صحيفة الوقت البحرانية
دومينيك مويزي
تُرى هل تستطيع كوسوفو أن تنال استقلالها من دون موافقة ضمنية من روسيا، وهل من الممكن التوصل إلى حل إنساني وسياسي للمأساة التي تشهدها دارفور من دون الدعم القوي من جانب الصين؟ الحقيقة أننا لن نجد أي عوامل مشتركة بين الأزمتين، إلا أن حلهما سوف يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت هاتان الدولتان اللتان تتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، سوف تستخدمان قوة الفيتو (النقض) في المجلس أم لا.
إن المقارنة بين قدرة روسيا والصين على إحباط المبادرات الدولية لا تعني شيئاً في حد ذاتها، إلا أنها تشكل أداة مفيدة لمحاولة فهم التحول الطارئ على النظام الدولي والذي جاء كنتيجة مباشرة للانحدار النسبي للقوة الأميركي على الصعيد العالمي. ومن هذا المنظور فإن تعمق الفوضى في الشرق الأوسط يمنح روسيا والصين من الفرص بقدر ما يفرض عليهما من المجازفات. وقد ترغمهما هذه الفرص والمجازفات على تحديد الأدوار التي ترغبان في الاضطلاع بها والصورة التي ترغبان في الظهور بها أمام العالم.
والسؤال الأساسي في هذا السياق هو: هل تقطع روسيا خطوات عملاقة على ‘’الطريق الخطأ’’ بينما تخطو الصين خطوات ضئيلة على ‘’الطريق الصحيح’’؟
على السطح، قد يرى الناظر أن روسيا والصين تلاحقان المسار نفسه حين تعلنان بزهو وكبرياء عن ‘’عودتهما’’ إلى الساحة العالمية. إلا أن هذا النوع من التباهي يعني شيئين مختلفين بالنسبة لكل من الدولتين.
ذلك أن ‘’العودة’’ بالنسبة للصين، البلد الذي يتمتع بقدر عظيم من الثقة في الذات، تعني ببساطة استعادة محوريتها التاريخية في العالم بعد غياب دام أكثر من قرنين من الزمان. فمع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر كانت الصين قد أصبحت أول منتج في العالم للسلع المصنعة، كما أنها تعتبر نفسها مركزاً لحضارة لا تضارعها أي حضارة أخرى في آسيا، إن لم يكن في العالم أجمع.
إن الثقة المتجددة التي اكتسبتها الصين تستند إلى براعتها الاقتصادية الفائقة القائمة على الإنتاجية والإبداع وليس الموارد الطبيعية. وأياً كانت ضخامة التوترات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية هناك فثمة عامل ‘’باعث على الارتياح’’ في الصين، ألا وهو حس التقدم. والحقيقة أن الألعاب الأوليمبية التي ستقام في بكين في العام 2008 تشكل لحظة رمزية تعلن الصين من خلالها على العالم أجمع حجم الإنجازات التي حققتها البلاد.
باستثناء قضية تايوان، تشكل الصين في المقام الأول قوة راهنة مستوفاة، حين يتصل الأمر بتطور النظام الدولي ـ فهي قوة فاعلة صبورة ترى لنفسها الشرعية الكاملة في أن تعمل وأن ينظر إليها العالم باعتبارها صاحبة ثاني أضخم قوة على مستوى العالم.
وفي المقابل مازالت روسيا لا تشعر بالأمان فيما يتصل بموقفها في العالم. ولقد كان سلوكها الانفعالي ‘’الماركسي الاسترجاعي’’ في عشية قمة مجموعة الثماني الأخيرة بمثابة الإشارة إلى الطبيعة ‘’غير الراضية’’ التي يتسم بها الكرملين. ولأن الروس يدركون أنهم أقل قوة، وخصوصا فيما يتصل بالمسائل الديموغرافية والاقتصادية، فإنهم يشعرون بضرورة القيام ‘’بالمزيد’’. فهم عندما يقولون إن ‘’روسيا قد عادت’’، يقصدون أن أعوام يلتسين المهينة قد ولت، وأنهم لابد وأن يلقوا معاملة متكافئة، وخصوصا من جانب الولايات المتحدة.
هذا لا يعني أن الروس يحنون إلى الحرب الباردة، بل إنهم يحنون إلى المكانة الدولية التي فقدوها حين انتهت الحرب الباردة. فالآن وبعد أن لم تعد أميركا تشكل ‘’قوة مفرطة’’ لا تتهددها تحديات استراتيجية، عادت روسيا إلى التأكيد على مكانتها باعتبارها ‘’قوة عظمى’’، وهو الزعم الذي لا يدعمه الواقع بالضرورة. وعلى النقيض من الصينيين، فإن الروس ليسوا حريصين على تكوين ثروة اقتصادية عظمى، بل إنهم يستغلون مواردهم من الطاقة والمعادن. فضلاً عن ذلك، وعلى النقيض من الصين أيضاً، فإن الروس ليسوا دوماً على ثقة من موقفهم في العالم. فمع انقسام روسيا وتحيرها بين أوروبا وآسيا على الصعيدين الثقافي والسياسي، وسقوطها ضحية لغريزة أنانية شريرة تخللت قراءتها لماضيها ورؤيتها لمستقبلها، فليس من المدهش أن تتصرف روسيا الآن وكأنها قوة ‘’استرجاعية’’.
ومع شعور الروس بعدم الرضا عن هويتهم الداخلية، فمن الطبيعي أن يطالبوا بتغييرات من شأنها أن تجعلهم يشعرون بقدر أعظم من الأمان والثقة في الذات. منذ أقل من عشرين عاماً كانت جمهورية التشيك وبولندا تقعان ضمن إطار نفوذهم، وعلى هذا فمن المفهوم ألا يتقبل الروس المحاولات التي تبذلها الولايات المتحدة لزرع أنظمتها الأمنية هناك بقرار أحادي.
بطبيعة الحال، قد يظهر الغرب ـ وخصوصا أوروبا ـ نوعاً من المشاعر الانتقائية في الحكم على روسيا والصين. فنحن نميل إلى عدم الإثقال على الصين في مطالبنا بالقدر نفسه الذي نمارسه على روسيا، وذلك لأننا نميل إلى النظر إلى روسيا باعتبارها ‘’جزءاً من أوروبا’’ (في الوقت الحالي على الأقل). ونتيجة لهذا فقد أصبحت ثقافة العنف البدني والاستفزاز الكلامي التي بدأت ترسخ في روسيا تحت زعامة بوتن، تشكل مصدراً للانزعاج العميق، بينما نميل إلى الحكم على مساوئ الصين بقدر أعظم من الفتور، إن لم يكن عدم المبالاة.
إلا أن الفـــوارق القائمة بين روسيـــا والصين اليوم قد يتبين غداً أنها أقل أهمية إذا ما أدى التدهور الحاصــل في الشــرق الأوســـط إلى فرض نوع من الشعــور بالمسؤولية الجماعية على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. والحقيقة أنه لأمــر مفهوم أن تعمد روسيا والصين إلى استغلال المصاعب المتنامية التي تواجهها أميركا من غزة إلى كابول؛ لكن الأمر يختلف تماماً إذا ما تدهــور المـوقف إلى النقطة التي قد تنزلق عندها المنطقة بالكامل إلى حالة عامة من عدم الاستقرار.
الحقيقة أن المشكلات المتعاظمة في الشرق الأوسط قد تفرض على روسيا والصين نوعاً من الانضباط الذاتي والاعتدال بإرغامهما على إجراء حساباتهما، ليس من خلال قدرتهما على ‘’إزعاج’’ الغرب، بل من خلال قدرتهما على تقديم مساهمات إيجابية فيما يتصل بتحقيق الاستقرار للنظام العالمي.
دومينيك مويزي
تُرى هل تستطيع كوسوفو أن تنال استقلالها من دون موافقة ضمنية من روسيا، وهل من الممكن التوصل إلى حل إنساني وسياسي للمأساة التي تشهدها دارفور من دون الدعم القوي من جانب الصين؟ الحقيقة أننا لن نجد أي عوامل مشتركة بين الأزمتين، إلا أن حلهما سوف يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت هاتان الدولتان اللتان تتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، سوف تستخدمان قوة الفيتو (النقض) في المجلس أم لا.
إن المقارنة بين قدرة روسيا والصين على إحباط المبادرات الدولية لا تعني شيئاً في حد ذاتها، إلا أنها تشكل أداة مفيدة لمحاولة فهم التحول الطارئ على النظام الدولي والذي جاء كنتيجة مباشرة للانحدار النسبي للقوة الأميركي على الصعيد العالمي. ومن هذا المنظور فإن تعمق الفوضى في الشرق الأوسط يمنح روسيا والصين من الفرص بقدر ما يفرض عليهما من المجازفات. وقد ترغمهما هذه الفرص والمجازفات على تحديد الأدوار التي ترغبان في الاضطلاع بها والصورة التي ترغبان في الظهور بها أمام العالم.
والسؤال الأساسي في هذا السياق هو: هل تقطع روسيا خطوات عملاقة على ‘’الطريق الخطأ’’ بينما تخطو الصين خطوات ضئيلة على ‘’الطريق الصحيح’’؟
على السطح، قد يرى الناظر أن روسيا والصين تلاحقان المسار نفسه حين تعلنان بزهو وكبرياء عن ‘’عودتهما’’ إلى الساحة العالمية. إلا أن هذا النوع من التباهي يعني شيئين مختلفين بالنسبة لكل من الدولتين.
ذلك أن ‘’العودة’’ بالنسبة للصين، البلد الذي يتمتع بقدر عظيم من الثقة في الذات، تعني ببساطة استعادة محوريتها التاريخية في العالم بعد غياب دام أكثر من قرنين من الزمان. فمع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر كانت الصين قد أصبحت أول منتج في العالم للسلع المصنعة، كما أنها تعتبر نفسها مركزاً لحضارة لا تضارعها أي حضارة أخرى في آسيا، إن لم يكن في العالم أجمع.
إن الثقة المتجددة التي اكتسبتها الصين تستند إلى براعتها الاقتصادية الفائقة القائمة على الإنتاجية والإبداع وليس الموارد الطبيعية. وأياً كانت ضخامة التوترات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية هناك فثمة عامل ‘’باعث على الارتياح’’ في الصين، ألا وهو حس التقدم. والحقيقة أن الألعاب الأوليمبية التي ستقام في بكين في العام 2008 تشكل لحظة رمزية تعلن الصين من خلالها على العالم أجمع حجم الإنجازات التي حققتها البلاد.
باستثناء قضية تايوان، تشكل الصين في المقام الأول قوة راهنة مستوفاة، حين يتصل الأمر بتطور النظام الدولي ـ فهي قوة فاعلة صبورة ترى لنفسها الشرعية الكاملة في أن تعمل وأن ينظر إليها العالم باعتبارها صاحبة ثاني أضخم قوة على مستوى العالم.
وفي المقابل مازالت روسيا لا تشعر بالأمان فيما يتصل بموقفها في العالم. ولقد كان سلوكها الانفعالي ‘’الماركسي الاسترجاعي’’ في عشية قمة مجموعة الثماني الأخيرة بمثابة الإشارة إلى الطبيعة ‘’غير الراضية’’ التي يتسم بها الكرملين. ولأن الروس يدركون أنهم أقل قوة، وخصوصا فيما يتصل بالمسائل الديموغرافية والاقتصادية، فإنهم يشعرون بضرورة القيام ‘’بالمزيد’’. فهم عندما يقولون إن ‘’روسيا قد عادت’’، يقصدون أن أعوام يلتسين المهينة قد ولت، وأنهم لابد وأن يلقوا معاملة متكافئة، وخصوصا من جانب الولايات المتحدة.
هذا لا يعني أن الروس يحنون إلى الحرب الباردة، بل إنهم يحنون إلى المكانة الدولية التي فقدوها حين انتهت الحرب الباردة. فالآن وبعد أن لم تعد أميركا تشكل ‘’قوة مفرطة’’ لا تتهددها تحديات استراتيجية، عادت روسيا إلى التأكيد على مكانتها باعتبارها ‘’قوة عظمى’’، وهو الزعم الذي لا يدعمه الواقع بالضرورة. وعلى النقيض من الصينيين، فإن الروس ليسوا حريصين على تكوين ثروة اقتصادية عظمى، بل إنهم يستغلون مواردهم من الطاقة والمعادن. فضلاً عن ذلك، وعلى النقيض من الصين أيضاً، فإن الروس ليسوا دوماً على ثقة من موقفهم في العالم. فمع انقسام روسيا وتحيرها بين أوروبا وآسيا على الصعيدين الثقافي والسياسي، وسقوطها ضحية لغريزة أنانية شريرة تخللت قراءتها لماضيها ورؤيتها لمستقبلها، فليس من المدهش أن تتصرف روسيا الآن وكأنها قوة ‘’استرجاعية’’.
ومع شعور الروس بعدم الرضا عن هويتهم الداخلية، فمن الطبيعي أن يطالبوا بتغييرات من شأنها أن تجعلهم يشعرون بقدر أعظم من الأمان والثقة في الذات. منذ أقل من عشرين عاماً كانت جمهورية التشيك وبولندا تقعان ضمن إطار نفوذهم، وعلى هذا فمن المفهوم ألا يتقبل الروس المحاولات التي تبذلها الولايات المتحدة لزرع أنظمتها الأمنية هناك بقرار أحادي.
بطبيعة الحال، قد يظهر الغرب ـ وخصوصا أوروبا ـ نوعاً من المشاعر الانتقائية في الحكم على روسيا والصين. فنحن نميل إلى عدم الإثقال على الصين في مطالبنا بالقدر نفسه الذي نمارسه على روسيا، وذلك لأننا نميل إلى النظر إلى روسيا باعتبارها ‘’جزءاً من أوروبا’’ (في الوقت الحالي على الأقل). ونتيجة لهذا فقد أصبحت ثقافة العنف البدني والاستفزاز الكلامي التي بدأت ترسخ في روسيا تحت زعامة بوتن، تشكل مصدراً للانزعاج العميق، بينما نميل إلى الحكم على مساوئ الصين بقدر أعظم من الفتور، إن لم يكن عدم المبالاة.
إلا أن الفـــوارق القائمة بين روسيـــا والصين اليوم قد يتبين غداً أنها أقل أهمية إذا ما أدى التدهور الحاصــل في الشــرق الأوســـط إلى فرض نوع من الشعــور بالمسؤولية الجماعية على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. والحقيقة أنه لأمــر مفهوم أن تعمد روسيا والصين إلى استغلال المصاعب المتنامية التي تواجهها أميركا من غزة إلى كابول؛ لكن الأمر يختلف تماماً إذا ما تدهــور المـوقف إلى النقطة التي قد تنزلق عندها المنطقة بالكامل إلى حالة عامة من عدم الاستقرار.
الحقيقة أن المشكلات المتعاظمة في الشرق الأوسط قد تفرض على روسيا والصين نوعاً من الانضباط الذاتي والاعتدال بإرغامهما على إجراء حساباتهما، ليس من خلال قدرتهما على ‘’إزعاج’’ الغرب، بل من خلال قدرتهما على تقديم مساهمات إيجابية فيما يتصل بتحقيق الاستقرار للنظام العالمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق