
شبكة الصين
عندما علم تشانغ ون رونغ بوفاة دنغ شياو بينغ قبل عشر سنوات ، انفجر فى البكاء ، مثل آلاف الفلاحين الذين وضعوا مدخرات حياتهم فى انشطة الاعمال المتنامية فى شانغهاى ، المركز المالى المزدهر فى الصين.
تذكر تشانغ ، الذى انتقل إلى شانغهاى من قرية فى مدينة ونتشو ، بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين ، ليجرب حظه بعد رسوبه فى امتحان دخول الجامعة عام 1986، " لقد بكى جميع افراد اسرتى. اننا استفدنا كثيرا من سياسة دنغ فى الإصلاح والانفتاح."
وقال " لقد اصبحت الامور غير مؤكدة حينها ، ولم أكن واثقا ما إذا كنت استطيع مواصلة عملى بعد فقد مهندس الإصلاح الاكبر فى الصين."
يمتلك تشانغ ، رئيس مجلس ادارة شركة شانغهاى يالونغ المحدودة للاستثمار حاليا ، شركة تضم آلاف الموظفين ، واصول تبلغ 4 مليارات يوان (526.3 مليون دولار امريكى) ، وقد عزا نجاحه إلى التزام الحكومة المركزية بسياسات دنغ.
ويقول المحللون ان الصين شهدت أسرع تنمية لها فى العشر سنوات الاخيرة نتيجة المضى بتراث دنغ قدما بشكل ابداعى.
المفكر الرائد فى اقتصاد السوق
توفى دنغ شياو بينغ فى 19 فبراير عام 1997 عن عمر يناهز 92 عاما بعد كفاح طويل مع مرض الشلل الرعاش ، لكن تأثير سياساته على الصين ازداد نموا بمرور الوقت.
وفى وقت كان معظم الصينيين يخافون فيه من مجرد ذكر مصطلح "اقتصاد السوق" ، بشر الزعيم الراحل دنغ بحماس بتبنيه اقتصاد السوق خلال جولته التفقدية التاريخية عام 1992 للجيوب الاقتصادية فى جنوب الصين .
ومن اشهر مقولاته التى تذكر دائما " ان ممارسة اقتصاد مخطط لا تعادل الاشتراكية ، حيث يوجد تخطيط أيضا فى ظل الرأسمالية ; وأن ممارسة اقتصاد سوق لا تعادل الرأسمالية لأن هناك اسواقا ايضا فى ظل الاشتراكية."
ويعتقد الخبراء ان هذه المفارقة التى تبدو بسيطة لكنها ذكية ، مهدت الطريق لتحول الصين الى اقتصاد سوق.
وقال لونغ بينغ بينغ ، نائب مدير مركز البحوث الادبية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى " لكن فى العقد الماضى فقط وضعت القيادة الصينية الجديدة فى النهاية طريقة تطوير نظام سوق اقتصادى اشتراكى."
ولم يعد ينظر لرجال الاعمال الخاصة باعتبارهم "اعداء الطبقة العاملة" ، وانما جزء منها - بل وحتى جزء "متقدم".
وادرج الحزب الشيوعى الصينى ، فى مؤتمره الوطنى السادس عشر الذى عقد فى بكين عام 2002 ، نظرية "التمثيلات الثلاثة" فى دستور الحزب. وتقول النظرية ان الحزب الشيوعى الصينى ، باعتباره الحزب الحاكم ، سيمثل دائما اتجاهات تنمية القوى الانتاجية المتقدمة ، وتوجهات الثقافة المتقدمة ، والمصالح الجوهرية للاغلبية الساحقة للشعب الصينى.
وقال لونغ "ان الاقتصاد الخاص المزدهر اصبح ينظر اليه كنوع من القوة الانتاجية المتقدمة التى سوف يدعمها الحزب ، ومن ثم تمنح نظرية التمثيلات الثلاثة مستثمرى القطاع الخاص حماية افضل ، ومساحة اكبر للتنمية."
ومن أجل تحسين نظام اقتصاد السوق الاشتراكى الذى تمت الموافقة عليه عام 2003 ، دعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى إلى تعزيز القطاع الخاص وتوجيهه بنشاط ، ومنح الشركات الخاصة نفس المعاملة فى مجالات الاستثمار ، والتمويل ، والضرائب ، واستخدام الاراضى ، والتجارة الخارجية.
وقد تم تعريف القطاع الخاص بأنه "جزء اساسى من النظام الاقتصادى" ، بعد "كفاح" من " جزء مكمل للقطاع المملوك للدولة" قبل ان يتحول الى "جزء هام من الاقتصاد" ، طبقا لوثائق الحزب.
واظهرت الاحصاءات فى سبتمبر العام الماضى ، ان القطاع الخاص فى الصين مثل نسبة 65 بالمئة من (اجمالى الناتج المحلى) ، وقد يصل الرقم إلى الثلاثة ارباع فى غضون خمس سنوات.
وفى السنوات العشر الاخيرة ، زاد اجمالى الناتج المحلى للصين من أكثر من 7 تريليون يوان (حوالى 875 مليار دولار امريكى) إلى اكثر من 20 تريليون يوان (حوالى 2.6 تريليون دولار امريكى) ، وقد نما ليصبح رابع اكبر اقتصاد فى العالم.
الثراء اولا ، الثراء معا
ادهش دنغ العالم بكلماته " غير الإشتراكية " -- " السماح لبعض المناطق وبعض الناس بأن تغتنى أولا" ، قبل ان تعرف اراؤه عن اقتصاد السوق بوقت طويل.
وقد حفز هذا الرأى ملايين الصينيين على الابتكار ، وبدء مشروعاتهم الأقتصادية الخاصة ، مما اعطى دفعة لإحياء اقتصاد البلاد.
وفى أوائل التسعينات ، شكلت الصين مجموعة غنية من سماسرة البورصة ، ورجال الاعمال الخاصة ، وحاملى الاسهم بمراكز القرى والشركات التعاونية ، ومدراء الشركات ، ونجوم البوب.
ورغم ان هذه المجموعة شكلت فقط نسبة صغيرة من اجمالى السكان ، إلا ان الثروات التى امتلكوها استمرت فى الزيادة. واظهرت الاحصاءات ان أغنى 10 بالمئة من السكان يملكون 40 بالمئة من الممتلكات السكنية ، بينما يمتلك أفقر 10 بالمئة 2 بالمئة من اجمالى هذه الممتلكات.
وظهر المزيد من الصراعات الاجتماعية مع اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
بيد ان هوانغ تشن هوا ، عامل تم تسريحه فى شانغهاى /58 عاما/ ، لديه مشاعر مختلطة حول دنغ شياو بينغ. فقد اقر بالتغيرات الهائلة التى احدثتها سياسة دنغ للإصلاح والإنفتاح فى الصين ، بيد انه لايزال يجد نفسه عاطلا.
يذكر ان شانغهاى ، باعتبارها قاعدة لعمال الصناعة بالصين ، كان لديها يوما جيشا كم 1.44 مليون موظف فى الشركات المملوكة للدولة خلال ذروتها . بيد ان اقتصاد السوق المتجه للمنافسة ، أجبر الشركات التى تديرها الدولة على اعادة الهيكلة طوال التسعينات ، مما خفض عدد العاملين الى أقل من 200 ألف .
وبقى معظم الناس ، الذين تحولوا الى عمالة زائدة ، مثل هوانغ ، فى المنازل بعد فقد وظائفهم ، معتمدين على رواتب منخفضة ، واعانات الحكومة التى تكفى فقط للوفاء بمستوى معيشة اساسى.
يتلقى هوانغ دخلا شهريا قدره 855 يوان (112.5 دولار امريكى) ، وهو مزيج من الراتب واشكال الدعم المختلفة. ويعمل الأن فى فريق دورية تنظمه الحكومة للحفاظ على النظام العام ، لكنه يوفر له شهريا 400 يوان اخرى فقط (53 دولار امريكى) شهريا.
وقال هوانغ " ان دنغ ذكر ان المناطق والناس الذين يغتنون أولا ، يتعين عليهم مساعدة الاخرين من أجل تحقيق الرخاء المشترك ، وقد تعهدت الحكومة المركزية ببناء مجتمع رغيد العيش ، وأتمنى ان يتحقق ذلك فى اقرب وقت ممكن."
يذكر ان دنغ اشار خلال جولته الشهيرة فى جنوب الصين عام 1992 ، بحزم إلى ان هدف الاشتراكية القادمة هو العمل على لتحقيق الرخاء المشترك.
وقال " علينا بحث ومحاولة حل المشكلة بمجرد ان تصل مستويات معيشة الشعب إلى مستوى الثراء النسبى بحلول نهاية القرن العشرين."
ومن اجل تحقيق امنيات دنغ التى لم تنفذ ، تبنت القيادة المركزية الجديدة للصين مفهوما علميا للتنمية يركز على التنمية الشاملة ، والمتوازنة ، والمستدامة على اساس "وضع الشعب أولا".
وقال الرئيس الصينى هو جين تاو ، خلال الاحتفال بذكرى ميلاد دنغ المئوية عام 2004 ، " انه إلى جانب الاسلوب العلمى ، يتعين على كل من الحزب والحكومة العمل من أجل تحقيق التنمية المنسقة بين المناطق الحضرية والريفية ، وبين المناطق المختلفة ، وبين الاقتصاد والمجتمع ، وبين الانسان والطبيعة ، وبين التنمية المحلية والانفتاح على العالم الخارجى."
وقال هو انه "يتعين على الصين تدعيم النمو الاقتصادى المستدام ، والسريع ، والمتوازن ، والصحى . وضمان أن تفيد ثمرة التنمية الشعب بأسره ."
واليوم ، اصبح " المجتمع المتناغم" العبارة المأثورة عن الحكومة الصينية فى البلاد .
وقال يان جيان تشى ، مدير مركز البحوث الادبية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى ، أن هذا هو آخر انجاز فى تطوير نظرية دنغ ، مضيفا انه سيمكن الشعب كافة من تقاسم الثروة الاجتماعية التى سيحققها الاصلاح والتنمية ، والمساعدة فى صياغة علاقة حميمة بشكل أكبر بين الشعب والحكومة.
- انتقال القيادة بسلاسة
طلب دنغ فى النهاية ان يتقاعد مبكرا ، الأمر الذى يؤمن يان جيان تشى بانه "احد اعظم الإسهامات التى قدمها دنغ للحزب والبلاد".
وفي مارس 1986 كشف دنغ النقاب للمرة الاولى عن انه يفكر في التقاعد من المناصب العليا، وفي وقت لاحق من نفس العام ، اكد مجددا فى مناسبات مختلفة الدعوة الى القضاء على نظام الولاية فى الرئاسة الصينية ، وانشاء آلية للتقاعد.
وعندما استقال اخيرا من منصبه الاخير كرئيس للجنة العسكرية المركزية التابعة للحزب الشيوعي الصيني، قال دنغ "اتمنى ان استطيع ان اعيش مثل شخص عادي ، بحياة بسيطة ، وان اتجول في الشوارع".
وقال يان " لقد كان اول اكبر شخص في الحزب يبادر بالتقاعد ، رغم جميع اشكال الضغط والاعتراضات، ولا زلت اذكر بعض عناوين الصفحات الاولى في الصحف ، مثل الرفيق شياو بينغ لا يمكن ان يتركنا ، لكنه فعل" وأضاف يان " انها كانت خطوة هامة للمضي قدما في اصلاح النظام السياسي فى الصين ، والتى عززت الانتقال السلمي للقيادة الى الجيل الجديد في السنوات التالية".
كما ترى الصين فى تخلي الرئيس السابق جيانغ تسه مين عن اكبر مركز فى الجيش الصيني في سبتمبر 2004 ، وتسليم منصبه الاخير الى هو جين تاو ، مما اتم انتقالا تاريخيا منظما للقيادة الى جيل اصغر.
حل هو محل جيانغ كرئيس للحزب عام 2002 ، وكرئيس للبلاد عام 2003.
ويعتقد المراقبون ان مثل التعاقب السلمي للقيادة هذا ضمن وجود بيئة سياسية جيدة للتنمية الاقتصادية الصينية ، والاصلاحات السياسية الاخرى.
وقال يان انه "في السنوات العشر الاخيرة، تقدم العمل التشريعي بسرعة غير متوقعة، مع ادراج الثمار المختلفة للاصلاح والانفتاح في حينها في القوانين، فيما تم دعم الحملة ضد الفساد بإطار مؤسسي متزايد الشمول ".
وقد سنت الصين حتى الآن اكثر من 400 قانون ، و800 لائحة ادارية ، و8000 قانون محلي.
وفي العام الماضي وحده ، ادت مكافحة الصين للكسب غير المشروع الى تقليل عدد المسئولين الفاسدين رفيعي المستوى، بما في ذلك الرئيس السابق للحزب فى شانغهاي تشن ليانغ يو ، اكبر مسئول شيوعي رتبة يتم طرده في تحقيق فساد في عقد من الزمان .
بيد ان اتساع فجوة الثراء ، وتدهور البيئة ، والفساد المتوطن ، لا تزال تشكل مخاوف رئيسية.
يذكر ان دنغ قال ان التنمية الاقتصادية السريعة لن تقل معها المشاكل عن ذى قبل ، مضيفا ان المزيد من الصراعات سوف تظهر في الصين بعد عقدين من الاصلاح والانفتاح.
وقال يان " ان دنغ شياو بينغ صرح بأن بداية القرن الحادي والعشرين ستكون فترة رئيسية لامتنا ، تتطلب منا تحمل المزيد من الواجبات والمهام".
عندما علم تشانغ ون رونغ بوفاة دنغ شياو بينغ قبل عشر سنوات ، انفجر فى البكاء ، مثل آلاف الفلاحين الذين وضعوا مدخرات حياتهم فى انشطة الاعمال المتنامية فى شانغهاى ، المركز المالى المزدهر فى الصين.
تذكر تشانغ ، الذى انتقل إلى شانغهاى من قرية فى مدينة ونتشو ، بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين ، ليجرب حظه بعد رسوبه فى امتحان دخول الجامعة عام 1986، " لقد بكى جميع افراد اسرتى. اننا استفدنا كثيرا من سياسة دنغ فى الإصلاح والانفتاح."
وقال " لقد اصبحت الامور غير مؤكدة حينها ، ولم أكن واثقا ما إذا كنت استطيع مواصلة عملى بعد فقد مهندس الإصلاح الاكبر فى الصين."
يمتلك تشانغ ، رئيس مجلس ادارة شركة شانغهاى يالونغ المحدودة للاستثمار حاليا ، شركة تضم آلاف الموظفين ، واصول تبلغ 4 مليارات يوان (526.3 مليون دولار امريكى) ، وقد عزا نجاحه إلى التزام الحكومة المركزية بسياسات دنغ.
ويقول المحللون ان الصين شهدت أسرع تنمية لها فى العشر سنوات الاخيرة نتيجة المضى بتراث دنغ قدما بشكل ابداعى.
المفكر الرائد فى اقتصاد السوق
توفى دنغ شياو بينغ فى 19 فبراير عام 1997 عن عمر يناهز 92 عاما بعد كفاح طويل مع مرض الشلل الرعاش ، لكن تأثير سياساته على الصين ازداد نموا بمرور الوقت.
وفى وقت كان معظم الصينيين يخافون فيه من مجرد ذكر مصطلح "اقتصاد السوق" ، بشر الزعيم الراحل دنغ بحماس بتبنيه اقتصاد السوق خلال جولته التفقدية التاريخية عام 1992 للجيوب الاقتصادية فى جنوب الصين .
ومن اشهر مقولاته التى تذكر دائما " ان ممارسة اقتصاد مخطط لا تعادل الاشتراكية ، حيث يوجد تخطيط أيضا فى ظل الرأسمالية ; وأن ممارسة اقتصاد سوق لا تعادل الرأسمالية لأن هناك اسواقا ايضا فى ظل الاشتراكية."
ويعتقد الخبراء ان هذه المفارقة التى تبدو بسيطة لكنها ذكية ، مهدت الطريق لتحول الصين الى اقتصاد سوق.
وقال لونغ بينغ بينغ ، نائب مدير مركز البحوث الادبية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى " لكن فى العقد الماضى فقط وضعت القيادة الصينية الجديدة فى النهاية طريقة تطوير نظام سوق اقتصادى اشتراكى."
ولم يعد ينظر لرجال الاعمال الخاصة باعتبارهم "اعداء الطبقة العاملة" ، وانما جزء منها - بل وحتى جزء "متقدم".
وادرج الحزب الشيوعى الصينى ، فى مؤتمره الوطنى السادس عشر الذى عقد فى بكين عام 2002 ، نظرية "التمثيلات الثلاثة" فى دستور الحزب. وتقول النظرية ان الحزب الشيوعى الصينى ، باعتباره الحزب الحاكم ، سيمثل دائما اتجاهات تنمية القوى الانتاجية المتقدمة ، وتوجهات الثقافة المتقدمة ، والمصالح الجوهرية للاغلبية الساحقة للشعب الصينى.
وقال لونغ "ان الاقتصاد الخاص المزدهر اصبح ينظر اليه كنوع من القوة الانتاجية المتقدمة التى سوف يدعمها الحزب ، ومن ثم تمنح نظرية التمثيلات الثلاثة مستثمرى القطاع الخاص حماية افضل ، ومساحة اكبر للتنمية."
ومن أجل تحسين نظام اقتصاد السوق الاشتراكى الذى تمت الموافقة عليه عام 2003 ، دعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى إلى تعزيز القطاع الخاص وتوجيهه بنشاط ، ومنح الشركات الخاصة نفس المعاملة فى مجالات الاستثمار ، والتمويل ، والضرائب ، واستخدام الاراضى ، والتجارة الخارجية.
وقد تم تعريف القطاع الخاص بأنه "جزء اساسى من النظام الاقتصادى" ، بعد "كفاح" من " جزء مكمل للقطاع المملوك للدولة" قبل ان يتحول الى "جزء هام من الاقتصاد" ، طبقا لوثائق الحزب.
واظهرت الاحصاءات فى سبتمبر العام الماضى ، ان القطاع الخاص فى الصين مثل نسبة 65 بالمئة من (اجمالى الناتج المحلى) ، وقد يصل الرقم إلى الثلاثة ارباع فى غضون خمس سنوات.
وفى السنوات العشر الاخيرة ، زاد اجمالى الناتج المحلى للصين من أكثر من 7 تريليون يوان (حوالى 875 مليار دولار امريكى) إلى اكثر من 20 تريليون يوان (حوالى 2.6 تريليون دولار امريكى) ، وقد نما ليصبح رابع اكبر اقتصاد فى العالم.
الثراء اولا ، الثراء معا
ادهش دنغ العالم بكلماته " غير الإشتراكية " -- " السماح لبعض المناطق وبعض الناس بأن تغتنى أولا" ، قبل ان تعرف اراؤه عن اقتصاد السوق بوقت طويل.
وقد حفز هذا الرأى ملايين الصينيين على الابتكار ، وبدء مشروعاتهم الأقتصادية الخاصة ، مما اعطى دفعة لإحياء اقتصاد البلاد.
وفى أوائل التسعينات ، شكلت الصين مجموعة غنية من سماسرة البورصة ، ورجال الاعمال الخاصة ، وحاملى الاسهم بمراكز القرى والشركات التعاونية ، ومدراء الشركات ، ونجوم البوب.
ورغم ان هذه المجموعة شكلت فقط نسبة صغيرة من اجمالى السكان ، إلا ان الثروات التى امتلكوها استمرت فى الزيادة. واظهرت الاحصاءات ان أغنى 10 بالمئة من السكان يملكون 40 بالمئة من الممتلكات السكنية ، بينما يمتلك أفقر 10 بالمئة 2 بالمئة من اجمالى هذه الممتلكات.
وظهر المزيد من الصراعات الاجتماعية مع اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
بيد ان هوانغ تشن هوا ، عامل تم تسريحه فى شانغهاى /58 عاما/ ، لديه مشاعر مختلطة حول دنغ شياو بينغ. فقد اقر بالتغيرات الهائلة التى احدثتها سياسة دنغ للإصلاح والإنفتاح فى الصين ، بيد انه لايزال يجد نفسه عاطلا.
يذكر ان شانغهاى ، باعتبارها قاعدة لعمال الصناعة بالصين ، كان لديها يوما جيشا كم 1.44 مليون موظف فى الشركات المملوكة للدولة خلال ذروتها . بيد ان اقتصاد السوق المتجه للمنافسة ، أجبر الشركات التى تديرها الدولة على اعادة الهيكلة طوال التسعينات ، مما خفض عدد العاملين الى أقل من 200 ألف .
وبقى معظم الناس ، الذين تحولوا الى عمالة زائدة ، مثل هوانغ ، فى المنازل بعد فقد وظائفهم ، معتمدين على رواتب منخفضة ، واعانات الحكومة التى تكفى فقط للوفاء بمستوى معيشة اساسى.
يتلقى هوانغ دخلا شهريا قدره 855 يوان (112.5 دولار امريكى) ، وهو مزيج من الراتب واشكال الدعم المختلفة. ويعمل الأن فى فريق دورية تنظمه الحكومة للحفاظ على النظام العام ، لكنه يوفر له شهريا 400 يوان اخرى فقط (53 دولار امريكى) شهريا.
وقال هوانغ " ان دنغ ذكر ان المناطق والناس الذين يغتنون أولا ، يتعين عليهم مساعدة الاخرين من أجل تحقيق الرخاء المشترك ، وقد تعهدت الحكومة المركزية ببناء مجتمع رغيد العيش ، وأتمنى ان يتحقق ذلك فى اقرب وقت ممكن."
يذكر ان دنغ اشار خلال جولته الشهيرة فى جنوب الصين عام 1992 ، بحزم إلى ان هدف الاشتراكية القادمة هو العمل على لتحقيق الرخاء المشترك.
وقال " علينا بحث ومحاولة حل المشكلة بمجرد ان تصل مستويات معيشة الشعب إلى مستوى الثراء النسبى بحلول نهاية القرن العشرين."
ومن اجل تحقيق امنيات دنغ التى لم تنفذ ، تبنت القيادة المركزية الجديدة للصين مفهوما علميا للتنمية يركز على التنمية الشاملة ، والمتوازنة ، والمستدامة على اساس "وضع الشعب أولا".
وقال الرئيس الصينى هو جين تاو ، خلال الاحتفال بذكرى ميلاد دنغ المئوية عام 2004 ، " انه إلى جانب الاسلوب العلمى ، يتعين على كل من الحزب والحكومة العمل من أجل تحقيق التنمية المنسقة بين المناطق الحضرية والريفية ، وبين المناطق المختلفة ، وبين الاقتصاد والمجتمع ، وبين الانسان والطبيعة ، وبين التنمية المحلية والانفتاح على العالم الخارجى."
وقال هو انه "يتعين على الصين تدعيم النمو الاقتصادى المستدام ، والسريع ، والمتوازن ، والصحى . وضمان أن تفيد ثمرة التنمية الشعب بأسره ."
واليوم ، اصبح " المجتمع المتناغم" العبارة المأثورة عن الحكومة الصينية فى البلاد .
وقال يان جيان تشى ، مدير مركز البحوث الادبية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى ، أن هذا هو آخر انجاز فى تطوير نظرية دنغ ، مضيفا انه سيمكن الشعب كافة من تقاسم الثروة الاجتماعية التى سيحققها الاصلاح والتنمية ، والمساعدة فى صياغة علاقة حميمة بشكل أكبر بين الشعب والحكومة.
- انتقال القيادة بسلاسة
طلب دنغ فى النهاية ان يتقاعد مبكرا ، الأمر الذى يؤمن يان جيان تشى بانه "احد اعظم الإسهامات التى قدمها دنغ للحزب والبلاد".
وفي مارس 1986 كشف دنغ النقاب للمرة الاولى عن انه يفكر في التقاعد من المناصب العليا، وفي وقت لاحق من نفس العام ، اكد مجددا فى مناسبات مختلفة الدعوة الى القضاء على نظام الولاية فى الرئاسة الصينية ، وانشاء آلية للتقاعد.
وعندما استقال اخيرا من منصبه الاخير كرئيس للجنة العسكرية المركزية التابعة للحزب الشيوعي الصيني، قال دنغ "اتمنى ان استطيع ان اعيش مثل شخص عادي ، بحياة بسيطة ، وان اتجول في الشوارع".
وقال يان " لقد كان اول اكبر شخص في الحزب يبادر بالتقاعد ، رغم جميع اشكال الضغط والاعتراضات، ولا زلت اذكر بعض عناوين الصفحات الاولى في الصحف ، مثل الرفيق شياو بينغ لا يمكن ان يتركنا ، لكنه فعل" وأضاف يان " انها كانت خطوة هامة للمضي قدما في اصلاح النظام السياسي فى الصين ، والتى عززت الانتقال السلمي للقيادة الى الجيل الجديد في السنوات التالية".
كما ترى الصين فى تخلي الرئيس السابق جيانغ تسه مين عن اكبر مركز فى الجيش الصيني في سبتمبر 2004 ، وتسليم منصبه الاخير الى هو جين تاو ، مما اتم انتقالا تاريخيا منظما للقيادة الى جيل اصغر.
حل هو محل جيانغ كرئيس للحزب عام 2002 ، وكرئيس للبلاد عام 2003.
ويعتقد المراقبون ان مثل التعاقب السلمي للقيادة هذا ضمن وجود بيئة سياسية جيدة للتنمية الاقتصادية الصينية ، والاصلاحات السياسية الاخرى.
وقال يان انه "في السنوات العشر الاخيرة، تقدم العمل التشريعي بسرعة غير متوقعة، مع ادراج الثمار المختلفة للاصلاح والانفتاح في حينها في القوانين، فيما تم دعم الحملة ضد الفساد بإطار مؤسسي متزايد الشمول ".
وقد سنت الصين حتى الآن اكثر من 400 قانون ، و800 لائحة ادارية ، و8000 قانون محلي.
وفي العام الماضي وحده ، ادت مكافحة الصين للكسب غير المشروع الى تقليل عدد المسئولين الفاسدين رفيعي المستوى، بما في ذلك الرئيس السابق للحزب فى شانغهاي تشن ليانغ يو ، اكبر مسئول شيوعي رتبة يتم طرده في تحقيق فساد في عقد من الزمان .
بيد ان اتساع فجوة الثراء ، وتدهور البيئة ، والفساد المتوطن ، لا تزال تشكل مخاوف رئيسية.
يذكر ان دنغ قال ان التنمية الاقتصادية السريعة لن تقل معها المشاكل عن ذى قبل ، مضيفا ان المزيد من الصراعات سوف تظهر في الصين بعد عقدين من الاصلاح والانفتاح.
وقال يان " ان دنغ شياو بينغ صرح بأن بداية القرن الحادي والعشرين ستكون فترة رئيسية لامتنا ، تتطلب منا تحمل المزيد من الواجبات والمهام".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق