صحيفة الاقتصادية السعودية
كلاوس تيجيس
مما لا شك فيه أن وزير المالية الأمريكي هنري بولسون يفضل الاهتمام بإعادة هيكلة النظام الضريبي البالغ التعقيد أو بإصلاح صناديق التقاعد التي يجري تمويلها برسوم خاصة. ومن المعروف أن هاتين المهمتين كانتا تحتلان، لفترة طويلة من الزمن مرتبة متقدمة جدا على جدول أعمال السياسة الاقتصادية للرئيس جورج بوش خلال فترة رئاسته الثانية. ولكن لم تعد ثمة فرصة لتحقيق أي من هاتين المهمتين، خصوصا أنه لم يتبق سوى سنة ونصف على الانتخابات الرئاسية القادمة. حيث لا يبدو ثمة استعداد داخل صفوف الحزب الجمهوري ولا بين الديمقراطيين لإعادة إدراج هذين الموضوعين على جدول الأعمال.
وهكذا أصبح وزير المالية,الذي كان مصرفيا استثماريا ناجحا طوال سنوات خلت يمضي جل وقته في محاولة لإبعاد شبح السياسات الحمائية من قاعات و ممرات الكونجرس، وبالطبع فإن هذه مهمة عسيرة حقا لأن عدم الإلمام بتشابك العلاقات الاقتصادية وعدم توحد الرؤى أمران منتشران جدا في مجلس الشيوخ وفي الكونجرس.
إن غياب العقلانية في أوساط السياسيين أوجد تعبيرا له في مقاومة اتفاقيات التجارة الحرة, التي أنجزت الحكومة المفاوضات بشأنها، مع بعض بلدان أمريكا اللاتينية. وتمثل الصين منذ زمن رمزا للشرور التي تحملها معها التجارة المنطلقة من عقالها عبر الحدود، إذ إن هذه القوة الاقتصادية الصاعدة، التي تخطت, قبل فترة من الزمن، المكسيك لتصبح ثاني أكبر شريك تجاري، بعد كندا، للولايات المتحدة, قد أصبح ينظر إليها على أنها تشكل تهديدا جديا لاستقرار أكبر اقتصاد على وجه البسيطة. وكمؤشر على هذا الخطر المزعوم كثيرا ما يرد ذكر العجز الكبير والمتزايد بسرعة بالغة في التجارة الثنائية مع الصين، الذي سجل في السنة الماضية رقما قياسيا ببلوغه 232 مليار دولار. إن فيضان السلع الصينية الذي يغمر السوق الأمريكية ابتداء من الملابس، إلى ألعاب الأطفال إلى الأدوات الرياضية وانتهاء بالأثاث والأجهزة الإلكترونية هو المسؤول عن عزل مئات الألوف من الأيدي العاملة المحلية، كما يقول أنصار السياسة الحمائية. ومن ثم فهم يعملون على صياغة العديد من مشروعات القوانين للحيلولة دون حدوث زيادات أخرى في المستوردات المنتجة في الصين. ومن المتوقع حدوث نزاع تجاري مع الصين إذا ما مهد الكونجرس لفرض عقوبات جمركية عليها.
إن بولسون يريد أن يحول دون ذلك بكل السبل ويرجى أن يحالفه الحظ في مسعاه. ذلك لأن ملايين المستهلكين الأمريكيين يستفيدون من المنتجات الصينية ذات الأسعار المناسبة، مع العلم أن أحدا لم يجبرهم على شرائها، بل هم يقبلون على شرائها بإرادتهم ولأن مزيج السعر والنوعية أكثر من مقنع بالنسبة لهم. أما إقامة الحواجز التجارية بقرارات سياسية فيؤدي لا محالة إلى ارتفاع الأسعار وهو ما يضر بمصالح أولئك المستهلكين الذين يفترض حمايتهم أصلا.
والحق أن دعاة الحماية على صواب في نقطة واحدة : فالصين لم تبلغ بعد الهدف المنشود في التحول إلى اقتصاد السوق. وبرفض القيادة السياسية في بكين لأي زيادة تذكر في سعر صرف عملة البلاد " اليوان " إلى الدولار وغيره من العملات الأخرى، إنما توفر للمصدرين المحليين ميزة لا تقدر بثمن في التنافس في الأسواق العالمية. غير أن ذلك يؤدي لآثار سلبية أيضا للاقتصاد الصيني ذاته. فبتدخلها في سوق صرف النقد الأجنبي تحرم الصين نفسها من انتهاج سياسة نقدية تستهدف المحافظة على استقرار الأسعار. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التلاعب في سعر مهم كسعر الصرف يؤدي إلى استخدامات غير منتجة لرؤوس الأموال. وهذا لا ينطبق فقط على الكمية الهائلة من الاحتياطي النقدي لبنك الصين، الذي بلغ في هذه الأثناء أكثر من مليار دولار، يتكون جزء كبير منها من سندات دين أمريكية.
إن على الصين أن تمضي في إنجاز إصلاحاتها الاقتصادية بسرعة أكبر من السابق, هذا أمر لا شك فيه. ورغم ذلك يبقى السؤال قائما فيما يتعلق بالأدوات التي يمكن أن تفضي بالسياسة الأمريكية لتحقيق أهدافها في هذا السياق. إن تصعيد النزاع التجاري، حتى ولو كان على شكل شكاوى أمام منظمة التجارة العالمية، هو ثاني أفضل الحلول. أما الحل الأفضل فهو " الحوار الاقتصادي الاستراتيجي " بين البلدين الذي شرع فيه بولسون في السنة الماضية. وقد لوحظ أن اللقاءين اللذين تما حتى الآن, أولهما في بكين والثاني، قبل بضعة أسابيع، في واشنطن، قد حققا بعض التقدم سواء فيما يتعلق بتحرير النقل الجوي أو فيما يتعلق بتمكين البنوك الأجنبية من دخول السوق الصينية.
إن على أولئك الذين يطالبون بانتهاج سياسة الحماية الجمركية داخل الكونجرس أو في أماكن أخرى ما بين واشنطن ولوس أنجلوس أن يعيدوا التفكير في مواقفهم. وعليهم أن يكفوا عن تحميل الصين مسؤولية الاضطراب في أداء الاقتصاد الأمريكي، ذلك الاضطراب الذي يؤدي إلى جمود الأجور في بعض القطاعات وإلى تفاوت الدخول وتراجع مساهمة العديد من الشركات في صناديق التقاعد والرعاية الصحية للعاملين فيها. كما أن نقاط الضعف في المجتمع الأمريكي لا تعالج عن طريق عزل الصين بل العكس هو الصحيح. فالأهم من ذلك هو إجراء إصلاح ضريبي ذكي، وتغطية أفضل لالتزامات صناديق التقاعد وتحسين مستوى الرعاية الصحية من منطلق متطلبات حرية السوق.
كلاوس تيجيس
مما لا شك فيه أن وزير المالية الأمريكي هنري بولسون يفضل الاهتمام بإعادة هيكلة النظام الضريبي البالغ التعقيد أو بإصلاح صناديق التقاعد التي يجري تمويلها برسوم خاصة. ومن المعروف أن هاتين المهمتين كانتا تحتلان، لفترة طويلة من الزمن مرتبة متقدمة جدا على جدول أعمال السياسة الاقتصادية للرئيس جورج بوش خلال فترة رئاسته الثانية. ولكن لم تعد ثمة فرصة لتحقيق أي من هاتين المهمتين، خصوصا أنه لم يتبق سوى سنة ونصف على الانتخابات الرئاسية القادمة. حيث لا يبدو ثمة استعداد داخل صفوف الحزب الجمهوري ولا بين الديمقراطيين لإعادة إدراج هذين الموضوعين على جدول الأعمال.
وهكذا أصبح وزير المالية,الذي كان مصرفيا استثماريا ناجحا طوال سنوات خلت يمضي جل وقته في محاولة لإبعاد شبح السياسات الحمائية من قاعات و ممرات الكونجرس، وبالطبع فإن هذه مهمة عسيرة حقا لأن عدم الإلمام بتشابك العلاقات الاقتصادية وعدم توحد الرؤى أمران منتشران جدا في مجلس الشيوخ وفي الكونجرس.
إن غياب العقلانية في أوساط السياسيين أوجد تعبيرا له في مقاومة اتفاقيات التجارة الحرة, التي أنجزت الحكومة المفاوضات بشأنها، مع بعض بلدان أمريكا اللاتينية. وتمثل الصين منذ زمن رمزا للشرور التي تحملها معها التجارة المنطلقة من عقالها عبر الحدود، إذ إن هذه القوة الاقتصادية الصاعدة، التي تخطت, قبل فترة من الزمن، المكسيك لتصبح ثاني أكبر شريك تجاري، بعد كندا، للولايات المتحدة, قد أصبح ينظر إليها على أنها تشكل تهديدا جديا لاستقرار أكبر اقتصاد على وجه البسيطة. وكمؤشر على هذا الخطر المزعوم كثيرا ما يرد ذكر العجز الكبير والمتزايد بسرعة بالغة في التجارة الثنائية مع الصين، الذي سجل في السنة الماضية رقما قياسيا ببلوغه 232 مليار دولار. إن فيضان السلع الصينية الذي يغمر السوق الأمريكية ابتداء من الملابس، إلى ألعاب الأطفال إلى الأدوات الرياضية وانتهاء بالأثاث والأجهزة الإلكترونية هو المسؤول عن عزل مئات الألوف من الأيدي العاملة المحلية، كما يقول أنصار السياسة الحمائية. ومن ثم فهم يعملون على صياغة العديد من مشروعات القوانين للحيلولة دون حدوث زيادات أخرى في المستوردات المنتجة في الصين. ومن المتوقع حدوث نزاع تجاري مع الصين إذا ما مهد الكونجرس لفرض عقوبات جمركية عليها.
إن بولسون يريد أن يحول دون ذلك بكل السبل ويرجى أن يحالفه الحظ في مسعاه. ذلك لأن ملايين المستهلكين الأمريكيين يستفيدون من المنتجات الصينية ذات الأسعار المناسبة، مع العلم أن أحدا لم يجبرهم على شرائها، بل هم يقبلون على شرائها بإرادتهم ولأن مزيج السعر والنوعية أكثر من مقنع بالنسبة لهم. أما إقامة الحواجز التجارية بقرارات سياسية فيؤدي لا محالة إلى ارتفاع الأسعار وهو ما يضر بمصالح أولئك المستهلكين الذين يفترض حمايتهم أصلا.
والحق أن دعاة الحماية على صواب في نقطة واحدة : فالصين لم تبلغ بعد الهدف المنشود في التحول إلى اقتصاد السوق. وبرفض القيادة السياسية في بكين لأي زيادة تذكر في سعر صرف عملة البلاد " اليوان " إلى الدولار وغيره من العملات الأخرى، إنما توفر للمصدرين المحليين ميزة لا تقدر بثمن في التنافس في الأسواق العالمية. غير أن ذلك يؤدي لآثار سلبية أيضا للاقتصاد الصيني ذاته. فبتدخلها في سوق صرف النقد الأجنبي تحرم الصين نفسها من انتهاج سياسة نقدية تستهدف المحافظة على استقرار الأسعار. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التلاعب في سعر مهم كسعر الصرف يؤدي إلى استخدامات غير منتجة لرؤوس الأموال. وهذا لا ينطبق فقط على الكمية الهائلة من الاحتياطي النقدي لبنك الصين، الذي بلغ في هذه الأثناء أكثر من مليار دولار، يتكون جزء كبير منها من سندات دين أمريكية.
إن على الصين أن تمضي في إنجاز إصلاحاتها الاقتصادية بسرعة أكبر من السابق, هذا أمر لا شك فيه. ورغم ذلك يبقى السؤال قائما فيما يتعلق بالأدوات التي يمكن أن تفضي بالسياسة الأمريكية لتحقيق أهدافها في هذا السياق. إن تصعيد النزاع التجاري، حتى ولو كان على شكل شكاوى أمام منظمة التجارة العالمية، هو ثاني أفضل الحلول. أما الحل الأفضل فهو " الحوار الاقتصادي الاستراتيجي " بين البلدين الذي شرع فيه بولسون في السنة الماضية. وقد لوحظ أن اللقاءين اللذين تما حتى الآن, أولهما في بكين والثاني، قبل بضعة أسابيع، في واشنطن، قد حققا بعض التقدم سواء فيما يتعلق بتحرير النقل الجوي أو فيما يتعلق بتمكين البنوك الأجنبية من دخول السوق الصينية.
إن على أولئك الذين يطالبون بانتهاج سياسة الحماية الجمركية داخل الكونجرس أو في أماكن أخرى ما بين واشنطن ولوس أنجلوس أن يعيدوا التفكير في مواقفهم. وعليهم أن يكفوا عن تحميل الصين مسؤولية الاضطراب في أداء الاقتصاد الأمريكي، ذلك الاضطراب الذي يؤدي إلى جمود الأجور في بعض القطاعات وإلى تفاوت الدخول وتراجع مساهمة العديد من الشركات في صناديق التقاعد والرعاية الصحية للعاملين فيها. كما أن نقاط الضعف في المجتمع الأمريكي لا تعالج عن طريق عزل الصين بل العكس هو الصحيح. فالأهم من ذلك هو إجراء إصلاح ضريبي ذكي، وتغطية أفضل لالتزامات صناديق التقاعد وتحسين مستوى الرعاية الصحية من منطلق متطلبات حرية السوق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق