السبت، 16 يونيو 2007

عدوى العقدة الصينية إلى مجموعة السبع

صحيفة الخليج الاماراتية
عصام الجردي
من يلجم الجواد الصيني ؟ هذه هي كلمة السر في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أن عدوى “العقدة الصينية” بدأت تصيب ايضاً شركاء الولايات المتحدة في مجموعة الدول الصناعية السبع، ما اعتبر انجازاً في لقاء قمة المجموعة الأخير الذي عقد في ألمانيا، فيما وصف زعماء المجموعة “تفهم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، للمخاطر التي تترتب على العالم جراء ازدياد الانبعاث الحراري ومعدلات التلوث” بأنه لا يعدو ذراً للرماد في العيون، في غياب أي التزام واضح من طرف الرئيس الأمريكي قابل للتطبيق في فترة ثمانية عشر شهراً متبقية على إقامته في البيت الأبيض.
الكلام الصريح كان في الرسالة الى الصين التي جاءت شديدة الوضوح: زيادة سعر اليوان الصيني وضرورة اعتماد الصين معايير فاعلة لمواجهة التلوث الصناعي، والمطلبان هما في الواقع مطلب واحد للحد من الفائض التجاري الصيني الذي تتضرر منه الدول الصناعية عموماً، وخصوصاً الولايات المتحدة.
هناك محاولة مكشوفة الآن من الإدارة الأمريكية لتحوير الانبعاث الحراري والتلوث البيئي من الولايات المتحدة والمجموعة الصناعية إلى الصين، والهدف اقتصادي في خلفيته وانساني في واجهته. نعم، الصين باتت في عداد الدول الرئيسية في العالم لناحية انبعاثات الغازات الدفيئة، وثاني أكسيد الكاربون، نتيجة الثورة الصناعية التي تشهدها والنمو الاقتصادي الكبير، فإذا كانت الغاية ذات صلة بالبيئة حقا فما على الإدارة الأمريكية إلا البدء بنفسها: الموافقة على اتفاقية “كيوتو” أولا، والتزام برنامج زمني لخفض الانبعاث الحراري في اقتصاد يمثل ربع الاقتصاد العالمي، أشرنا في مقال سابق إلى أن جزءاً من الانبعاث الحراري والتلوث في الصين ناجم عن صناعات أمريكية ومتعددة الجنسية انتقلت إلى الصين بدعوى العمالة الرخيصة. أي أن المعايير المعتمدة للتلوث الحراري والبيئي يفترض أن تأخذ في الحسبان مسؤولية الدول الصناعية عن ذلك داخل حدودها، وخارجها ايضاً، والصين في مقدمة هذا الخارج، من دون أن تعفي هذه الحقيقة مسؤولية الصين حيال التساهل في معايير البيئة.
ثم - وهنا مربط الفرس - مطلوب من الصين الانفاق على تكنولوجيات مكافحة التلوث باستيرادها من مجموعة الدول السبع، انما لإعادة التوازن المفقود في مجال التجارة الدولية، أكثر منه الحفاظ على البيئة، وبذلك تسترد الولايات المتحدة وأوروبا جزءاً من الفائض التجاري من الصين، أو تضطر الصين إلى إغلاق مصانع تغزو منتجاتها أسواق دول المجموعة.
“الجواد الصيني” يربض على أكبر احتياطي عملات اجنبية في العالم بواقع تريليون و300 مليار دولار أمريكي. يأتي ذلك في طبيعة الحال من فوائض لا تتوقف في الحساب الجاري. وهذه الفوائض يقابلها نمو حقيقي في الاقتصاد، وكتلة من السلع والخدمات على النحو الذي ينفي عنها سمة التضخم، وهو حتى يونيو/حزيران الجاري بقي معدله بواقع 2،3 في المائة. وبحسب تقديرات حكومية صينية سيتراجع إلى 1،8 في المائة في نهاية العام 2007.
في “صيدلية الاقتصاد” لا عقاقير شافية من داء العجز التجاري الأمريكي مع الصين، ولا من فكاك “العقدة الصينية” وهاكم أمثلة:
فكت الصين ارتباط اليوان بالدولار الأمريكي المتباطئ في صيف العام ،2005 فارتفع سعر صرف اليوان 2،1 في المائة، ثم نحو 5 في المائة حتى يونيو/حزيران العام 2007.
- رفع بنك الشعب الصيني (المركزي) معدل الفائدة الرئيسي على اليوان ثلاث مرات.
- زاد المصرف المركزي نفسه احتياطي المصارف المعقم لديه إلزامياً خمس مرات، منذ ابريل/نيسان 2006.
ماذا تعني العقاقير تلك في “صيدلية الاقتصاد”؟ كلها تصب في اتجاه دفع العملة الصينية إلى الارتفاع هذا مطلب أساسي للرئيس بوش في حله وترحاله. ويعتقد انه كناية عن “درع صاروخي” في ساحة تيان نان من في قلب بكين كفيل بردع الصادرات الصينية عن غزو الأسواق الأمريكية وتعديل الميزان التجاري لمصلحته. ومع ذلك بقي الفائض التجاري المريع لمصلحة الصين، وسجل حتى مايو/أيار الماضي نحو 86 مليار دولار امريكي، وماضٍ وفق التقديرات الى نحو 265 ملياراً فائضاً كلياً في نهاية العام الجاري.
وبقي العجز التجاري الأمريكي كبيرا إذ سجل في ابريل/نيسان الماضي 58،5 مليار دولار.
تلامذة جون مينارد كينز، وملتون فريدمان من مستشاري بوش الاقتصاديين في البيت الأبيض، وفي الخزانة ومجلس الاحتياط الفيدرالي يدركون ان هنالك حدوداً لرفع الفائدة، وكبح السيولة المخصصة للائتمانات المصرفية، والاستثمارات، ومع ذلك فالضغط مستمر من طرف بوش لزيادة سعر صرف اليوان الصيني، على خلفية النظرية الاقتصادية الشائعة أن زيادة سعر العملة تكبح الصادرات والعكس صحيح ايضاً فخفض سعر العملة يسرع منها ويحفزها.
لم يسأل الرئيس الأمريكي مستشاريه: لماذا ثبت عقم النظرية الصحيحة “نسبيا” تلك في بلاده، وميزانه التجاري يعاني عجزاً مطرداً رغم تراجع الفائدة الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى أدنى معدل لها منذ 42 عاما، وتراجع سعر صرف الدولار الأمريكي نحو 40 في المائة على اليورو، وبنسب كبيرة جدا على كل العملات الدولية؟
يعلم الرئيس بوش ومستشاروه حق العلم، أن سعر صرف الدولار، والسياسة النقدية الأمريكية مسألتان تخصان الاقتصاد العالمي ايضاً، وتراجع سعر صرف الدولار الأمريكي الحق اضراراً بالغة بدول نامية وفقيرة تبيع صادراتها ومواردها الطبيعية بعملة بلاده، وتلوذ هذه الدول بالصمت.
وحدها الصين قالت لبوش إن مشكلة عجزه التجاري في مكان آخر في الاقتصاد والموازنة وسياسة الفتوحات.
كم نفرح حين يخفق هذا الرئيس في حل “العقدة الصينية” وكم نغتبط حين يقلب بين يديه سلعة من انتاج الصين قال عنها اتحاد المستهلكين الأمريكيين إن من حق المستهلك الأمريكي شراءها بنوعية جيدة وسعر منخفض.

ليست هناك تعليقات: