الأحد، 23 سبتمبر 2007

الصين ودورها الإيجابي في دارفور

صحيفة المستقبل اللبنانية
ريتشارد رودن
لقد تحرّك التنين حركة طفيفة بالاتجاه الصحيح. والمقصود سياسة الصين في افريقيا، والتي يمكن لهذه الحركة الخفيفة والمتغيرة أن تؤدي الى السلام في دارفور. والصين هي الشريكة التجارية الأكبر للسودان، إذ هي تشتري 65% من نفط ذلك البلد. وحتى الآن قامت الصين بحماية الخرطوم من العالم الغربي، الذي كان يصرخ مديناً المذبحة بدارفور، ويطالب بالتدخل وبعقوبات. وقد تدخلت الصين للمرة الأولى قبل شهر حين أقنعت حكومة البشير بقبول قوات دولية تعدادها 26 ألفا الى جانب الـ7000 الذين أرسلهم الاتحاد الافريقي، والذين فشلوا في إحداث أي أثر إيجابي في الصراع الدائر. وفي الماضي كانت الصين تقول انها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، حتى لا يساء لقضيتها مع تايوان، حيث تقول الصين إنها جزء تاريخي منها. وقد كانت مساعداتها التنموية بدون شروط، بخلاف سلوك الولايات المتحدة والامبرياليين، فالصين تريد شراكة بين متساوين مع الدول النامية. لكن الصين مؤخراً أفهمت الخرطوم أنها يمكن أن تقوم بإيقاف شحنات الأسلحة إليها. وتحدث الرسميون الصينيون بلغة مختلفة عن الصراع الدائر هناك. ولنصغ الى ليو غوجين مثلاً وهو مبعوث الصين الخاص بشأن دارفور: الصين تدعم الدول الافريقية في مساعيها لخلق الديموقراطية وحكم القانون والحكم الصالح... وسيكون التعاون بين افريقيا والصين مفيداً للدول الافريقية في دعم الاستقرار وتقوية قدرات الحكومات. هذه العبارات، لو لم نعرف قائلها لظنناها من كتاب غربي عن التنمية في افريقيا. ويدل ذلك على الانزعاج الذي نال الصين من استمرار الحكومة السودانية في معارضة القوات الدولية. وقد قال مسؤول صيني في مؤتمر بيكين أواخر تموز: على الحكومة السودانية أن تتعاون أكثر مع المجتمع الدولي، وأن تبذل مساعي أكبر في إنهاء الأزمة بدارفور.
لماذا تغيّر موقف الصين؟ أول الأسباب أنها عانت بعض التراجعات في افريقيا مؤخراً. فإقدام بعض المتمردين في إثيوبيا على خطف وقتل تسعة صينيين، هز الصين هزاً عنيفاً، والتي كانت تظن أنها مرحب بها في البلاد. وللصين استثمارات ضخمة في القارة السوداء الآن، وقد أدركت أنها لا تستطيع الاعتماد على الحكومات الافريقية في تأمين الاستثمارات، وحماية المصالح. ومهما تكن علاقة الصين ببعض الأنظمة الافريقية فعلينا أن نتوقع تدخلاً صينياً أكبر في السياسات المحلية في السنوات المقبلة. والسبب الثاني لمتغيرات السياسة الصينية تجاه افريقيا أن الصين صارت شريكاً عالمياً، وهي تريد استخدام هذه الشراكة في تقوية سمعة الصين من طريق التعاون مع المجتمع الدولي، لكن مع حرص على أن لا ينظر إليها باعتبارها قوة هيمنة واستعمار. وهكذا ستستمر الصين في إقناع الخرطوم بأنها صديق، وأنها إنما تريد المساعدة في التطوير والانماء السياسي. والسبب الثالث يستند الى مخاوف الصين أن يأتي دورها في الألعاب الأولمبية عام 2008 ولما تعمل بعد كل الترتيبات. فهي تريد أن يأتي الجميع للألعاب، لكن ما نتداول فيه صحيح وهو توجس الصين أن تتصاعد الشكاوى بشأن الهيمنة، وأن يدخل بعضهم الصين في هذا السياق. فالتهديدات بالاضراب والتظاهر هناك حقيقية، وهي تقلق الصين، وتتسبب في سعي الصين لحفظ الاستقرار بالتدخل في إثيوبيا. وقد جرت المحادثات بين الأطراف بصورة مكثفة. ويبدو أن الصين تدخلت سراً للتأثير على الصومال في تغيير الموقف الى أن تعود الأمور الى نصابها.
ولا ينبغي من جهة ثانية الزعم أن الصين بلد غير سياساته السابقة كلياً، وصار يتبنى مواقف غربية تجاه المشكلات المعاصرة. بل قصد بكين التوسط بين الطرفين: الولايات المتحدة في هياجها، والسودانيون في قدرتهم على المطاولة وعدم حل المشكلة. وفي قرار مجلس الأمن الأخير بشأن دارفور تدخلت الصين بهدوء لإزالة بعض الجمل الغليظة في مشروع التعاقد بين الطرفين، والذي صاغته بريطانيا. وكان يتضمن التهديد بالعقوبات، جراء عنفه تجاه الدارفوريين، وتجاه بني وطنه الآخرين. ونتيجة تعاون الصين أمكن الوصول الى قرار بموجبه تستطيع القوات الدولية الدفاع عن نفسها، والدفاع عن المواطنين السودانيين، وتأمين ممر آمن لقوافل الاغاثة.
فالقرار يعني أن قوافل الاغاثة ستكون آمنة أكثر. وكذلك الأمر مع 1.8 مليون من اللاجئين بداخل السودان وخارجه. والمعروف أن النزاع بدأ محلياً بين قبائل عربية وأخرى افريقية على المياه والكلأ والجوار. ثم عمدت الحكومة السودانية لتسليح الجنجاويد العرب، وتصاعد النزاع الى أن صار دولياً. وما انتهى الدور الصيني، بل يحتاج الأمر الى المزيد من التفاوض لتحقيق الأهداف من وراء استدعاء القوات الدولية.

ليست هناك تعليقات: