صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
ستيفن جرين
بينما تتجمد الأسواق العالمية، وتستشيط غيظاً، وتسقط، تظل هناك جزيرة من المشاعر المتدافعة باتجاه الشرق. فأهلاً بكم في سوق الأسهم الصينية التي زادت أسعار الأسهم فيها بنسبة 75 في المائة على مدى العام، والتي تحقق ارتفاعات تاريخية بصورة تكاد تكون يومية، بينما يراقب بقية العالم مشاكل رهونات ذوي الملاءات الضعيفة في الولايات المتحدة، وعمليات التصفية الشاملة.
حققت السوق الصينية تقدماً كبيراً خلال فترة قصيرة، وانطلقت من التداول على الأرصفة الحجرية في الشوارع الخلفية لمدنية شانغهاي عام 1984 لتصبح قيمتها الرأسمالية 2700 مليار دولار. وكانت هذه السوق إحدى أفضل الأسواق العالمية أداءً خلال الأشهر الـ 12 الماضية. ويبلغ معدل الأسعار نحو 50 ضعفاً من العوائد التاريخية. ولدى عدد من الشركات معدلات أسعار/عوائد تزيد على 1000. فهل يتعين تجنب المخاطر؟ لا توجد ترجمة سهلة في لغة الماندرين الصينية لذلك.
وهناك إغراء للمرء بأن يحكم على هذه المشاعر المندفعة بأنها غزارة تتلاشى بمجرد أن تستعيد أساسيات الاقتصاد ثقتها بنفسها. غير أن الحقيقة أشد تعقيداً من ذلك. فقد تراكمت السيولة والثروة في الصين خلال العقدين الماضيين، وهي الآن محجوزة في الأسهم والعقارات على البر الصيني. وستتدفق هذه الثروة خارج البلاد خلال أقل من خمس سنوات متسببة في الكثير من الارتجاجات في أسواق الموجودات الخارجية.
وقبل فترة وجيزة لم يكن المستقبل يبدو كذلك دائماً. فخلال الفترة 2000 - 2004 بدت سوق الأسهم الصينية عليلة ومعاقة بالنمو البطيء للأرباح. وكانت هناك مئات الفضائح المتعلقة بالأسهم المملوكة من جانب الدولة التي كان المستثمرون يخشون أن تغرق السوق في وقت ما. وهبط معدل مؤشر الأسعار في شنغهاي في فترة قصيرة إلى ما دون 1000 نقطة، واعتقد كثيرون أن نبضه سيتوقف بعد فترة قريبة. لكن في السنوات الأخيرة تعدى المؤشر 4800 نقطة، وأصبح مستوى 5000 نقطة ممكناً، ويتطلع المتحمسون إلى 8000 نقطة قبل افتتاح أولمبياد بكين في آب (أغسطس) 2008.
يبدو هذا الأمر بالنسبة للبعض بمثابة فقاعة. ففي أيار(مايو) ضربت بكين السوق بسلسلة من الإجراءات تضمنت زيادة ضريبة التداول لتخفيف المشاعر الإيجابية والحؤول دون فقاعة أكبر. لكن تلك الإجراءات المترددة لم تعادل نمو أرباح الشركات، وانخفاض معدلات الفائدة، وكل تلك السيولة.
ولدى الانتعاش الحالي جذوره في التاريخ المالي الصيني. فحتى قبل عام 2004 كانت الأموال التي تحوم حول الاقتصاد الصيني (المخزنة تحت الأسرة) هائلة بالقياس إلى كميات البضائع والخدمات المنتجة. وبحلول 2004 وصل معدل M2، المؤشر العريض الخاص بعرض الأموال، إلى 160 في المائة مقارنة بالنتائج المحلي الإجمالي، أي أعلى بكثير من معظم الاقتصادات الأخرى. ووصلت الصين إلى ذلك بتحفيز اقتصادها خلال فترات التباطؤ، إما بالقروض البنكية الهائلة، أو صفقات الميزانيات المحفزة. وتم استيراد المزيد من السيولة خلال السنوات الأخيرة من خلال الفوائض التجارية الضخمة التي تصل إلى 20 مليار دولار شهرياً، بالإضافة إلى الاستثمارات الأجنبية، وتدفقات الأموال "الساخنة" القادمة إلى البلاد.
وأبقى بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) جانبا كبيرا من هذه السيولة في مأمن، من خلال سندات امتصاص السيولة. غير أن الضغوط هائلة. وبدأت هذه الأموال تتدفق عام 2003 على العقارات، ثم انطلقت نحو الأسهم في منتصف عام 2006 محركة الدوران النقدي فيها. لكن ذلك سيتغير خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، بينما تصبح الثروات الصينية أشد مغامرة، وتبدأ في الارتحال إلى الخارج. وتم بالفعل فتح عدة طرق لخروج تلك الأموال، إذ تنشط الأموال العائدة إلى البر الصيني في سوق الأسهم في هونغ كونغ. وأصبح QDLL، البرنامج الذي يعطي فيه مستثمرو التجزئة أموالهم للبنوك لكي تديرها في الخارج، أكثر شعبية. ويعمل الرفع المؤكد للرنمينبي على الإبقاء على الثروة الآن داخل البلاد.
ورفع قيمة الرنمينبي بنسبة 5 في المائة، أو نحو ذلك سنوياً، سيجعل قيمته أكثر عدالة في وقت قريب. والسماح بحرية الحركة لثروات الأسر والشركات الصينية ينبئ بتغير مهم. وأصبحنا معتادين على أحد الآثار الناجمة عن الصين المعولمة: تراجع السعر النسبي للعمل، ما يعني بضائع أرخص. وسيكون أثر الجولة الثانية مختلفاً تماماً، إذ إنه مع تحول الثروة الصينية إلى العالمية، فإن السعر النسبي للموجودات المشتراة من جانب القطاع الخاص الصيني سيرتفع. وستكتوي الأراضي السكنية في هونغ كونغ، والأراضي الزراعية في إفريقيا، والموارد الطبيعية في آسيا، بالحروق الأولى لهذه التدفقات. ويمكن أن تكون الموجة الثانية خاصة بالشركات الكبرى، والعمليات الناجحة في الصين ذاتها، حيث يشهد المستهلكون المحليون النمو الناجح لعدد كبير من الشركات العالمية.
ولن يكون "السعر الصيني" بعد الآن هو السعر الأرخص في العالم بالنسبة لسلعة ما. وستكون هذه هي الزيادة الثقيلة التي تدفع مقابل الموجودات التي استثمر فيها القطاع الخاص الصيني. فلا تعتقد أن بورصة شانغهاي تمثل شذوذاً، وإنما ينبغي أن تفكر بها كمستقبل.
ستيفن جرين
بينما تتجمد الأسواق العالمية، وتستشيط غيظاً، وتسقط، تظل هناك جزيرة من المشاعر المتدافعة باتجاه الشرق. فأهلاً بكم في سوق الأسهم الصينية التي زادت أسعار الأسهم فيها بنسبة 75 في المائة على مدى العام، والتي تحقق ارتفاعات تاريخية بصورة تكاد تكون يومية، بينما يراقب بقية العالم مشاكل رهونات ذوي الملاءات الضعيفة في الولايات المتحدة، وعمليات التصفية الشاملة.
حققت السوق الصينية تقدماً كبيراً خلال فترة قصيرة، وانطلقت من التداول على الأرصفة الحجرية في الشوارع الخلفية لمدنية شانغهاي عام 1984 لتصبح قيمتها الرأسمالية 2700 مليار دولار. وكانت هذه السوق إحدى أفضل الأسواق العالمية أداءً خلال الأشهر الـ 12 الماضية. ويبلغ معدل الأسعار نحو 50 ضعفاً من العوائد التاريخية. ولدى عدد من الشركات معدلات أسعار/عوائد تزيد على 1000. فهل يتعين تجنب المخاطر؟ لا توجد ترجمة سهلة في لغة الماندرين الصينية لذلك.
وهناك إغراء للمرء بأن يحكم على هذه المشاعر المندفعة بأنها غزارة تتلاشى بمجرد أن تستعيد أساسيات الاقتصاد ثقتها بنفسها. غير أن الحقيقة أشد تعقيداً من ذلك. فقد تراكمت السيولة والثروة في الصين خلال العقدين الماضيين، وهي الآن محجوزة في الأسهم والعقارات على البر الصيني. وستتدفق هذه الثروة خارج البلاد خلال أقل من خمس سنوات متسببة في الكثير من الارتجاجات في أسواق الموجودات الخارجية.
وقبل فترة وجيزة لم يكن المستقبل يبدو كذلك دائماً. فخلال الفترة 2000 - 2004 بدت سوق الأسهم الصينية عليلة ومعاقة بالنمو البطيء للأرباح. وكانت هناك مئات الفضائح المتعلقة بالأسهم المملوكة من جانب الدولة التي كان المستثمرون يخشون أن تغرق السوق في وقت ما. وهبط معدل مؤشر الأسعار في شنغهاي في فترة قصيرة إلى ما دون 1000 نقطة، واعتقد كثيرون أن نبضه سيتوقف بعد فترة قريبة. لكن في السنوات الأخيرة تعدى المؤشر 4800 نقطة، وأصبح مستوى 5000 نقطة ممكناً، ويتطلع المتحمسون إلى 8000 نقطة قبل افتتاح أولمبياد بكين في آب (أغسطس) 2008.
يبدو هذا الأمر بالنسبة للبعض بمثابة فقاعة. ففي أيار(مايو) ضربت بكين السوق بسلسلة من الإجراءات تضمنت زيادة ضريبة التداول لتخفيف المشاعر الإيجابية والحؤول دون فقاعة أكبر. لكن تلك الإجراءات المترددة لم تعادل نمو أرباح الشركات، وانخفاض معدلات الفائدة، وكل تلك السيولة.
ولدى الانتعاش الحالي جذوره في التاريخ المالي الصيني. فحتى قبل عام 2004 كانت الأموال التي تحوم حول الاقتصاد الصيني (المخزنة تحت الأسرة) هائلة بالقياس إلى كميات البضائع والخدمات المنتجة. وبحلول 2004 وصل معدل M2، المؤشر العريض الخاص بعرض الأموال، إلى 160 في المائة مقارنة بالنتائج المحلي الإجمالي، أي أعلى بكثير من معظم الاقتصادات الأخرى. ووصلت الصين إلى ذلك بتحفيز اقتصادها خلال فترات التباطؤ، إما بالقروض البنكية الهائلة، أو صفقات الميزانيات المحفزة. وتم استيراد المزيد من السيولة خلال السنوات الأخيرة من خلال الفوائض التجارية الضخمة التي تصل إلى 20 مليار دولار شهرياً، بالإضافة إلى الاستثمارات الأجنبية، وتدفقات الأموال "الساخنة" القادمة إلى البلاد.
وأبقى بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) جانبا كبيرا من هذه السيولة في مأمن، من خلال سندات امتصاص السيولة. غير أن الضغوط هائلة. وبدأت هذه الأموال تتدفق عام 2003 على العقارات، ثم انطلقت نحو الأسهم في منتصف عام 2006 محركة الدوران النقدي فيها. لكن ذلك سيتغير خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، بينما تصبح الثروات الصينية أشد مغامرة، وتبدأ في الارتحال إلى الخارج. وتم بالفعل فتح عدة طرق لخروج تلك الأموال، إذ تنشط الأموال العائدة إلى البر الصيني في سوق الأسهم في هونغ كونغ. وأصبح QDLL، البرنامج الذي يعطي فيه مستثمرو التجزئة أموالهم للبنوك لكي تديرها في الخارج، أكثر شعبية. ويعمل الرفع المؤكد للرنمينبي على الإبقاء على الثروة الآن داخل البلاد.
ورفع قيمة الرنمينبي بنسبة 5 في المائة، أو نحو ذلك سنوياً، سيجعل قيمته أكثر عدالة في وقت قريب. والسماح بحرية الحركة لثروات الأسر والشركات الصينية ينبئ بتغير مهم. وأصبحنا معتادين على أحد الآثار الناجمة عن الصين المعولمة: تراجع السعر النسبي للعمل، ما يعني بضائع أرخص. وسيكون أثر الجولة الثانية مختلفاً تماماً، إذ إنه مع تحول الثروة الصينية إلى العالمية، فإن السعر النسبي للموجودات المشتراة من جانب القطاع الخاص الصيني سيرتفع. وستكتوي الأراضي السكنية في هونغ كونغ، والأراضي الزراعية في إفريقيا، والموارد الطبيعية في آسيا، بالحروق الأولى لهذه التدفقات. ويمكن أن تكون الموجة الثانية خاصة بالشركات الكبرى، والعمليات الناجحة في الصين ذاتها، حيث يشهد المستهلكون المحليون النمو الناجح لعدد كبير من الشركات العالمية.
ولن يكون "السعر الصيني" بعد الآن هو السعر الأرخص في العالم بالنسبة لسلعة ما. وستكون هذه هي الزيادة الثقيلة التي تدفع مقابل الموجودات التي استثمر فيها القطاع الخاص الصيني. فلا تعتقد أن بورصة شانغهاي تمثل شذوذاً، وإنما ينبغي أن تفكر بها كمستقبل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق