الثلاثاء، 21 أغسطس 2007

التنافس الفرنسي– الأميركي– الصيني على إفريقيا

جريدة الوطن السورية
ريما الرفاعي
الجولة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي في القارة الإفريقية بدءاً من ليبيا تشير إلى الأولوية التي تعطيها السياسة الخارجية الفرنسية للقارة السمراء خاصة على الصعيد الاقتصادي في ظل منافسة لم تعد خافية مع قطبين كبيرين آخرين هما الولايات المتحدة والصين.
ولا شك أن لكل من هذه الدول الثلاث نقطة قوة واحدة على الأقل تجعل منها شريكا منافسا. ففرنسا تتكئ على روابطها الثقافية واللغوية مع عديد من الدول الإفريقية ضمن ما يسمى الفرانكوفونية على حين ترتكز الولايات المتحدة على قوتها العسكرية ونفوذها السياسي في العالم خاصة في ظل الحرب التي تشنها في السنوات الأخيرة على ما تسميه الإرهاب ما جعل معظم الدول النامية تخطب ودها لتجنب شرها، وهو ما يوفر فرصاً اقتصادية للشركات الأميركية، حيث تلعب القوة العسكرية هنا دور البلدوزر الذي يمهد الطريق أمام الشركات الاقتصادية.
أما الصين فهي تستند إلى كونها دولة نامية حققت معجزة اقتصادية في العقود الأخيرة ولديها ما تقدمه للشعوب الإفريقية خاصة أنها بلا ماض استعماري في إفريقيا على غرار فرنسا.
جدل فرنسي– إفريقي
ساركوزي لم يترك جولته الإفريقية تمر دون جدل، وأثار خطابه أمام مئات الطلاب في داكار بأن الاستعمار وإن كان خطأً كبيراً، لكنه ليس مسؤولاً عن كل المصاعب التي تواجه إفريقيا حالياً من حروب وجرائم إبادة وفساد وتبذير أثار غضب الكثير من الحكومات الإفريقية. لكن ساركوزي كرر أفكاره هذه في ليبرفيل رافضاً التعبير عن أي ندم على الماضي الاستعماري وقال إنه يريد مساعدة إفريقيا على تنمية نفسها، مسوغاً القيود التي تفرضها بلاده على الهجرة بقوله إن هناك 450 مليون شاب إفريقي دون السابعة عشرة ولا يمكنهم جميعاً الهجرة لأوروبا، فأفريقيا تحتاج إلى نخبها لضمان تطورها. ‏
وأبدى الرئيس الفرنسي خصوصاً اهتمامه بالغابات الهائلة التي تحويها الغابون، مظهراً حرصه الشديد على هذه الغابات من النهب، وعارضاً خطة لحمايتها. ‏
وقد سارع الحزب الاشتراكي خصم ساركوزي إلى اتهام الأخير بعدم النزاهة بإعطائه دروساً في التنمية للأفارقة على حين هو يرغب في سرقة الثروة البشرية لهذه القارة بتطبيق الهجرة المنتقاة. ‏
وقال فوزي لمضاوي السكرتير الوطني للحزب الاشتراكي: عندما يكون ساركوزي في العاصمة السنغالية داكار يكون صديقاً للأفارقة، وعندما يكون في باريس يصمهم بالعار ويطردهم.. إنه يعد بوحدة أوروبية- إفريقية لكنه في الحقيقة يريد تحويل أوروبا إلى حصن للدول الغنية. ‏
وأضاف: مرّ نصف قرن على استقلال الدول الإفريقية دون تحسن أحوالها وليس من اللائق تحميلها كل مسؤولية معاناتها، فهذه طريقة لشطب تداعيات الاستعمار. ‏
أما رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي ألفا عمر كوناري فقد اعتبر خطاب ساركوزي أنه لا يحمل جديداً في جوهره ويذكّر بتصريحات تنتمي لحقبة ولت. ‏
أما الصحف السنغالية فقد اعتبرت خطاب ساركوزي إهانة لأفريقيا بتنظيره حول ما عليها فعله للتنمية.
ويقول ساركوزي: إنه يريد إقامة شراكة رسمية تضم دول جنوب أوروبا- فرنسا وإسبانيا واليونان وإيطاليا والبرتغال-، وجيرانها في شمال إفريقيا- تونس والجزائر والمغرب وليبيا ومصر ملمحاً إلى أنه يريد استقطاب تركيا للانضمام لهذه الشراكة، بدلاً من أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي.
ويرى مراقبون أن اهتمام ساركوزي المتزايد بهذه المبادرة يعود إلى رغبة جدية ليدخل التاريخ بصفته رئيساً استطاع أن يعيد إلى فرنسا مكانتها في منطقة نفوذها الاستراتيجي التقليدي، ومن ثمّ التصدي للنفوذ الأميركي المتزايد في شمال إفريقيا، والتوغل الصيني في عمق القارة الإفريقية.
تنافس ثلاثي
خلافاً لما حدث في عصر الاستعمار الذي اقتسمت خلاله دول أوروبية القارة الإفريقية، تتنافس اليوم ثلاث دول كبرى هي فرنسا والولايات المتحدة والصين رافعة شعار المنفعة المتبادلة، ولم يعد بإمكان فرنسا صاحبة الميراث الاستعماري الهائل في إفريقيا أن تستعيد هيمنتها التي فرضتها بالغزو الذي لم يكن عسكرياً فقط، وإنما ثقافي أيضاً من خلال سياسة «الفرْنسة». وليس في إمكان الولايات المتحدة بدورها أن تفرض سيطرتها على القارة التي أُشبعت هيمنة واغتصاباً، على الرغم من كل ما تملكه من أدوات باعتبارها القوة الأعظم في النظام العالمي الراهن.
أما الصين فمن المستبعد أن تفكر في تعميق نفوذها في هذه القارة عبر أساليب قهرية، وهي التي تقدم نفسها إلى الدول الإفريقية باعتبارها دولة نامية استطاعت أن تحقق معجزة تنموية قادرة على المساهمة في الأخذ بأيدي الأفارقة إلى مستقبل أفضل. وهي تحقق نجاحاً بالفعل في اقترابها المتزايد من إفريقيا وفق استراتيجية تستثمر تجربتها الناجحة وتقدمها نموذجاً يبدو لكثير من الأفارقة أقرب إليهم مقارنة بالنماذج الغربية. كما تستند الصين في استراتيجيتها هذه، على تحررها من الميراث الاستعماري المباشر الذي تحمله فرنسا على كاهلها، والسمعة الإمبريالية التي تلتصق بالولايات المتحدة.
وعلى حين تتسم استراتيجية الصين بالمبادرة والديناميكية وتأخذ طابع الهجوم الاقتصادي المُنظم، تبدو الإستراتيجية الفرنسية في وضع دفاعي وهي تحاول الحفاظ على مواقع نفوذها إزاء الهجوم الصيني المتزايد. ولكنها لا تخلو من نزعة هجومية تبدو في ازدياد في المرحلة الراهنة، بل منذ قمة كان العام الماضي عندما شن الرئيس جاك شيراك هجوماً على من قال إنهم يتطلعون إلى إعادة استنزاف موارد القارة ومواردها الأولية، في إشارة إلى الصين التي يعتقد الفرنسيون أنها تتغلغل في إفريقيا بسبب حاجتها إلى النفط وخامات أخرى.
وتسعى فرنسا إلى تثبيت المبدأ الذي طرحته منذ عهد الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران في علاقاتها مع الدول الفرانكوفونية والقائم على المشاركة بدل التبعية. ومنذ منتصف الثمانينيات سعت فرنسا إلى توسيع روابطها مع الدول الإفريقية بحيث لا تبقى محصورة ضمن الدول الناطقة بالفرنسية.
ولعل الأرضية الثقافية لعلاقات فرنسا مع القارة الإفريقية هي ما ساعدها حتى الآن على الوقوف في وجه التغلغل الصيني الذي حقق تمدداً واضحاً في السنوات الأخيرة وخاصة بعد تأسيس المنتدى الصيني- الإفريقي عام 2000، ليكون الإدارة الرئيسية لاستراتيجية بكين الحالية في أفريقيا.
الاستراتيجية الصينية
وتعتمد الإستراتيجية الصينية مدخلاً اقتصادياً عبر السعي إلى المساعدة في حل المشكلات المُلحة التي تواجه دول القارة سعياً إلى زيادة القوة الشرائية فيها لفتح أسواقها أمام السلع الصينية التي تغرق العالم. ولذلك يبدو الهجوم الفرنسي على الصين ظالماً من زاوية أنها تريد إعادة استنزاف القارة. فإذا كانت الصين تسعى بداهة إلى تحقيق مصالحها، مثلما تفعل فرنسا تماماً، فهي تدرك أن الطريق إلى ذلك لابد أن يمر عبر مساعدة الأفارقة والأخذ بأيديهم. ودون ذلك لا يمكن لها أن تنجز هدفها الأول، وهو فتح أسواق واسعة لتجارتها في القارة على حساب فرنسا. وقد حققت الصين تقدماً سريعاً في هذا المجال بعد أن ازداد حجم تجارتها مع إفريقيا من أقل من عشرة مليارات دولار عام 2000 إلى نحو أربعين ملياراً في العام الماضي. واقترن هذا التقدم بتوسع في المشاريع الصينية في مجالات البنية الأساسية والاتصالات والتنمية الزراعية، إلى جانب المشاريع المشتركة في البترول والمناجم تحت شعار «تعاون بلا حدود وبلا شروط».
وفي هذا الإطار أسقطت الصين ما قيمته 113،1 مليار دولار أميركي من ديون 31 دولة إفريقية، كما أعفت الدول الإفريقية من نسب عالية من الجمارك لتشجيع تدفق السلع الإفريقية إلى السوق الصينية الهائلة، وقدمت آلاف المنح العلمية والتدريبية للكوادر الإفريقية، وأرسلت إلى إفريقيا 15000 كادر طبي قاموا بعلاج 170 مليون مواطن إفريقي من الأمراض المتوطنة في إفريقيا. كما قدمت الصين لإفريقيا العديد من المساعدات التنموية دون شروط سياسية مقيدة ودون شروط اقتصادية غير عادلة في صياغة للمصلحة المشتركة.
أميركا مكافحة الإرهاب
وبينما يشتد التنافس بين الاستراتيجيتين الصينية والفرنسية على أرضية اقتصادية، تركز الاستراتيجية الأميركية على إعادة بناء دور واشنطن في القارة ضمن حربها على الإرهاب. وتعطي واشنطن الأولوية لإعادة ترتيب وضعها الاستراتيجي عبر تشكيل قيادة عسكرية خاصة لإفريقيا التي كانت موزعة على ثلاث قيادات إقليمية هي قيادة المنظمة الوسطى (الشرق الأوسط)، وقيادة المحيط الهادي، والقيادة الأوروبية. وستكون الخطوة التالية في هذه الاستراتيجية هي إقامة ثلاث قواعد عسكرية أميركية جديدة في إفريقيا تضاف إلى قاعدة جيبوتي التي فيها نحو ألف وخمسمئة جندي منذ عام 2003. وستقوم هذه القواعد، التي ستقام في السنغال، وأوغندا، وساوتومي بتخزين العتاد العسكري والوقود وتدريب القوات العسكرية لبعض الدول الإفريقية على أعمال تتصل بمكافحة الإرهاب إضافة إلى تكليف حلفائها ببعض المهمات التي لا تفضل واشنطن التورط فيها مباشرة اتعاظاً بتجربة تدخلها في الصومال في تسعينيات القرن الماضي، لذلك أوكلت مهمة القضاء على المحاكم الإسلامية في الصومال للجيش الإثيوبي الذي أمدته بالسلاح والغطاء السياسي.
ورغم هذا الطابع العسكري للاستراتيجية الأميركية تجاه إفريقيا، فهي تنطوي على بعد اقتصادي.
وقد عملت أميركا بالفعل على زيادة وتيرة التبادلات التجارية وزيادة نسبة الاستثمارات في جنوب القارة وفي مناطق جنوب الصحراء.
وأعلنت الولايات المتحدة أنها عازمة على التخلص من القيود التي كانت تحد من حريتها في القارة الإفريقية أثناء الحرب الباردة. وتقوم الولايات المتحدة بتقديم الدعم لدول إفريقية عديدة مثل أوغندا وبوروندي ورواندا وإثيوبيا في إطار علاقات ثنائية يجري تطويرها بهدوء.
سعت إدارة كلينتون السابقة وبعدها إدارة جورج بوش الابن حالياً إلى تقوية النفوذ الأميركي في القارة الإفريقية وأنشأت لهذا الغرض صندوق دعم لإفريقيا بقيمة 350 مليون دولار لمساعدتها في تنفيذ مشاريع البنى التحتية للقطاع الخاص وتشجيع الاقتصاد الحر وتفكيك الاقتصاد المخطط والمركزي لكي يسهل على مؤسساتها الخاصة التغلغل في النسيج الاقتصادي الإفريقي.
وتركز الولايات المتحدة على التذكير بفشل التجارب السابقة خلال العقود الثلاثة الماضية التي تلت سنوات الاستقلال في القارة السوداء وعلى إخفاق نماذج التنمية الاقتصادية الاشتراكية التي طبقها نيريري في تنزانيا وكوندا في زامبيا، وفشل التجربة الماركسية اللينينة التي طبقت في أنغولا وإثيوبيا، وأخيراً إخفاق نمط حكومة الحزب الواحد في زائير وكينيا وتعتبر الإدارة الأميركية أن إخفاق تلك التجارب يعطي دفعاً قوياً للإصلاحات السياسية في إفريقيا منذ بداية سنوات التسعينيات من القرن العشرين.
ووافق مجلس النواب الأميركي على القانون التجاري المسمى «النمو والفرص في إفريقيا»، الذي يعتمد مبدأ الشراكة بدلاً من المساعدة وعلى إزالة الحواجز الجمركية عن صادرات 48 دولة إفريقية وفتح القارة بالمقابل للاستثمارات الأميركية حيث تشكل إفريقيا سوقاً قوامها 700 مليون مستهلك لا يصلهم سوى 7 بالمئة من صادرات الولايات المتحدة الأميركية، كما تضاعفت المساعدات الأميركية التي تقدم لإفريقيا خاصة في عهد بيل كلينتون حيث بلغت المساعدات الإنسانية 600 مليون دولار والمساعدات الاقتصادية 1400 مليون دولار وقد تغيرت طبيعة المساعدات الأميركية لإفريقيا، فبعد أن كانت في السابق لتمويل النشاطات المناهضة للشيوعية، أصبحت في الوقت الحاضر تتمثل في إزالة الحواجز من جانب الدول الإفريقية وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد والإصلاح الإداري والاقتصادي لتقبل الاستثمارات الأجنبية وضمان مصالح الشركات المتعددة الجنسيات.
أخيراً تجدر الإشارة إلى أن واشنطن تستعين في استراتيجيتها الإفريقية بحليفتها التقليدية إسرائيل التي شجعتها دائماً على التغلغل في إفريقيا من خلال المساعدات العسكرية والفنية وخاصة الزراعية التي تقدمها إسرائيل لبعض البلدان الإفريقية. ونجحت إسرائيل بالفعل في التوغل في غانا ونيجيريا وليبيريا وسيراليون وكينيا وتانجانيكا وأوغندا وروديسيا الشمالية وداهومي وساحل العاج والسنغال ومالي وتشاد من خلال المعهد الآفرو- آسيوي ومراكز التدريب المهنية والجامعية الإسرائيلية التي تتلقى معونات وتمويلات من هيئات أميركية تابعة لوكالة المخابرات المركزية التي قدمت أكثر من 400 مليون دولار لهذا الغرض أي لتسهيل التعاون الإسرائيلي- الإفريقي.
يبقى أن نقول: إن تنافس الكبار على ما كان يطلق عليه القارة المنسية إنما مرده المصالح الاقتصادية في المقام الأول حيث تشير بعض التقديرات إلى أن خليج غينيا يحوي احتياطات هائلة من النفط قد توازي في حجمها احتياطات الخليج العربي.

ليست هناك تعليقات: