الخميس، 23 أغسطس 2007

'صُنع في الصين' تغرق طرابلس!

موقع ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. مصطفى الفيتوري
أحدى الشركات الأمريكية الكبرى المتخصصة في أنتاج ألعاب الأطفال تستدعي ثمانية ملايين لعبة من الأسواق بسبب احتوائها على مواد سامة وتشكل خطر على المستهلك.المواد السامة المقصودة هي الزئبق والرصاص اللذان تم استخدامهما في الطلاء الخارجي للألعاب المعنية.هذا حدث بعد ان استردت نفس الشركة ألاف الألعاب من السوق قبل أسبوع من تاريخ هذا الحادث.وبحلول منتصف شهر أغسطس/اب الجاري قامت شركة ايطالية بإعدام كميات غير محددة من معجون الأسنان بسبب احتوائه على مواد تستخدم في مقاومة التجمد في الأغراض الصناعية (Anti Freeze).وفي العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة تتزايد الشكوى من المنتجات الصينية خاصة المواد الإستهلاكية وبالذات المواد المنزلية وألعاب الأطفال.
في اليوم التالي لاسترداد الألعاب الملوثة بالزئبق، وبعد ان انتشرت الفضيحة عالميا، انتحر مدير الشركة المنتجة في إقليم كون دجو الصيني المكتظ بمختلف المصانع التي تنتج كل شيء!
يأتي هذا التطور بعد سنين من الشكوى المستمرة في الغرب والولايات المتحدة من المنتجات الصينية التي تفتقد للمواصفات والمعايير وشروط السلامة وقد نجحت منظمات حماية المستهلك في الغرب عموما في أبراز المشكلة المتزايدة التي تسببها المنتجات الصينية مما دفع الشركات والمصنعين الى أعادة النظر في الأمر في حين أجبرت الحكومات على اتخاذ ما يضمن حماية المستلك الذي لا حول له ولا قوة وهو، في هذا الجانب، مضطر الى الاعتماد على الدولة التي بدورها تقف عاجزة دون مساعدة مؤسسات المجتمع المدني منها جمعيات حماية المستهلك.
هذا يحدث في الدول الغربية وأمريكا حيث المواصفات الصناعية والرقابة على تنفيذها متقدمة وتتوفر لها الإمكانيات وتساعدها مؤسسات أهلية تقف بالمرصاد لأية تجاوزات قد تلحق الضرر بالمستهلك.
عندما قرأت وسمعت تلك الأخبار سألت نفسي عن حالنا نحن في الدول العربية على وجه الخصوص، وخاصة النفطية منها، التي وفرت الطفرة النفطية- لمواطنيها- القوة الشرائية التي تصل في أحيانا كثيرة الى حد البذخ والاستهلاك لذاته فقط! كم من الجمعيات الأهلية والمؤسسات الحكومية العربية الفاعلة التي تراقب ما نستهلك وما يتسلى به أطفالنا؟ وكم من مرة كشفت تلك الجمعيات والمؤسسات الستار عن البضائع الفاسدة والمغشوشة التي تزدحم بها أسواقنا.
وقبل أن أسعى للعثور على أية إجابات تذكرت عشرات القصص عن اللحوم الفاسدة التي استوردتها شركات عربية في دول عربية وتبين أن ورائها فاسدون يعتلون أعلى عروش السلطة الفاسدة أصلا! وتساءلت أن كانت الألعاب الملوثة وكذلك معجون الأسنان الضار سيتم تصديرهما الى أسواقنا النهمة دوما للاستهلاك!
في قرارة نفسي أنني أُحيٌُي الصين وأوكد إنني لست ضدها في هذا الشأن وأحترم قدرتها على التطوير وإصرارها على أن تعيد شيء من أمجادها الغابرة كعملاق اقتصادي وقوة سياسية على المسرح العالمي وهو النتيجة الحتمية لما تشهده الصين الآن من نهوض اقتصادي. ووفق الأرقام فأن الصين ستحتل مكان ألمانيا كثالث اقتصاد عالمي بحلول نهاية هذا العام.
الصين، الشيوعية سياسيا والرأسمالية اقتصاديا بلد مبدع في الابتكار: فهي من أبتكر فكرة "الدولة الواحدة ذات النظامين- One Country – Two Systems" حينما كانت تتفاوض مع بريطانيا لاسترداد سيادتها على هونج كونج من الحكم البريطاني. وبسبب إصرار أخر حكام هونج كونج البريطانيين- كرس باتن- على أن تستمر الحياة السياسية في الجزيرة دونما تغيير، أي أن تُجرى فيها الانتخابات كما هي تحت الحكم البريطاني، على أن تقبل الصين ذلك. ولما كان أمر الانتخابات غير وارد في الصين تقدمت الصين بفكرة مفادها أن تبقى الأحزاب تعمل وان تجرى الانتخابات في هونج كونج وان تبقى بكين شيوعية يحكمها الحزب الشيوعي. وحينما سأل باتن كيف يتأتى ذلك جاءه جواب بكين مختصرا بالقول: الدولة الواحدة ذات النظامين من هنا كانت فكرة الدولة الواحدة ذات النظامين! بكين شيوعية وهونج كونج رأسمالية الاقتصاد ونظام الحكم.
الفكرة نفسها كانت الصين تطبقها قبل ذلك ولكن على النظام الصناعي فهي، أي الصين، تتبع نظامين صناعيين مختلفين: الأول يستهدف السوق المحلي حيث الرقابة والمواصفات والمعايير والجودة أمورا غير مهمة، والثاني يستهدف التصدير الى العالم الخارجي حيث الرقابة والمواصفات والجودة أشياء مهمة للمستهلك الغربي والأمريكي ولسمعة الصين الصناعية أيضا. ووفق هذا النظام، ولأسباب أخرى أيضا منها قلة التكلفة، رأينا كبريات الشركات العالمية الأوربية والأمريكية تنقل الكثير من عملياتها الصناعية الى الصين مما وفر للمستهلك الغربي المنتجات الصناعية ذات الأسماء والعلامات التجارية المعروفة لدية والتي يثق بجودتها ولكنها أتت من الصين وليس من اوربا او أمريكا. صحيح ان الشركات وبسبب جشعها لم تخفض أسعار الماركات التجارية المعروفة للمستهلك الا انها ضاعفت أرباحها وضمنت الجودة مبدئيا على الأقل. فعلى سبيل المثال فأن الحذاء الرياضي الشهير "أديداس" يكلف إنتاجه في الصين أقل من عُشر تكلفة بيعه في أي عاصمة غربية تماما كما هو حال منافسه نايكي الذي يتم أنتاجه في فيتنام بتكلفة لا تزيد عن دولار ونصف ويباع في أي محل في أوربا بما لا يقل عن أربعون دولارا وهذا امرا تأكدت منه بنفسي!
مع مرور الزمن تراخت الرقابة الصينية على الجودة والمواصفات- للمنتجات التي تنتج خصيصا لشركات غربية- مما أثر على تلك المنتجات التي تحمل أسماء تجارية معروفة وأيضا- في نفس الفترة- توسعت الصين في الإنتاج والتصدير لبقية دول العالم وفق مقاييسها ومواصفاتها هي وليس مواصفات غربية أوربية- وهذا ما يعنيني هنا.
من هنا عمت المنتجات الصينية الأسواق العالمية من أفقر الدول الى أغناها وصارت المنتجات الصينية في شموليتها وتنوعها موجودة في كل بيت ومكتب وحتى في محطات البنزين وقطع غيار السيارات وما يخطر على البال وما لا يجول حتى في الأحلام!
هذا التحول أدى الى تطور المفهوم الثاني في التصنيع: أي التصنيع لغرض التصدير وبكميات ضخمة أغرقت أسواق العالم بكافة أنواع البضائع والسلع مما دفع الاتحاد الأوروبي وأمريكا- اللذان يعانيان من عجز في الميزان التجاري مع الصين يصل الى مئات المليارات من الدولارات لصالح الصين طبعا- الى اتخاذ بعض الإجراءات لحماية منتجاتها وزيادة صادرتها الى الصين وحماية المستهلك قبل كل هذا. وكانت أزمة بنطلونات الجينز هي الأشهر على هذا الصعيد. فبعد إلغاء بعض القيود الأوروبية على الصادرات الصينية أدى الأمر الى ان يصل العجز الأوربي في الثلاثة أشهر الأولى من عام 2005 الى حوالي ستمائة بنطلون صيني مقابل كل بنطلون أوربي واحد وبنصف التكلفة!
ان كان هذا هو الحال بين الصين والعالم المتقدم وعلى رأسه الولايات المتحدة فماذا عنا نحن؟ المعروف أن أسواقنا مكتظة بالمنتجات الصينية من ملاعق الأكل الى ألعاب الأطفال حتى قطع غيار السيارات واللباس التقليدي في بعض الدول العربية وكل هذا يجري دونما رقيب او حسيب من أحد لا فنيا ولا علميا ولا اداريا.
لا ازعم إن للعرب القدرة على الوصول مع الصين الى نوع من التوازن التجاري- باستثناء النفط ومؤقتا فقط- ولكنني كغيري من مئات ملايين المستهلكين العرب أسأل ان كان يمكن ان يكون هنالك أية آلية عربية شاملة او محلية قطرية للرقابة على المنتجات من حيث الجودة او حتى من حيث الأخطار على الأقل.
اعرف أن المنتجات والسلع والبضائع المتوفرة في أسواق بلدي، ليبيا، مثلا تعود في أصل منشأها فيما يقرب من سبعين في المائة الى الصين. وبالرغم من انعدام الأرقام الدقيقة لحجم ونوع المستورد من الصين الا أن السوق خير شاهد. فبعد جولة صغيرة وحديث مع مجموعة من الباعة أيقنت أن كل ثلاثة منتجات او سلع-غير معمرة- من كل خمسة متوفر في السوق هي صينية المنشأ بل أن ما أرعبني هو إنني عثرت على نوع من الشُربات الجاهزة ليست صينية المنشأ فقط بل أنها معدة خصيصا للاستهلاك في السوق المحلي الصيني اذ أنها لا تحمل أي كلمة بغير اللغة الصينية! الا ان الأكثر رعبا من ذلك هو انني لمحت في أحد شوارع طرابلس المزدحمة سيارة صينية من نوع فورد (هنالك نوع من هذه السيارات تنتجه الشركة في الصين للسوق المحلي الصيني فقط) تحمل علامة وألوان شرطة مدينة شنغهاي التي أعرفها من زيارتي المتكررة الى تلك المدينة الصينية حيث تكثر سيارات الشرطة قرب المطارات وفي وسط المدينة وعلى الطرق السريعة!
وعندما هممت بأن أسأل السائق عن كيفية حصوله على السيارة بهذه الألوان والعلامات لم ألحق به كون سرعته - بالرغم من الإشارة الحمراء - كانت أسرع من تعطل أي منتج صيني !
وانا عائد الى المنزل أفكر في الأمر تصادفت مع جاري الذي سألته عن أصغر أبناءه ذلك أنني لم أره منذ فترة فقال لي الرجل: أن لم يكن في رأس الشارع فهو حتما في الصين! وألتفت فلم يكن الشاب في رأس الشارع الأمر الذي عنى أنه في الصين يلملم ما تيسر من سلع ليبيعها في أسواق طرابلس الكثيرة حسبما شرح والده الأمر! والشاب ليس بائع بالجملة وليس مستوردا رسميا أنما هو ذلك النوع من التجار الذين اصطلحنا على تسميتهم بتجار الشنطة!
عندها أصبحت شبه متأكد من أن تلك الألعاب الملوثة بالزئبق ومعجون الأسنان المحتوي على مضاد التجمد حتما ستصلنا وربما قريبا جدا بعد عدد قليل من رحلات جارنا وأمثاله الكثيرة والموفقة الى بكين وشنغهاي في جمهورية الصين العظيمة وعلينا ان نتذكر أن كل شهر رمضان يعقبه عيد وان رمضان قريب جدا والعيد بعده جرت العادة ان يكون عيدا للأطفال وألعابهم!

ليست هناك تعليقات: