صحيفة الشبيبة العمانية
برلين : صلاح الصيفي
فيما يتوقع المحللين أن تحل الصين مكانة ألمانيا كثالث قوة اقتصادية في العالم بنهاية عام 2007 ، يؤكد تقرير آخر لصحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية إنه خلال عشرين عاما من الآن قد يصبح الاقتصاد الصيني أكبر اقتصاد في العالم متجاوزا الاقتصاد الأمريكي الذي مازال يحتفظ بالمركز الأول منذ الحرب العالمية الثانية تقريبا، وهذه حقائق تتأكد من يوم إلى آخر ، فقد أصبحت عبارة " صنع في الصين" رائجة ومألوفة في العالم المتقدم قبل العالم الثالث ، مما يعكس الانتشار والمد الهائل للسلع الصينية التي تحظى بأهميتها في أسواق العالم ، وأصبحت المنتجات الصينية تحاصرنا ابتداءً من أبسط السلع اليومية وحتى الأدوات الكهربائية والآلات وغيرها من المنتجات المعقدة.
ولكن المفارقة الغريبة والتي تثير تساؤلات حول التواضع الصيني ، أنه على الرغم من أن الكثيرين يرون أن الصين في طريقها لتصبح قوة عظمى على غرار أمريكا والاتحاد السوفيتي خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الصينيين أنفسهم يصرون على أنهم مازالوا دولة نامية، وأن الطريق أمامهم طويلاً كي يصلوا إلى هذه المرحلة، وهو ما يعكس التزاماً حرفياً بالوصية الشهيرة للأب الروحي للنهضة الاقتصادية للصين دينج كسياو بينج، والتي تدعو إلى "إخفاء الطموح وعدم إظهار المخالب"، ومن المفارقة أن هذه الوصية تقف على طرفي نقيض مع مقولة أخرى شهيرة لمؤسس الصين الوطنية ماو تسى تونج بأن " القوة الحقيقية تنبع من صندوق البارود"، لكن الفارق بين المقولتين يعكس الفجوة بين الثورة الثقافية المدمرة التي قادها تسى تونج من ناحية والصعود الاقتصادي المبهر الذي قاده كسياو بينج من ناحية أخرى.
الصمت المطبق
ويبدو لافتاً في هذا السياق تأكيد بكين المستمرعلى ما تواجهه من عقبات وصعوبات مقابل التزام الصمت المطبق تجاه ما تحققه من طفرات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وهذه الحساسية الصينية المفرطة تجاه أي إشارة إلى تنامي قوتها ونفوذها تعكسها بوضوح حالة الجدل العنيفة التي أثارها قبل عامين الرئيس الصيني هو جينتاو عندما استخدم مصطلح "الصعود السلمي" لوصف أهداف سياسته الخارجية، وذلك بدلاً من المصطلح التقليدي للصينيين وهو "التطوير السلمي، حيث رأت دوائر عليا في الطبقة الحاكمة في بكين في المصطلح الجديد دلالات قد تثير المخاوف من الخطر الصيني خصوصاً في اليابان والولايات المتحدة، وفسروا ذلك بأن الصعود يعني ضمناً انكفاء الآخرين على الأقل في الفهم النسبي، في حين أن التطوير يفترض أن تقدم الصين سيجر الآخرين معه.
لكن هذا "الحياء" أو "التواضع" الصيني يبدو أنه في طريقه إلى التلاشي؛ فالصين وصلت إلى المرحلة التي لا تستطيع الثروة فيها أن تنفصل عن "القوة"، فالدول وحتى الأفراد العاديون عندما يصلون إلى مرحلة معينة من الثراء المادي والاقتصادي فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على امتلاك قدر معين من القوة والنفوذ من أجل تأمين وحماية شبكة المصالح والعلاقات والموارد التي تغذي مصادر ثرواتهم، ولا غنى عن هذه القوة إذا ما كانت هذه الثروة تثير مطامع الآخرين أو تتصادم مع مصالح البعض، وهذه المطامع والمصالح المتضاربة تُعدّ أمراً ملازماً لأي ثروة أو موارد اقتصادية.
احصاءات وأرقام
وإذا نظرنا على التقارير والاحصاءات الخاصة بمعدلات النمو الاقتصادي التي حققتها الصين خلال العامين الماضيين نجد قفزات هائلة للنمو الاقتصادي الصيني ، ففي تقرير " الاستثمار العالمي 2006 " لمؤتمر التجارة والتنمية للأمم المتحدة الأخير في بكين ، احتلت الصين المركز الثالث في جذب الاستثمار الأجنبي عالميا ، كما جذبت الصين 4ر72 مليار دولار أميركي من الاستثمار الأجنبي عام 2005، واحتلت المركز الثالث بعد بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية من حيث جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، في حين جذبت الصين 61 مليار دولار أميركي من الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2004 ، أقل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وأوضح التقرير أن صعود الشركات الصينية العابرة الدول جذب الأنظار،ومن بين أكبر مائة شركة عابرة الدول بالدول النامية في العالم التي أعلنها "تقرير الاستثمار العالمي 2006" بلغ عدد الشركات الصينية ضمنها 50 شركة، أي نصف إجمالي عددها، وبحلول نهاية يونيو 2006 بلغ إجمالي قيمة الاستثمار الصيني المباشرة في الدول الأجنبية 64ر63 مليار دولار أميركي، وأقامت الصين أكثر من 9900 شركة استثمار صيني في البلدان الأجنبية، تنتشر في نحو 170 بلدا ومنطقة في العالم، ويذكر أن عدد المؤسسات الخاصة في الصين قد تجاوز 60 في المئة من إجمالي عدد المؤسسات الصينية، وشكلت قيمة إنتاج المؤسسات الخاصة أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي الصيني.
وفي 19 يوليو الماضي أصدرت مصلحة الدولة الصينية للاحصاءات الأرقام الاقتصادية الكلية في الصين في النصف الأول من العام الحالي، وأظهرت الأرقام أن اجمالي الناتج المحلي ازداد بـ 11.5% بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي مسجلا رقما قياسيا جديدا، حيث أكد لي شياو تشاو، الناطق باسم مصلحة الدولة للإحصاء، أن معدل النمو للنصف الأول من هذا العام، كان أسرع بكثير من نسبة الثمانية بالمائة والتي كانت الحكومة الصينية تخطط لها ، فقد شهدت مبيعات التجزئة خلال نفس الفترة من العام الجاري نموا بلغت نسبته حوالي 15.4 % ، بزيادة 2.1 % عن نسبة نموها خلال الفترة المماثلة من العام الماضي ، فيما صعد الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 25.9 % ، بانخفاض 3.9 % .
كما توقعت دراسات رسمية في الصين أن تحقق البلاد معدّل نموّ أعلى من الترجيحات السابقة في استمرار لصعود أداء الاقتصاد هناك ، حيث نقلت وكالة الأنباء الصينية عن دراسة للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أنّ نسبة النمو المتوقعة لعام 2007، ستبلغ 10.9 في المائة، مقابل 10.7 في المائة العام الماضي ، وأوضحت الدراسة أنّ النمو سيكون قوياً هذا العام، رغم إعلان الحكومة الصينية أنها تريد مراقبته.
ووفقاً لدراسة أخرى أجراها فريق من الخبراء، بتكليف وتمويل من شركة "شل" البترولية العملاقة، وتم عرضها في منتدى دافوس الأخير، فإن الناتج القومي الصيني مرشّح لأن يتجاوز نظيره الأمريكي، بحلول عام 2025، لتصبح الصين بذلك هي القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وهو ما يعني أن الناتج الإجمالي الصيني والذي لم يكن يتجاوز 1% من الاقتصاد العالمي عام 1978 مرشح لأن يشكل أكثر من 30 % من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025
واستندت هذه الدراسة إلى معطيات ومؤشرات اقتصادية عدة، من أبرزها أن العامل الصيني يبلغ معدل تكلفته الشهرية 730 دولاراً فقط، ويحقق فائض قيمة اقتصادي مقداره 2900 دولار، أي أن مقدار الربح يبلغ 4 أضعاف التكلفة، بينما تصل تكلفة العامل الأمريكي 29 ألف دولار، مقابل فائض قيمة لا يتجاوز 81 ألف دولار، أي أن نسبة الربح لا تتعدى 2.8 ضعف من التكلفة.
وإذا كان الاقتصاديون ينظرون إلى معدل الاستهلاك بصفته مؤشراً هاماً لقياس النمو الاقتصادي للدول، فإن دراسة أعدها بنك (كريدى سويس) الدولي الذي يتخذ من سويسرا مقراً له توقعت أن تتقدم الصين على كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتصبح ثاني أكبر سوق للبضائع الاستهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة بحلول عام 2015، كما أن الصين أصبحت بالفعل في عام 2004 ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يزداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 10% سنوياً
مطامح الصين الكبيرة
ولا يبدو أن الحلم الاقتصادي الصيني يقف عند حدود معينة، إذ تنهج الصين نهجاً متعدداً في تنمية قدراتها الصناعية والاقتصادية لمستقبل قريب، فعلى سبيل المثال، يقول موقع (آسيا تايمز) المتخصص بالشؤون الآسيوية: " إن منبع المعجزة الاقتصادية في الصين، هي أن المدن الصينية كانت تضم 135 مليون شخص فقط في عام 1995، لكنها ستنمو إلى أكثر من 800 مليون شخص في عام 2050، طبقًا لتنبؤات لتوقعات هيئة السكان في الأمم المتحدة".
ويتابع بالقول: " الفلاحون الذين قضوا حياتهم في الريف الفقير، بدؤوا ينضمون إلى الاقتصاد العالمي، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي أكثر من 10 %، والناتج المحلي للصين يتضاعف كل سبعة سنوات، وهذا المعدّل يمكن أن يبقى محافظاً على معدل الزيادة هذه طالما أمكن نقل الناس من الزراعة التي تعطي إنتاجية منخفضة، إلى الإنتاجية الكبيرة الصناعية.. واليوم تقف نسبة السكان الريفيين إلى المدينة في الصين بواقع الضعف، ولكن بمنتصف القرن الحالي، ستصبح نسبة السكان في الريف إلى المدينة؛ النصف".
أما على المستوى الإقليمي ، تحافظ الصين على علاقات جيدة مع دول المنطقة، عبر اتفاقيات اقتصادية واسعة، وعبر السماح لمنتجاتها بالمرور إلى الدول التي تستفيد منها بشكل فعّال، كأستراليا وكوريا الجنوبية والهند، وهي الدول التي تحاول الولايات المتحدة ربطها بنظام أمريكي مناهض للصين.
وعالمياً، تحاول الصين التمدد نحو مناطق النفط العالمية، عبر إقامة اتفاقيات نفطية مع دول عديدة، فقد مثّلت زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية ونيجيريا وكينيا، انتصاراً جديداً للاقتصاد الصيني، حيث اتفق الجانبان الصيني والسعودي على إقامة مخزون نفط احتياطي في الصين، فضلاً عن إقامة مشروع شركة بتروكيمياويات ضخمة بين البلدين ، كما عقد الرئيس الصيني اتفاقية مع نيجيريا باستخراج النفط من أربع مناطق
وتجارياً، ارتفعت التجارة بين الصين والدول الإفريقية من 10 ملايين دولار أمريكي في الخمسينات، إلى حوالي 39.7 مليار دولار في 2005، وارتفعت الصادرات الإفريقية للصين 10 مرات، لتصل إلى 21 مليار دولار أمريكي.
وحتى الآن خفضت الصين ديونا تقدر ب10.5 مليار يوان ( حوالي 1.3 مليار دولار أمريكي) لـ31 دولة افريقية، كما ألغت التعريفات الجمركية على 190 نوعا من الصادرات الإفريقية للصين، بهدف ربط اقتصاد إفريقيا بعجلة بكين وسياستها.
كيف حدثت المعجزة.؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، ما هي العوامل التي أدت إلى حدوث هذه المعجزة الاقتصادية للصين..!
بالطبع هناك عوامل كثيرة وراء الطفر الاقتصادية التي تشهدها الصين منذ أواخر السبيعنات وحتى الآن نذكر منها الآتي:
- الفلسفة الاقتصادية المعتمدة والتي يمكن القول انها تعتمد على فكرة الاقتصاد الموجه.
- الأيدي العاملة الماهرة والمؤهلة تأهيلا جيدا فقد انفقت الصين الكثير على بنية التعليم وخاصة في التعليم التكنولوجي، وتمكنت من توفيره لعشرات الملايين وهو ما زودها بأيدي عاملة ماهرة قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل بكل تنوعها واختصاصاتها.
- أن هذه العمالة الماهرة هي في ذات الوقت عمالة رخيصة وليس هذا نابعاً فقط من الأجر المتدني، بل لأن الدولة تتكفل على نفقتها باعداد هذه العمالة ناهيك عن التقدمات الاجتماعية المتنوعة وهذه العمالة الرخيصة تساهم في انتاج سلعة قادرة على المنافسة داخل السوق المحلية أو في أسواق العالم.
- الاستقرار، فالصين تعتبر من بين الدول الكبرى التي تحظى باستقرار لا تتمتع به جاراتها وخاصة الهند وروسيا ويعود لهذا الاستقرار فضل كبير في النجاحات الاقتصادية التي حققتها وما تزال تحققها.
- السوق الواسعة ، فالصين هي أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ويتجاوز عدد سكانها الآن ملياراً وثلاثمائة مليون نسمة، وبديهي هذه السوق قادرة في ظل تضافر العوامل الأخرى على منح الصين ميزة لا تستطيع الدول الأخرى الحصول عليها.
- الاستثمارات الاجنبية المباشرة، فالاستثمار المالي يبحث عن الأرباح والريع المعقول، وهذا تحقق في الصين بفعل هذه العوامل، ولذلك نجد أنها قد احتلت المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة واليابان.
برلين : صلاح الصيفي
فيما يتوقع المحللين أن تحل الصين مكانة ألمانيا كثالث قوة اقتصادية في العالم بنهاية عام 2007 ، يؤكد تقرير آخر لصحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية إنه خلال عشرين عاما من الآن قد يصبح الاقتصاد الصيني أكبر اقتصاد في العالم متجاوزا الاقتصاد الأمريكي الذي مازال يحتفظ بالمركز الأول منذ الحرب العالمية الثانية تقريبا، وهذه حقائق تتأكد من يوم إلى آخر ، فقد أصبحت عبارة " صنع في الصين" رائجة ومألوفة في العالم المتقدم قبل العالم الثالث ، مما يعكس الانتشار والمد الهائل للسلع الصينية التي تحظى بأهميتها في أسواق العالم ، وأصبحت المنتجات الصينية تحاصرنا ابتداءً من أبسط السلع اليومية وحتى الأدوات الكهربائية والآلات وغيرها من المنتجات المعقدة.
ولكن المفارقة الغريبة والتي تثير تساؤلات حول التواضع الصيني ، أنه على الرغم من أن الكثيرين يرون أن الصين في طريقها لتصبح قوة عظمى على غرار أمريكا والاتحاد السوفيتي خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الصينيين أنفسهم يصرون على أنهم مازالوا دولة نامية، وأن الطريق أمامهم طويلاً كي يصلوا إلى هذه المرحلة، وهو ما يعكس التزاماً حرفياً بالوصية الشهيرة للأب الروحي للنهضة الاقتصادية للصين دينج كسياو بينج، والتي تدعو إلى "إخفاء الطموح وعدم إظهار المخالب"، ومن المفارقة أن هذه الوصية تقف على طرفي نقيض مع مقولة أخرى شهيرة لمؤسس الصين الوطنية ماو تسى تونج بأن " القوة الحقيقية تنبع من صندوق البارود"، لكن الفارق بين المقولتين يعكس الفجوة بين الثورة الثقافية المدمرة التي قادها تسى تونج من ناحية والصعود الاقتصادي المبهر الذي قاده كسياو بينج من ناحية أخرى.
الصمت المطبق
ويبدو لافتاً في هذا السياق تأكيد بكين المستمرعلى ما تواجهه من عقبات وصعوبات مقابل التزام الصمت المطبق تجاه ما تحققه من طفرات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وهذه الحساسية الصينية المفرطة تجاه أي إشارة إلى تنامي قوتها ونفوذها تعكسها بوضوح حالة الجدل العنيفة التي أثارها قبل عامين الرئيس الصيني هو جينتاو عندما استخدم مصطلح "الصعود السلمي" لوصف أهداف سياسته الخارجية، وذلك بدلاً من المصطلح التقليدي للصينيين وهو "التطوير السلمي، حيث رأت دوائر عليا في الطبقة الحاكمة في بكين في المصطلح الجديد دلالات قد تثير المخاوف من الخطر الصيني خصوصاً في اليابان والولايات المتحدة، وفسروا ذلك بأن الصعود يعني ضمناً انكفاء الآخرين على الأقل في الفهم النسبي، في حين أن التطوير يفترض أن تقدم الصين سيجر الآخرين معه.
لكن هذا "الحياء" أو "التواضع" الصيني يبدو أنه في طريقه إلى التلاشي؛ فالصين وصلت إلى المرحلة التي لا تستطيع الثروة فيها أن تنفصل عن "القوة"، فالدول وحتى الأفراد العاديون عندما يصلون إلى مرحلة معينة من الثراء المادي والاقتصادي فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على امتلاك قدر معين من القوة والنفوذ من أجل تأمين وحماية شبكة المصالح والعلاقات والموارد التي تغذي مصادر ثرواتهم، ولا غنى عن هذه القوة إذا ما كانت هذه الثروة تثير مطامع الآخرين أو تتصادم مع مصالح البعض، وهذه المطامع والمصالح المتضاربة تُعدّ أمراً ملازماً لأي ثروة أو موارد اقتصادية.
احصاءات وأرقام
وإذا نظرنا على التقارير والاحصاءات الخاصة بمعدلات النمو الاقتصادي التي حققتها الصين خلال العامين الماضيين نجد قفزات هائلة للنمو الاقتصادي الصيني ، ففي تقرير " الاستثمار العالمي 2006 " لمؤتمر التجارة والتنمية للأمم المتحدة الأخير في بكين ، احتلت الصين المركز الثالث في جذب الاستثمار الأجنبي عالميا ، كما جذبت الصين 4ر72 مليار دولار أميركي من الاستثمار الأجنبي عام 2005، واحتلت المركز الثالث بعد بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية من حيث جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، في حين جذبت الصين 61 مليار دولار أميركي من الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2004 ، أقل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وأوضح التقرير أن صعود الشركات الصينية العابرة الدول جذب الأنظار،ومن بين أكبر مائة شركة عابرة الدول بالدول النامية في العالم التي أعلنها "تقرير الاستثمار العالمي 2006" بلغ عدد الشركات الصينية ضمنها 50 شركة، أي نصف إجمالي عددها، وبحلول نهاية يونيو 2006 بلغ إجمالي قيمة الاستثمار الصيني المباشرة في الدول الأجنبية 64ر63 مليار دولار أميركي، وأقامت الصين أكثر من 9900 شركة استثمار صيني في البلدان الأجنبية، تنتشر في نحو 170 بلدا ومنطقة في العالم، ويذكر أن عدد المؤسسات الخاصة في الصين قد تجاوز 60 في المئة من إجمالي عدد المؤسسات الصينية، وشكلت قيمة إنتاج المؤسسات الخاصة أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي الصيني.
وفي 19 يوليو الماضي أصدرت مصلحة الدولة الصينية للاحصاءات الأرقام الاقتصادية الكلية في الصين في النصف الأول من العام الحالي، وأظهرت الأرقام أن اجمالي الناتج المحلي ازداد بـ 11.5% بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي مسجلا رقما قياسيا جديدا، حيث أكد لي شياو تشاو، الناطق باسم مصلحة الدولة للإحصاء، أن معدل النمو للنصف الأول من هذا العام، كان أسرع بكثير من نسبة الثمانية بالمائة والتي كانت الحكومة الصينية تخطط لها ، فقد شهدت مبيعات التجزئة خلال نفس الفترة من العام الجاري نموا بلغت نسبته حوالي 15.4 % ، بزيادة 2.1 % عن نسبة نموها خلال الفترة المماثلة من العام الماضي ، فيما صعد الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 25.9 % ، بانخفاض 3.9 % .
كما توقعت دراسات رسمية في الصين أن تحقق البلاد معدّل نموّ أعلى من الترجيحات السابقة في استمرار لصعود أداء الاقتصاد هناك ، حيث نقلت وكالة الأنباء الصينية عن دراسة للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أنّ نسبة النمو المتوقعة لعام 2007، ستبلغ 10.9 في المائة، مقابل 10.7 في المائة العام الماضي ، وأوضحت الدراسة أنّ النمو سيكون قوياً هذا العام، رغم إعلان الحكومة الصينية أنها تريد مراقبته.
ووفقاً لدراسة أخرى أجراها فريق من الخبراء، بتكليف وتمويل من شركة "شل" البترولية العملاقة، وتم عرضها في منتدى دافوس الأخير، فإن الناتج القومي الصيني مرشّح لأن يتجاوز نظيره الأمريكي، بحلول عام 2025، لتصبح الصين بذلك هي القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وهو ما يعني أن الناتج الإجمالي الصيني والذي لم يكن يتجاوز 1% من الاقتصاد العالمي عام 1978 مرشح لأن يشكل أكثر من 30 % من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025
واستندت هذه الدراسة إلى معطيات ومؤشرات اقتصادية عدة، من أبرزها أن العامل الصيني يبلغ معدل تكلفته الشهرية 730 دولاراً فقط، ويحقق فائض قيمة اقتصادي مقداره 2900 دولار، أي أن مقدار الربح يبلغ 4 أضعاف التكلفة، بينما تصل تكلفة العامل الأمريكي 29 ألف دولار، مقابل فائض قيمة لا يتجاوز 81 ألف دولار، أي أن نسبة الربح لا تتعدى 2.8 ضعف من التكلفة.
وإذا كان الاقتصاديون ينظرون إلى معدل الاستهلاك بصفته مؤشراً هاماً لقياس النمو الاقتصادي للدول، فإن دراسة أعدها بنك (كريدى سويس) الدولي الذي يتخذ من سويسرا مقراً له توقعت أن تتقدم الصين على كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتصبح ثاني أكبر سوق للبضائع الاستهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة بحلول عام 2015، كما أن الصين أصبحت بالفعل في عام 2004 ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يزداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 10% سنوياً
مطامح الصين الكبيرة
ولا يبدو أن الحلم الاقتصادي الصيني يقف عند حدود معينة، إذ تنهج الصين نهجاً متعدداً في تنمية قدراتها الصناعية والاقتصادية لمستقبل قريب، فعلى سبيل المثال، يقول موقع (آسيا تايمز) المتخصص بالشؤون الآسيوية: " إن منبع المعجزة الاقتصادية في الصين، هي أن المدن الصينية كانت تضم 135 مليون شخص فقط في عام 1995، لكنها ستنمو إلى أكثر من 800 مليون شخص في عام 2050، طبقًا لتنبؤات لتوقعات هيئة السكان في الأمم المتحدة".
ويتابع بالقول: " الفلاحون الذين قضوا حياتهم في الريف الفقير، بدؤوا ينضمون إلى الاقتصاد العالمي، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي أكثر من 10 %، والناتج المحلي للصين يتضاعف كل سبعة سنوات، وهذا المعدّل يمكن أن يبقى محافظاً على معدل الزيادة هذه طالما أمكن نقل الناس من الزراعة التي تعطي إنتاجية منخفضة، إلى الإنتاجية الكبيرة الصناعية.. واليوم تقف نسبة السكان الريفيين إلى المدينة في الصين بواقع الضعف، ولكن بمنتصف القرن الحالي، ستصبح نسبة السكان في الريف إلى المدينة؛ النصف".
أما على المستوى الإقليمي ، تحافظ الصين على علاقات جيدة مع دول المنطقة، عبر اتفاقيات اقتصادية واسعة، وعبر السماح لمنتجاتها بالمرور إلى الدول التي تستفيد منها بشكل فعّال، كأستراليا وكوريا الجنوبية والهند، وهي الدول التي تحاول الولايات المتحدة ربطها بنظام أمريكي مناهض للصين.
وعالمياً، تحاول الصين التمدد نحو مناطق النفط العالمية، عبر إقامة اتفاقيات نفطية مع دول عديدة، فقد مثّلت زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية ونيجيريا وكينيا، انتصاراً جديداً للاقتصاد الصيني، حيث اتفق الجانبان الصيني والسعودي على إقامة مخزون نفط احتياطي في الصين، فضلاً عن إقامة مشروع شركة بتروكيمياويات ضخمة بين البلدين ، كما عقد الرئيس الصيني اتفاقية مع نيجيريا باستخراج النفط من أربع مناطق
وتجارياً، ارتفعت التجارة بين الصين والدول الإفريقية من 10 ملايين دولار أمريكي في الخمسينات، إلى حوالي 39.7 مليار دولار في 2005، وارتفعت الصادرات الإفريقية للصين 10 مرات، لتصل إلى 21 مليار دولار أمريكي.
وحتى الآن خفضت الصين ديونا تقدر ب10.5 مليار يوان ( حوالي 1.3 مليار دولار أمريكي) لـ31 دولة افريقية، كما ألغت التعريفات الجمركية على 190 نوعا من الصادرات الإفريقية للصين، بهدف ربط اقتصاد إفريقيا بعجلة بكين وسياستها.
كيف حدثت المعجزة.؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، ما هي العوامل التي أدت إلى حدوث هذه المعجزة الاقتصادية للصين..!
بالطبع هناك عوامل كثيرة وراء الطفر الاقتصادية التي تشهدها الصين منذ أواخر السبيعنات وحتى الآن نذكر منها الآتي:
- الفلسفة الاقتصادية المعتمدة والتي يمكن القول انها تعتمد على فكرة الاقتصاد الموجه.
- الأيدي العاملة الماهرة والمؤهلة تأهيلا جيدا فقد انفقت الصين الكثير على بنية التعليم وخاصة في التعليم التكنولوجي، وتمكنت من توفيره لعشرات الملايين وهو ما زودها بأيدي عاملة ماهرة قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل بكل تنوعها واختصاصاتها.
- أن هذه العمالة الماهرة هي في ذات الوقت عمالة رخيصة وليس هذا نابعاً فقط من الأجر المتدني، بل لأن الدولة تتكفل على نفقتها باعداد هذه العمالة ناهيك عن التقدمات الاجتماعية المتنوعة وهذه العمالة الرخيصة تساهم في انتاج سلعة قادرة على المنافسة داخل السوق المحلية أو في أسواق العالم.
- الاستقرار، فالصين تعتبر من بين الدول الكبرى التي تحظى باستقرار لا تتمتع به جاراتها وخاصة الهند وروسيا ويعود لهذا الاستقرار فضل كبير في النجاحات الاقتصادية التي حققتها وما تزال تحققها.
- السوق الواسعة ، فالصين هي أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ويتجاوز عدد سكانها الآن ملياراً وثلاثمائة مليون نسمة، وبديهي هذه السوق قادرة في ظل تضافر العوامل الأخرى على منح الصين ميزة لا تستطيع الدول الأخرى الحصول عليها.
- الاستثمارات الاجنبية المباشرة، فالاستثمار المالي يبحث عن الأرباح والريع المعقول، وهذا تحقق في الصين بفعل هذه العوامل، ولذلك نجد أنها قد احتلت المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة واليابان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق