صحيفة واشنطن بوست الأميركيةاوفيل شول
بينما ينصب الهواء البارد اللاذع من سيبيريا كل شتاء، يظل من أكثر مفاتن هذه العاصمة القديمة مشاهدة الناس وهم يتوجهون زرافات الى قنوات وبحيرات بكين المتجمدة الأخاذة لممارسة التزلج على الجليد. ومع ذلك، تم كسر درجة الحرارة القياسية في هذه السنة للمرة الأولى منذ 161 عاماً، وعلى نحو أدى إلى ذوبان الجليد في أوائل شباط - فبراير. وفيما كانت النساء الشابات يسرن في شوارع بكين وقد ارتدين التنانير القصيرة بدلاً من الملابس الشتائية الثقيلة، ووجه الصينيون بظاهرة الاحترار الكوني على نحو صاعق.
في واقع الأمر، وأينما حط المرء تقريباً في الصين اليوم، فإنه يجد التبعات البيئية لقفزة البلاد الاقتصادية واضحة للعيان. وقد كشفت رحلة قمت بها مؤخراً إلى شمال غرب بكين عبر مقاطعة شانكسي الغنية بالفحم عن مساحة شاسعة لا تنتهي من الأبيض والأسود، حيث قلما تشرق الشمس بفعل تلوث الهواء الخارج عن السيطرة بسبب المصانع التي تدار بالفحم، والتي تنتج الطاقة الكهربائية والاسمنت والسماد. وفي الغضون، يقول الجيولوجيون الآن إن ثمة معدل ذوبان تبلغ نسبته 7% يحصل هناك على هضبة التبت، حيث دأبت أنهار الجليد لآلاف السنين على تغذية أنظمة الانهار الرئيسية في آسيا - يانغتزي، ييلو، ميكونغ وبراهما بوترا- وهو ما يعطي لهذه المجاري المائية المغذية لشرايين الحياة جداول تأمين تقل عن عقدين. وفي عام 2000، أورد برنامج الامم المتحدة الانمائي ان تلوث الهواء يتسبب اصلاً في حدوث 400.000 حالة وفاة قبل اوانها كل سنة. وليس في ذلك مثار استغراب لان الصين تضم ما بين 16 إلى 30 مدينة هي الأسوأ من حيث تلوث الهواء في العالم.
في صين اليوم، تبدو الطبيعة آخذة في التلاشي، وفي قلب هذه الأزمة البيئية يقيم الفحم الذي تستقي الصين منه ما نسبته 69% من طاقتها الاولية، وما يصل إلى 52% من كهربائها. وتستخدم الصين اكثر من 2.2 بليون طن متري من الفحم كل سنة -أي اكثر من الولايات المتحدة والهند وروسيا مجتمعة- وتنتج انبعاثات تقليدية مؤذية أكثر من الولايات المتحدة.
وفي وقت ما من السنة المقبلة، فإن الصين ربما تتجاوز الولايات المتحدة في انبعاثات غاز الدفيئات، لكن الفرد العادي في الصين ما يزال يستهلك في المعدل اقل من خمس الطاقة التي يستهلكها الفرد الاميركي في المعدل. وحتى تحقق الصين نفس المستوى الذي تحققه الولايات المتحدة، فإن عليها أن تضاعف ثلاث مرات من استخدامها للفحم، خالقة زيادة هائلة في حجم الملوثات وغازات الدفيئات في وقت يتسم بطلب كبير على الطاقة في الصين، ويتم افتتاح مصنع جديد للطاقة فيها كل أسبوع.
إن الصين ليست وحدها في ذلك، إذ إن ولدى الولايات المتحدة ما بين 100-160 مصنعاً تشتغل بالفحم، وكلها يصل عمرها الى حوالي 40 سنة، وليس فيها اي مصنع مجهز لالتقاط ثاني اكسيد الكربون وعزله. وفي الحقيقة، ونظراً إلى أن النفط والغاز قد أصبحا باهظي الثمن باطراد، وجدت البلدان الغنية بالفحم نفسها تعول على الفحم أكثر من ذي قبل. وستكون التبعات الكونية للاستمرار في هذا الاتجاه من دون تبني تكنولوجيات "فحم نظيف" مكلفة للغاية.
بالنسبة لاولئك الذين لا يشعرون بالتأثر بسبب التهديد الاكثر بعدا للتغيير المناخي، فإن هناك دائما تلك المشكلة الآنية للملوثات التقليدية. وتقدر ادارة حماية البيئة في الصين ان انبعاثات ثاني اكسيد الكبريت وحدها تتسبب في خسارة سنوية لاجمالي الناتج القومي الصيني تصل نسبتها الى 12%، وهو ما يعادل تقريبا نفس معدلها المؤثر للنمو.
وفي الاثناء، اختارت الولايات المتحدة الانسحاب من بروتوكولات كيوتو في حين وقعت الصين كدولة نامية "غير ضامنة"، ما يعني انها غير ملزمة بالوفاء بأي التزامات ملزمة لخفض انبعاثاتها. وفي تشرين الثاني- نوفمبر الماضي، الزمت الصين نفسها بسحب 15% من طاقتها من مصادر قابلة للتجديد مع حلول العام 2020، وبخفض الطاقة التي تستهلكها بالوحدة من اجمالي الناتج المحلي بواقع 20% خلال خمس سنوات. لكن بكين لم تخفق خلال النصف الاول من السنة الماضية في الوفاء بهذه الاهداف فحسب، بل كان لديها زيادة نسبتها 8% في استهلاك الطاقة بالوحدة من اجمالي الناتج المحلي. كما ان التقارير الاولية تفيد بان المرافق الكهرومائية في منطقة "ثري جورجيز" لم تمتلئ بالماء، ويبدو ان نهر يانغتزي لا يتدفق بسرعة كافية بعد للحفاظ على التوربينات في حالة حركة.
لأنهم قلقون حيال الحفاظ على معدلات نمو اقتصادي عالية لدرجة تكفي للمحافظة على النظام الاجتماعي، عمد المسؤولون الصينيون مؤخراً إلى التقليل من حدة الاستنتاجات المنذرة التي تضمنها تقرير الأمم المتحدة الذي صدر حديثاً، والمتعلق بالتغير المناخي، واكدوا مجددا عدم رغبتهم في الزام الصين بأي محددات فيما يتعلق بانبعاثات غاز البيوتات المحمية.
يقول كين داي، وهو مفاوض صيني رفيع المستوى في التغير المناخي في معرض تبريره لعدم اتخاذ الصين اي اجراء "ان الصين ما تزال بلدا ضخما ناميا". وثمة درجة معينة من العدالة في وجهة نظر الصين الرسمية، فبعد كل شيء، ولاكثر من قرن، ظلت الولايات المتحدة باعثا كبيرا لثاني اكسيد الكربون، وهي تستمر في رفض مواجهة حقيقة كونها اكبر منتج لغازات البيوتات المحمية في العالم.
بوجود عدالة او عدم وجودها، فإن العالم يبدو وقد ترك لمواجهة وضع اختار فيه أكثر الملوثين ضخامة ان يكونا خارج الحل. واذا ما امتنعت أميركا عن ان تكون في الريادة، فإن الصين ستحذو حذوها وستكون النتائج مأساوية، اذا سيعاني كلا البلدين بشكل مؤلم وكذلك باقي العالم.
إذن، ما ذا يجب عمله؟
ستمثل الانتخابات الرئاسية الاميركية التالية فرصة سريعة التلاشي، حيث يمكن اقناع المرشحين بأن يلزموا انفسهم بانتهاج جهد رئيسي تعاوني جديد لمعالجة المشاكل العامة. وما الذي يمكن ان يكون واعدا اكثر من ان ينتهز زعماؤنا بشكل مشترك فرصة لجم القيادة الكونية الضائعة وقيادة بلدينا والعالم إلى خارج هذا الجمود؟ إن مما يثير الاهتمام ان كلا البلديين هما بحاجة الى ولادة جديدة لقيادات وطنية، الولايات المتحدة بسبب المأزق في العراق والسياسة الخارجية لادارة بوش، والصين بسبب ثورتها الماركسية الفاشلة التي ما زالت غير قادرة على التخلص كلية من آثارها.
كيف نمضي الى الامام؟ عن طريق تشكيل ائتلاف من علماء وإداريين وخبراء سياسة محترمين، والذي يدعو الى عقد قمة طارئة رفيعة المستوى مع نظراتهم في الصين ثم حمل مرشحي الرئاسة الاميركيين على التعهد بجعل موضوع التغير المناخي وموضوع الفحم في المقدمة. ويجب ان يكون الهدف النهائي هو التعهد بجمع مبلغ 25 بليون دولار على ان تقدم الولايات المتحدة رأس المال والمعرفة التكنولوجية والمهارات التعاقدية والادارية، وعلى ان تقدم الصين بعض مواردها وبحوثها وقاعدتها الانتاجية منخفضة الكلفة وطاقة السوق المذهل لديها لدعم جهود تحسين المناخ.
ان هذه الخطة لن تكون فقط خطوة مشجعة الى الامام باتجاه حل مشكلة العالم الملحة الاطول مدى، لكنها ايضا ستجلب الولايات المتحدة والصين سوية الى التشارك في جهد جديد. وفي الحقيقة، فإن اي مبادرة تستطيع ان تبدأ بتخفيف المخاوف الاميركية من ان الصين قد تشكل تهديدا اقتصاديا او عسكريا، وتستطيع في نفس الوقت تبديد المخاوف الصينية من ان هذا البلد يسعى الى الانكار على الصين حق القيام بدورها المستحق في النظام العالمي هو المكان الذي ينبغي الانطلاق منه.
واخيرا، وبالنسبة لاولئك الواقعيين الذين يفهمون ان المشروعات المكلفة نادرا ما تكون مسألة ايثار صرف، فإنه من الجدير التذكر بأن مبادرة من هذا القبيل تقدم المرشحين الذين يمثلون بالضبط نوع اقتراح "اكسب- اكسب" الذي طالما أقلق الناخبين، والذين يبدون الآن شغفا لدعمه. واضافة الى ذلك، فإن الولايات المتحدة والصين إذا ما نجحتا في ايجاد طريقة لتبني مثل هذا الجهد الجماعي، فإن ذلك لن يكون تعبيراً تاريخياً عن قيادة سياسية كونية مشتركة فحسب، لكنه يمكن ان يحول الدولتين الى شريكين ايجابيين في قلب ما قد يصبح قطاعا جديدا ديناميكيا ومربحا في الاقتصاد الكوني.
سواء شئنا ان نعترف بذلك ام لا، فإن الولايات المتحدة والصين تظلان تجدان أشياء تجمعهما سوية بشكل لا يقبل النقض بفضل هذه المشكلة المشتركة. وسواء رغبنا بذلك ام لا، فقد اصبح كل من البلدين حافظا للاخر. وما لم يجد قادتنا طرقا جديدة للتعاون في مواجهة هذا التحدي الملحمي، فإن العالم كله سيدفع ثمنا مؤلما.

هناك تعليق واحد:
vive la chine!
إرسال تعليق