صحيفة الوطن البحرانية
محمد الصياد
وضعت الصين نفسها في حرج شديد بعد الإعلان في واشنطن عن حظر بيع وتداول لعبة أطفال قيل أنها تشكل خطراً على الأطفال من حيث مادة الرصاص التي تحتويها ووجود جسم صغير سهل الإزالة من قبل الطفل واحتمال ابتلاعه.
وقد شنت عضو الكونجرس ومرشحة الحـزب الديمقراطـي لانتخابـات الرئاسة القادمة (نوفمبر 2008) السيدة هيلاري كلينتون انتقادات لاذعة لمنتجات الصناعة الصينية، طاعنةً في جودتها ومحرضةً على خطورة تداولها خصوصاً بين الأطفال.
ما الذي جرى؟ هل هي فعلاً رداءة السلع الصينية التي حركت كل هذا العصاب الوطني الأمريكي أم أن له تفسيراً آخر؟ ولماذا لم تثر هذه المسألة طوال السنوات الماضيات إلا اليوم؟
كما هو معروف فإن الصين بنت نموذجها ومجدها الاقتصاديين على قاعدة تكاليف خفيضة، وطاقة هائلة على توفير اليد العاملة الرخيصة، وسرعة نقل وتوظيف الابتكارات التكنولوجية، وهو ما دفع مئات المصانع في الولايات المتحدة وأوروبا للتوجه إلى مدنها الصناعية لافتتاح مقرات لهم هناك بعد أن يغلقونها في بلدانهم أو افتتاح فروع لها هناك. فكان أن تضاعفت حصة الصين من الصادرات العالمية خلال الفترة من 1993 - 2005 ثلاث مرات ووصلت إلى 3,7٪ من إجمالي الصادرات العالمية، في الوقت الذي كانت حصة الدول الثماني الكبرى (باستثناء روسيا) من هذه الصادرات تنخفض.
والشيء نفسه ينطبق على إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، فبينما ضاعفت الصين من حصتها فيه لتصل إلى 7٪ خلال عقد واحد حتى عام ,2003 فإن معظم الدول الأعضاء في مجموعة الثماني الكبرى، باستثناء الولايات المتحدة وكندا، انخفضت حصصها في إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي.
بيد أن دوام الحال من المحال كما يقال، فلقد دفع ارتفاع التكاليف الإنتاجية، المستثمرين المباشرين الأجانب لتنويع استثماراتهم جغرافياً بفتح مصانع جديدة في بلدان آسيوية أخرى مجاورة ناهضة مثل ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلند وفيتنام. كما أن معظم التنمية الصناعية في الصين قد اقتصته لنفسهـا المناطـق الساحليـة الشرقيـة وتحديـداً شنغهـاي ودلتـا نهـر اللؤلـو (Peals River Delta) الواقعة على مقربة من هونج كونج. واليوم فإن التكاليف الإنتاجية في هاتين المنطقتين قد ارتفعت إلى مستويات تقلل من جاذبيتها الاستثمارية، فإيجارات المكاتب ارتفعت وتراجع عرض الأراضي الصناعية مقابل الطلب عليها وارتفعت أسعار خدمات المرافق. إلا أن الأجور هي الأكثر ارتفاعاً، فقد تضاعفت مرتين في السنوات القليلة الماضية، وارتفع أجر عامل المصنع في شنغهاي مع تكلفة الضمان الاجتماعي إلى حوالي 350 دولاراً شهرياً في عام 2005 وإلى 250 دولاراً في شينزهن، بينما يبلغ أجر نفس العامل في الفلبين 200 دولار وحوالي 150 دولاراً في تايلند وحوالي 100 دولار في باتام بإندونيسيا.
ولذا يقال إن الصين ذهبت ضحية نجاحها وإنها لم تعد المكان الأرخص تكلفة (إنتاجية) في العالم. وبتشجيعها الاستثمار في المناطق الداخلية عوضاً عن الساحلية ذات الكلف العالية، فإن كثيراً من الشركات الأجنبية (والمحلية) تحركت في هذا الاتجاه، حيث أرادت الحكومة التغلب على مشكلة تراجع محفزات الاستثمار الأجنبي في الصين.
ولكن ارتفاع التكاليف ليس كل المشكلة، فلقد تبين أن المستثمرين الأجانب صاروا يميلون أكثر نحو توزيع وإعادة توزيع استثماراتهم جغرافياً وعدم تركيزها في السوق الصينية. كما إن القلق بدأ يساور كثيرين منهم جراء السياسة الحمائية الصينية (Protectionism) والتي تتسبب في مقاضاة الصين دولياً لدى منظمة التجارة العالمية من قبل الأطراف الدولية المدعية تضررها من هذه السياسة، لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي قد تترتب عليها انقطاعات في والمبادلات التجارية الصينية. وهناك الحماية الضعيفة للغاية التي توفرها الرقابة الصينية لحقوق الملكية الفكرية لمنتجي السلع ومن ضمنها الأدوات السمعية والبصرية ونحوها.
وهذا ليس سوى جانب من جوانب التحديات التي تواجه النموذج الصيني التنموي الانفجاري. فلقد استثارت النجاحات الصينية غيض وحسد وحنق كبار اللاعبين الدوليين في ميدان التجارة العالمية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال التي غزتها السلع الصينية والاستثمارات الصينية المباشرة (FDI) متمثلة في الاستحواذات (Aquiring) وتأسيس المشاريع المفتاحية والفرانتاشايزينج ونحوها، وغير المباشرة متمثلة في ''الالتهام النهم'' لسندات الخزينة الأمريكية.
فكان لابد من تلك ''الزعقات'' و''الولولات'' الأمريكية التي لم تكن صيحات وبكائيات السنتورة المتعطشة لسلطة البيت الأبيض السيدة هيلاري كلينتون، أولها ولا آخرها.
لا جدال أن الصين مثلما هي اليوم بلد التصنيع السريع والتوطين السريع للتكنولوجيا فإنها أيضاً موطن سلع التقليد بامتياز، ومن زار الصين سيجد أن التقليد لم يوفر حتى العملة الصينية نفسها (الرنبي). ومع ذلك فإن الصين تتوفر على ما ليس لدى المنافسين الجيران في آسيا، وهو يتمثل في البنية التحتية النوعية، ووجود المزودين واعتماديتهم (
محمد الصياد
وضعت الصين نفسها في حرج شديد بعد الإعلان في واشنطن عن حظر بيع وتداول لعبة أطفال قيل أنها تشكل خطراً على الأطفال من حيث مادة الرصاص التي تحتويها ووجود جسم صغير سهل الإزالة من قبل الطفل واحتمال ابتلاعه.
وقد شنت عضو الكونجرس ومرشحة الحـزب الديمقراطـي لانتخابـات الرئاسة القادمة (نوفمبر 2008) السيدة هيلاري كلينتون انتقادات لاذعة لمنتجات الصناعة الصينية، طاعنةً في جودتها ومحرضةً على خطورة تداولها خصوصاً بين الأطفال.
ما الذي جرى؟ هل هي فعلاً رداءة السلع الصينية التي حركت كل هذا العصاب الوطني الأمريكي أم أن له تفسيراً آخر؟ ولماذا لم تثر هذه المسألة طوال السنوات الماضيات إلا اليوم؟
كما هو معروف فإن الصين بنت نموذجها ومجدها الاقتصاديين على قاعدة تكاليف خفيضة، وطاقة هائلة على توفير اليد العاملة الرخيصة، وسرعة نقل وتوظيف الابتكارات التكنولوجية، وهو ما دفع مئات المصانع في الولايات المتحدة وأوروبا للتوجه إلى مدنها الصناعية لافتتاح مقرات لهم هناك بعد أن يغلقونها في بلدانهم أو افتتاح فروع لها هناك. فكان أن تضاعفت حصة الصين من الصادرات العالمية خلال الفترة من 1993 - 2005 ثلاث مرات ووصلت إلى 3,7٪ من إجمالي الصادرات العالمية، في الوقت الذي كانت حصة الدول الثماني الكبرى (باستثناء روسيا) من هذه الصادرات تنخفض.
والشيء نفسه ينطبق على إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، فبينما ضاعفت الصين من حصتها فيه لتصل إلى 7٪ خلال عقد واحد حتى عام ,2003 فإن معظم الدول الأعضاء في مجموعة الثماني الكبرى، باستثناء الولايات المتحدة وكندا، انخفضت حصصها في إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي.
بيد أن دوام الحال من المحال كما يقال، فلقد دفع ارتفاع التكاليف الإنتاجية، المستثمرين المباشرين الأجانب لتنويع استثماراتهم جغرافياً بفتح مصانع جديدة في بلدان آسيوية أخرى مجاورة ناهضة مثل ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلند وفيتنام. كما أن معظم التنمية الصناعية في الصين قد اقتصته لنفسهـا المناطـق الساحليـة الشرقيـة وتحديـداً شنغهـاي ودلتـا نهـر اللؤلـو (Peals River Delta) الواقعة على مقربة من هونج كونج. واليوم فإن التكاليف الإنتاجية في هاتين المنطقتين قد ارتفعت إلى مستويات تقلل من جاذبيتها الاستثمارية، فإيجارات المكاتب ارتفعت وتراجع عرض الأراضي الصناعية مقابل الطلب عليها وارتفعت أسعار خدمات المرافق. إلا أن الأجور هي الأكثر ارتفاعاً، فقد تضاعفت مرتين في السنوات القليلة الماضية، وارتفع أجر عامل المصنع في شنغهاي مع تكلفة الضمان الاجتماعي إلى حوالي 350 دولاراً شهرياً في عام 2005 وإلى 250 دولاراً في شينزهن، بينما يبلغ أجر نفس العامل في الفلبين 200 دولار وحوالي 150 دولاراً في تايلند وحوالي 100 دولار في باتام بإندونيسيا.
ولذا يقال إن الصين ذهبت ضحية نجاحها وإنها لم تعد المكان الأرخص تكلفة (إنتاجية) في العالم. وبتشجيعها الاستثمار في المناطق الداخلية عوضاً عن الساحلية ذات الكلف العالية، فإن كثيراً من الشركات الأجنبية (والمحلية) تحركت في هذا الاتجاه، حيث أرادت الحكومة التغلب على مشكلة تراجع محفزات الاستثمار الأجنبي في الصين.
ولكن ارتفاع التكاليف ليس كل المشكلة، فلقد تبين أن المستثمرين الأجانب صاروا يميلون أكثر نحو توزيع وإعادة توزيع استثماراتهم جغرافياً وعدم تركيزها في السوق الصينية. كما إن القلق بدأ يساور كثيرين منهم جراء السياسة الحمائية الصينية (Protectionism) والتي تتسبب في مقاضاة الصين دولياً لدى منظمة التجارة العالمية من قبل الأطراف الدولية المدعية تضررها من هذه السياسة، لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي قد تترتب عليها انقطاعات في والمبادلات التجارية الصينية. وهناك الحماية الضعيفة للغاية التي توفرها الرقابة الصينية لحقوق الملكية الفكرية لمنتجي السلع ومن ضمنها الأدوات السمعية والبصرية ونحوها.
وهذا ليس سوى جانب من جوانب التحديات التي تواجه النموذج الصيني التنموي الانفجاري. فلقد استثارت النجاحات الصينية غيض وحسد وحنق كبار اللاعبين الدوليين في ميدان التجارة العالمية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال التي غزتها السلع الصينية والاستثمارات الصينية المباشرة (FDI) متمثلة في الاستحواذات (Aquiring) وتأسيس المشاريع المفتاحية والفرانتاشايزينج ونحوها، وغير المباشرة متمثلة في ''الالتهام النهم'' لسندات الخزينة الأمريكية.
فكان لابد من تلك ''الزعقات'' و''الولولات'' الأمريكية التي لم تكن صيحات وبكائيات السنتورة المتعطشة لسلطة البيت الأبيض السيدة هيلاري كلينتون، أولها ولا آخرها.
لا جدال أن الصين مثلما هي اليوم بلد التصنيع السريع والتوطين السريع للتكنولوجيا فإنها أيضاً موطن سلع التقليد بامتياز، ومن زار الصين سيجد أن التقليد لم يوفر حتى العملة الصينية نفسها (الرنبي). ومع ذلك فإن الصين تتوفر على ما ليس لدى المنافسين الجيران في آسيا، وهو يتمثل في البنية التحتية النوعية، ووجود المزودين واعتماديتهم (

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق