الأقطاب العالميين مثل الديون، فتعلن إلغاء جميع ديونها للدول الأقل فقراً، بل وبعض الدول البترولية نفسها (33 دولة على المستوى الأفريقي) في حدود خمسة مليارات دولار، وتعد بمساعدات غير مشروطة تصل إلى خمسة مليارات أخرى. وهي تبني سدوداً كبرى (أثيوبيا) ومصانع نحاس (زامبيا) وألمنيوم (مصر) وهي تستثمر في الكونغو وأنجولا أكثر من ثلاثة مليارات في عمليات إعادة البناء بعد الصراعات الكبرى في هذه الدول، وهي تنشئ طرقاً في نيجيريا (200 مليون دولار)، وتحرص في أكثر من دولة على إقامة رموز لوجودها ببناء "الاستاد الرياضي"، وشبكة الفضائيات، والمسارح الكبرى... الخ.
والصين الشعبية لا تخفي بعض ما تبتغيه خلافاً للنمو الاقتصادي الكاسح. فهي مثلاً لا تتعاون مع من يعترفون أو يتمسكون بالعلاقة مع تايوان، وهي تتحفظ بالتأكيد تجاه من يساندون قرارات ضدها حول حقوق الإنسان أو نظامها السياسي على نحو ما تقوده الولايات المتحدة في مجلس حقوق الإنسان وغيره، وهي تخشى بالطبع من منافسة موقعها في مجلس الأمن بالتمهيد لحضور اليابان أو استقرار "تايوان" في النظام الدولي... الخ.
وهي تخشى الاتهام الذي بدأ يوجهه لها البعض، وفي مقدمتهم رئيس وبعض قادة جنوب أفريقيا من أنهم يخشون أن تتحول الصين بهجومها الاقتصادي إلى إعادة شكل الاستعمار القديم في أفريقيا، أي أنها تمتص المواد الخام، وتستغل الأسواق بضخ أكبر كمية من البضائع الرخيصة، وحتى بعض القوى العمالية بدأت تثور بدورها ضد الدور الاقتصادي الصيني، حيث تغرق بضائعها الرخيصة أسواقاً محلية كانت تغذيها منتجات النسيج المحلية مثلما يحدث في جنوب أفريقيا مثلاً. بل لقد اشتكى البعض في نيجيريا وزامبيا من استغلالها للعمالة الرخيصة من دون تأمينات، كما تشتكي الطبقات الوسطى من سوء البضائع نفسها. ولأن الدوائر الرأسمالية العالمية تقوم بمثل ذلك بالطبع، فإنها لم تجعل هذه لمسائل مجال هجومها المضاد، بل راحت تتهم الصين في الموضوعات التي تلقى الدعاية الواسعة لصالح الغرب مثل دعم موقف السودان في دارفور، وموقف "موجابي" في زيمبابوي بتجاهل تعنته في حقوق المستوطنين أو احتكار السلطة. وهنا تقفز المسائل السياسية في وجه الصين، فلا يرد المسؤول الصيني إلا بأنهم لا يتدخلون في الشؤون الداخلية، وأن السودان يمكن بسبب نظامه الداخلي أن يتراجع قليلاً في مسألة قبول القوات الدولية، وقد يجعلها مجاملة للصين التي تصب ثمانية مليارات في استثمارات البترول لتستورد 60-70% من إنتاجه لصناعاتها، أما زيمبابوي فثمة أفارقة يؤيدون عدم أحقية الغرب في الضغط عليها بهذه الطريقة، ومن هنا تواصل الصين زحفها الاقتصادي بل والسياسي على السواء، لأنه لا اقتصاد من دون سياسة.
لا يجادل أحد في خطورة انفراد قطب أو آخر في العالم بالسلطة العالمية على نحو ما تفعل الولايات المتحدة حالياً. ولا ندري بالطبع كيف سيكون نوع "الاستقطاب الصيني" لو حدث. ولكننا نعرف أن العالم تسوده "فوضى" تعتبر بالفعل "بناءة" بالنسبة للمستغلين لها؛ ويعاني "العرب" تحديداً أقسى أشكالها. ولا يستطيع أحد تبرير هذا الغياب العربي عن محاولات "الاختراق" الجارية في العالم، والتي تستثمرها دولة مثل الصين بهذه الكفاءة، بل ونرى كيف تتحرك فيها دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والهند . وماليزيا وغيرهم؟ الجميع ينتظر بالطبع تحرك "الكتلة العربية" بإمكانياتها الاقتصادية -دون السياسية- لتجد مكاناً "بناء" وسط هذه "الفوضى العالمية"، بدلاً من التسليم بتطبيقاتها المؤسفة على أرضنا بهذا الشكل المحزن؟ ونقول"الكتلة العربية" لأننا نشهد بالطبع بعض المقاربات نحو الصين نفسها من قبل دولة عربية أو أخرى، دون أن ترغب في التعبير عن "الكتلة" أو تستهدف بناء قوة إقليمية متميزة. ويبدو فقط أن الطمأنة السياسية للنظم العربية تجعلها قابلة لمعايشة الفوضى البناءة. بدل القيام بالاختراقات المناسبة لمستقبل ستتعدد فيه الأقطاب الحيوية وليس المهمشة بالضرورة. ولات ساعة ندم!

ليست هناك تعليقات: