صحيفة الوقت البحرينية
يرى كثير من الخبراء والمحللين السياسيين في اللقاء الذي جرى في العام الماضي بين الرئيس الصيني هو جينتاو ونظيره الأميركي جورج بوش لقاء قطبي المستقبل على الساحة الدولية. ولو نظر المرء إلى القضايا التي تمت معالجتها - ومنها قضايا التسلح العالمي والموقف من الملف النووي الإيراني ومشكلات تلوث البيئة وأزمة الاقتصاد العالمي - يجد أنها موضوعات استراتيجية تخص الكرة الأرضية قاطبة، وتعمل على تحديد أسس التعامل بين دول من وزن فاعل على الساحة الدولية. هذه الموضوعات لا تبحثها واشنطن مع دول من وزن اليونان أو الأردن أو مصر مثلاً.
زيارة الرئيس الصيني استغرقت أربعة أيام وجاءت متزامنة مع نشر صندوق النقد الدولي تقريره السنوي الذي أشار فيه إلى أن النمو الاقتصادي في الصين في 2006 سوف يصل إلى 5,9%. والصين تملك طاقات بشرية هائلة تجعل من أسواقها أرضية خصبة للاستثمارات الأجنبية. وبهذا يتوقع أن تصبح الصين تحت قيادة هو جينتاو، ثالث قوة اقتصادية في العالم من دون منازع بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتدخل بذلك غمار المنافسة من أجل إثبات الهيمنة الاقتصادية وكسب الرهان التجاري.
الصين.. سوق محلية قوية
يرى الخبير الألماني في الشؤون الآسيوية من مؤسسة الدراسات العلمية والسياسية في برلين كاي مولر، أن السوق المحلية للصين تلعب دوراً فعالاً في النهوض باقتصاد البلاد. فهذا الانتعاش الهائل الذي تعرفه هذه السوق هو راجع بالأساس إلى الاستثمارات الأجنبية التي وصلت في العام 2003 إلى 53 مليار دولار، علاوة على انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر/ كانون الأول 2001 وانفتاحها على الأسواق العالمية الأخرى.
الإبداع التكنولوجي يميل لصالح واشنطن
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة مانهايم أن قوة الاقتصاد الأميركي مقارنة بالصين تكمن في إبداعاته وابتكاراته في تطوير التكنولوجيات، وهذا ما يجعل الهوة كبيرة بين البلدين. وفي هذا السياق، يمكن ذكر صناعة الأسلحة وتطويرها ومدى تأثيرها الإيجابي على الاقتصاد الأميركي. ويرى الاقتصادي الألماني أن استقلالية النظام السياسي والمصرفي في الولايات المتحدة يشكل نقطة قوة فعالة في الصراع مع الصين، مشيراً في هذا السياق إلى عقيدة الحزب الجمهوري الحاكم والقائمة على توظيف كل الإمكانات من أجل الحفاظ على المصالح القومية للبلاد.
وهناك قضية أخرى تصب في صالح الولايات المتحدة وتتمثل في العامل الديموغرافي. فالخبراء يعتقدون أن المجتمع الصيني سيصبح عجوزاً في وقت لم يصل فيه اقتصاد البلاد إلى ذروة نضجه، ما يحول دون تحول الصين إلى قوة صناعية كبرى على غرار القوى الاقتصادية العظمى. وفي المقابل، تعرف أميركا نمواً ديموغرافياً متوازناً عكس الصين والدول الأوروبية، كونها تستقطب أعداداً هائلة من المهاجرين سنوياً، يساهمون وبشكل فعال في حفاظ المجتمع الأميركي عن فتوته نتيجة ارتفاع نسبة الولادات داخل هذه الفئة من الشعب.
أين أوروبا من كل ذلك؟
يواجه مشروع الوحدة الأوروبي إشكالات عدة، حتى بلغ الأمر ببعض المحللين للتنبؤ بانهياره بفعل عوامل ضاغطة ومن أهمها التفرد الأميركي والأنموذج الأنجلوساكسوني الاقتصادي وعملية توسع الاتحاد، خصولاصاً نحو شرق أوروبا.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال قوة الاتحاد الأوروبي كقطب منافس لأميركا، وإن كان لا يستطيع أن يتحرر من السياسات الاقتصادية الأميركية، خصوصاً أن اليورو أوجد ديناميكية في عصب الحياة الاقتصادية والسياسية لدول الاتحاد.
ولا شك أنّ هناك صراعاً خفياً يطفو تحت السطح بين أوروبا وأميركا في لعبة المصالح المشتركة، والتي تتجلى في كثير من المواقف السياسية مثلاً في قضية إيران وكذلك في العراق. ورغم أشكال المد والجزر الاقتصادي التي تحكم علاقة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية بأميركا؛ يبقى التخوف من المد الصيني قاسماً مشتركاً بينهما وإن اختلفت درجة هذا التخوف.
وتستشعر الولايات المتحدة ومعها أوروبا الخطر الذي يشكله النشاط الصناعي الصيني، لاسيما أنّ هذا النشاط مدعوم بأيد عاملة رخيصة وقوانين استثمارية مشجعة، ما ساهم في جذب الشركات العملاقة للاستثمار. وقد أراد الاتحاد الأوروبي أن يكبح قوة اندفاع نمو الاقتصاد الصيني وصادراته التي تلقي بظلال سلبية، بل خطيرة، على الصناعات والصادرات الأوروبية، لكن لم يفلح في الحد من معدل هذا النمو. ولذلك لا غرابة أن تتحول الصين من «العملاق النائم» إلى «العملاق المتيقظ» بحكم نموه الصناعي والاقتصادي الكبير. ويمكن القول، إنّ العالم يتمحور اليوم في كتل اقتصادية تسعى جاهدة إلى الاستحواذ على أكبر نصيب من محركات النشاط الصناعي الذي يشكل الذهب الأسود عصباً له. وفي هذا الإطار، فإنّ للولايات المتحدة وأوروبا مصالح تتقاطع وتتعارض وفي الوقت نفسه تسعى إلى مواجهة المارد الاقتصادي الزاحف، كل على طريقته، لتبقى علاقة الأطلنطي مع الصين أشبه ما تكون بالجراحة الدقيقة، يحكمها شعار المصالح بحذر.
توقعات للاقتصاد الصيني
وبينما بلغت نسبة نمو الاقتصاد الصيني نحو 17% في العام الماضي، فإنها نسبة تبدو كالحلم لكثير من الاقتصادات الكبرى في العالم الاقتصاد الألماني الذي لم تتعد نسبة نموه 1% في العام المذكور.
هنا يتحدث الخبير في الشؤون الصينية كلاوس جريم بشأن مستقبل الصين، معلقاً على ما أفاد به المكتب الوطني للإحصاء في بكين من أن الناتج المحلي الصيني نما بمعدل نحو 17% أكثر من المتوقع ليصل إلى نحو 16 مليار يوان، أي ما يعادل 65,1 مليار يورو، وعن إمكان أن تتخطى الصين - كدولة صناعية - أميركا واليابان وألمانيا، ليقول «لابد لنا من النظر إلى الأمر بشكل نسبي. فالمسألة تتعلق بحجم الناتج المحلي للبلاد ككل وليس بنصيب الفرد من هذا الناتج. فهذا الحجم لا يبدو كبيراً في بلد يبلغ تعداد سكانه 3,1 إلى 4,1 مليار نسمة. فهو لا يعني أن الصين أصبحت بموجبه بلداً صناعياً متطوراً، أما تربعها على صدارة القوى الاقتصادية في العالم فهو بحاجة إلى نحو ثلاثة إلى أربعة عقود».
إلى ذلك، يرى جريم أن الصين أصبحت قريبة - إلى حد ما - من الاقتصاد الألماني، ويتوقع أن تتخطاه في الأعوام العشرة المقبلة. ولكن جريم - وهو المدير التنفيذي للغرفة التجارية الألمانية في الصين وموفد الاقتصاد الألماني سابقاً في شانغهاي وبكين - لا يرى أن القوة الاقتصادية أمر منفصل عن أمور أخرى يمكن للصين الرهان عليها في مستقبل علاقاتها الاقتصادية مع الدول والمنظمات الأخرى، ففي رأيه «سيتم استخدام هذا المستوى للإشارة إلى ثقل الصين السياسي، فالأرقام الاقتصادية يمكن استخدامها لقول الكثير أو القليل. فقوة الناتج المحلي تصبح نسبية في بلد عدد سكانه كبير مثل الصين. لكن الصين تطمح إلى أن تصبح قوة اقتصادية وسياسية مهمة ليس فقط على الصعيد الإقليمي مقارنة باليابان مثلاً. فهي تطمح أيضاً إلى لعب دور شبيه بالدور الأميركي في المستقبل».
ولا يعتقد جريم أن الصين يمكن أن تشكل خطراً اقتصادياً حقيقياً على الولايات المتحدة، مبرراً ذلك بأن «الرقم الذي وصل إليه الناتج المحلي الإجمالي الصيني لا يقول كثيراً عن قوة الصين الاقتصادية. فإذا وزعنا هذا الناتج على عدد السكان لظهر معنا أنها ماتزال بعيدة عن مستوى الدول الصناعية»، مشيراً من ناحية أخرى إلى أن «النجاح الاقتصادي الصيني يأتي من مناطق شرق البلاد وجنوبها. وهناك فرق كبير بين هذه المناطق وتلك الواقعة في الوسط والغرب الصينيين. فهناك يوجد مناطق ماتزال في عداد المناطق الفقيرة».
التلويح السياسي
ويقول إنه غير متفاجئ من دراسة للبنك الدولي أشارت إلى أن الاقتصاد الصيني أكبر بنحو 20% من الرقم المعلن عنه «فالإحصاءات الرسمية شيء والواقع الاقتصادي الفعلي شيء آخر. هناك اقتصاد ظلٍ لدينا وفي كل مكان. وفي حال أخذه بعين الاعتبار يصبح الناتج المحلي أكبر. وبغض النظر عن ذلك، فإننا لا نعرف مدى صحّة الإحصاءات الصينية وهل هي جديرة بالثقة أم لا». ولكنه يقول إن الصين لا شك تود توظيف الأرقام المعلن عنها لأغراض سياسية «فهذا الأمر له صلة بالسمعة ووضع البلد. لذا فهو بالنسبة إلى الصين أمر مهم جداً. والحكومة تستغل مثل هذه الأشياء للدعاية. بواسطة الأرقام المذكورة والدراسات عنها يمكن صنع ثقل سياسي». ويعلق جريم «ربما يريد الصينيون من ذلك إبهار العالم والقول له إنهم قوة عظمى ليس فقط على الصعيد السياسي. ربما يريدون القول إنهم ليسوا فقط في مجلس الأمن وإنما كقوة اقتصادية أيضاً. صحيح أن أرقام الناتج المحلي والصادرات تثير الدهشة للوهلة الأولى، غير أن التمعن بها يقلل من قوة هذه الدهشة. لو نظرنا إلى بنية الصادرات لوجدنا أنها لم تعد تقتصر على الأنسجة وألعاب الأطفال. فقد تنوعت لتشمل كذلك منتجات إلكترونية وميكانيكية كما هو عليه الحال لدى ألمانيا. غير أن الاختلاف بين منتجات الأخيرة والمنتجات الصينية مايزال كبيراً على صعيد المستوى التقني والنوعية».
يرى كثير من الخبراء والمحللين السياسيين في اللقاء الذي جرى في العام الماضي بين الرئيس الصيني هو جينتاو ونظيره الأميركي جورج بوش لقاء قطبي المستقبل على الساحة الدولية. ولو نظر المرء إلى القضايا التي تمت معالجتها - ومنها قضايا التسلح العالمي والموقف من الملف النووي الإيراني ومشكلات تلوث البيئة وأزمة الاقتصاد العالمي - يجد أنها موضوعات استراتيجية تخص الكرة الأرضية قاطبة، وتعمل على تحديد أسس التعامل بين دول من وزن فاعل على الساحة الدولية. هذه الموضوعات لا تبحثها واشنطن مع دول من وزن اليونان أو الأردن أو مصر مثلاً.
زيارة الرئيس الصيني استغرقت أربعة أيام وجاءت متزامنة مع نشر صندوق النقد الدولي تقريره السنوي الذي أشار فيه إلى أن النمو الاقتصادي في الصين في 2006 سوف يصل إلى 5,9%. والصين تملك طاقات بشرية هائلة تجعل من أسواقها أرضية خصبة للاستثمارات الأجنبية. وبهذا يتوقع أن تصبح الصين تحت قيادة هو جينتاو، ثالث قوة اقتصادية في العالم من دون منازع بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتدخل بذلك غمار المنافسة من أجل إثبات الهيمنة الاقتصادية وكسب الرهان التجاري.
الصين.. سوق محلية قوية
يرى الخبير الألماني في الشؤون الآسيوية من مؤسسة الدراسات العلمية والسياسية في برلين كاي مولر، أن السوق المحلية للصين تلعب دوراً فعالاً في النهوض باقتصاد البلاد. فهذا الانتعاش الهائل الذي تعرفه هذه السوق هو راجع بالأساس إلى الاستثمارات الأجنبية التي وصلت في العام 2003 إلى 53 مليار دولار، علاوة على انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر/ كانون الأول 2001 وانفتاحها على الأسواق العالمية الأخرى.
الإبداع التكنولوجي يميل لصالح واشنطن
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة مانهايم أن قوة الاقتصاد الأميركي مقارنة بالصين تكمن في إبداعاته وابتكاراته في تطوير التكنولوجيات، وهذا ما يجعل الهوة كبيرة بين البلدين. وفي هذا السياق، يمكن ذكر صناعة الأسلحة وتطويرها ومدى تأثيرها الإيجابي على الاقتصاد الأميركي. ويرى الاقتصادي الألماني أن استقلالية النظام السياسي والمصرفي في الولايات المتحدة يشكل نقطة قوة فعالة في الصراع مع الصين، مشيراً في هذا السياق إلى عقيدة الحزب الجمهوري الحاكم والقائمة على توظيف كل الإمكانات من أجل الحفاظ على المصالح القومية للبلاد.
وهناك قضية أخرى تصب في صالح الولايات المتحدة وتتمثل في العامل الديموغرافي. فالخبراء يعتقدون أن المجتمع الصيني سيصبح عجوزاً في وقت لم يصل فيه اقتصاد البلاد إلى ذروة نضجه، ما يحول دون تحول الصين إلى قوة صناعية كبرى على غرار القوى الاقتصادية العظمى. وفي المقابل، تعرف أميركا نمواً ديموغرافياً متوازناً عكس الصين والدول الأوروبية، كونها تستقطب أعداداً هائلة من المهاجرين سنوياً، يساهمون وبشكل فعال في حفاظ المجتمع الأميركي عن فتوته نتيجة ارتفاع نسبة الولادات داخل هذه الفئة من الشعب.
أين أوروبا من كل ذلك؟
يواجه مشروع الوحدة الأوروبي إشكالات عدة، حتى بلغ الأمر ببعض المحللين للتنبؤ بانهياره بفعل عوامل ضاغطة ومن أهمها التفرد الأميركي والأنموذج الأنجلوساكسوني الاقتصادي وعملية توسع الاتحاد، خصولاصاً نحو شرق أوروبا.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال قوة الاتحاد الأوروبي كقطب منافس لأميركا، وإن كان لا يستطيع أن يتحرر من السياسات الاقتصادية الأميركية، خصوصاً أن اليورو أوجد ديناميكية في عصب الحياة الاقتصادية والسياسية لدول الاتحاد.
ولا شك أنّ هناك صراعاً خفياً يطفو تحت السطح بين أوروبا وأميركا في لعبة المصالح المشتركة، والتي تتجلى في كثير من المواقف السياسية مثلاً في قضية إيران وكذلك في العراق. ورغم أشكال المد والجزر الاقتصادي التي تحكم علاقة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية بأميركا؛ يبقى التخوف من المد الصيني قاسماً مشتركاً بينهما وإن اختلفت درجة هذا التخوف.
وتستشعر الولايات المتحدة ومعها أوروبا الخطر الذي يشكله النشاط الصناعي الصيني، لاسيما أنّ هذا النشاط مدعوم بأيد عاملة رخيصة وقوانين استثمارية مشجعة، ما ساهم في جذب الشركات العملاقة للاستثمار. وقد أراد الاتحاد الأوروبي أن يكبح قوة اندفاع نمو الاقتصاد الصيني وصادراته التي تلقي بظلال سلبية، بل خطيرة، على الصناعات والصادرات الأوروبية، لكن لم يفلح في الحد من معدل هذا النمو. ولذلك لا غرابة أن تتحول الصين من «العملاق النائم» إلى «العملاق المتيقظ» بحكم نموه الصناعي والاقتصادي الكبير. ويمكن القول، إنّ العالم يتمحور اليوم في كتل اقتصادية تسعى جاهدة إلى الاستحواذ على أكبر نصيب من محركات النشاط الصناعي الذي يشكل الذهب الأسود عصباً له. وفي هذا الإطار، فإنّ للولايات المتحدة وأوروبا مصالح تتقاطع وتتعارض وفي الوقت نفسه تسعى إلى مواجهة المارد الاقتصادي الزاحف، كل على طريقته، لتبقى علاقة الأطلنطي مع الصين أشبه ما تكون بالجراحة الدقيقة، يحكمها شعار المصالح بحذر.
توقعات للاقتصاد الصيني
وبينما بلغت نسبة نمو الاقتصاد الصيني نحو 17% في العام الماضي، فإنها نسبة تبدو كالحلم لكثير من الاقتصادات الكبرى في العالم الاقتصاد الألماني الذي لم تتعد نسبة نموه 1% في العام المذكور.
هنا يتحدث الخبير في الشؤون الصينية كلاوس جريم بشأن مستقبل الصين، معلقاً على ما أفاد به المكتب الوطني للإحصاء في بكين من أن الناتج المحلي الصيني نما بمعدل نحو 17% أكثر من المتوقع ليصل إلى نحو 16 مليار يوان، أي ما يعادل 65,1 مليار يورو، وعن إمكان أن تتخطى الصين - كدولة صناعية - أميركا واليابان وألمانيا، ليقول «لابد لنا من النظر إلى الأمر بشكل نسبي. فالمسألة تتعلق بحجم الناتج المحلي للبلاد ككل وليس بنصيب الفرد من هذا الناتج. فهذا الحجم لا يبدو كبيراً في بلد يبلغ تعداد سكانه 3,1 إلى 4,1 مليار نسمة. فهو لا يعني أن الصين أصبحت بموجبه بلداً صناعياً متطوراً، أما تربعها على صدارة القوى الاقتصادية في العالم فهو بحاجة إلى نحو ثلاثة إلى أربعة عقود».
إلى ذلك، يرى جريم أن الصين أصبحت قريبة - إلى حد ما - من الاقتصاد الألماني، ويتوقع أن تتخطاه في الأعوام العشرة المقبلة. ولكن جريم - وهو المدير التنفيذي للغرفة التجارية الألمانية في الصين وموفد الاقتصاد الألماني سابقاً في شانغهاي وبكين - لا يرى أن القوة الاقتصادية أمر منفصل عن أمور أخرى يمكن للصين الرهان عليها في مستقبل علاقاتها الاقتصادية مع الدول والمنظمات الأخرى، ففي رأيه «سيتم استخدام هذا المستوى للإشارة إلى ثقل الصين السياسي، فالأرقام الاقتصادية يمكن استخدامها لقول الكثير أو القليل. فقوة الناتج المحلي تصبح نسبية في بلد عدد سكانه كبير مثل الصين. لكن الصين تطمح إلى أن تصبح قوة اقتصادية وسياسية مهمة ليس فقط على الصعيد الإقليمي مقارنة باليابان مثلاً. فهي تطمح أيضاً إلى لعب دور شبيه بالدور الأميركي في المستقبل».
ولا يعتقد جريم أن الصين يمكن أن تشكل خطراً اقتصادياً حقيقياً على الولايات المتحدة، مبرراً ذلك بأن «الرقم الذي وصل إليه الناتج المحلي الإجمالي الصيني لا يقول كثيراً عن قوة الصين الاقتصادية. فإذا وزعنا هذا الناتج على عدد السكان لظهر معنا أنها ماتزال بعيدة عن مستوى الدول الصناعية»، مشيراً من ناحية أخرى إلى أن «النجاح الاقتصادي الصيني يأتي من مناطق شرق البلاد وجنوبها. وهناك فرق كبير بين هذه المناطق وتلك الواقعة في الوسط والغرب الصينيين. فهناك يوجد مناطق ماتزال في عداد المناطق الفقيرة».
التلويح السياسي
ويقول إنه غير متفاجئ من دراسة للبنك الدولي أشارت إلى أن الاقتصاد الصيني أكبر بنحو 20% من الرقم المعلن عنه «فالإحصاءات الرسمية شيء والواقع الاقتصادي الفعلي شيء آخر. هناك اقتصاد ظلٍ لدينا وفي كل مكان. وفي حال أخذه بعين الاعتبار يصبح الناتج المحلي أكبر. وبغض النظر عن ذلك، فإننا لا نعرف مدى صحّة الإحصاءات الصينية وهل هي جديرة بالثقة أم لا». ولكنه يقول إن الصين لا شك تود توظيف الأرقام المعلن عنها لأغراض سياسية «فهذا الأمر له صلة بالسمعة ووضع البلد. لذا فهو بالنسبة إلى الصين أمر مهم جداً. والحكومة تستغل مثل هذه الأشياء للدعاية. بواسطة الأرقام المذكورة والدراسات عنها يمكن صنع ثقل سياسي». ويعلق جريم «ربما يريد الصينيون من ذلك إبهار العالم والقول له إنهم قوة عظمى ليس فقط على الصعيد السياسي. ربما يريدون القول إنهم ليسوا فقط في مجلس الأمن وإنما كقوة اقتصادية أيضاً. صحيح أن أرقام الناتج المحلي والصادرات تثير الدهشة للوهلة الأولى، غير أن التمعن بها يقلل من قوة هذه الدهشة. لو نظرنا إلى بنية الصادرات لوجدنا أنها لم تعد تقتصر على الأنسجة وألعاب الأطفال. فقد تنوعت لتشمل كذلك منتجات إلكترونية وميكانيكية كما هو عليه الحال لدى ألمانيا. غير أن الاختلاف بين منتجات الأخيرة والمنتجات الصينية مايزال كبيراً على صعيد المستوى التقني والنوعية».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق