الثلاثاء، 28 أغسطس 2007

تهديد الصين لروسيا

صحيفة الخليج الإماراتية
أندريه بيونتكوفسكي (المدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية بموسكو)
في الأسبوع الماضي، نفذت روسيا والصين مناورات عسكرية مشتركة في حضور كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني هيو جينتاو. إلا أنه ليس من المرجح أن ينشأ تحالف استراتيجي جديد بين الدولتين، لأن الصين هي الدولة التي تشكل أعظم تهديد استراتيجي بالنسبة لروسيا، رغم أن العديد من قيادات الكرملين تعجز عن إدراك هذه الحقيقة، بينما توجه سيوفها نحو أمريكا والغرب.
الحقيقة أن الصين ترى رسمياً، أن العديد من المناطق في أقصى شرق روسيا هي في الواقع مناطق “مسلوبة” منها. ونستطيع أن نتعرف إلى المناطق الواقعة داخل الحدود الروسية والتي تنسبها الصين إلى أراضيها إذا ما اطلعنا على الكتب المدرسية الصينية في مادة الجغرافيا، والتي تتضمن عدداً من المناطق إلى أقصى الشرق من روسيا على الحدود مع الصين.
وهذا يتفق مع المفهوم الاستراتيجي الصيني الذي نستطيع أن نطلق عليه “المجال الحيوي”، ويتضمن كافة مجالات الأنشطة الاستراتيجية التي تقوم بها دولة ما، في البر، وفي البحر، وتحت الماء، وفي الجو، وفي الفضاء. ويتم تحديد أبعاد “المجال الحيوي” لأي دولة من خلال قدراتها الاقتصادية، والعلمية، والتقنية، والاجتماعية، والعسكرية، أو “قوتها الإجمالية”. وطبقاً للمنظرين الصينيين فإن “المجال الحيوي” للقوى العظمى يمتد إلى ما هو أبعد من حدود الدولة، بينما يقتصر “المجال الحيوي” للدول الضعيفة على الحدود الاستراتيجية التي لا تتطابق دوماً مع حدود أراضيها الوطنية.
اليوم، تزعم الصين أحقيتها في أجزاء من أراضي إحدى عشرة دولة من الدول الأربع والعشرين المجاورة لها، بما فيها الهند، واليابان، وفيتنام، والفلبين، علاوة على روسيا. وفي علاقات الصين بكلٍ من هذه الدول تظل إمكانية استخدام القوة العسكرية تشكل عاملاً على قدر عظيم من الأهمية.
ففي شهر سبتمبر/أيلول ،2006 نفذ جيش التحرير الشعبي الصيني تدريباً عسكرياً ضخماً إلى حد لم يسبق له مثيل. ولقد دام ذلك التدريب عشرة أيام، وتضمن منطقتي شينيانغ وبكين العسكريتين. وهما المنطقتان الأكثر قوة بين المناطق العسكرية السبع في الصين. حيث تتاخم شينيانغ المنطقة الشرقية التابعة للقوات المسلحة الروسية، كما تلتقي حدود منطقة بكين مع حدود منطقة سيبريا العسكرية في روسيا. وأثناء التدريب تقدمت الوحدات التابعة لمنطقة شينيانغ لمسافة ألف كيلو متر داخل منطقة بكين، حيث اشتبكت مع وحدات بكين في ألعاب حربية مشتركة.
يرى المراقبون العسكريون أن التدريبات المشتركة بين منطقتي بكين وشينيانغ قد تشكل تجربة لعملية عسكرية ضد روسيا، وذلك لأن تدريباً عسكرياً بهذا الحجم لا يتم إلا في المراحل الأخيرة من برنامج يدوم لسنوات لتدريب القوات على تنفيذ خطط استراتيجية وعملياتية محددة. والحقيقة أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة التي جرت فيها التدريبات، والطبيعة الهجومية للمهام المنفذة، لا تترك مجالاً للشك في أن روسيا أصبحت تشكل “خصماً محتملاً” في نظر الصين. ويشكل استعراض القوى على هذا النحو أسلوباً سياسياً صينياً تقليدياً قديماً.
من عجيب المفارقات هنا أن تجري مثل هذه التدريبات في الوقت الذي تبدو فيه الروابط الثنائية بين البلدين، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، في أوج قوتها. إن روسيا تحتل مكانة مهمة في الحسابات الجغرافية السياسية الصينية، باعتبارها مورداً للأسلحة الحديثة ومصادر الطاقة اللازمة للاستمرار في التحديث. وعلى هذا، يبذل الصينيون قصارى جهدهم لتعزيز مركزهم الاقتصادي والسياسي في روسيا، ولجر روسيا إلى مجال النفوذ الصيني.
تتلخص أهم أسباب نجاح الصين في تحقيق هذه الغاية في دعمها المتواصل لأجندة بوتين المعادية لأمريكا والغرب. ورغم أن تدريبات بكين/شينيانغ كان من المفترض أن توحي إلى زعماء روسيا أن نوايا الصين تجاه روسيا قد لا تكون حميدة دوماً، إلا أن قيادات روسيا السياسية والعسكرية لم تستشعر أي تهديد، بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد استمرت هذه القيادات في بيع الأسلحة المتطورة للصين.
من الواضح أن التوجه الدبلوماسي الروسي الحالي لا يصب في مصلحة أمنها القومي على المدى البعيد. ونجاح روسيا في تحديث نفسها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي لا يصب في مصلحة الصين بأية حال، بل إن الصين تفضل أن تظل روسيا تشكل مصدراً للمعادن والطاقة و”مؤخرة استراتيجية” تستعين بها في تحديها المنتظر للولايات المتحدة. وعلى نحو مماثل، ترى الصين في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، والتي اختتمت اجتماعها السنوي للتو، أداة سياسية إقليمية تساعد على تعزيز نفوذ الصين وبسط سيطرتها على منطقة وسط آسيا الغنية بالموارد الطبيعية على حساب روسيا.
إن حدود الصين ليست مهددة من قِبَل أي دولة. والصين قادرة بمفردها على حل مشاكلها المحلية، كمشكلة المناطق الانفصالية على سبيل المثال. والصين مكتفية ذاتياً على الصعيد العسكري، ولا تحتاج إلى التعاون العسكري في إطار منظمة شنغهاي للتعاون إلا لتحرير يديها من أي صراع قد ينشأ ويهدد مصالحها.
الحقيقة أن نشوب الصراع بين روسيا والصين أمر ممكن، وبالتحديد في وسط آسيا. وذلك نظراً للاختلافات الواضحة بين المصالح الاقتصادية والسياسية للدولتين في المنطقة. وبعيداً عن محاولات السيطرة على إمدادات الطاقة في المنطقة، فقد أصبحت قضية المياه تشكل مصدراً محتملاً للنزاع، نظراً للعجز الخطير الذي تعاني منه الصين في مخزونها من المياه. ولكن على الرغم من إدراك الصين الواضح لهذه الاحتمالات، ورغم أنها تعد العدة للتعامل مع هذه الاحتمالات دبلوماسياً وعسكرياً، إلا أن الكرملين يظل مريضاً بوسواس شبح التهديد الأمريكي.
من هذا المنطلق، وبينما يحلم الكرملين بإعادة ترسيخ هيمنته على ما تشير روسيا إليه باعتباره “جوارها القريب” (أوكرانيا، وبيلاروسيا، ودول البلطيق، وبقية الدول السوفييتية سابقاً)، تنظر الصين على نحو متزايد إلى روسيا باعتبارها “جوارها القريب”. تُرى هل يفيق الكرملين أخيراً على هذه الحقيقة؟
منذ ستة وثلاثين عاماً، قَلَب ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ السياسة العالمية رأساً على عقب، حين أدركت كل من أمريكا والصين أن الاتحاد السوفييتي، هو الذي يشكل التهديد الأعظم بالنسبة لكل منهما. والآن أصبح من الواجب على فلاديمير بوتين أن يقتدي بنيكسون. ذلك بأن معاداة الغرب تشكل استراتيجية حمقاء، في الوقت الذي يأتي فيه أعظم تهديد تواجهه روسيا من الشرق.

ليست هناك تعليقات: