محمد حسنين هيكل
صحيفة الإهرام القاهرية 21/2/1973
(من القرص المدمج: بصراحة، إصدار "البيت العربي للتوثيق العصري والنظم)
(الجزء الأول من ثلاثة أجزاء)
إذا أحس أحد من خلال ما أكتب هذه المرة أن إعجابى ظاهر "بشوين لاى" رئيس وزراء الصين. فهذا الإحساس صحيح. ولست أداريه، ولا أحاول، وإنما أعترف به منذ اللحظة الأولى لكى أريح نفسى، ولكى أنبه الذين يقرأون، لعلهم يستطيعون أن يفصلوا بين ما هو "ذاتى"، وما هو "موضوعى" فى سياق هذا الحديث!
و الإعجاب يختلف عن الحب.
و فى حين أننا نستطيع أن نمارس الحب فى غيبة العقل، فإن الإعجاب لا يمكن أن يحدث بعيداً عنه، أى أن الإعجاب لا بد أن تكون له أسباب عاقلة، وإن لم يمنع ذلك من وجود أشياء أخرى فى الإعجاب لا تدخل من باب العقل، وإنما تنساب من خلال المشاعر.
و أكاد أقول أن الإعجاب ينبع من مصادر ثلاثة:
الأول: عملى صرف، مرده إلى تقدير دور من نوليه إعجابنا فى الحياة أو فى التاريخ.
الثانى: فكرى مجرد، ينشأ من رؤيتنا لإنسان يفكر ويتحرك برؤية صافية ومنسجمة، وبغض النظر عن النجاح أو الفشل.
الثالث: لا شعورى، ينفذ إلينا بالإيحاءات والإيماءات وحدها.
وحين قابلت شوين لاى أخيراً، فلقد كنت أتساءل قبل الموعد المحدد للمقابلة:
- "كيف سأجده هذه المرة؟
و ماذا فعلت به أوقات الأزمة خصوصاً خلال الثورة الثقافية ورياحها العاصفة؟
و ماذا فعلت به لحظات الانتصار، خصوصاً حين جلس يتفاوض فى بكين مع ريتشارد نيكسون. الذى طرق بيده باب الصين مستأذناً فى الدخول،. بعد حياة طويلة بناها على احتواء الصين وحصارها؟
و أهم من ذلك، ماذا فعلت به أعباء رئاسة الوزارة فى الصين، وقد مضى على تحمله لها أربعة وعشرون عاماً. وأظنها أطول مدة قضاها رئيس وزراء فى العصر الحديث، وإذا تذكرنا أن ذلك كان فى الصين، حيث رئيس الوزراء مسئول عن ثمانمائة مليون من البشر، وعن تجربة هائلة، قدر له أن يكون مهندسها ومنفذها، إذن فإن الأثقال لابد أن تكون فى حمل الجبال!
و كنت قد التقيت مع شوين لاى قبل ذلك مرتين:
مرة فى باندونج سنة 1955، وكان حديث شوين لاى وقتها مركزاً على نقطة واحدة. هى أنه يريد أن يقنع دول آسيا وأفريقيا بأن الصين شريكة لها فى النضال:
... برغم أنها شيوعية حمراء. فهى جزء من حركة التحرر الوطنى.
... وبرغم حجمها الهائل، فإنها بلد متخلف يسعى إلى التقدم مثلما يسعى الآخرون.
وأعتقد أن شوين لاى نجح فى ذلك نجاحاً بعيد الأثر.
وكانت المرة الثانية فى القاهرة سنة 1965، وكان "شوين لاى" قد قضى فى القاهرة وقتها قرابة الاثنى عشر يوماً فى انتظار انعقاد المؤتمر الآسيوى الأفريقى الثانى بعد باندونج، وكان مقرراً عقده فى الجزائر، فى قصر الصنوبر، الذى بنى خصيصاً لهذا المؤتمر واتسع بعد ذلك لمؤتمرات دولية أخرى.
وأتذكر أن شوين لاى ركز فى ذلك اللقاء معه على ثلاث نقط، اعترف بأن الأيام أثبتت صحتها إلى أبعد مدى، وكان حديثه عنها فى ذلك الوقت المبكر شعاعاً نافذاً إلى المستقبل الذى لم يجئ بعد.
* كانت النقطـة الأولى التى ركز عليها هى رأيه فى محاولة الولايات المتحدة الأمريكية أن تحتوى الصين، وأن تحاصرها.
وأتذكر يومها قوله:
- لا يهم ما يحاوله غيرنا، وإنما الأهم ما نشعر نحن به فى قرارة أنفسنا.
إذا كنا نعتقد أننا نمثل تياراً تاريخياً صحيحاً، فلا بد أن نلزم مواقعنا ولا نتحرك منها، وليس يهم أن ينكر الآخرون وجودنا، لأن التجربة سوف تعلمهم، وسوف يأتى يوم - مهمها طال الوقت - يجيئون فيه إلينا معترفين بوجودنا، مع العلم بأن وجود أية قوة لا يتوقف على اعتراف الآخرين بها، وإنما يتوقف على اليقين الذى تجده داخل نفسها.
هل نحن على حق تاريخياً... أم إننا لسنا على حق؟... هذا هو السؤال!
و هل نحن قوة على الخريطة وحقيقة... أم إننا لسنا قوة وحقيقة؟.. هذه بقية السؤال!!
ما يفعله الآخرون من شأنهم.
أما شأننا نحن فهو أن ندافع عن مواقعنا حتى تجىء اللحظة التى يستيقظ فيها الغافلون.
وكانت النقطة الثانية التى ركز عليها هى رأيه فى سياسة تصعيد الحرب التى لجاً إليها الرئيس الأمريكى - فى ذلك الوقت - ليندون جونسون بالنسبة لفيتنام.
و أتذكر يومها قول شوين لاى:
- إننا نشعر بأن بعض أصدقائنا يخشون علينا من هذا التصعيد، ونحن نختلف معهم.
نحن نريد أكبر قدر من التورط الأمريكى فى فيتنام، ونعتقد أنه كلما زاد عدد الجنود الأمريكيين فى الهند الصينية، فإن ذلك تأمين لنا.
كان أكثر ما نخافه هو أن تضرب الولايات المتحدة من بعيد ولا يكون فى متناول سلاحنا، أو حتى أظافرنا أن تطول لحمها الحى.
اتركوا الولايات المتحدة تصعد... ليصبح لها نصف مليون جندى فى فيتنام، أو حتى مليون جندى فى فيتنام، فى النهاية فإن هذا الجيش الأمريكى سوف يصبح رهائن على الأرض الآسيوية، وذلك يجعلهم بالنسبة لنا بوليصة تأمين.
ذلك سوف يجعلهم يحاذرون ويحرصون على حصر ميدان القتال، وليس على توسيعه كما يتصور البعض. لأنهم إذا أقدموا على تصرف من شأنه أن يؤدى إلى تدخل الصين. فإنهم يعرفون أننا نستطيع أن نقذف إلى الميدان بملايين بعد ملايين من البشر، وسوف تستطيع ملايننا أن تبتلع آلافهم، أو حتى مئات آلالاف منهم وهم يفهمون ذلك.
تورطهم بالتصعيد مفيد لنا فاتركوهم، لأن هذا التورط يعطينا أكبر قدر من الأمان، ثم أنه يعطينا الفرصة للتأثير على المجتمع الأمريكى نفسه، لأنه لا شىء يقلق أى مجتمع من المجتمعات مثل أن يرى نفسه ينزف، وينزف كل يوم على أرض بعيدة!".
*وكانت النقطة الثالثة التى ركز عليها شوين لاى هى مناقشاته وقتها مع جمال عبد الناصر، حول رغبة الاتحاد السوفيتى فى الاشتراك فى المؤتمر الآسيوى الأفريقى، على أساس أن الاتحاد السوفيتى يعتبر نفسه قوة آسيوية بحكم امتداده إلى الشرق فى آسيا
و الإعجاب يختلف عن الحب.
و فى حين أننا نستطيع أن نمارس الحب فى غيبة العقل، فإن الإعجاب لا يمكن أن يحدث بعيداً عنه، أى أن الإعجاب لا بد أن تكون له أسباب عاقلة، وإن لم يمنع ذلك من وجود أشياء أخرى فى الإعجاب لا تدخل من باب العقل، وإنما تنساب من خلال المشاعر.
و أكاد أقول أن الإعجاب ينبع من مصادر ثلاثة:
الأول: عملى صرف، مرده إلى تقدير دور من نوليه إعجابنا فى الحياة أو فى التاريخ.
الثانى: فكرى مجرد، ينشأ من رؤيتنا لإنسان يفكر ويتحرك برؤية صافية ومنسجمة، وبغض النظر عن النجاح أو الفشل.
الثالث: لا شعورى، ينفذ إلينا بالإيحاءات والإيماءات وحدها.
وحين قابلت شوين لاى أخيراً، فلقد كنت أتساءل قبل الموعد المحدد للمقابلة:
- "كيف سأجده هذه المرة؟
و ماذا فعلت به أوقات الأزمة خصوصاً خلال الثورة الثقافية ورياحها العاصفة؟
و ماذا فعلت به لحظات الانتصار، خصوصاً حين جلس يتفاوض فى بكين مع ريتشارد نيكسون. الذى طرق بيده باب الصين مستأذناً فى الدخول،. بعد حياة طويلة بناها على احتواء الصين وحصارها؟
و أهم من ذلك، ماذا فعلت به أعباء رئاسة الوزارة فى الصين، وقد مضى على تحمله لها أربعة وعشرون عاماً. وأظنها أطول مدة قضاها رئيس وزراء فى العصر الحديث، وإذا تذكرنا أن ذلك كان فى الصين، حيث رئيس الوزراء مسئول عن ثمانمائة مليون من البشر، وعن تجربة هائلة، قدر له أن يكون مهندسها ومنفذها، إذن فإن الأثقال لابد أن تكون فى حمل الجبال!
و كنت قد التقيت مع شوين لاى قبل ذلك مرتين:
مرة فى باندونج سنة 1955، وكان حديث شوين لاى وقتها مركزاً على نقطة واحدة. هى أنه يريد أن يقنع دول آسيا وأفريقيا بأن الصين شريكة لها فى النضال:
... برغم أنها شيوعية حمراء. فهى جزء من حركة التحرر الوطنى.
... وبرغم حجمها الهائل، فإنها بلد متخلف يسعى إلى التقدم مثلما يسعى الآخرون.
وأعتقد أن شوين لاى نجح فى ذلك نجاحاً بعيد الأثر.
وكانت المرة الثانية فى القاهرة سنة 1965، وكان "شوين لاى" قد قضى فى القاهرة وقتها قرابة الاثنى عشر يوماً فى انتظار انعقاد المؤتمر الآسيوى الأفريقى الثانى بعد باندونج، وكان مقرراً عقده فى الجزائر، فى قصر الصنوبر، الذى بنى خصيصاً لهذا المؤتمر واتسع بعد ذلك لمؤتمرات دولية أخرى.
وأتذكر أن شوين لاى ركز فى ذلك اللقاء معه على ثلاث نقط، اعترف بأن الأيام أثبتت صحتها إلى أبعد مدى، وكان حديثه عنها فى ذلك الوقت المبكر شعاعاً نافذاً إلى المستقبل الذى لم يجئ بعد.
* كانت النقطـة الأولى التى ركز عليها هى رأيه فى محاولة الولايات المتحدة الأمريكية أن تحتوى الصين، وأن تحاصرها.
وأتذكر يومها قوله:
- لا يهم ما يحاوله غيرنا، وإنما الأهم ما نشعر نحن به فى قرارة أنفسنا.
إذا كنا نعتقد أننا نمثل تياراً تاريخياً صحيحاً، فلا بد أن نلزم مواقعنا ولا نتحرك منها، وليس يهم أن ينكر الآخرون وجودنا، لأن التجربة سوف تعلمهم، وسوف يأتى يوم - مهمها طال الوقت - يجيئون فيه إلينا معترفين بوجودنا، مع العلم بأن وجود أية قوة لا يتوقف على اعتراف الآخرين بها، وإنما يتوقف على اليقين الذى تجده داخل نفسها.
هل نحن على حق تاريخياً... أم إننا لسنا على حق؟... هذا هو السؤال!
و هل نحن قوة على الخريطة وحقيقة... أم إننا لسنا قوة وحقيقة؟.. هذه بقية السؤال!!
ما يفعله الآخرون من شأنهم.
أما شأننا نحن فهو أن ندافع عن مواقعنا حتى تجىء اللحظة التى يستيقظ فيها الغافلون.
وكانت النقطة الثانية التى ركز عليها هى رأيه فى سياسة تصعيد الحرب التى لجاً إليها الرئيس الأمريكى - فى ذلك الوقت - ليندون جونسون بالنسبة لفيتنام.
و أتذكر يومها قول شوين لاى:
- إننا نشعر بأن بعض أصدقائنا يخشون علينا من هذا التصعيد، ونحن نختلف معهم.
نحن نريد أكبر قدر من التورط الأمريكى فى فيتنام، ونعتقد أنه كلما زاد عدد الجنود الأمريكيين فى الهند الصينية، فإن ذلك تأمين لنا.
كان أكثر ما نخافه هو أن تضرب الولايات المتحدة من بعيد ولا يكون فى متناول سلاحنا، أو حتى أظافرنا أن تطول لحمها الحى.
اتركوا الولايات المتحدة تصعد... ليصبح لها نصف مليون جندى فى فيتنام، أو حتى مليون جندى فى فيتنام، فى النهاية فإن هذا الجيش الأمريكى سوف يصبح رهائن على الأرض الآسيوية، وذلك يجعلهم بالنسبة لنا بوليصة تأمين.
ذلك سوف يجعلهم يحاذرون ويحرصون على حصر ميدان القتال، وليس على توسيعه كما يتصور البعض. لأنهم إذا أقدموا على تصرف من شأنه أن يؤدى إلى تدخل الصين. فإنهم يعرفون أننا نستطيع أن نقذف إلى الميدان بملايين بعد ملايين من البشر، وسوف تستطيع ملايننا أن تبتلع آلافهم، أو حتى مئات آلالاف منهم وهم يفهمون ذلك.
تورطهم بالتصعيد مفيد لنا فاتركوهم، لأن هذا التورط يعطينا أكبر قدر من الأمان، ثم أنه يعطينا الفرصة للتأثير على المجتمع الأمريكى نفسه، لأنه لا شىء يقلق أى مجتمع من المجتمعات مثل أن يرى نفسه ينزف، وينزف كل يوم على أرض بعيدة!".
*وكانت النقطة الثالثة التى ركز عليها شوين لاى هى مناقشاته وقتها مع جمال عبد الناصر، حول رغبة الاتحاد السوفيتى فى الاشتراك فى المؤتمر الآسيوى الأفريقى، على أساس أن الاتحاد السوفيتى يعتبر نفسه قوة آسيوية بحكم امتداده إلى الشرق فى آسيا
(يتبع)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق