صحيفة العرب أون لاين
د.حسن المصدق
باحث جامعي، مركز دراسات العالم العربى والشرق المعاصر، وحدة علم الاجتماع السياسى والدراسات الجيوسياسية الاستراتيجية، جامعة السوربون.
د.حسن المصدق
باحث جامعي، مركز دراسات العالم العربى والشرق المعاصر، وحدة علم الاجتماع السياسى والدراسات الجيوسياسية الاستراتيجية، جامعة السوربون.
ما انفكت الصين مع بداية الألفية الثالثة تؤكد دورها الدولي، إن لم تكن قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح التنين الجديد فى الاقتصاد العالمي، حيث تحقق معدل نمو لم يسبق له مثيل فى تاريخها، وتشهد دبلوماسيتها نشاطا ملحوظا خارج نفوذها الإقليمي. هذا دون أن نغفل قدراتها العسكرية واحتياجاتها من الطاقة المتزايدة. ناهيك عن تحقيق الاقتصاد الصينى فائض قيمة تمكنه من أن يكون قوة مالية واستثمارية ضاربة، الأمر الذى يجعل من الصين بالنسبة للقوى العظمى حلقة افتنان وقلق على نحو سيان.
ومن المفيد أن نستعرض علاقات الصين بالعالم العربى من خلال علاقتها بالجزائر، حتى نتبين معالم هذه القوة الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، ما يسمح بفهم استراتيجية الصين فى العالم العربى وكيف نقرأ الجغرافية السياسية التى تحاول دبلوماسيتها نسجها فى العالم. كما من شأنه أيضا أن يوضح لنا مصالح العالم العربى على المدى القصير والمتوسط مع هذه القوة الجديدة.
والواقع أن القرابة السياسية التى تجمع بكين والجزائر إن باتت حقيقة مؤكدة، فهل يمكن الرهان عليها وبالتالى أن تستمر فى جو التقلبات الدولية؟ بخاصة أن بكين تبحث اليوم عن الدفاع عن مصالحها عوض البحث عن تأسيس قطب ايديولوجى تابع لها كما راودها ذلك فى سنوات الستينات. هذا فى الوقت الذى تتابع الصين سعيها الحثيث فى إقامة علاقات مع دول إفريقية ودول الشرق الأوسط، تكلل بالمؤتمر الصينى الإفريقى والمؤتمر الصينى العربى الذى انعقد أول مرة فى القاهرة فى سبتمبر-أيلول 2004، تلاه اجتماع على المستوى الوزارى انعقد فى بكين " يونيو-حزيران 2006".
وبدهى أن تظهر أصوات هنا وهناك تريد من الدول العربية أن تغير من سياساتها الخارجية، حيث لا تكون حكرا ولا تقدم امتيازا لدولة عظمى ولا توقيعا على شيك من بياض. لكن أهم ما يميز الجدل هو رغبة البعض فى استبدال التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية بالصين وروسيا والهند. لكن مصالح العالم العربى لا تقتضى فى الوقت الراهن أن يستبدل أحدٌ مصالحه وعلاقاته مع الولايات المتحدة كليا بمصالح وعلاقات جديدة مع الصين يجعلها رهنا على هذه الأخيرة، كما أنه فى ذات الوقت لا يمكنه الرهان فقط على علاقاته مع أمريكا والدول الغربية والاستمرار فى نهج خيار تقديم التحالف مع هذه الأخيرة على الصين. ثمة خط وسط بين هذا وذاك، يمكن أن نلتمسه من خلال استعراض الأفق الجيوسياسى والاستراتيجى الذى تتحرك فيه العلاقات الجزائرية الصينية.
تاريخيا، سارعت الصين إلى عقد علاقات وثيقة مع الجزائر منذ حصولها على الاستقلال سنة 1962، غير أن هذه العلاقات عرفت انتعاشا ملحوظا فى السنوات الخمس الأخيرة، حيث أصبحت الجزائر شريكا اقتصاديا وسياسيا من الدرجة الأولى فى إفريقيا، تجمعهما العديد من المصالح. لكن ثمة تحاليل تبرر هذا الاهتمام من زاوية تقليدية، يغلب عليها طابع الوصول إلى موارد أولية والتزود بالطاقة، بيد أننا نلمس فى هذه العلاقة حضور أهداف سياسية واقتصادية وجيوسياسية.
الصين – الجزائر:سمات المرحلة 1960 ـ 2006
بادرت الصين فى شهر ديسمبر-كانون الأول سنة 1958 الى الاعتراف بحكومة الجمهورية الجزائرية المؤقتة، وما لبثت أن تعززت بزيارتين قام بها زهو نلاى الوزير الأول آنذاك إلى الجزائر "1963 و1965"، ثم قيام هوارى بومدين بزيارة إلى بكين سنة 1974، تلتها زيارة الشاذلى بن جديد بعد ثمانى سنوات. ثم قيام الرئيس جيانع زمين بزيارة سنة "1999" والوزير الأول السابق لى بينغ "2001" تلتها زيارة الرئيس هو جينتاو "2004"، وما لبث وزير الخارجية الجزائرى محمد بجاوى أن رد عليها بالمثل فى أبريل-نيسان 2006 تمهيدا لزيارة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فى نوفمبر-تشرين الأول من نفس السنة. والحقيقة أن الجزائر تحتل مكانة خاصة فى استراتيجية تأثير الصين فى المغرب العربي، حيث تشهد العلاقات التجارية الثنائية نموا مضطردا، قفز من 191 مليون دولار سنة2000 إلى 75،1 مليار دولار سنة 2005، ليصل إلى مليارين سنة 2006، ما يفسر إلى حد بعيد احتلال الصين الرتبة الرابعة فى قائمة الدول التى تزود الجزائر بحاجياتها الرئيسية بعد كل من فرنسا، إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية على التوالي. لكن هذه المرتبة مرشحه أن تقفز إلى صدارة الترتيب إذا تأملنا أن واردات الصين فى الجزائر "48،6%من مجموع الواردات" شهدت قفزة نوعية بلغت 42 بالمئة بالقياس إلى سنة 2005، ما لبثت أن صعدت الصين على إثره إلى المرتبة الثالثة بحصة بلغت 1،8 بالمئة من السوق بعد أن أزاحت الولايات المتحدة الأمريكية لتأتى بعد إيطاليا "%84،8" وفرنسا التى تحتل المرتبة الأولى ب57،20% " المصدر: وزارة التجارة الجزائرية"www.mincommerce.gov.dz". بيد ان التجارة بين الجزائر والصين تظل غير متكافئة لصالح هذه الأخيرة، حيث حققت فائضا تجاريا بلغ 1 مليار دولار سنة 2005 ، ومن ثم ارتفع إلى 94،1 مليار دولار سنة 2006، كما أنه من المرشح أن يتجاوز مليارين سنة 2007. فواردات الصين من الجزائر ضعيفة إذا استثنينا منها المحروقات، لكنها تصدر سلعا كثيرة "النسيج، أدوات منزلية..." تلبى حاجيات كثيرة فى الجزائر، ما حدا بالرئيس الجزائرى فى خطابه فى بكين "6 نوفمبر-تشرين الثانى 2006" اعتبار الصين "دولة صديقة وشريكا خاصا". ولعل الدينامية التى يعرفها قطاع التجارة الصينى الجزائرى لا يمكن أن يحجب عنا حقيقة ضعف الاستثمارات الصينية، والتى لم تتعد 600 مليون دولار سنة 2005 "ما يمثل 3،7 بالمئة من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة" بالمقارنة مع حجم الاستثمارات الأمريكية والفرنسية. إذ تشير إحصائيات المنظمة الأممية حول التجارة والتنمية "CNUCED" التابعة للأمم المتحدة أن الجزائر حصلت على 1 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة سنة 2005، بلغت على إثرها مدخرات الاستثمارات المباشرة 2،8 مليار دولار. لكن الارتفاع المسجل فى الاستثمارات المباشرة يعزى إلى ارتفاع نسبة الاستثمار الوافدة من دول الخليج سنة 2006 و2007 بالمقارنة مع تلك الوافدة من الصين.
إجمالا، يمكن القول أن الصين لم تكن مصنفة ضمن الدول العشر الأوائل المستثمرة فى الجزائر سنة 2001، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وفرنسا وإسبانيا كانت تمثل 40 بالمئة من مدخرات الاستثمارات المباشرة فى البلد. وبعد سبع سنوات من هذا التاريخ ما زالت استثمارات الصين ضعيفة بالقياس إلى حركية الاستثمارات الوافدة فى الجزائر. لكن ما يهم هو البحث فى طبيعة التعاون الصينى الجزائرى الذى انخرط من وقت قليل فى منطق ثلاثى الأبعاد: بترولي، تجارى وسياسي.
التعاون فى مجال المحروقات
اعتبرت الجزائر الدولة الخامسة عشرة فى سلم الدول المنتجة للبترول سنة 2005، ما يمثل 2،2 بالمئة من الإنتاج العالمي، بالإضافة أنها مصنفة السادسة فى إنتاج الغاز ويبلغ مخزونها الاحتياطى منه 2،3 بالمئة من احتياطات العالمية " الرابعة عالميا".
وإزاء هذه المكانة فهى تجد فى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى زبائنها التقليديين، حيث تشير منظمة معطيات "OPEP" أن الجزائر صدّرت 8،1 مليون برميل يوميا، بلغت صادراتها منه إلى الاتحاد الأوروبى 45 بالمئة "تعد إيطاليا، إسبانيا وألمانيا أهم الزبائن"، بينما صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلغت 6،27 بالمئة، فى حين لا تتعدى صادراتها إلى دول آسيا- المحيط الهادى مجتمعة نسبة 2،4 بالمئة "BP Statical Yearbook2005". ما يفسر أن الصين تحاول اليوم بكل ثقلها أن تنزع عنها صفة الزبون الهامشى بمضاعفة استثماراتها فى قطاع المحروقات الجزائرية.
ولا يسعنا إلا أن نشير إلى ما قامت به الشركة الصينية العملاقة "China Peroleum & Chemical Corporation=SINOPEC" من توقيع عقد بقيمة 525 مليون دولار سنة 2002، من أجل تطوير حقول زرزيتين قرب حاسى مسعود فى الصحراء، حيث يلاحظ أن تمويل المشروع ترجع 75 بالمئة منه إلى "SINOPEC"، بينما ترجع 25 بالمئة إلى الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك. بالإضافة نجد شركة بترولية صينية "China National Petroleum Corporation=CNPC" أخرى أقدمت على بناء مصنع لتكرير البترول فى منطقة أدرار قرب حوض سباع، ثم استطاعت شركتى "SINOPEC" و"CNPC" فى سنة 2004 أن تظفرا بحقوق البحث والاستغلال فى حوض واد ميا، حيث تزاول الأولى نشاطها فى مجمعات الحجيرة وجرارة، بينما الثانية فى حوض المزيد. ورأينا أخيرا كيف استطاعت شركة "CNPC" أن تظفر بعقد تجديد معمل تكرير فى مدينة سكيكدة فى مارس-آذار 2005، كما أن الشركة الجزائرية نافتال "Naftal" بتعاون مع شركة سورالشين "Soralchin" بادرتا إلى تكوين شركة مختلطة فى يناير-كانون الثانى 2006 تحت اسم نافتاشين "Naftachine" مختصة بتوزيع مواد بترولية مكررة الكيروزين "وقود الطائرات" والبنزين. وللعلم أن شركة سورالشين "Soralchin" هى فى الأصل شركة مختلطة تجمع بين الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك "مساهمتها تبلغ 30 بالمئة" والشركة الصينية "CNPC" المساهمة ب 70 بالمئة فى رأسمالها.
. لكن بموازاة ذلك تبقى المصالح الأمريكية متواجدة بقوة فى الجزائر عبر شركتى "Anadarko" و"Amerada" الحاضرة بقوة فى قطاع المحروقات.
وينبغى ألا نغفل الجدل الذى شاب قانون المحروقات مؤخرا كان وراء تردد العديد من المستثمرين الأجانب فى تنفيذ مشاريعهم، حيث نذكر كيف صادق البرلمان الجزائرى فى مارس-آذار 2005 على قانون يتيح للشركات الأجنبية أن تحظى بالأغلبية أو تسيطر على مجمل رأسمال الآبار التى تكتشفها. لكن هذه السياسة تعرضت لانتقادات حادة ومعارضة شديدة، حيث أسفرت عن تعديل جوهرى مس صلب هذه السياسة الليبرالية فى أكتوبر-تشرين الأول 2006 "مرسوم رقم 06-10 فى يوليو-تموز 2006" يقضى بأن تحظى الشركة الوطنية سوناتراك بالأغلبية فى رأسمال مشاريع الاستخراج.
وبغض النظر عن هذه المراجعة التى وضعت سقفا فى سياسة الانفتاح والخصخصة التى شهدها قطاع المحروقات، فإن مصلحة الجزائر تكمن حاليا فى إعداد بنيات تحتية جيدة لنقل المحروقات، سيما أن المشروع الأخير "Transsaharan Gas Pipline=TSGP" الخاص بمد خط أنابيب نقل المحروقات يربط بين بنى صاف فى الجزائر ومدينة وارى فى نيجيريا يعبر عن رؤية استراتيجية بترولية جديدة. إذ من المقرر أن يبدأ المشروع نشاطه فى غضون سنة 2015، كما أنه من المؤكد أن غاية المشروع تكمن فى نقل البترول المستخرج من النيجر ومالى عبر الجزائر إلى أوروبا، حيث من المقرر أن تحصل آسيا على كميات لا بأس بها منه "عبر قناة السويس ومضيق باب المندب ومنه إلى الصين لاحقا"، خاصة أن الشركات الصينية جد نشطة فى إفريقيا الغربية "سبق أن أشرنا إلى بعضها فى ملفات نشرتها "العرب الأسبوعي" "نحن... والصين"، أو الملف عن رهانات البترول الإفريقي". ففى النيجر تحظى شركة "CNPC" بامتياز التنقيب فى منطقتين تدعى بليما "Blima" وتينيرى "Ténéré" الواعدتين. لذا إن نقل المحروقات إلى الصين عبر الجزائر يتيح تقليص المسافة بمقدار الخمس، أى عوض شحن البترول عبر ميناء هاركورت على المحيط الأطلسى ثم المرور عبر جنوب إفريقيا، ومن ثم إلى المحيط الهندي، يصبح خط الأنابيب الجديد بمثابة حل سحرى لمشاكل نقل البترول إلى الصين.
المنطق التجارى فى العلاقات الصينية الجزائرية
منذ ثلاث سنوات خلت، تشهد الجزائر تنمية اقتصادية قوية كما تدل عليها مؤشرات النمو التالية: "9،6 بالمئة سنة 2003، 4،5 بالمئة سنة 2004 و%3،5 بالمئة سنة 2005"، إذ لأول مرة تتحقق هذه الأرقام منذ سنة 1973، ما مكن الجزائر من تصفية تركة ديونها العمومية جزئيا، حيث قامت بتسديد 5 ملايير دولار فى أبريل-نيسان 2006، من أصل دين يبلغ 15 مليار دولار، وهو ما مكن من توفير فوائد ديون ضخمة وإرجاع مصداقية الجزائر المالية والتدبيرية إلى الواجهة الدولية. كما أن ارتفاع أثمان البترول سيمكن الخزينة الجزائرية من تمويل مشاريع البنيات التحتية فى الهندسة المدنية، حيث بلغ احتياطها من العملة الصعبة 80 مليار دولار جعلت من الجزائر القوة الاقتصادية الثانية فى إفريقيا بعد جنوب إفريقيا.
لكن ما يلفت نظر القادم إلى الجزائر فى السنوات الأخيرة الحضور القوى للشركات الصينية وموظفيها، أكثر من أى وقت مضى، بحيث بلغ عدد العمال الصينيون فى الجزائر 10.000 عامل بحسب الإحصاءات الرسمية، لكن هذا الرقم يجافى الحقيقة من ناحية، بالقياس إلى أن السياسة الاقتصادية الجزائرية فتحت الباب على مصراعيه أمام شركات البناء الصينية، ناهيك أن مخطط دعم الإقلاع الاقتصادى فى سنة 2001 يهدف إلى تحسين البنيات التحتية الطرقية والبحرية، كما بناء مليون سكن اجتماعي.
وفى هذا الإطار ما فتئت الشركات الصينية المختصة فى الهندسة المدنية تحصل على امتياز بناء العديد من المنشآت، يكفى ذكر أن الشركة الصينية "CSCEC=China State Construction & Engeinering Corporation" هى من أوكل لها بناء فندق شيراتون فى الجزائر ومركز القدس التجارى فى بلدية شراكة الذى يعد أكبر مركز تجارى فى إفريقيا، كما أن شركة "CSCEC" شيدت العديد من البنيات المدنية والصناعية التحتية، أبرزها المركز الاستشفائى فى مدينة وهران أو مطار الجزائر ومنوط بها أيضا بناء المقر الجديد لوزارة الخارجية الجزائرية. كما لا يخفى أنه فى الآونة الأخيرة حصل المجمع الصناعى الصينى "CITRI-CRCC" امتياز بناء جزئين أساسيين من مشروع الطريق السيار الرابط بين مدينة عنابة وتلمسان، حيث يهدف المشروع الربط بين الشرق والغرب الجزائري، تقدر كلفته الإجمالية 2،6 مليار دولار. علاوة على أن فائدته أيضا تتجلى فى كونه اللبنة الأساسية التى طال انتظارها فى مشروع طموح يتعلق ببناء طريق سيار الوحدة المغاربية لكى يربط نواكشوط بالعاصمة الليبية طرابلس "طوله 7000 كلم".
ومن المعلوم أن الغريم اليابانى كوجال "Cojaal" حصل على حق بناء الجزء الثالث فى نفس مشروع الطريق السيار الرابط بين تلمسان وعنابة. كما لا يخفى أن شركة البناء الصينية "China Civil Engeineering Cnstruction Corporation=CCECC" تساهم فى تحديث الشبكة النهرية الجزائرية، فى حين حصلت الشركة الصينية "Sinohydro" على عقد القيام بأعمال التطهير فى هضبة صوف الجزائر. بالإضافة إلى مساهمة شركة "CSCEC" فى عقد تحديث جامعة المنصورة فى تلمسان. غير أن الحضور الصينى يمتد خارج قطاع البناء، بخاصة فى مجال قطاع الخدمات " الهاتف المحمول"، حيث يلاحظ تزايد ملحوظ فى نشاط الشركة الصينية الإلكترونية "Huawei". إذ أقدمت شركة "ZTE" المختصة فى الهاتف المحمول على فتح مركز تكوين فى وهران بشراكة مع المدرسة الوطنية للبريد والاتصالات اللاسلكية الجزائرية.
وجدير بالذكر أن ما يفسر هذا الحضور القوي، امتياز الشركات الصينية بقدرة على المنافسة يقل نظيرها بين الشركات العالمية، فأيديها العاملة رخيصة، وهى تحصل على أجورها وفق سلم الأجور المطبق فى بلدها الأصلى الصين. ناهيك عن السرعة الخارقة فى إنجاز المشاريع فى أوقاتها المحددة وبمواصفات عالية الجودة تفوق نظيرتها المحلية بكثير. بيد أن العامل الأبرز فى الاعتماد على الشركات الصينية، يبرره حالة الاحتقان الاجتماعية الشديدة فى الجزائر فى مجال السكن الاجتماعي. هذا على الرغم من أن حضور الأيدى العاملة الصينية تشوبه مفارقة كبرى تتمثل فى كون أن معدل البطالة فى الجزائر يطال 15 بالمئة من الساكنة النشطة، وتصل نسبته أحيانا إلى 30 بالمئة فى الفئات العمرية دون 25 سنة. لكن ذلك يمر دون تشنج من قبل الجزائريين الذين اعتاد الشباب منه الامتناع عن عدم مزاولة أعمال شاقة ومضنية وتفضيله سلاليم الوظيفة العمومية. كما أن العامل الصينى يحظى بسمعة طيبة فى مختلف أوساط الشرائح الاجتماعية، لكن ذلك لم يكن ليمر من دون انتقادات فى الصحافة الجزائرية، ما يثير كثيرا من اللغط أحيانا ويساهم فى عزلة العمال الصينيين عن المجتمع الجزائرى خوفا من ردود أفعال.
والمفارقة التى تشدد الصحافة الجزائرية على عرضها كل مرة، تخص قضية هجرة العمالة الأجنبية فى سوق تعانى أصلا من وجود جحافل مهمة من الشباب الجزائرى تعانى من بطالة مزمنة. لكن حقيقة الموضوع لا تكمن فى منافسة اليد العاملة الصينية، بقدر ما يعزى الأمر إلى رفض الشباب الجزائرى أن يزاول مهنا صعبة ومردوديتها الأجرية ضعيفة.
وإذا كان من الصعب أن نستوفى جميع الأسباب فى بلد كالجزائر يعد مصدرا للعمالة، فإن عدد السكان بلغ 34 مليون سنة 2007، يعادل متوسط الدخل الفردى فيه 6670 دولار "وهو الثالث فى إفريقيا بعد كل من جنوب إفريقيا وتونس" فى سوق جزائرية واعدة، بعد قرار الجزائر دخول منظمة التجارة العالمية مؤخرا، ما يتطلب بالضرورة نهج سياسة خصخصة طموحة، حيث وضعت الحكومة الجزائرية لائحة من 1200 شركة تشمل جميع القطاعات الاقتصادية فى البلاد وتشكل 15 بالمئة من ثروة البلاد. ولعل هذه السياسة اللبرالية الجديدة هو ما سمح للشركة الهندية العالمية "Mittal Steel" بأن تحصل على أكبر مصنع الحديد والصلب فى الهجار قرب مدينة عنابة.
وبالنظر إلى الوفرة النفطية، يلاحظ تصميم الرئيس الجزائرى تدبير عائداتها بشكل حكيم يخرج عن ما تم من تدابير سابقة لم تخل من كثير من الأخطاء، إذ أن وضع صندوق ضبط العائدات يمكن من تفادى التضخم، حيث قررت الجزائر أن تعد ميزانيتها العامة وفق قاعدة 18 دولار للبرميل، يسمح بوضع الفائض فى الصندوق تحسبا لسنوات عجاف. وهو أمر محمود إذا علمنا أن صادرات الجزائر من المحروقات تبلغ %98 من مجمل صادراتها.
منطق العلاقات السياسية بين الصين والجزائر
نحن معنيون هنا بالتنبيه الى أن العلاقات الصينية الجزائرية لا تندرج فى صورة العلاقات التقليدية بين الصين وإفريقيا، بحيث غالبا ما تقدم الحكومة الصينية حماية دبلوماسية كما وقع فى حالة السودان وزيمبابوى نظير إبرام اتفاقيات وعقود فى قطاع المواد الأولية. لكن الجزائر لا تدخل فى هذه العينة من العلاقات.
فالجزائر تلعب دورا يراد منه تحقيق توازن فى علاقاتها مع كل من فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا. فهى ترى أن واشنطن قادرة على أن تمدها بوسائل الحفاظ على الاستقرار والأمن على المدى الطويل. لكن هذه العلاقة تراعى حساسية الشريك الفرنسى التقليدى ثقافيا واقتصاديا، كما تحاول أن تستفيد قدر الإمكان من علاقاتها مع روسيا المزود الرئيسى بالأسلحة، وأخيرا تبحث مع الصين تعزيز وضعها التجارى والسياسى عالميا.
إجمالا، تم تعزيز هذه العلاقات منذ ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الأولى، حيث يرى بأن الصين يمكن أن تلعب دورا كبيرا فى تسريع وتيرة تحديث البلاد، دون أن تفرض عليه شروطا خاصة، ما يفسر أن بكين ارتضت لنفسها أن تكون العمود الثالث فى الدبلوماسية الجزائرية.
هذا دون أن ننسى بأن التعاون العسكرى الأمريكى الجزائرى جار على قدم وساق فى مكافحة الإرهاب، لكن وتيرته بلغت سرعة كبيرة، بعد أن أصبحت العديد من دوائر القرار الأمريكية تبحث لأول مرة اقتراح إدماج الجزائر فى حلف الناتو، ناهيك عن ما يتردد من وجود استشارات تبحث إمكانية إقامة قواعد عسكرية. لكن قضية دخول الجزائر إلى حلف "الناتو" لم تكن دون إثارة شكوك قوية، إذا عايننا الوضع الانتقالى الذى تمر به المؤسسات فى الجزائر والصورة التى عليها واشنطن فى نظر الرأى العام الجزائرى بخاصة. بيد أن كل المؤشرات تشير إلى أن واشنطن سائرة قدما فى دراسة هذا الاقتراح من جميع أوجهه، منذ أن اقتنعت واشنطن بفشلها فى تسويق "بضاعة" أو "فزاعة" الديموقراطية فى الشرق الأوسط الكبير.
فالمغرب الجار الشقيق حظى منذ سنة 2004 بعضوية الحليف الرئيسى لواشنطن خارج حلف الناتو، وهى صفة تمنحها واشنطن للبلدان التى تربطها وإياها علاقات وثيقة فى المجال السياسى والعسكرى والمخابراتي، كما مشاورات التنسيق المسبق فى العديد من القضايا التى تطرحها واشنطن فى صدارة أجندتها الدبلوماسية. وهو وضع يتقاسمه المغرب مع اليابان واستراليا والباكستان والأردن، ما يؤهل هذه الدول أن تتلقى معونات عسكرية وخبرات فنية بشروط تفضيلية.
والحال أن ما يتردد فى تقارير كثير من المعاهد ومنشورات مراكز الرصد، يتضح منه أن الولايات المتحدة تريد من التحاق الجزائر بحلف الناتو، أن تلعب هذه الأخيرة بالوكالة دورا أمنيا فى مراقبة دول الساحل الإفريقى وفى المتوسط، حيث الوضع فى تشاد والنيجر ونيجيريا ومالى مقلق لواشنطن على أكثر من صعيد، بعد قيام تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامي. والمنتظر من هذا الدور تأمين استمرار تزويد حلفاءها فى الاتحاد الأوروبى بالطاقة. لكن الأهم هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تخشى كثيرا منطقة الساحل الإفريقى "بين الجزائر ومالى خاصة"، خوفا من أن يتحول الوضع إلى ما هو عليه الحال فى القرن الإفريقى من مآوى ومخابئ عديدة للحركات الإسلامية المتطرفة. وهو وضع منذر بكثير من الأخطار فى عرف التقارير الأمنية الاستراتيجية نظرا لضعف الجيوش الوطنية وشساعة الصحراء التى توفر مخابئ وسهولة تنقل جيدة. ومن ثم يتضح أن مساعدة الجزائر جد ضرورية لمشاركة فى القضاء على خطر الإرهاب. ومن المعروف أنه تم تشكيل مجموعة بحث تضم خبراء وباحثين ورجال أعمال تحت اسم "Africain Initiative Group "AOPIG"" تبحث الاستراتيجيات التى يمكن تبنيها فى مضمار البترول الجزائرى بعامة، كما الاهتمام بدول حوض خليج غينيا " نيجيريا، أنغولا، غينيا الاستوائية، الغابون" بخاصة، إذ تؤكد اهتمام مجموعة البحث هاته البالغ بهذه المنطقة، نظرا لأنها حبلى بإمكانية كبرى تشى فى المستقبل القريب بأن تكون جد واعدة فى مجال المحروقات.
وبموازاة ذلك، تشكل إفريقيا الغربية "دول الساحل الإفريقي" فى عرف السياسة الأمريكية، نقطة تقاطع بين مناطق متعددة تمتلك مخزونا نفطيا كبيرا وفضاءات صحراوية ممتدة يستحيل ترك الحبل على الغارب فيها، بخاصة من دون مراقبة أمنية فى ظل تهديد حركات تصفها بالإرهابية. وبالتالى تثبيت الاستقرار بها.
إجمالا، يشارك كل من المغرب ومالى والمغرب وموريتانيا والنيجر ونيجيريا والسنغال وتشاد وتونس فى برنامج المبادرة الأمريكية لمحاربة الإرهاب، حيث يلاحظ أنه منذ سنة 2002 أعادت الولايات المتحدة الأمريكية تقويم مصالحها الاستراتيجية فى منطقة الساحل الصحراوى الإفريقى فى إطار استراتيجيتها العامة "الحرب الشاملة على الإرهاب".
ومن ثم يعزى تحرك الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة فى الساحل الإفريقى منذ سنة 2002 بغاية مكافحة الإرهاب، لكى تضع برنامجين للتحرك والتعاون العسكري، الأول تحت اسم "Pan-Sahel Initiative" والثانى "Trans-sahara Counter Terrorism". إذ تم إدخال البرنامج الأول حيز التنفيذ بين نوفمبر-تشرين الثانى 2002 وفى يونيو-حزيران 2005، بتمويل وزارة الخارجية الأمريكية بلغ 5 ملايين دولار، تستفيد منه قوات الجيش فى النيجر وموريتانيا ومالى وتشاد فى إطار محاربة الإرهاب، وتضمن مستويات تهتم بتدريب القوات على تعقب فلول القاعدة فى الصحراء والاستفادة من عربات نقل ودعم لوجيستيكى لقوات البلدان المشاركة.
ويتضمن هذا البرنامج حماية الحدود ومحاربة التهريب بكل أنواعه، بخاصة منه تهريب الأسلحة، غير أنه اقتصر على تجهيز بعض الوحدات فى البلدان الأربعة وتدريبها من طرف قوات أمريكية خاصة تابعة للقيادة الأمريكية فى أوروبا "Eucom" التى تقع قيادتها المركزية فى مدينة شتوتغارت الألمانية. لكن سقف هذه المهام تم تجاوزه بكثير، إذ اتضح أنه فى الواقع لم تكن المهمة تقتصر على إمداد هذه الوحدات بعربات وتجهيزها وتدريبها فحسب، بل من المرجح أن ذلك تم إسناده بإقامة محطة رصد فى تخوم صحراء الجزائر تابعة لمحطة إشلون "Echelon" الإقليمية فى جنوب إسبانيا. لكن لا ننسى أن العمود الثانى فى محور الدبلوماسية الجزائرية يبقى فرنسا، حيث ترى هذه الأخيرة أن منافسة الولايات المتحدة الأمريكية والصين فى ميدان التجهيز والاتصالات، تجبرها أن تترك هذه القطاعات لصالح الاهتمام بقطاعات تُدِر فائض قيمة مرتفعة، حيث تم فتح سوق من قبل شركة "carrefour" الفرنسية فى يناير-كانون الثانى 2006، ما يؤكد تغيير التوجه فى الحضور الاقتصادى الفرنسي. كما أن انخراط الجزائر فى اقتصاد السوق وانضمامها المرتقب إلى المنظمة التجارية العالمية ينذر بخصخصة المزيد من القطاعات المربحة كقطاع البنوك والسياحة تراهن من خلاله المجموعات الفرنسية تعويض ما خسرته أمام بكين وواشنطن. وهى قطاعات غريبة عن بكين وأبعد من أن تتمثل النظام الأنكلوسكسوني. فهى أقرب الى فرنسا فى نظمها ومعاملاتها، واللغة المعتمدة فيها فرنسية.
وبالقياس إلى موسكو يمكن التأكيد بأن العلاقات الموروثة عن الحرب الباردة، بخاصة فى موضوع الصحراء المغربية ما زالت تبعاته جاثمة، حيث تأكد دور موسكو كمزود رئيسى للسلاح إلى الجزائر، خاصة بعد بيع الجزائر طائرات سوخوى 30 ومقاتلات ميغ -29 وأنظمة مضادة للصواريخ بلغت 7 مليارات دولار ونصف. بالإضافة أن الجزائر تريد تحديث أسطولها البحري، حيث أبرمت عقد طلب الحصول على غواصتين، طراز "Kilo" من أحد الأوراش الروسية.
التعاون العسكري
بداية يمكن اعتبار المحور الدبلوماسى الأخير من حيث الأهمية، يتجلى فى العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الصينية، وهو ما بدا صريحا فى خطاب الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة فى بكين "نوفمبر-تشرين الثانى 2006"، حين أكد: "إن الجمهورية الصينية الشعبية بعد أن أصبحت فى وضعية قوة عظمى، استطاعت الحفاظ على هويتها وتملك حساسية تؤهلها أن تكون صاغية لاهتمامات الدول السائرة فى طريق النمو، حيث هى شريك كبير مهتم كما هم بمعارضة محاولات إرساء عالم أحادى القطب، تفرض فيه جميع القرارات الكبرى". ومن ثم يتبين أن الجزائر ترى فى الصين دعما دبلوماسيا يمكنها من تجاوز الضغوطات الغربية، حيث لا يخفى أن الصين تقدم دعما خفيا للجزائر فى قضية الصحراء. وهو ما يتبادر من تصريح السفير الصينى ليو زهنمين "Liu Zhenmin" فى أكتوبر-تشرين الأول 2006، رغبة الصين فى تنظيم استفتاء فى الصحراء من أجل حل نهائي، وهو ما رفضه المغرب جملة وتفصيلا. كما أن الصين يمكن أن تصبح فى هذا التقاطب حليفا عسكريا.
بيد إن التجارة فى الميدان العسكرى مع الصين تظل ضعيفة، لأن الصناعة العسكرية الصينية ما زالت متوسطة الحجم وفى طور التحديث، يشهد عليه ارتباط بكين بروسيا. لكن الصين قبلت ببناء سفينة "تم توقيع العقد فى ديسمبر-كانون الأول 2002" تدريب للبحرية الجزائرية تم تسليمها بالفعل فى يونيو-حزيران 2006، وتحمل اسم "الصومام". وجدير بالذكر أنه فى الميدان العسكرى من دون سائر ملفات التعاون ثمة تعاون وثيق فى المجال النووي، حيث أثار ذلك قلقا كبيرا فى واشنطن منذ سنة 1990، ما لبث أن حمل معه اتهامات للجزائر بصنع قنبلة نووية بدعم فنى صينى "Washington Times,11 avril 1991". والحقيقة أن التعاون الصينى الجزائرى فى الميدان النووى يرجع تاريخه إلى 1983، أثمر على بناء مركب نووى جنوب الجزائر فى منطقة عين أوسارة ذو محرك أطلق عليه "محرك السلام"، بدأ تدشينه سنة 1993. بالإضافة أن الجزائر منذ سنة 1989 امتلكت محركا نوويا ذو قدرة ضعيفة استلمته من الأرجنتين، ويقع فى محطة دْراريَة بالقرب من العاصمة الجزائر. لكن الجزائر عمدت فى سنة 1995 إلى تكذيب الشائعات التى أطلقتها العديد من الصحف الأمريكية من خلال توقيع معاهدة مكافحة انتشار الأسلحة النووية ووضع محطاتها النووية تحت مراقبة وكالة الطاقة النووية، كما أن الجزائر التزمت سنة 2004 بالتوقيع على البروتوكول الإضافى الذى يسمح لمفتشى الوكالة بالقيام بزيارات مفاجئة دون سابق إنذار. وهو ما لم تف به إلى حد الآن، مما أطلق العنان للشكوك من جديد حول أبحاثها الحالية، بخاصة بعد الدعم الذى قدمه الرئيس الجزائرى إلى الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد فى زيارته الأخيرة، فى مسعى إيران فى الحصول على طاقة نووية سلمية. إلا أن الجزائر بادرت على إثر ذلك الى التعبير عن حسن نيتها إلى توقيع تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية فى يونيو-حزيران 2007 على اتفاقية تعاون فى القطاع النووى المدني، حيث عبرت عن رغبتها فى مواصلة مشروعها النووي، لكنها بالمقابل منحت واشنطن حق النظر فى أبحاثها.
ولعل السير قدما فى الملف النووى فى نظر العديد من دوائر القرار الجزائرى قد يعيد للجزائر شيئا من الماضى الذهبى سنوات السبعينات، حيث كانت الناطق الرسمى باسم العديد من الدول النامية فى المحافل الدولية. وهو المسعى الذى تتطلع إليه الدبلوماسية الجزائرية لإرجاع الدور الجزائرى القوى فى العلاقات الدولية، حيث استطاعت بعلاقاتها فى لجنة حقوق الإنسان " بداية2007" أن تبطل مزاعم بعض الدول الغربية فى وصف ما يحدث فى دارفور من انتهاكات، بالتصفية لشعب أعزل، ضدا على خلاصات التقرير الذى أعده الأمريكى جودى ويليامس للمجلس.
مستقبل العلاقات الصينية الجزائرية
خلاصة القول أتاحت العلاقة الوثيقة الصلة مع الصين أن تنهج الجزائر دبلوماسية طموحة، فهى فى الوضع الحالى صديقة الولايات المتحدة ومخلصة لروسيا وعلى علاقة وطيدة مع فرنسا وقريبة من الصين. وهو ما نتلمسه من خلال تصريح وزير الخارجية الجزائرى أثناء زيارته لواشنطن فى يونيو-حزيران 2006: "إن الجزائر تبحث عن إقامة وتوطيد علاقات صداقة وتعاون متعدد الأشكال فى احترام متبادل وتوازن المصالح". فهى ترى أن تعدد الشركاء هو اليوم الوسيلة الأضمن للحفاظ على استقلال البلاد. لكن واشنطن ما زالت تنظر بعين الريبة إلى هذا المسعى، بخاصة أن الرئيس الجزائرى استقبل ثلاثة مرات الرئيس الفنزويلى هيغو شافيز، حيث تباحثا معا عدة مواقف مشتركة وتنسيق المواقف "سياسة الأوبيك، دور دول عدم الانحياز". كما أن الجزائر أبدت تجاوبها مع مبادرة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى إقامة تجمع دولى جديد يجمع الدول المنتجة للغاز باشتراك مع روسيا وقطر وفنزويلا وإيران. الأمر الذى يثير قلقا كبيرا فى الأوساط الأوروبية والأمريكية.
أما بخصوص وجهة نظر بكين فى المشروع، فهى تنظر له بعين الرضى، ما دام أنه فى الوقت الحالى يتم تصدير 90 بالمئة من الغاز الجزائرى و65 بالمئة من الغاز الروسى فى اتجاه أوروبا. لذا إن بكين ترى أنه لكى تتحكم موسكو والجزائر فى أسعار الغاز، فلا بد من أن تتحررا من قيود تبعيتهما التجارية مع أوروبا زبونهما الأول. إذ أن خلق منظمة دولية للغاز على غرار منظمة "OPEP" سيفرض على روسيا وبدرجة أقل الجزائر أن تزود آسيا أكثر بالغاز من أوروبا، بخاصة الصين والهند للتقليص من تبعيتها للسوق الأوروبية. وهو طلب ما انفكت تكرره بكين، ظل دون استجابة من موسكو فى الوقت الحالي. ولقد فطنت الدبلوماسية العربية إلى دور الصين المتعاظم، حيث يمكن أن تلعب دورا فى الأزمة العراقية والسودان والصومال وفلسطين، خاصة أن بكين استضافت محمود الزهار وزير خارجية فلسطين "قبل حل حكومة حماس" من طرف الرئيس محمود عباس. وهى إشارة قوية لم تخل حينئذ من إشارات بليغة للدبلوماسيات الغربية التى امتنعت عن فتح حوار مع حماس بضغط أمريكي. هذا فى الوقت الذى تقيم بكين علاقة وطيدة مع إسرائيل منذ إعادة العلاقات الدبلوماسية سنة 1992، وتشهد نموا قويا فى ميدان التعاون العسكري. أما من جهة الجزائر يمكن معاينة الاستراتيجية التالية، بحيث لا تحبذ أن تفضل الصين لوحدها، فهى تريد أيضا تعاونا مع الهند فى ميدان الطاقة، بخاصة فى ميدان الغاز الطبيعى المسال ووقود البنزين. إذ استقبلت فى أبريل 2007 وفدا هنديا بقيادة مورلى جيورا وزير البترول الهندى الذى زار الجزائر خصيصا من أجل إبرام العديد من الاتفاقيات.
خلاصة القول، ترتبط الجزائر والصين بعلاقات وثيقة منذ 1950، ناهيك أنهما يقتسمان العديد من المصالح الاستراتيجية والطاقوية. مما يمكن أن نستنتج منه بأنه إذا كانت العلاقات الصينية الإفريقية محط انتقادات عديدة، فمع الجزائر تبقى العلاقات السياسية نسبيا متكافئة، نظرا لكون الدبلوماسية الصينية لا تهدف إقامة علاقات تبعية مع الجزائر، بل على النقيض من ذلك تسعى كما تفعل مع فنزويلا والبرازيل إبراز أقطاب جهوية جد قوية تجد فيها السند الجيوسياسى من أجل عالم متعدد الأقطاب، يمكن أن تحظى فيه الصين مرتبة ممتازة.
ومن المفيد أن نستعرض علاقات الصين بالعالم العربى من خلال علاقتها بالجزائر، حتى نتبين معالم هذه القوة الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، ما يسمح بفهم استراتيجية الصين فى العالم العربى وكيف نقرأ الجغرافية السياسية التى تحاول دبلوماسيتها نسجها فى العالم. كما من شأنه أيضا أن يوضح لنا مصالح العالم العربى على المدى القصير والمتوسط مع هذه القوة الجديدة.
والواقع أن القرابة السياسية التى تجمع بكين والجزائر إن باتت حقيقة مؤكدة، فهل يمكن الرهان عليها وبالتالى أن تستمر فى جو التقلبات الدولية؟ بخاصة أن بكين تبحث اليوم عن الدفاع عن مصالحها عوض البحث عن تأسيس قطب ايديولوجى تابع لها كما راودها ذلك فى سنوات الستينات. هذا فى الوقت الذى تتابع الصين سعيها الحثيث فى إقامة علاقات مع دول إفريقية ودول الشرق الأوسط، تكلل بالمؤتمر الصينى الإفريقى والمؤتمر الصينى العربى الذى انعقد أول مرة فى القاهرة فى سبتمبر-أيلول 2004، تلاه اجتماع على المستوى الوزارى انعقد فى بكين " يونيو-حزيران 2006".
وبدهى أن تظهر أصوات هنا وهناك تريد من الدول العربية أن تغير من سياساتها الخارجية، حيث لا تكون حكرا ولا تقدم امتيازا لدولة عظمى ولا توقيعا على شيك من بياض. لكن أهم ما يميز الجدل هو رغبة البعض فى استبدال التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية بالصين وروسيا والهند. لكن مصالح العالم العربى لا تقتضى فى الوقت الراهن أن يستبدل أحدٌ مصالحه وعلاقاته مع الولايات المتحدة كليا بمصالح وعلاقات جديدة مع الصين يجعلها رهنا على هذه الأخيرة، كما أنه فى ذات الوقت لا يمكنه الرهان فقط على علاقاته مع أمريكا والدول الغربية والاستمرار فى نهج خيار تقديم التحالف مع هذه الأخيرة على الصين. ثمة خط وسط بين هذا وذاك، يمكن أن نلتمسه من خلال استعراض الأفق الجيوسياسى والاستراتيجى الذى تتحرك فيه العلاقات الجزائرية الصينية.
تاريخيا، سارعت الصين إلى عقد علاقات وثيقة مع الجزائر منذ حصولها على الاستقلال سنة 1962، غير أن هذه العلاقات عرفت انتعاشا ملحوظا فى السنوات الخمس الأخيرة، حيث أصبحت الجزائر شريكا اقتصاديا وسياسيا من الدرجة الأولى فى إفريقيا، تجمعهما العديد من المصالح. لكن ثمة تحاليل تبرر هذا الاهتمام من زاوية تقليدية، يغلب عليها طابع الوصول إلى موارد أولية والتزود بالطاقة، بيد أننا نلمس فى هذه العلاقة حضور أهداف سياسية واقتصادية وجيوسياسية.
الصين – الجزائر:سمات المرحلة 1960 ـ 2006
بادرت الصين فى شهر ديسمبر-كانون الأول سنة 1958 الى الاعتراف بحكومة الجمهورية الجزائرية المؤقتة، وما لبثت أن تعززت بزيارتين قام بها زهو نلاى الوزير الأول آنذاك إلى الجزائر "1963 و1965"، ثم قيام هوارى بومدين بزيارة إلى بكين سنة 1974، تلتها زيارة الشاذلى بن جديد بعد ثمانى سنوات. ثم قيام الرئيس جيانع زمين بزيارة سنة "1999" والوزير الأول السابق لى بينغ "2001" تلتها زيارة الرئيس هو جينتاو "2004"، وما لبث وزير الخارجية الجزائرى محمد بجاوى أن رد عليها بالمثل فى أبريل-نيسان 2006 تمهيدا لزيارة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فى نوفمبر-تشرين الأول من نفس السنة. والحقيقة أن الجزائر تحتل مكانة خاصة فى استراتيجية تأثير الصين فى المغرب العربي، حيث تشهد العلاقات التجارية الثنائية نموا مضطردا، قفز من 191 مليون دولار سنة2000 إلى 75،1 مليار دولار سنة 2005، ليصل إلى مليارين سنة 2006، ما يفسر إلى حد بعيد احتلال الصين الرتبة الرابعة فى قائمة الدول التى تزود الجزائر بحاجياتها الرئيسية بعد كل من فرنسا، إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية على التوالي. لكن هذه المرتبة مرشحه أن تقفز إلى صدارة الترتيب إذا تأملنا أن واردات الصين فى الجزائر "48،6%من مجموع الواردات" شهدت قفزة نوعية بلغت 42 بالمئة بالقياس إلى سنة 2005، ما لبثت أن صعدت الصين على إثره إلى المرتبة الثالثة بحصة بلغت 1،8 بالمئة من السوق بعد أن أزاحت الولايات المتحدة الأمريكية لتأتى بعد إيطاليا "%84،8" وفرنسا التى تحتل المرتبة الأولى ب57،20% " المصدر: وزارة التجارة الجزائرية"www.mincommerce.gov.dz". بيد ان التجارة بين الجزائر والصين تظل غير متكافئة لصالح هذه الأخيرة، حيث حققت فائضا تجاريا بلغ 1 مليار دولار سنة 2005 ، ومن ثم ارتفع إلى 94،1 مليار دولار سنة 2006، كما أنه من المرشح أن يتجاوز مليارين سنة 2007. فواردات الصين من الجزائر ضعيفة إذا استثنينا منها المحروقات، لكنها تصدر سلعا كثيرة "النسيج، أدوات منزلية..." تلبى حاجيات كثيرة فى الجزائر، ما حدا بالرئيس الجزائرى فى خطابه فى بكين "6 نوفمبر-تشرين الثانى 2006" اعتبار الصين "دولة صديقة وشريكا خاصا". ولعل الدينامية التى يعرفها قطاع التجارة الصينى الجزائرى لا يمكن أن يحجب عنا حقيقة ضعف الاستثمارات الصينية، والتى لم تتعد 600 مليون دولار سنة 2005 "ما يمثل 3،7 بالمئة من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة" بالمقارنة مع حجم الاستثمارات الأمريكية والفرنسية. إذ تشير إحصائيات المنظمة الأممية حول التجارة والتنمية "CNUCED" التابعة للأمم المتحدة أن الجزائر حصلت على 1 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة سنة 2005، بلغت على إثرها مدخرات الاستثمارات المباشرة 2،8 مليار دولار. لكن الارتفاع المسجل فى الاستثمارات المباشرة يعزى إلى ارتفاع نسبة الاستثمار الوافدة من دول الخليج سنة 2006 و2007 بالمقارنة مع تلك الوافدة من الصين.
إجمالا، يمكن القول أن الصين لم تكن مصنفة ضمن الدول العشر الأوائل المستثمرة فى الجزائر سنة 2001، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وفرنسا وإسبانيا كانت تمثل 40 بالمئة من مدخرات الاستثمارات المباشرة فى البلد. وبعد سبع سنوات من هذا التاريخ ما زالت استثمارات الصين ضعيفة بالقياس إلى حركية الاستثمارات الوافدة فى الجزائر. لكن ما يهم هو البحث فى طبيعة التعاون الصينى الجزائرى الذى انخرط من وقت قليل فى منطق ثلاثى الأبعاد: بترولي، تجارى وسياسي.
التعاون فى مجال المحروقات
اعتبرت الجزائر الدولة الخامسة عشرة فى سلم الدول المنتجة للبترول سنة 2005، ما يمثل 2،2 بالمئة من الإنتاج العالمي، بالإضافة أنها مصنفة السادسة فى إنتاج الغاز ويبلغ مخزونها الاحتياطى منه 2،3 بالمئة من احتياطات العالمية " الرابعة عالميا".
وإزاء هذه المكانة فهى تجد فى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى زبائنها التقليديين، حيث تشير منظمة معطيات "OPEP" أن الجزائر صدّرت 8،1 مليون برميل يوميا، بلغت صادراتها منه إلى الاتحاد الأوروبى 45 بالمئة "تعد إيطاليا، إسبانيا وألمانيا أهم الزبائن"، بينما صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلغت 6،27 بالمئة، فى حين لا تتعدى صادراتها إلى دول آسيا- المحيط الهادى مجتمعة نسبة 2،4 بالمئة "BP Statical Yearbook2005". ما يفسر أن الصين تحاول اليوم بكل ثقلها أن تنزع عنها صفة الزبون الهامشى بمضاعفة استثماراتها فى قطاع المحروقات الجزائرية.
ولا يسعنا إلا أن نشير إلى ما قامت به الشركة الصينية العملاقة "China Peroleum & Chemical Corporation=SINOPEC" من توقيع عقد بقيمة 525 مليون دولار سنة 2002، من أجل تطوير حقول زرزيتين قرب حاسى مسعود فى الصحراء، حيث يلاحظ أن تمويل المشروع ترجع 75 بالمئة منه إلى "SINOPEC"، بينما ترجع 25 بالمئة إلى الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك. بالإضافة نجد شركة بترولية صينية "China National Petroleum Corporation=CNPC" أخرى أقدمت على بناء مصنع لتكرير البترول فى منطقة أدرار قرب حوض سباع، ثم استطاعت شركتى "SINOPEC" و"CNPC" فى سنة 2004 أن تظفرا بحقوق البحث والاستغلال فى حوض واد ميا، حيث تزاول الأولى نشاطها فى مجمعات الحجيرة وجرارة، بينما الثانية فى حوض المزيد. ورأينا أخيرا كيف استطاعت شركة "CNPC" أن تظفر بعقد تجديد معمل تكرير فى مدينة سكيكدة فى مارس-آذار 2005، كما أن الشركة الجزائرية نافتال "Naftal" بتعاون مع شركة سورالشين "Soralchin" بادرتا إلى تكوين شركة مختلطة فى يناير-كانون الثانى 2006 تحت اسم نافتاشين "Naftachine" مختصة بتوزيع مواد بترولية مكررة الكيروزين "وقود الطائرات" والبنزين. وللعلم أن شركة سورالشين "Soralchin" هى فى الأصل شركة مختلطة تجمع بين الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك "مساهمتها تبلغ 30 بالمئة" والشركة الصينية "CNPC" المساهمة ب 70 بالمئة فى رأسمالها.
. لكن بموازاة ذلك تبقى المصالح الأمريكية متواجدة بقوة فى الجزائر عبر شركتى "Anadarko" و"Amerada" الحاضرة بقوة فى قطاع المحروقات.
وينبغى ألا نغفل الجدل الذى شاب قانون المحروقات مؤخرا كان وراء تردد العديد من المستثمرين الأجانب فى تنفيذ مشاريعهم، حيث نذكر كيف صادق البرلمان الجزائرى فى مارس-آذار 2005 على قانون يتيح للشركات الأجنبية أن تحظى بالأغلبية أو تسيطر على مجمل رأسمال الآبار التى تكتشفها. لكن هذه السياسة تعرضت لانتقادات حادة ومعارضة شديدة، حيث أسفرت عن تعديل جوهرى مس صلب هذه السياسة الليبرالية فى أكتوبر-تشرين الأول 2006 "مرسوم رقم 06-10 فى يوليو-تموز 2006" يقضى بأن تحظى الشركة الوطنية سوناتراك بالأغلبية فى رأسمال مشاريع الاستخراج.
وبغض النظر عن هذه المراجعة التى وضعت سقفا فى سياسة الانفتاح والخصخصة التى شهدها قطاع المحروقات، فإن مصلحة الجزائر تكمن حاليا فى إعداد بنيات تحتية جيدة لنقل المحروقات، سيما أن المشروع الأخير "Transsaharan Gas Pipline=TSGP" الخاص بمد خط أنابيب نقل المحروقات يربط بين بنى صاف فى الجزائر ومدينة وارى فى نيجيريا يعبر عن رؤية استراتيجية بترولية جديدة. إذ من المقرر أن يبدأ المشروع نشاطه فى غضون سنة 2015، كما أنه من المؤكد أن غاية المشروع تكمن فى نقل البترول المستخرج من النيجر ومالى عبر الجزائر إلى أوروبا، حيث من المقرر أن تحصل آسيا على كميات لا بأس بها منه "عبر قناة السويس ومضيق باب المندب ومنه إلى الصين لاحقا"، خاصة أن الشركات الصينية جد نشطة فى إفريقيا الغربية "سبق أن أشرنا إلى بعضها فى ملفات نشرتها "العرب الأسبوعي" "نحن... والصين"، أو الملف عن رهانات البترول الإفريقي". ففى النيجر تحظى شركة "CNPC" بامتياز التنقيب فى منطقتين تدعى بليما "Blima" وتينيرى "Ténéré" الواعدتين. لذا إن نقل المحروقات إلى الصين عبر الجزائر يتيح تقليص المسافة بمقدار الخمس، أى عوض شحن البترول عبر ميناء هاركورت على المحيط الأطلسى ثم المرور عبر جنوب إفريقيا، ومن ثم إلى المحيط الهندي، يصبح خط الأنابيب الجديد بمثابة حل سحرى لمشاكل نقل البترول إلى الصين.
المنطق التجارى فى العلاقات الصينية الجزائرية
منذ ثلاث سنوات خلت، تشهد الجزائر تنمية اقتصادية قوية كما تدل عليها مؤشرات النمو التالية: "9،6 بالمئة سنة 2003، 4،5 بالمئة سنة 2004 و%3،5 بالمئة سنة 2005"، إذ لأول مرة تتحقق هذه الأرقام منذ سنة 1973، ما مكن الجزائر من تصفية تركة ديونها العمومية جزئيا، حيث قامت بتسديد 5 ملايير دولار فى أبريل-نيسان 2006، من أصل دين يبلغ 15 مليار دولار، وهو ما مكن من توفير فوائد ديون ضخمة وإرجاع مصداقية الجزائر المالية والتدبيرية إلى الواجهة الدولية. كما أن ارتفاع أثمان البترول سيمكن الخزينة الجزائرية من تمويل مشاريع البنيات التحتية فى الهندسة المدنية، حيث بلغ احتياطها من العملة الصعبة 80 مليار دولار جعلت من الجزائر القوة الاقتصادية الثانية فى إفريقيا بعد جنوب إفريقيا.
لكن ما يلفت نظر القادم إلى الجزائر فى السنوات الأخيرة الحضور القوى للشركات الصينية وموظفيها، أكثر من أى وقت مضى، بحيث بلغ عدد العمال الصينيون فى الجزائر 10.000 عامل بحسب الإحصاءات الرسمية، لكن هذا الرقم يجافى الحقيقة من ناحية، بالقياس إلى أن السياسة الاقتصادية الجزائرية فتحت الباب على مصراعيه أمام شركات البناء الصينية، ناهيك أن مخطط دعم الإقلاع الاقتصادى فى سنة 2001 يهدف إلى تحسين البنيات التحتية الطرقية والبحرية، كما بناء مليون سكن اجتماعي.
وفى هذا الإطار ما فتئت الشركات الصينية المختصة فى الهندسة المدنية تحصل على امتياز بناء العديد من المنشآت، يكفى ذكر أن الشركة الصينية "CSCEC=China State Construction & Engeinering Corporation" هى من أوكل لها بناء فندق شيراتون فى الجزائر ومركز القدس التجارى فى بلدية شراكة الذى يعد أكبر مركز تجارى فى إفريقيا، كما أن شركة "CSCEC" شيدت العديد من البنيات المدنية والصناعية التحتية، أبرزها المركز الاستشفائى فى مدينة وهران أو مطار الجزائر ومنوط بها أيضا بناء المقر الجديد لوزارة الخارجية الجزائرية. كما لا يخفى أنه فى الآونة الأخيرة حصل المجمع الصناعى الصينى "CITRI-CRCC" امتياز بناء جزئين أساسيين من مشروع الطريق السيار الرابط بين مدينة عنابة وتلمسان، حيث يهدف المشروع الربط بين الشرق والغرب الجزائري، تقدر كلفته الإجمالية 2،6 مليار دولار. علاوة على أن فائدته أيضا تتجلى فى كونه اللبنة الأساسية التى طال انتظارها فى مشروع طموح يتعلق ببناء طريق سيار الوحدة المغاربية لكى يربط نواكشوط بالعاصمة الليبية طرابلس "طوله 7000 كلم".
ومن المعلوم أن الغريم اليابانى كوجال "Cojaal" حصل على حق بناء الجزء الثالث فى نفس مشروع الطريق السيار الرابط بين تلمسان وعنابة. كما لا يخفى أن شركة البناء الصينية "China Civil Engeineering Cnstruction Corporation=CCECC" تساهم فى تحديث الشبكة النهرية الجزائرية، فى حين حصلت الشركة الصينية "Sinohydro" على عقد القيام بأعمال التطهير فى هضبة صوف الجزائر. بالإضافة إلى مساهمة شركة "CSCEC" فى عقد تحديث جامعة المنصورة فى تلمسان. غير أن الحضور الصينى يمتد خارج قطاع البناء، بخاصة فى مجال قطاع الخدمات " الهاتف المحمول"، حيث يلاحظ تزايد ملحوظ فى نشاط الشركة الصينية الإلكترونية "Huawei". إذ أقدمت شركة "ZTE" المختصة فى الهاتف المحمول على فتح مركز تكوين فى وهران بشراكة مع المدرسة الوطنية للبريد والاتصالات اللاسلكية الجزائرية.
وجدير بالذكر أن ما يفسر هذا الحضور القوي، امتياز الشركات الصينية بقدرة على المنافسة يقل نظيرها بين الشركات العالمية، فأيديها العاملة رخيصة، وهى تحصل على أجورها وفق سلم الأجور المطبق فى بلدها الأصلى الصين. ناهيك عن السرعة الخارقة فى إنجاز المشاريع فى أوقاتها المحددة وبمواصفات عالية الجودة تفوق نظيرتها المحلية بكثير. بيد أن العامل الأبرز فى الاعتماد على الشركات الصينية، يبرره حالة الاحتقان الاجتماعية الشديدة فى الجزائر فى مجال السكن الاجتماعي. هذا على الرغم من أن حضور الأيدى العاملة الصينية تشوبه مفارقة كبرى تتمثل فى كون أن معدل البطالة فى الجزائر يطال 15 بالمئة من الساكنة النشطة، وتصل نسبته أحيانا إلى 30 بالمئة فى الفئات العمرية دون 25 سنة. لكن ذلك يمر دون تشنج من قبل الجزائريين الذين اعتاد الشباب منه الامتناع عن عدم مزاولة أعمال شاقة ومضنية وتفضيله سلاليم الوظيفة العمومية. كما أن العامل الصينى يحظى بسمعة طيبة فى مختلف أوساط الشرائح الاجتماعية، لكن ذلك لم يكن ليمر من دون انتقادات فى الصحافة الجزائرية، ما يثير كثيرا من اللغط أحيانا ويساهم فى عزلة العمال الصينيين عن المجتمع الجزائرى خوفا من ردود أفعال.
والمفارقة التى تشدد الصحافة الجزائرية على عرضها كل مرة، تخص قضية هجرة العمالة الأجنبية فى سوق تعانى أصلا من وجود جحافل مهمة من الشباب الجزائرى تعانى من بطالة مزمنة. لكن حقيقة الموضوع لا تكمن فى منافسة اليد العاملة الصينية، بقدر ما يعزى الأمر إلى رفض الشباب الجزائرى أن يزاول مهنا صعبة ومردوديتها الأجرية ضعيفة.
وإذا كان من الصعب أن نستوفى جميع الأسباب فى بلد كالجزائر يعد مصدرا للعمالة، فإن عدد السكان بلغ 34 مليون سنة 2007، يعادل متوسط الدخل الفردى فيه 6670 دولار "وهو الثالث فى إفريقيا بعد كل من جنوب إفريقيا وتونس" فى سوق جزائرية واعدة، بعد قرار الجزائر دخول منظمة التجارة العالمية مؤخرا، ما يتطلب بالضرورة نهج سياسة خصخصة طموحة، حيث وضعت الحكومة الجزائرية لائحة من 1200 شركة تشمل جميع القطاعات الاقتصادية فى البلاد وتشكل 15 بالمئة من ثروة البلاد. ولعل هذه السياسة اللبرالية الجديدة هو ما سمح للشركة الهندية العالمية "Mittal Steel" بأن تحصل على أكبر مصنع الحديد والصلب فى الهجار قرب مدينة عنابة.
وبالنظر إلى الوفرة النفطية، يلاحظ تصميم الرئيس الجزائرى تدبير عائداتها بشكل حكيم يخرج عن ما تم من تدابير سابقة لم تخل من كثير من الأخطاء، إذ أن وضع صندوق ضبط العائدات يمكن من تفادى التضخم، حيث قررت الجزائر أن تعد ميزانيتها العامة وفق قاعدة 18 دولار للبرميل، يسمح بوضع الفائض فى الصندوق تحسبا لسنوات عجاف. وهو أمر محمود إذا علمنا أن صادرات الجزائر من المحروقات تبلغ %98 من مجمل صادراتها.
منطق العلاقات السياسية بين الصين والجزائر
نحن معنيون هنا بالتنبيه الى أن العلاقات الصينية الجزائرية لا تندرج فى صورة العلاقات التقليدية بين الصين وإفريقيا، بحيث غالبا ما تقدم الحكومة الصينية حماية دبلوماسية كما وقع فى حالة السودان وزيمبابوى نظير إبرام اتفاقيات وعقود فى قطاع المواد الأولية. لكن الجزائر لا تدخل فى هذه العينة من العلاقات.
فالجزائر تلعب دورا يراد منه تحقيق توازن فى علاقاتها مع كل من فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا. فهى ترى أن واشنطن قادرة على أن تمدها بوسائل الحفاظ على الاستقرار والأمن على المدى الطويل. لكن هذه العلاقة تراعى حساسية الشريك الفرنسى التقليدى ثقافيا واقتصاديا، كما تحاول أن تستفيد قدر الإمكان من علاقاتها مع روسيا المزود الرئيسى بالأسلحة، وأخيرا تبحث مع الصين تعزيز وضعها التجارى والسياسى عالميا.
إجمالا، تم تعزيز هذه العلاقات منذ ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الأولى، حيث يرى بأن الصين يمكن أن تلعب دورا كبيرا فى تسريع وتيرة تحديث البلاد، دون أن تفرض عليه شروطا خاصة، ما يفسر أن بكين ارتضت لنفسها أن تكون العمود الثالث فى الدبلوماسية الجزائرية.
هذا دون أن ننسى بأن التعاون العسكرى الأمريكى الجزائرى جار على قدم وساق فى مكافحة الإرهاب، لكن وتيرته بلغت سرعة كبيرة، بعد أن أصبحت العديد من دوائر القرار الأمريكية تبحث لأول مرة اقتراح إدماج الجزائر فى حلف الناتو، ناهيك عن ما يتردد من وجود استشارات تبحث إمكانية إقامة قواعد عسكرية. لكن قضية دخول الجزائر إلى حلف "الناتو" لم تكن دون إثارة شكوك قوية، إذا عايننا الوضع الانتقالى الذى تمر به المؤسسات فى الجزائر والصورة التى عليها واشنطن فى نظر الرأى العام الجزائرى بخاصة. بيد أن كل المؤشرات تشير إلى أن واشنطن سائرة قدما فى دراسة هذا الاقتراح من جميع أوجهه، منذ أن اقتنعت واشنطن بفشلها فى تسويق "بضاعة" أو "فزاعة" الديموقراطية فى الشرق الأوسط الكبير.
فالمغرب الجار الشقيق حظى منذ سنة 2004 بعضوية الحليف الرئيسى لواشنطن خارج حلف الناتو، وهى صفة تمنحها واشنطن للبلدان التى تربطها وإياها علاقات وثيقة فى المجال السياسى والعسكرى والمخابراتي، كما مشاورات التنسيق المسبق فى العديد من القضايا التى تطرحها واشنطن فى صدارة أجندتها الدبلوماسية. وهو وضع يتقاسمه المغرب مع اليابان واستراليا والباكستان والأردن، ما يؤهل هذه الدول أن تتلقى معونات عسكرية وخبرات فنية بشروط تفضيلية.
والحال أن ما يتردد فى تقارير كثير من المعاهد ومنشورات مراكز الرصد، يتضح منه أن الولايات المتحدة تريد من التحاق الجزائر بحلف الناتو، أن تلعب هذه الأخيرة بالوكالة دورا أمنيا فى مراقبة دول الساحل الإفريقى وفى المتوسط، حيث الوضع فى تشاد والنيجر ونيجيريا ومالى مقلق لواشنطن على أكثر من صعيد، بعد قيام تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامي. والمنتظر من هذا الدور تأمين استمرار تزويد حلفاءها فى الاتحاد الأوروبى بالطاقة. لكن الأهم هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تخشى كثيرا منطقة الساحل الإفريقى "بين الجزائر ومالى خاصة"، خوفا من أن يتحول الوضع إلى ما هو عليه الحال فى القرن الإفريقى من مآوى ومخابئ عديدة للحركات الإسلامية المتطرفة. وهو وضع منذر بكثير من الأخطار فى عرف التقارير الأمنية الاستراتيجية نظرا لضعف الجيوش الوطنية وشساعة الصحراء التى توفر مخابئ وسهولة تنقل جيدة. ومن ثم يتضح أن مساعدة الجزائر جد ضرورية لمشاركة فى القضاء على خطر الإرهاب. ومن المعروف أنه تم تشكيل مجموعة بحث تضم خبراء وباحثين ورجال أعمال تحت اسم "Africain Initiative Group "AOPIG"" تبحث الاستراتيجيات التى يمكن تبنيها فى مضمار البترول الجزائرى بعامة، كما الاهتمام بدول حوض خليج غينيا " نيجيريا، أنغولا، غينيا الاستوائية، الغابون" بخاصة، إذ تؤكد اهتمام مجموعة البحث هاته البالغ بهذه المنطقة، نظرا لأنها حبلى بإمكانية كبرى تشى فى المستقبل القريب بأن تكون جد واعدة فى مجال المحروقات.
وبموازاة ذلك، تشكل إفريقيا الغربية "دول الساحل الإفريقي" فى عرف السياسة الأمريكية، نقطة تقاطع بين مناطق متعددة تمتلك مخزونا نفطيا كبيرا وفضاءات صحراوية ممتدة يستحيل ترك الحبل على الغارب فيها، بخاصة من دون مراقبة أمنية فى ظل تهديد حركات تصفها بالإرهابية. وبالتالى تثبيت الاستقرار بها.
إجمالا، يشارك كل من المغرب ومالى والمغرب وموريتانيا والنيجر ونيجيريا والسنغال وتشاد وتونس فى برنامج المبادرة الأمريكية لمحاربة الإرهاب، حيث يلاحظ أنه منذ سنة 2002 أعادت الولايات المتحدة الأمريكية تقويم مصالحها الاستراتيجية فى منطقة الساحل الصحراوى الإفريقى فى إطار استراتيجيتها العامة "الحرب الشاملة على الإرهاب".
ومن ثم يعزى تحرك الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة فى الساحل الإفريقى منذ سنة 2002 بغاية مكافحة الإرهاب، لكى تضع برنامجين للتحرك والتعاون العسكري، الأول تحت اسم "Pan-Sahel Initiative" والثانى "Trans-sahara Counter Terrorism". إذ تم إدخال البرنامج الأول حيز التنفيذ بين نوفمبر-تشرين الثانى 2002 وفى يونيو-حزيران 2005، بتمويل وزارة الخارجية الأمريكية بلغ 5 ملايين دولار، تستفيد منه قوات الجيش فى النيجر وموريتانيا ومالى وتشاد فى إطار محاربة الإرهاب، وتضمن مستويات تهتم بتدريب القوات على تعقب فلول القاعدة فى الصحراء والاستفادة من عربات نقل ودعم لوجيستيكى لقوات البلدان المشاركة.
ويتضمن هذا البرنامج حماية الحدود ومحاربة التهريب بكل أنواعه، بخاصة منه تهريب الأسلحة، غير أنه اقتصر على تجهيز بعض الوحدات فى البلدان الأربعة وتدريبها من طرف قوات أمريكية خاصة تابعة للقيادة الأمريكية فى أوروبا "Eucom" التى تقع قيادتها المركزية فى مدينة شتوتغارت الألمانية. لكن سقف هذه المهام تم تجاوزه بكثير، إذ اتضح أنه فى الواقع لم تكن المهمة تقتصر على إمداد هذه الوحدات بعربات وتجهيزها وتدريبها فحسب، بل من المرجح أن ذلك تم إسناده بإقامة محطة رصد فى تخوم صحراء الجزائر تابعة لمحطة إشلون "Echelon" الإقليمية فى جنوب إسبانيا. لكن لا ننسى أن العمود الثانى فى محور الدبلوماسية الجزائرية يبقى فرنسا، حيث ترى هذه الأخيرة أن منافسة الولايات المتحدة الأمريكية والصين فى ميدان التجهيز والاتصالات، تجبرها أن تترك هذه القطاعات لصالح الاهتمام بقطاعات تُدِر فائض قيمة مرتفعة، حيث تم فتح سوق من قبل شركة "carrefour" الفرنسية فى يناير-كانون الثانى 2006، ما يؤكد تغيير التوجه فى الحضور الاقتصادى الفرنسي. كما أن انخراط الجزائر فى اقتصاد السوق وانضمامها المرتقب إلى المنظمة التجارية العالمية ينذر بخصخصة المزيد من القطاعات المربحة كقطاع البنوك والسياحة تراهن من خلاله المجموعات الفرنسية تعويض ما خسرته أمام بكين وواشنطن. وهى قطاعات غريبة عن بكين وأبعد من أن تتمثل النظام الأنكلوسكسوني. فهى أقرب الى فرنسا فى نظمها ومعاملاتها، واللغة المعتمدة فيها فرنسية.
وبالقياس إلى موسكو يمكن التأكيد بأن العلاقات الموروثة عن الحرب الباردة، بخاصة فى موضوع الصحراء المغربية ما زالت تبعاته جاثمة، حيث تأكد دور موسكو كمزود رئيسى للسلاح إلى الجزائر، خاصة بعد بيع الجزائر طائرات سوخوى 30 ومقاتلات ميغ -29 وأنظمة مضادة للصواريخ بلغت 7 مليارات دولار ونصف. بالإضافة أن الجزائر تريد تحديث أسطولها البحري، حيث أبرمت عقد طلب الحصول على غواصتين، طراز "Kilo" من أحد الأوراش الروسية.
التعاون العسكري
بداية يمكن اعتبار المحور الدبلوماسى الأخير من حيث الأهمية، يتجلى فى العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الصينية، وهو ما بدا صريحا فى خطاب الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة فى بكين "نوفمبر-تشرين الثانى 2006"، حين أكد: "إن الجمهورية الصينية الشعبية بعد أن أصبحت فى وضعية قوة عظمى، استطاعت الحفاظ على هويتها وتملك حساسية تؤهلها أن تكون صاغية لاهتمامات الدول السائرة فى طريق النمو، حيث هى شريك كبير مهتم كما هم بمعارضة محاولات إرساء عالم أحادى القطب، تفرض فيه جميع القرارات الكبرى". ومن ثم يتبين أن الجزائر ترى فى الصين دعما دبلوماسيا يمكنها من تجاوز الضغوطات الغربية، حيث لا يخفى أن الصين تقدم دعما خفيا للجزائر فى قضية الصحراء. وهو ما يتبادر من تصريح السفير الصينى ليو زهنمين "Liu Zhenmin" فى أكتوبر-تشرين الأول 2006، رغبة الصين فى تنظيم استفتاء فى الصحراء من أجل حل نهائي، وهو ما رفضه المغرب جملة وتفصيلا. كما أن الصين يمكن أن تصبح فى هذا التقاطب حليفا عسكريا.
بيد إن التجارة فى الميدان العسكرى مع الصين تظل ضعيفة، لأن الصناعة العسكرية الصينية ما زالت متوسطة الحجم وفى طور التحديث، يشهد عليه ارتباط بكين بروسيا. لكن الصين قبلت ببناء سفينة "تم توقيع العقد فى ديسمبر-كانون الأول 2002" تدريب للبحرية الجزائرية تم تسليمها بالفعل فى يونيو-حزيران 2006، وتحمل اسم "الصومام". وجدير بالذكر أنه فى الميدان العسكرى من دون سائر ملفات التعاون ثمة تعاون وثيق فى المجال النووي، حيث أثار ذلك قلقا كبيرا فى واشنطن منذ سنة 1990، ما لبث أن حمل معه اتهامات للجزائر بصنع قنبلة نووية بدعم فنى صينى "Washington Times,11 avril 1991". والحقيقة أن التعاون الصينى الجزائرى فى الميدان النووى يرجع تاريخه إلى 1983، أثمر على بناء مركب نووى جنوب الجزائر فى منطقة عين أوسارة ذو محرك أطلق عليه "محرك السلام"، بدأ تدشينه سنة 1993. بالإضافة أن الجزائر منذ سنة 1989 امتلكت محركا نوويا ذو قدرة ضعيفة استلمته من الأرجنتين، ويقع فى محطة دْراريَة بالقرب من العاصمة الجزائر. لكن الجزائر عمدت فى سنة 1995 إلى تكذيب الشائعات التى أطلقتها العديد من الصحف الأمريكية من خلال توقيع معاهدة مكافحة انتشار الأسلحة النووية ووضع محطاتها النووية تحت مراقبة وكالة الطاقة النووية، كما أن الجزائر التزمت سنة 2004 بالتوقيع على البروتوكول الإضافى الذى يسمح لمفتشى الوكالة بالقيام بزيارات مفاجئة دون سابق إنذار. وهو ما لم تف به إلى حد الآن، مما أطلق العنان للشكوك من جديد حول أبحاثها الحالية، بخاصة بعد الدعم الذى قدمه الرئيس الجزائرى إلى الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد فى زيارته الأخيرة، فى مسعى إيران فى الحصول على طاقة نووية سلمية. إلا أن الجزائر بادرت على إثر ذلك الى التعبير عن حسن نيتها إلى توقيع تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية فى يونيو-حزيران 2007 على اتفاقية تعاون فى القطاع النووى المدني، حيث عبرت عن رغبتها فى مواصلة مشروعها النووي، لكنها بالمقابل منحت واشنطن حق النظر فى أبحاثها.
ولعل السير قدما فى الملف النووى فى نظر العديد من دوائر القرار الجزائرى قد يعيد للجزائر شيئا من الماضى الذهبى سنوات السبعينات، حيث كانت الناطق الرسمى باسم العديد من الدول النامية فى المحافل الدولية. وهو المسعى الذى تتطلع إليه الدبلوماسية الجزائرية لإرجاع الدور الجزائرى القوى فى العلاقات الدولية، حيث استطاعت بعلاقاتها فى لجنة حقوق الإنسان " بداية2007" أن تبطل مزاعم بعض الدول الغربية فى وصف ما يحدث فى دارفور من انتهاكات، بالتصفية لشعب أعزل، ضدا على خلاصات التقرير الذى أعده الأمريكى جودى ويليامس للمجلس.
مستقبل العلاقات الصينية الجزائرية
خلاصة القول أتاحت العلاقة الوثيقة الصلة مع الصين أن تنهج الجزائر دبلوماسية طموحة، فهى فى الوضع الحالى صديقة الولايات المتحدة ومخلصة لروسيا وعلى علاقة وطيدة مع فرنسا وقريبة من الصين. وهو ما نتلمسه من خلال تصريح وزير الخارجية الجزائرى أثناء زيارته لواشنطن فى يونيو-حزيران 2006: "إن الجزائر تبحث عن إقامة وتوطيد علاقات صداقة وتعاون متعدد الأشكال فى احترام متبادل وتوازن المصالح". فهى ترى أن تعدد الشركاء هو اليوم الوسيلة الأضمن للحفاظ على استقلال البلاد. لكن واشنطن ما زالت تنظر بعين الريبة إلى هذا المسعى، بخاصة أن الرئيس الجزائرى استقبل ثلاثة مرات الرئيس الفنزويلى هيغو شافيز، حيث تباحثا معا عدة مواقف مشتركة وتنسيق المواقف "سياسة الأوبيك، دور دول عدم الانحياز". كما أن الجزائر أبدت تجاوبها مع مبادرة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى إقامة تجمع دولى جديد يجمع الدول المنتجة للغاز باشتراك مع روسيا وقطر وفنزويلا وإيران. الأمر الذى يثير قلقا كبيرا فى الأوساط الأوروبية والأمريكية.
أما بخصوص وجهة نظر بكين فى المشروع، فهى تنظر له بعين الرضى، ما دام أنه فى الوقت الحالى يتم تصدير 90 بالمئة من الغاز الجزائرى و65 بالمئة من الغاز الروسى فى اتجاه أوروبا. لذا إن بكين ترى أنه لكى تتحكم موسكو والجزائر فى أسعار الغاز، فلا بد من أن تتحررا من قيود تبعيتهما التجارية مع أوروبا زبونهما الأول. إذ أن خلق منظمة دولية للغاز على غرار منظمة "OPEP" سيفرض على روسيا وبدرجة أقل الجزائر أن تزود آسيا أكثر بالغاز من أوروبا، بخاصة الصين والهند للتقليص من تبعيتها للسوق الأوروبية. وهو طلب ما انفكت تكرره بكين، ظل دون استجابة من موسكو فى الوقت الحالي. ولقد فطنت الدبلوماسية العربية إلى دور الصين المتعاظم، حيث يمكن أن تلعب دورا فى الأزمة العراقية والسودان والصومال وفلسطين، خاصة أن بكين استضافت محمود الزهار وزير خارجية فلسطين "قبل حل حكومة حماس" من طرف الرئيس محمود عباس. وهى إشارة قوية لم تخل حينئذ من إشارات بليغة للدبلوماسيات الغربية التى امتنعت عن فتح حوار مع حماس بضغط أمريكي. هذا فى الوقت الذى تقيم بكين علاقة وطيدة مع إسرائيل منذ إعادة العلاقات الدبلوماسية سنة 1992، وتشهد نموا قويا فى ميدان التعاون العسكري. أما من جهة الجزائر يمكن معاينة الاستراتيجية التالية، بحيث لا تحبذ أن تفضل الصين لوحدها، فهى تريد أيضا تعاونا مع الهند فى ميدان الطاقة، بخاصة فى ميدان الغاز الطبيعى المسال ووقود البنزين. إذ استقبلت فى أبريل 2007 وفدا هنديا بقيادة مورلى جيورا وزير البترول الهندى الذى زار الجزائر خصيصا من أجل إبرام العديد من الاتفاقيات.
خلاصة القول، ترتبط الجزائر والصين بعلاقات وثيقة منذ 1950، ناهيك أنهما يقتسمان العديد من المصالح الاستراتيجية والطاقوية. مما يمكن أن نستنتج منه بأنه إذا كانت العلاقات الصينية الإفريقية محط انتقادات عديدة، فمع الجزائر تبقى العلاقات السياسية نسبيا متكافئة، نظرا لكون الدبلوماسية الصينية لا تهدف إقامة علاقات تبعية مع الجزائر، بل على النقيض من ذلك تسعى كما تفعل مع فنزويلا والبرازيل إبراز أقطاب جهوية جد قوية تجد فيها السند الجيوسياسى من أجل عالم متعدد الأقطاب، يمكن أن تحظى فيه الصين مرتبة ممتازة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق