الاثنين، 24 سبتمبر 2007

النموذج التنموي‮ ‬الصيني

صحيفة الوطن البحرانية
محمد الصياد
وضعت الصين نفسها في‮ ‬حرج شديد بعد الإعلان في‮ ‬واشنطن عن حظر بيع وتداول لعبة أطفال قيل أنها تشكل خطراً‮ ‬على الأطفال من حيث مادة الرصاص التي‮ ‬تحتويها ووجود جسم صغير سهل الإزالة من قبل الطفل واحتمال ابتلاعه‮.‬
وقد شنت عضو الكونجرس ومرشحة الحـزب الديمقراطـي‮ ‬لانتخابـات الرئاسة القادمة‮ (‬نوفمبر‮ ‬2008‮) ‬السيدة هيلاري‮ ‬كلينتون انتقادات لاذعة لمنتجات الصناعة الصينية،‮ ‬طاعنةً‮ ‬في‮ ‬جودتها ومحرضةً‮ ‬على خطورة تداولها خصوصاً‮ ‬بين الأطفال‮.‬
ما الذي‮ ‬جرى؟ هل هي‮ ‬فعلاً‮ ‬رداءة السلع الصينية التي‮ ‬حركت كل هذا العصاب الوطني‮ ‬الأمريكي‮ ‬أم أن له تفسيراً‮ ‬آخر؟ ولماذا لم تثر هذه المسألة طوال السنوات الماضيات إلا اليوم؟
‮ ‬كما هو معروف فإن الصين بنت نموذجها ومجدها الاقتصاديين على قاعدة تكاليف خفيضة،‮ ‬وطاقة هائلة على توفير اليد العاملة الرخيصة،‮ ‬وسرعة نقل وتوظيف الابتكارات التكنولوجية،‮ ‬وهو ما دفع مئات المصانع في‮ ‬الولايات المتحدة وأوروبا للتوجه إلى مدنها الصناعية لافتتاح مقرات لهم هناك بعد أن‮ ‬يغلقونها في‮ ‬بلدانهم أو افتتاح فروع لها هناك‮. ‬فكان أن تضاعفت حصة الصين من الصادرات العالمية خلال الفترة من‮ ‬1993‮ ‬‭- ‬2005‮ ‬ثلاث مرات ووصلت إلى‮ ‬3‭,‬7٪‮ ‬من إجمالي‮ ‬الصادرات العالمية،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت حصة الدول الثماني‮ ‬الكبرى‮ (‬باستثناء روسيا‮) ‬من هذه الصادرات تنخفض‮.‬
والشيء نفسه‮ ‬ينطبق على إجمالي‮ ‬الإنتاج الصناعي‮ ‬العالمي،‮ ‬فبينما ضاعفت الصين من حصتها فيه لتصل إلى‮ ‬7٪‮ ‬خلال عقد واحد حتى عام‮ ‬‭,‬2003‮ ‬فإن معظم الدول الأعضاء في‮ ‬مجموعة الثماني‮ ‬الكبرى،‮ ‬باستثناء الولايات المتحدة وكندا،‮ ‬انخفضت حصصها في‮ ‬إجمالي‮ ‬الإنتاج الصناعي‮ ‬العالمي‮.‬
بيد أن دوام الحال من المحال كما‮ ‬يقال،‮ ‬فلقد دفع ارتفاع التكاليف الإنتاجية،‮ ‬المستثمرين المباشرين الأجانب لتنويع استثماراتهم جغرافياً‮ ‬بفتح مصانع جديدة في‮ ‬بلدان آسيوية أخرى مجاورة ناهضة مثل ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلند وفيتنام‮. ‬كما أن معظم التنمية الصناعية في‮ ‬الصين قد اقتصته لنفسهـا المناطـق الساحليـة الشرقيـة وتحديـداً‮ ‬شنغهـاي‮ ‬ودلتـا نهـر اللؤلـو‮ ‬‭(‬Peals River Delta‭)‬‮ ‬الواقعة على مقربة من هونج كونج‮. ‬واليوم فإن التكاليف الإنتاجية في‮ ‬هاتين المنطقتين قد ارتفعت إلى مستويات تقلل من جاذبيتها الاستثمارية،‮ ‬فإيجارات المكاتب ارتفعت وتراجع عرض الأراضي‮ ‬الصناعية مقابل الطلب عليها وارتفعت أسعار خدمات المرافق‮. ‬إلا أن الأجور هي‮ ‬الأكثر ارتفاعاً،‮ ‬فقد تضاعفت مرتين في‮ ‬السنوات القليلة الماضية،‮ ‬وارتفع أجر عامل المصنع في‮ ‬شنغهاي‮ ‬مع تكلفة الضمان الاجتماعي‮ ‬إلى حوالي‮ ‬350‮ ‬دولاراً‮ ‬شهرياً‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬2005‮ ‬وإلى‮ ‬250‮ ‬دولاراً‮ ‬في‮ ‬شينزهن،‮ ‬بينما‮ ‬يبلغ‮ ‬أجر نفس العامل في‮ ‬الفلبين‮ ‬200‮ ‬دولار وحوالي‮ ‬150‮ ‬دولاراً‮ ‬في‮ ‬تايلند وحوالي‮ ‬100‮ ‬دولار في‮ ‬باتام بإندونيسيا‮.‬
ولذا‮ ‬يقال إن الصين ذهبت ضحية نجاحها وإنها لم تعد المكان الأرخص تكلفة‮ (‬إنتاجية‮) ‬في‮ ‬العالم‮. ‬وبتشجيعها الاستثمار في‮ ‬المناطق الداخلية عوضاً‮ ‬عن الساحلية ذات الكلف العالية،‮ ‬فإن كثيراً‮ ‬من الشركات الأجنبية‮ (‬والمحلية‮) ‬تحركت في‮ ‬هذا الاتجاه،‮ ‬حيث أرادت الحكومة التغلب على مشكلة تراجع محفزات الاستثمار الأجنبي‮ ‬في‮ ‬الصين‮. ‬
ولكن ارتفاع التكاليف ليس كل المشكلة،‮ ‬فلقد تبين أن المستثمرين الأجانب صاروا‮ ‬يميلون أكثر نحو توزيع وإعادة توزيع استثماراتهم جغرافياً‮ ‬وعدم تركيزها في‮ ‬السوق الصينية‮. ‬كما إن القلق بدأ‮ ‬يساور كثيرين منهم جراء السياسة الحمائية الصينية‮ ‬‭(‬Protectionism‭)‬‮ ‬والتي‮ ‬تتسبب في‮ ‬مقاضاة الصين دولياً‮ ‬لدى منظمة التجارة العالمية من قبل الأطراف الدولية المدعية تضررها من هذه السياسة،‮ ‬لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي،‮ ‬والتي‮ ‬قد تترتب عليها انقطاعات في‮ ‬والمبادلات التجارية الصينية‮. ‬وهناك الحماية الضعيفة للغاية التي‮ ‬توفرها الرقابة الصينية لحقوق الملكية الفكرية لمنتجي‮ ‬السلع ومن ضمنها الأدوات السمعية والبصرية ونحوها‮. ‬
وهذا ليس سوى جانب من جوانب التحديات التي‮ ‬تواجه النموذج الصيني‮ ‬التنموي‮ ‬الانفجاري‮. ‬فلقد استثارت النجاحات الصينية‮ ‬غيض وحسد وحنق كبار اللاعبين الدوليين في‮ ‬ميدان التجارة العالمية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال التي‮ ‬غزتها السلع الصينية والاستثمارات الصينية المباشرة‮ ‬‭(‬FDI‭)‬‮ ‬متمثلة في‮ ‬الاستحواذات‮ ‬‭(‬Aquiring‭)‬‮ ‬وتأسيس المشاريع المفتاحية والفرانتاشايزينج ونحوها،‮ ‬وغير المباشرة متمثلة في‮ ''‬الالتهام النهم‮'' ‬لسندات الخزينة الأمريكية‮.‬
فكان لابد من تلك‮ ''‬الزعقات‮'' ‬و‮''‬الولولات‮'' ‬الأمريكية التي‮ ‬لم تكن صيحات وبكائيات السنتورة المتعطشة لسلطة البيت الأبيض السيدة هيلاري‮ ‬كلينتون،‮ ‬أولها ولا آخرها‮.‬
لا جدال أن الصين مثلما هي‮ ‬اليوم بلد التصنيع السريع والتوطين السريع للتكنولوجيا فإنها أيضاً‮ ‬موطن سلع التقليد بامتياز،‮ ‬ومن زار الصين سيجد أن التقليد لم‮ ‬يوفر حتى العملة الصينية نفسها‮ (‬الرنبي‮). ‬ومع ذلك فإن الصين تتوفر على ما ليس لدى المنافسين الجيران في‮ ‬آسيا،‮ ‬وهو‮ ‬يتمثل في‮ ‬البنية التحتية النوعية،‮ ‬ووجود المزودين واعتماديتهم‮ ‬‭(‬

ليست هناك تعليقات: