الجمعة، 17 أغسطس 2007

الصين تخطو بثبات حتى تصبح قوة عظمى


"يستثمر جيش التحرير الشعبي الصيني بكثافة ليمنح الصين العضلات العسكرية التي يمكن أن تضاهي قوتها الاقتصادية، ولكن هل يمكن له البدء بمنافسة أميركا؟"

"بين القوى الصاعدة الرئيسية في العالم تتمتع الصين بأعظم إمكانية لمنافسة أميركا عسكريا"

مجلة الأيكونوميست البريطانية
يبدو المشهد غرائبياً ومحيطه مقبضاً. حيث تمتد رقعة شاسعة من الأرض الموحلة ومسطحات الملح ومزارع الأسماك حتى تصل إلى خليج بوهاي، وهناك يلوح هيكل سفينة هائلة من خلل الفضاء الملوث. إنها حاملة الطائرات "كييف" التي كانت ذات مرة مبعث فخر بحرية الاتحاد السوفياتي، وأصبحت الآن موضوع جذب للسياح. ويجلس الزوار الصينيون على مدرج الطائرات فوق الحاملة تحت مظلات تحمل شعار "بيبسي"، ربما متفكرين في قوة عظمى بائدة كانت هناك ذات يوم، وأخرى قادمة: قوتهم التي يجري بناؤها دون إبطاء.
داخل "كييف"، تمت قسمة البناء المعدني الكبير إلى اثنين. ففي أحد الجوانب، يشاهد الزوار الذين يشي مظهرهم بالملل مجموعة من الإعلانات عن الرقص، والتي تصور مؤدين بالملابس التقليدية للأقليات العرقية. وفي الجانب الآخر، ثمة نموذج بالحجم الطبيعي لطائرة (جيه-10) الجديدة. وهي التي كشف النقاب عنها في احتفال كبير كان أقيم في كانون الثاني الماضي باعتبارها الطائرة الحربية الأكثر تقدماً والتي بناها الصينيون بأنفسهم (ما عدا المحركات النفاثة الأوكرانية والروسية-لكن المسؤولين يفضلون عدم الإعلان عن ذلك). ويعتقد بعض المحللين العسكريين بأن نسخاً منها ربما يتم نشرها ذات يوم على السفن الصينية.
يراقب البنتاغون الطموحات الصينية إزاء حاملات الطائرات باهتمام مرتبك. فمنذ الثمانينيات، اشترت الصين أربعاً منها (ثلاثا من الاتحاد السوفياتي السابق وواحدة استرالية، والتي كان بناؤها قد بدأ في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية). ومثل "كييف"، تم تحويل "مينسك" الراسية قرب هونغ كونغ إلى نقطة جذب للسياح بعد أن تمت دراستها بداية بعناية على يد مهندسي البحرية الصينيين. وحاملة الطائرات الأسترالية "ميلبورن" فقد تم تفكيكها. أما الحاملة "فارياج" الأكثر ضخامة وحداثة، فهي ترسو في ميناء مدينة داليان الشمالية، حيث تمت إعادة تأثيثها وما يزال مصيرها غير معروف. ويقول البنتاغون إنها ربما توضع في الخدمة حيث تستخدم لتدريب الطواقم، أو يمكن أن تتحول بدورها إلى متنزه عائم.
لا يبدو أن سيادة أميركا الكونية على وشك التعرض للتحدي بواسطة التباهي الصيني الأخرق بحاملات الطائرات. وحتى لو استطاعت الصين أن تصنع واحدة، وهو ما يعتقد المحللون بأنه غير محتمل قبل عام 2015 على الأقل، فإنها لن تكون ذات جدوى في أكثر المناطق احتمالاً لنشوب الأزمة بين الصين وأميركا، خليج تايوان، حيث تستطيع الصين آنئذ أن تطلق طائراتها من الشاطئ بسهولة أكبر بما لا يقاس. لكنها ربما سينظر إليها على أنها رمز للقدرة في سياق صعود الصين بوصفها قوة عسكرية. ويرغب بعض الضباط الصينيين في رفع العلم على ميادين دائمة الاتساع كتجسيد للنهوض الصيني. وبينما تظهر الصين كعملاق اقتصادي (عملاق يعتمد باطراد على البترول المستورد)، فإن القليل من محلليها العسكريين يتحدثون عن الحاجة إلى حماية الخطوط البحرية الطويلة من خليج ملقا وما بعده.
في بداية هذا الشهر، احتفل جيش التحرير الشعبي الصيني بالذكرى الثمانين لولادته كمجموعة من الثوار المختلطين والمهلهلين ضد حكام الصين في ذلك الوقت. أما اليوم، فهو يسعى إلى أن يصبح واحدا من أكبر قوى العالم قدرة: قوة تستطيع عند الضرورة أن تبقي حتى الأميركيين على الحياد. وعلى أن لدى جيش التحرير الشعبي القليل من الحوافز لمواجهة أميركا وجهاً لوجه، فإن لديه الكثير من الأسباب ليردعها عن حماية تايوان.
يتسبب إيقاع التحديث العسكري الصيني بالكثير من القلق لدى البنتاغون. وكان إيريك ماك فادون، وهو أدميرال متقاعد، قد أبلغ لجنة الكونغرس عام 2005 بأن الصين قد حققت "قفزة لا تصدق" في تحديث القوات اللازمة لغمر تايوان وردع أو مواجهة أي تدخل أميركي. كما أن سرعة ذلك، كما قال، كانت "مستمرة على قدم وساق". وبمعايير البنتاغون، يعتبر الأدميرال ماك فادون حمائمياً.
في تقريره السنوي الذي قدمه للكونغرس حول القوة العسكرية الصينية، والذي نشر في أيار، قال البنتاغون إن "قدرات الصين العسكرية المتزايدة" كانت "عاملاً رئيسياً" في الإخلال بالموازين العسكرية في شرق آسيا. وقال التقرير إن قدرة الصين على بسط نفوذها إلى مناطق بعيدة ظلت محدودة. لكنه كرر ملاحظاته التي كانت قد وضعت عام 2006، والتي تقول إن من بين "القوى الصاعدة الرئيسية" فإن الصين تتمتع "بأعظم إمكانية للمنافسة عسكرياً" مع أميركا.
منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، أصبحت الصين قلقة باطراد من أن تايوان ربما تقطع روابطها القومية مع الأرض الأم. ولزرع الرعب في أي زعيم تايواني يحمل مثل هذا الطموح، دأبت الصين على نشر صواريخ بالستية قصيرة المدى على الساحل المواجه للجزيرة بنفس السرعة التي تستطيع بها إنتاجها، حوالي مائة في العام. ويقول البنتاغون إن هناك الآن حوالي 900 من هذه الصواريخ من طرازات مختلفة، والتي تصبح باستمرار أكثر دقة. وتستطيع مجموعة منها أن تدمر بنية تايوان العسكرية التحتية بسرعة بحيث أن أي حرب ستصل إلى نهايتها قبل أن تتمكن أميركا من التصرف.
ثمة الكثير مما تغير منذ عامي 1995 و1996، حين تبدى ضعف الصين في وجه القوة الأميركية على نحو مدهش. ففي موجة من الغضب جراء قرار أميركا عام 1995 السماح للرئيس التايواني آنذاك لي تينغ-هوي القيام برحلة فخرية إلى جامعته الأم "جامعة كورنيل"، أطلقت الصين عشرة صواريخ غير مذخرة من طراز (دي ف-15س) على المياه التايوانية. وقد أرسل الأميركيون الذين كانوا على ثقة من أن الصين ستتراجع بسرعة، حاملتين للطائرات إلى المنطقة على سبيل التحذير. وقد عمل ذلك التكتيك. أما اليوم، فإن على أميركا أن تفكر مرتين في عمل شيء كذاك. ويقول دوغلاس بال، سفير أميركا غير الرسمي إلى تايوان فيما بين عامي 2002 و2006: إن "كلفة أي نزاع هناك قد ارتفعت بكل تأكيد".
يحاول الصينيون الآن التأكد من أن حاملات الطائرات الأميركية لا تستطيع الاقتراب. ويعرب الأدميرال ماك فادون عن قلقه من تطوير الصينيين لصواريخ (دي إف-21) من طراز (سي إس إس-5) البالستية متوسطة المدى. إذ تستطيع هذه الصواريخ بقدرتها الأعلى بكثير على التحرك بمرونة من الصواريخ قصيرة المدى، تستطيع هذه الصواريخ أن تجعل قدرة الدفاعات التايوانية المضادة للصواريخ على التكيف معها أصعب بكثير. بل إن بالوسع إطلاقها إلى أماكن أبعد كثيراً من تايوان عبر الباسفيكي لتضرب حاملات الطائرات. وعلى أن ذلك ربما يشكل تحدياً تقنياً كبيراً، إلا أن الأدميرال ماك فادون يقول إن أميركا "ربما ينبغي لها أن تقلق" إزاء مثل هذه الاحتمالية في غضون سنتين.
بمجرد أن تكون الصواريخ قد أنجزت عملها، فإن القوات المسلحة الصينية تستطيع (أو هكذا يأملون) أن تتابع العمل بترسانة هائلة من الأسلحة الروسية المتطورة والتي كانت قد تكدست في العقد الماضي. وكان البنتاغون قد قال في العام الماضي أن الصين قد استوردت أسلحة بما يقارب 11 بليون دولار أميركي في الأعوام ما بين 2000 و2005، معظمها من روسيا.
تعلم الصين أن عليها الكثير لتفعله حتى تلحق بالركب. وربما لا يكون الكثيرون من الأميركيين شديدي الحماس إزاء اختراقات أميركا العسكرية في السنوات الأخيرة، خاصة إزاء الحرب في العراق. لكن المؤلفين العسكريين الصينيين، والعديد من المقالات والكتب، ترى في ذلك الكثير الذي يمكن استلهامه.
على الورق على الأقل، كانت مكاسب الصين مثيرة للإعجاب. فحتى خلال التسعينيات، كانت الصين تمتلك جيشاً لا يتعدى كثيراً جماعة من الفلاحين سيئي التعليم، يستخدمون معدات تعتمد إلى حد كبير على تصاميم سوفياتية منتهية الصلاحية من الخمسينيات وتعليمات أكل عليها الزمان وشرب من فترة الحرب الباردة، بل من حقبة حرب العصابات. أما الآن، فقد تحول التركيز من القوات البرية إلى القوات البحرية والجوية التي يمكن أن تكون رأس الحربة في أي هجوم يشن على تايوان. وقد اشترت الصين 12 غواصة هجومية تعمل بالديزل، آخرها مزودة بصواريخ "سيزلر" كروز الأسرع من الصوت، والتي يعتقد الكثيرون بأن حاملات الطائرات الأميركية ستجد من الصعب إيقافها.
هناك صواريخ كروز سريعة أيضاً على سطح المدمرات الصينية، ركبها الروس وصممت لمهاجمة حاملات الطائرات ومرافقاتها. كما أن صانعي السفن الصينيون لم يكونوا متقاعسين بدورهم، ففي معرض أقيم بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس الجيش، يعرض متحف بكين العسكري ما تقول المواقع الألكترونية الصينية إنه نموذج لغواصة هجومية تعمل على الطاقة النووية، "شانغ". وستسمح هذه الغواصات للبحرية بالاندفاع عميقاً في المحيط الباسفيكي إلى مسافة أبعد كثيراً من تايوان، والتي ستساعد، كما تأمل بكين، في التغلب على حاملات الطائرات الأميركية قبل وقت طويل من اقترابها. وفي السنة الماضية، وعلى نحو سبب الكثير من الإحراج للأميركيين، طفت غواصة صينية جديدة تعمل بالديزل قريباً من حاملة الطائرات الأميركية "كيتي هوك" قرب إيكاناوا من دون أن يتم تعقبها قبل ذلك.
تبدو السيادة الجوية الأميركية في المنطقة الآن تتعرض للتحدي بفعل وجود أكثر من 200 طائرة روسية مقاتلة متقدمة من طرازات (سو-27) و (سو-30) والتي تمتلكها الصين منذ التسعينيات. وكانت بعض هذه الطائرات قد صنعت تحت إشراف الصين نفسها. ويعتقد البنتاغون بأن الصين تبدو مهتمة أيضاً بشراء المقاتلات من طراز (سو-33) المناسبة لنشرها فوق حاملات الطائرات في حال قررت الصين بناء واحدة.
أثناء أزمة خليج تايوان عام 1995-96، كان بإمكان أميركا أن تثق بأنها تستطيع، حتى لو اندلعت الحرب (ظن القليلون أنها ستندلع جدياً) أن تتعامل مع التهديد القادم من الترسانة النووية الصينية. وقد كانت الحفنة القليلة من الصواريخ الاستراتيجية الصينية القادرة على ضرب الأراضي الأميركية موضوعة في مخازن أرضية كان الأميركيون يعرفون أماكنها على الأغلب. وكان التحضير للإطلاق سيحتاج إلى وقت طويل بحيث يكون للأميركيين وقت كاف لضربها وإجهاضها. وقد عملت الصين بجد للتغلب على ذلك، وهي تنشر صواريخ من طراز (دي إف-31) المتحركة على الطرق والعاملة بالوقود الصلب ما يعني سرعة الإطلاق، كما يعتقد بأنها تطور صواريخ من طراز (دي إف-31أ) ذات المدى الأطول، والتي يمكن أن تضرب أي مكان في أميركا، إضافة إلى الصواريخ التي تطلق من الغواصات من طراز (جي إل-25) التي تستطيع تهديد الكثير من أجزاء أميركا أيضاً.
هل الجميع في بزاتهم وجاهزون للقتال؟
ولكن السؤال المطروح الآن: كم من الجدوى تنطوي عليها كل هذه المعدات؟ ليس هناك الكثير مما هو معروف عن قدرات جيش التحرير الشعبي الصيني. لكنه يظل من أحد أكثر جيوش العالم الكبيرة قدرة على الخلق وبما لا يقاس. ولعل أحد المقبلات القليلة التي تبدت في التحضيرات للاحتفال هي إنتاج بزات جديدة لوسم المناسبة: أكثر احتضاناً للجسم، وأكثر شبهاً بالبزات الأميركية، مما أثار انتقاد بعض مستخدمي المواقع الألكترونية الصينية الشائعة.
وكما يدرك محللو الجيش الصيني تماماً، لا تتعلق قوة الجيش الأميركي كلها بالتكنولوجيا. إنها تتعلق أيضاً بالتدريب، بالتنسيق بين الفروع المختلفة للجيش، بتجميع العمليات الاستخبارية وتحليلها، كما بالخبرة والأخلاقيات. وتناضل الصين للحاق بالركب في هذه الحقول أيضاً، لكنها ستظل مفتقرة إلى الانخراط في أي خبرة اشتباك عدا عن مشاركة قصيرة وغير مميزة في فيتنام عام 1979 وعملية انتشار كبيرة لسحق الاضطرابات المؤيدة للديمقراطية بعد ذلك بسنوات.
تظل الصين أكثر خجلاً إزاء قدراتها في خوض الحروب مما هي إزاء تسليحها. وهي لم تقم بإجراء تمرينات عسكرية مسهبة في البحار العميقة ضد حاملات الطائرات. وهي لا تريد أن تخلق أجواء من الإنذار في المنطقة، ولا أن تستثير أميركا. وهناك أيضاً مشكلة جعل المعدات الروسية كافة عاملة. ويقول بعض المحللين إن الصينيين لم يكونوا راضين تماماً عن طائراتهم المقاتلة من طرازي (سو-27) و(سو-30)، ذلك أن الاحتفاظ بها مصانة ومزودة بقطع الغيار (من روسيا) لم يكن أمراً سهلاً. ويقول دبلوماسي غربي إن الصين تناضل أيضاً من أجل مدمراتها وغواصتها الروسية عاملة وحسنة الهيئة. وهو يقول عن المعدات الجديدة: "ينبغي عليها الحذر من القول: واو".
تحرز الصين بعض التقدم في جهودها لإعفاء نفسها من الاعتماد على الروس. وبعد عقود من الجهود المضنية، يعتقد بعض المحللين بأن الصين تشرع أخيراً باستخدام محركاتها النفاثة الخاصة، وهي تكنولوجيا أساسية لبناء الطائرات المقاتلة. لكن الاكتفاء الذاتي يظل مع ذلك في حاجة إلى قطع طريق طويل. ويبدو الروس وهم ما يزالون يترددون أحياناً إزاء تسليم الصين أعقد تقنياتهم. ويقول أندرو يانغ من المجلس الصيني للدراسات السياسية المتقدمة في تايوان: "لعل أكثر الأشياء موثوقية (التي يمتلكها الصينيون) هي الصواريخ".
يحاول البنتاغون، مع كل قلقه، الاحتفاظ بالقنوات مفتوحة للصينيين. وقد دأبت التبادلات العسكرية على التعافي ببطء منذ وصولها أدنى مستوياتها في نيسان-إبريل عام 2001، حين قامت طائرة مقاتلة صينية بضرب طائرة تجسس أميركية قريباً من الصين. وفي السنة الماضية، وللمرة الأولى، أجرى الطرفان تمرينات مشتركة على مهمات البحث والإنقاذ عند السواحل الأميركية والصينية. لكن تلك لم تعد كونها مناورات بسيطة، والتي عرف الأميركيون القليل من خلالها. حيث يظل الصينيون مترددين إزاء الانخراط في أي شيء أكثر تعقيداً، ربما خشية الكشف عن نقاط ضعفهم.
أما الصينيون، فقد أكتسبوا قدرة أكبر على المعرفة، حيث أجرى جيش التحرير الشعبي الصيني مناورات واسعة النطاق مع الجيش الروسي قبل سنتين، كانت هي الأولى التي تجري مع جيش أجنبي. ورغم أنه لم يتم الإعلان عنها على هذا النحو، إلا أنها كانت تهدف في جزء منها إلى إخافة التايوانيين. وقد تمرن الجيشان على عمليات الحصار، واحتلال المطارات وعمليات الإنزال. واستعرض الجيش الروسي بعض أسلحته التي يأملون ببيعها للصينيين كثيري الإنفاق.
ثمة تمرين مشترك كبير تقرر إجراؤه فيما بين التاسع وحتى السابع عشر من آب في الأورال (تقرر اشتراك بعض القوات من أعضاء منظمة تعاون شنغهاي، وهي مجموعة تتكون من ست دول بما فيها دول وسط آسيا). لكن ديفيد شامباوغ من جامعة جورج واشنطن يقول إن الروس لم يكونوا شديدي الإعجاب بمهارات الصينيين. فبعد التمرينات المشتركة في عام 2005، تهامس الروس حول افتقار جيش التحرير الشعبي إلى "الترابط"، وحول فقره في الاتصالات وبطء دباباته.
حظيت الصين بالكثير من المديح من جهة الغرب بسبب انخراطها المتزايد في عمليات حفظ السلام التي تديرها الأمم المتحدة. لكن ذلك الانخراط لم يكشف سوى القليل عن قدرات الصين القتالية، ذلك أن جميع المشاركين من بين 1600 صيني في قوات حفظ السلام المنتشرين (بما في ذلك في كل من لبنان والكونغو وليبريا) هم من المهندسين، وقوات النقل أو الطواقم الطبية.
ثمة سلسلة من "الأوراق البيضاء" التي نشرتها الحكومة الصينية منذ عام 1998 حول تطورات جيشها، والتي ألقت القليل من الضوء بدورها، خاصة حول مقدار ما ينفقه جيش التحرير الشعبي وعلى ماذا. وبموجب حسابات الصين المجردة، تمتع جيش التحرير الشعبي بزيادة في معدل ميزانيته السنوية بنسبة زادت على 15% في الأعوام ما بين 1995 و2005 (حوالي 10% في الأحوال العادية). وفي هذه السنة، تمت زيادة الميزانية بنسبة قاربت 18%، لكن ذلك لا يبدو وأنه يضم مستوردات الأسلحة، والإنفاق على قوات الصواريخ الاستراتيجية، وعلى الأبحاث والتطوير. ويقول المعهد الدولي للأبحاث الاستراتيجية في لندن إن المستوى الحقيقي للإنفاق عام 2004 ربما كان يقارب 1.7 ضعفاً أعلى من الميزانية المعلنة رسمياً والتي بلغت 220 بليون يوان (26.5 بليون دولار حسب أسعار الصرف في ذلك الحين).
هذا التقدير يمكن أن يجعل إنفاق الصين يساوي تقريباً إنفاق فرنسا في عام 2004. لكن القدرة الشرائية المختلفة للدولار في البلدين –كما وزيادة الإنفاق الصينية الكبيرة ذات الرقمين في ذلك الوقت- تدفع بالمجموع الصيني إلى أعلى بكثير. وتناضل الصين بجدية لتجعل من جيشها أكثر احترافاً وإبقاء الرجال في الخدمة لوقت أطول واجتذاب متطوعين أفضل تعليماً. ويبدو ذلك أمراً صعباً في وقت يزدهر فيه الاقتصاد المدني وترتفع فيه الأجور. ذلك أن جيش التحرير الشعبي يضطر إلى إنفاق كبيرعلى الرواتب وتحسين ظروف منتسبيه البالغ عددهم 2.3 مليون جندي.
يبدو الإبقاء على الجيش سعيداً يشكل هاجس القادة الصينيين، مبقين في الذهن كيف استطاع جيش التحرير الشعبي إنقاذ الحزب من الدمار المحتمل خلال اضطرابات عام 1989. وفي التسعينيات، شجع القادة وحدات الجيش على إدارة بعض مشاريع الأعمال لجني المزيد من الأموال لأنفسها. وفي نهاية العقد، وقد رأوا أن ذلك يشعل جذوة الفساد، أمروا جيش التحرير الشعبي بتسليم مشاريعه للسيطرة المدنية. وتعمل ميزانيات أكبر الآن على مساعدة جيش التحرير الشعبي في التعويض عن بعض تلك المكتسبات الضائعة.
ما يزال الحزب يرى الجيش على أنه الحاجز الصلب الذي يحول دون وقوع ذلك النوع من الاضطرابات التي سبق وأن أسقطت الأنظمة الشيوعية في الأماكن الأخرى. ويهاجم القادة الصينيون بعنف تلك الاقتراحات (يعتقد بأنها تحظى بدعم بعض الضباط) والتي تقول إن جيش التحرير الشعبي ينبغي أن يوضع تحت سيطرة الدولة بدلاً من سيطرة الحزب. ويظل الجيش الشعبي مثقلاً بجواسيس الحزب الذين يراقبون ولاء الضباط، غير أن الحزب يمنح الجيش أيضاً قدراً كبيراً من الحرية في إدارة شؤونه الخاصة. وعلى أنه يقلق إزاء فساد الجيش إلا أنه نادراً ما يتحرك ضده، بشكل علني على الأقل (في استثناء نادر لهذه القاعدة، تم طرد أحد نواب قائد البحرية بسبب تلقيه رشاوى وبسبب "أخلاقه السيئة") وقد سمحت ثقافة جيش التحرير الشعبي الصيني حول السرية بذلك الانتشار غير الخاضع للمراقبة لمرض السارز، وهو مرض قاتل يصيب الجهاز التنفسي، في نظام الجيش الطبي عام 2003.
تجارة حاملات الطائرات
يعرف جيش التحرير الشعبي نقاط ضعفه. ولديه القليل من الأوهام بأن الصين يمكن أن تقارع الأميركيين عسكرياً وجهاً لوجه. أما تصميم الاتحاد السوفياتي السابق على فعل ذلك، فينظر إليه في الصين على نطاق واسع على أنه السبب في انهيار ذلك الاتحاد. وبدلاً من ذلك، تركز الصين على التسليح والعقيدة التي يمكن استخدامها لإلحاق الهزيمة بجيش أكثر قوة بكثير بتوظيف فكرة استثمار "القدرات غير المتوازية".
تتلخص الفكرة في استغلال نقاط الضعف الأميركية المكشوفة، مثل اعتماد الأخيرة على الأقمار الصناعية وشبكات المعلومات. ومن الواضح أن تدمير الصين في شهر كانون الثاني لواحد من أقمارها الصناعية الهرمة والمنتهية الصلاحية بصاروخ (ولو أن ذلك كان مثاراً للغط ومدمراً دبلوماسياً) إنما كان يهدف أن يكون عرضاً لتلك القوة. ويعتقد بعض المحللين بأن أشخاصاً صينيين كانوا يحاولون بمساندة حكومية القيام بالقرصنة على حواسب البنتاغون. وكان ريتشارد لاوليس، وهو مسؤول في البنتاغون قد قال مؤخراً إن الصين طورت "قدرة جد معقدة" على مهاجمة أنظمة الحواسيب والإنترنت الأميركية.
يكمن خوف البنتاغون في أن قادة الجيش، متسلحين بالتكنولوجيا الحديثة، ربما يقللون من شأن التداعيات الدبلوماسية التي ربما تنجم عن محاولة تجريبها. ويرى بعض الصينيين مشكلة هنا أيضاً. فقد أعاد الاختبار المضاد للأقمار الصناعية بعث النقاش الأكاديمي في الصين حول الحاجة إلى إنشاء مجلس للأمن القومي على الطراز الأميركي، والذي يمكن أن يساعد المخططين العسكريين على التنسيق على نحو أكثر فعالية مع صانعي السياسة الخارجية.
لكن الأميركيين يجدون من الصعب عليهم أن يطلبوا إلى الصين بصراحة التوقف عما يقوم الآخرون بفعله أيضاً (بما فيهم الهند التي تمتلك حاملات طائرات وطائرات مقاتلة روسية). وفي شهر أيار، قال الأدميرال تيموثي كينتنغ، قائد القيادة العسكرية الأميركية في منطقة الباسفيكي إن اهتمام الصين بمسألة حاملات الطائرات كان "أمراً مفهوماً". بل إنه قال إن الصين حتى لو اختارت أن تطورها، فإن أميركا ربما "تساعد إلى الدرجة التي يرغبونها، وإلى الحد الذي نقدر عليه". لكن الأمر، كما قال ملاحظاً "ليس بالسهولة التي يبدو عليها".
بعد ذلك قال أحد مسؤولي البنتاغون أن أقوال الأدميرال كيتنغ قد أسيء فهمها. ذلك أن بناء حاملة طائرات للقوات المسلحة الصينية سيكون نوعاً من الذهاب شوطاً أبعد من اللازم. لكن الطرفين يتحدثان الآن عن إنشاء خط عسكري ساخن. ومن الواضح أن الأميركيين يريدون أن يظلوا ودودين بحذر فيما التنين يغدو أكثر قوة.

ليست هناك تعليقات: