
نشرة "الصين بعيون عربية" ـ العدد الرابع
مسعود ضاهر
صحيفة المستقبل اللبنانية 14/06/2007
بعد أن حققت الصين إصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة في السنوات الثلاثين الماضية، تزايد التساؤل المنهجي حول طبيعة النظام السياسي السائد فيها والذي قاد تلك الاصلاحات النوعية بنجاح ملحوظ. وكثيراً ما تحدث المحللون السياسيون عن أن الصين قطعت نهائياً مع النظام الاشتراكي واختارت الرأسمالية المراقبة، في حين يصر باحثون صينيون على أن دولتهم ما زالت اشتراكية، يحكمها حزب شيوعي يمنع قيام أحزاب أخرى، ولديها جيش قوي يدين بالعقيدة الشيوعية.
ليس من شك في أن الصين تبني نوعاً جديداً من الاشتراكية لم يرد في مؤلفات آباء الماركسية بل استنبطته القيادة الصينية في عهد الرئيس ديسياو بينغ، رائد سياسة الاصلاح والانفتاح في الصين المعاصرة، علماً أن مقولاته اعتبرت هرطقة سياسية ضد النظام الشيوعي وأدخلته السجن لعدة سنوات إبان ثورة الرئيس ماو تسي تونغ الثقافية، وبعد وفاة ماو، عاد ديسياو بينغ الى واجهة السلطة، وبدأ بتطبيق أفكاره الجريئة عن الاشتراكية الجديدة التي عرفت باسم: "الاشتراكية بخصائص صينية".
وما زالت المدرسة الحزبية المركزية لدى الحزب الشيوعي في الصين وفية لتلك المقولات وللتأكيد على أن الصين لم تتخل يوماً عن الاشتراكية، وأن مقولة الاشتراكية بخصائص صينية تتضمن جوانب تفصيلية مهمة منها: "اقتصاد السوق الاشتراكية". و"دولة بنظامين: اشتراكي على المستوى السياسي وليبرالي على المستوى الاقتصادي"، و"النضال من أجل عولمة أكثر انسانية"، وغيرها.
لذلك حملت مجلة "الأبحاث" التي تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في عددها الثاني لهذا العام والصادر في 8 أيار 2007 مقالة مهمة للبروفسور "تشنغ كانغ شنغ"، رئيس جمعية علم الاجتماع الصينية. وقد حلل فيها التوجه الأساسي للمجتمع الصيني في المرحلة الراهنة، مفنداً المقولات السائدة في بعض الأوساط الأكاديمية الصينية والعالمية.
وأبرز ما جاء فيها ان تفكيك الاتحاد السوفياتي حمل تغييراً جذرياً طال دول أوروبا الشرقية في مطلع تسعينات القرن العشرين. فشهدت تلك الدول تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية حولتها بسرعة الى دول رأسمالية وفق النماذج الأوروبية الغربية، وكان الهدف منها تطهير تلك الدول من المقولات الاشتراكية السابقة وتبنيها مقولات رأسمالية خالصة من قبل أن يتم الاعتراف بعضويتها في نادي الرأسماليين الجدد في دول الاتحاد الأوروبي، ووصفت تلك التغييرات بأنها إعادة تأهيل سريعة وجذرية لمجتمعات أوروبا الشرقية من مخلفات الشيوعية تمهيداً لدمجها في النظام الرأسمالي العالمي.
ومع نجاح تلك التجارب ودخول دول أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي ودائرة "اليورو"، اعتقد كثير من الباحثين أن الصين تسير في الاتجاه نفسه، وأنه يتم تحضيرها بعناية فائقة لتطهير المجتمع الصيني من مقولات النظام الشيوعي تمهيداً للحظة الحاسمة التي تعلن فيها القيادة الصينية تخليها نهائياً عن الاشتراكية.
لقد فسر التحوّل الشمولي الجاري الآن في الصين، وانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية التي كانت ملحقة به في أوروبا الشرقية بأنه انتصار نهائي للرأسمالية على الاشتراكية وتم توصيف سياسة الاصلاح والانفتاح التي بدأتها الصين منذ العام 1978 بأنها جنوح قوي نحو الرأسمالية فحققت الصين خلاله نسبة نمو غير مسبوقة وما زالت مستمرة ما بين 7 ـ 9% سنوياً، وباتت من أكبر الدول المصدرة الى الأسواق العالمية، إلا أن الصين لم تعلن تخليها عن الاشتراكية، وليس لدى قادتها النية ببناء نظام رأسمالي يعزز دورها في عصر العولمة. فذلك استنتاج خاطئ بالكامل كما يقول كاتب الدراسة، وما تبنيه الصين في نهضتها الراهنة هو نوع جديد من الاشتراكية ذات خصائص صينية وتتحدد ملامح التجديد بأن الاشتراكية قادرة على التكيف الخلاف مع متطلبات العولمة فالتفوق النسبي الذي حققته الرأسمالية ليس ناجماً عن شعاراتها المعلنة بل عن إطلاقها للمبادرات الفردية والجماعية في العمل، والانتاج، والابداع وبإمكان الاشتراكية المنافسة في هذا المجال وعليها أن تثبت كفاءة عالية في تقديم خدمات لجماهير المنتجين والمبدعين أوسع مما تقدمه الرأسمالية وبإمكان الممارسة السليمة للاشتراكية أن توسع دائرة تطبيق العدالة الاجتماعية، وأن تخلق أطراً ديموقراطية متطورة ترعى الانسجام بين الأفراد والجماعات والقوميات.
ختاماً، إن سمات "الاشتراكية بخصائص صينية" التي تتمسك بها الصين للمنافسة مع الرأسمالية على المستوى الكوني في عصر العولمة، بحاجة الى توضيح يبدد الالتباس الحاصل في أذهان الناس حول طبيعة النظام الصيني وتوجهاته المستقبلية. فكثير من الصينيين ما زالوا يعتقدون أن بلادهم ما زالت أسيرة النمط القديم من الاشتراكية التي منيت بالفشل في نسختها السوفياتية. وهم يتخوفون من العودة الى التشدد الايديولوجي والقمع الدموي في حال تعرض البلاد لأزمات كبيرة تهدد وحدتها الداخلية.
صحيفة المستقبل اللبنانية 14/06/2007
بعد أن حققت الصين إصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة في السنوات الثلاثين الماضية، تزايد التساؤل المنهجي حول طبيعة النظام السياسي السائد فيها والذي قاد تلك الاصلاحات النوعية بنجاح ملحوظ. وكثيراً ما تحدث المحللون السياسيون عن أن الصين قطعت نهائياً مع النظام الاشتراكي واختارت الرأسمالية المراقبة، في حين يصر باحثون صينيون على أن دولتهم ما زالت اشتراكية، يحكمها حزب شيوعي يمنع قيام أحزاب أخرى، ولديها جيش قوي يدين بالعقيدة الشيوعية.
ليس من شك في أن الصين تبني نوعاً جديداً من الاشتراكية لم يرد في مؤلفات آباء الماركسية بل استنبطته القيادة الصينية في عهد الرئيس ديسياو بينغ، رائد سياسة الاصلاح والانفتاح في الصين المعاصرة، علماً أن مقولاته اعتبرت هرطقة سياسية ضد النظام الشيوعي وأدخلته السجن لعدة سنوات إبان ثورة الرئيس ماو تسي تونغ الثقافية، وبعد وفاة ماو، عاد ديسياو بينغ الى واجهة السلطة، وبدأ بتطبيق أفكاره الجريئة عن الاشتراكية الجديدة التي عرفت باسم: "الاشتراكية بخصائص صينية".
وما زالت المدرسة الحزبية المركزية لدى الحزب الشيوعي في الصين وفية لتلك المقولات وللتأكيد على أن الصين لم تتخل يوماً عن الاشتراكية، وأن مقولة الاشتراكية بخصائص صينية تتضمن جوانب تفصيلية مهمة منها: "اقتصاد السوق الاشتراكية". و"دولة بنظامين: اشتراكي على المستوى السياسي وليبرالي على المستوى الاقتصادي"، و"النضال من أجل عولمة أكثر انسانية"، وغيرها.
لذلك حملت مجلة "الأبحاث" التي تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في عددها الثاني لهذا العام والصادر في 8 أيار 2007 مقالة مهمة للبروفسور "تشنغ كانغ شنغ"، رئيس جمعية علم الاجتماع الصينية. وقد حلل فيها التوجه الأساسي للمجتمع الصيني في المرحلة الراهنة، مفنداً المقولات السائدة في بعض الأوساط الأكاديمية الصينية والعالمية.
وأبرز ما جاء فيها ان تفكيك الاتحاد السوفياتي حمل تغييراً جذرياً طال دول أوروبا الشرقية في مطلع تسعينات القرن العشرين. فشهدت تلك الدول تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية حولتها بسرعة الى دول رأسمالية وفق النماذج الأوروبية الغربية، وكان الهدف منها تطهير تلك الدول من المقولات الاشتراكية السابقة وتبنيها مقولات رأسمالية خالصة من قبل أن يتم الاعتراف بعضويتها في نادي الرأسماليين الجدد في دول الاتحاد الأوروبي، ووصفت تلك التغييرات بأنها إعادة تأهيل سريعة وجذرية لمجتمعات أوروبا الشرقية من مخلفات الشيوعية تمهيداً لدمجها في النظام الرأسمالي العالمي.
ومع نجاح تلك التجارب ودخول دول أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي ودائرة "اليورو"، اعتقد كثير من الباحثين أن الصين تسير في الاتجاه نفسه، وأنه يتم تحضيرها بعناية فائقة لتطهير المجتمع الصيني من مقولات النظام الشيوعي تمهيداً للحظة الحاسمة التي تعلن فيها القيادة الصينية تخليها نهائياً عن الاشتراكية.
لقد فسر التحوّل الشمولي الجاري الآن في الصين، وانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية التي كانت ملحقة به في أوروبا الشرقية بأنه انتصار نهائي للرأسمالية على الاشتراكية وتم توصيف سياسة الاصلاح والانفتاح التي بدأتها الصين منذ العام 1978 بأنها جنوح قوي نحو الرأسمالية فحققت الصين خلاله نسبة نمو غير مسبوقة وما زالت مستمرة ما بين 7 ـ 9% سنوياً، وباتت من أكبر الدول المصدرة الى الأسواق العالمية، إلا أن الصين لم تعلن تخليها عن الاشتراكية، وليس لدى قادتها النية ببناء نظام رأسمالي يعزز دورها في عصر العولمة. فذلك استنتاج خاطئ بالكامل كما يقول كاتب الدراسة، وما تبنيه الصين في نهضتها الراهنة هو نوع جديد من الاشتراكية ذات خصائص صينية وتتحدد ملامح التجديد بأن الاشتراكية قادرة على التكيف الخلاف مع متطلبات العولمة فالتفوق النسبي الذي حققته الرأسمالية ليس ناجماً عن شعاراتها المعلنة بل عن إطلاقها للمبادرات الفردية والجماعية في العمل، والانتاج، والابداع وبإمكان الاشتراكية المنافسة في هذا المجال وعليها أن تثبت كفاءة عالية في تقديم خدمات لجماهير المنتجين والمبدعين أوسع مما تقدمه الرأسمالية وبإمكان الممارسة السليمة للاشتراكية أن توسع دائرة تطبيق العدالة الاجتماعية، وأن تخلق أطراً ديموقراطية متطورة ترعى الانسجام بين الأفراد والجماعات والقوميات.
ختاماً، إن سمات "الاشتراكية بخصائص صينية" التي تتمسك بها الصين للمنافسة مع الرأسمالية على المستوى الكوني في عصر العولمة، بحاجة الى توضيح يبدد الالتباس الحاصل في أذهان الناس حول طبيعة النظام الصيني وتوجهاته المستقبلية. فكثير من الصينيين ما زالوا يعتقدون أن بلادهم ما زالت أسيرة النمط القديم من الاشتراكية التي منيت بالفشل في نسختها السوفياتية. وهم يتخوفون من العودة الى التشدد الايديولوجي والقمع الدموي في حال تعرض البلاد لأزمات كبيرة تهدد وحدتها الداخلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق