الثلاثاء، 18 سبتمبر 2007

الدول العربية تكسر القاعدة مع الصين والميزان التجاري يميل لمصلحتها

صحيفة الخليج الاماراتية
القاهرة مروة حداد
برغم الطفرة الكبيرة التي حققتها التجارة الخارجية للصين خلال الربع الأول عام 2007 ما جعلها من الدول الأسرع والأكثر نمواً على مستوى العالم، إذ بلغت صادراتها 252 مليار دولار بزيادة نسبتها 28% عن العام الماضي وبلغت وارداتها 206 مليارات دولار بزيادة نسبتها 18%، مقارنة بالعام الماضي، الأمر الذي جعل العديد من الدول سواء فقيرة أو غنية تنتابها حالة من القلق من اكتساح السلع الصينية لمنتجاتها وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي اضطرت أخيرا لرفع قضية ضد الصين لدى منظمة التجارة العالمية. فعندما بدأت الصين نموها الاقتصادي، لم يكن يمثل أكثر من 1% من الإنتاج العالمي ولكنه ارتفع إلى 4% لتصبح الصين الآن ثالث أكبر منتج للسلع المصنعة في العالم. وارتفع نصيبها خلال السنوات العشر الأخيرة من 4% إلى 12% حيث باتت من أسرع اقتصاديات العالم نمواً خلال السنوات الثماني الأخيرة ليمثل اقتصادها 13% من إجمالي الإنتاج العالمي، مما وضعها في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الطفرة جعلت مؤسسات اقتصادية عالمية تتوقع أن يتجاوز اقتصادها، اقتصاد اليابان بحلول ،2015 وأن يتجاوز اقتصاد ألمانيا عام ،2007 بالإضافة إلى أن صندوق النقد الدولي توقع أن تحقق الصين التعادل مع الولايات المتحدة الأمريكية في القدرة الاقتصادية بحلول عام 2020 والتي أصبحت الصين أكبر المصدرين لها.
100 مليار دولار حجم التبادل التجاري المتوقع بين الصين والدول العربية
لكن اختلف الوضع مع الدول العربية في ظاهرة غير مألوفة في تجارة الصين الخارجية حيث يميل الميزان التجاري لمصلحة الدول العربية حيث بلغت صادرات الصين العام الماضي للمنطقة 6ر30 مليار دولار مقابل واردات قيمتها 3ر64 مليار دولارر كما أشار التقرير السنوي لوزارة التجارة الصينية إلى أنه من المتوقع أن يصل حجم التجارة العربية الصينية إلى 100 مليار دولار في عام 2010ر وأن إجمالي حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية مجتمعة بلغ في نهاية العام الماضي 5ر65 مليار دولار بزيادة نسبتها 41% مقارنة بعام 2005 وتشغل المراكز الخمسة الأولى: السعودية والإمارات وسلطنة عمان والسودان واليمن.
وإزاء مدلولات تلك الظاهرة يقول الدكتور حسين عمران - رئيس نقطة التجارة الدولية بمصر إن العلاقات الثنائية التجارية بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط تنال اهتماماً متزايداً من جانب المسؤولين سواء الصينيين أو العرب. ولذا فقد وقعت الصين مع الدول العربية اتفاقيات مهمة في العديد من المجالات، وهو الأمر الذي يثير قلق الولايات المتحدة خوفاً من تنامي النفوذ الصيني في منطقة الخليج. مما يجعلها منافسا قويا على النفط العربي، إذ باتت الدول العربية أكبر مورد للنفط الخام إلى الصين. فقد استوردت الصين 36ر55 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية في عام 2005 بنسبة قدرها 7ر43% من إجمالي وارداتها من النفط.
اما بالنسبة للمجالات التي تتعاون فيها الصين مع الدول العربية فتنحصر في مجال الطاقة حيث يمثل جزءاً مهماً من التعاون الصيني - العربي الذي يتفق مع مصالح الجانبين فمن المعروف أن دول الشرق الأوسط تضم ثلثي احتياجات النفط في العالم ولذلك فإن الصين تسعى دائماً لتوطيد علاقاتها الاقتصادية والسياسية بالدول العربية. فقد تضاعف حجم التبادل بين شرق آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست، أربعة أضعاف خلال الفترة من 1995 - 2005 وتحديدا مع السعودية التي بدأت التوجه شرقا من الناحية الاستراتيجية وبلغت معدلات نمو التبادل التجاري بينهما 30%، ومن المتوقع - حسب آخر التقارير الدولية- زيادة تدفقات رؤوس الأموال بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا من 15 مليار دولار إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2020.
علاقة الصين بدول الخليج
ويضيف محمد شريف عضو مجلس الأعمال المصري الصيني أن هناك نمواً ملحوظاً للعلاقات الاقتصادية الصينية الخليجية ولكون الصين تعتمد على نفط الشرق الأوسط بنسبة 50% من احتياجاتها. فإنها تهتم بدعم العلاقات الاستراتيجية بدول الخليج لتثبيت أقدامها في المنطقة خصوصا مع قدرتها الهائلة على النمو الاقتصادي السريع والذي جعلها مثار خوف ورعب لبعض الدول العظمى. فمنذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2001 ارتفعت تجارتها الخارجية حسب آخر الإحصاءات بمعدل يزيد على 30% سنوياً، وأصبحت التجارة الخارجية أبرز العوامل في تحقيق النمو السريع للقطاعات الإنتاجية في الصين فمن المتوقع أن تصل صادرات الصين بنهاية العام الحالي إلى 2ر1 تريليون دولار بنمو نسبته 7ر23% بينما ستشهد واردات الصين نمواً أبطأ من الصادرات بقيمة 946 مليار دولار.
العلاقات الصينية -المصرية
أما بالنسبة لحجم التجارة بين مصر والصين فيقول محمد منصور مساعد وزير التجارة والصناعة المصرية لشؤون العلاقات الدولية: مؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري تشير إلى أن حجم التجارة بين مصر والصين بلغ العام الماضي 1304 ملايين دولار محققة نمواً في حجم التجارة بلغت نسبته 5ر27% مقارنة بعام 2005. كما أن الميزان التجاري يميل لمصلحة الصين. أما بالنسبة لأهم الصادرات المصرية للصين فتتمثل في الرخام والحجر الجيري والقطن والكتان والحديد والنحاس والبلاستيك والبترول الخام والسجاد والمركبات الكيميائية. وخلال العام الماضي ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 3 مليارات دولار، حتى أكتوبر 2005 وبلغ عدد الشركات التي تحمل الجنسية الصينية في مصر 277 شركة بحجم استثمارات بلغ نحو 3000 مليون دولار في مجالات الطائرات والصناعات الالكترونية وتربية الأسماك. كما تسهم الصين في 12 شركة بنظام المناطق الحرة برؤوس أموال بلغت 8ر193 مليون دولار وتكاليف استثمارية قيمتها 5ر40 مليون دولار. وأشار إلى أن مصر وقعت اتفاقات مع الصين لتصدير المنتجات المصرية إلى السوق الصينية قيمتها 33 مليون دولار شملت 10 شركات مصرية و9 شركات أجنبية كبرى توزع بمقدار 11 مليون دولار “للرخام”، و12 مليون دولار للبولي ايثلين، و6 ملايين دولار للكتان، و5ر3 مليون دولار للفوسفات. كما وقعت مصر هذه الاتفاقيات بهدف تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين ولتحقيق إصلاح متكامل في الميزان التجاري مع الصين كما أن مركز تنمية الصادرات المصري انتهى من وضع خطة عمل بمشاركة عدد من رجال الأعمال المصريين المستثمرين في السوق الصيني يتم تنفيذها خلال السنوات المقبلة تتضمن تنمية التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى 5 مليارات دولار بحلول ،2010 وزيادة حجم الاستثمارات الصينية بمصر 5 مليارات دولار.
وقال خالد أبو إسماعيل الرئيس السابق لمجلس الأعمال المصري - الصيني: إن العلاقات المصرية - الصينية تشهد تطوراً كبيراً منذ بداية القرن الحادي والعشرين حينما وقع البلدان اتفاق التعاون الاستراتيجي عام 1999 لتخرج العلاقات الاقتصادية عن إطارها التقليدي المتمثل في تجارة الصادرات والواردات إلى الاستثمارات المتبادلة بإقامة فروع لشركات مصرية كبرى داخل الصين والعكس. ومن ثم برزت الحاجة لإنشاء مجلس مشترك لرجال الأعمال، والذي اعتبر أول مجلس متخصص للقطاع الخاص في البلدين الهدف منه تعريف رجال الأعمال بالفرص المتاحة للاستثمار في كل من مصر والصين والترويج لإقامة مشروعات مشتركة ذات عائد اقتصادي جيد للبلدين والحد من الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري بين الصين ومصر، والذي من الممكن أن يحقق نوعاً من التوازن عن طريق تصدير السلع المصرية التي يمكن أن تحقق نجاحات في السوق الصينية مثل السلع الزراعية والرخام والجرانيت والسيراميك والقطن والسلع الكيماوية ومنتجات البلاستيك والمعادن.
أما بالنسبة للعلاقات الصينية بالدول العربية فهناك فرص متزايدة ومتجددة قادرة على زيادة التبادل التجاري فيما بينهما، فهناك العديد من المشاريع الصينية الناجحة داخل الإمارات وتحديدا دبي بالإضافة إلى السعودية حيث تشهد دول الخليج انتعاشاً اقتصادياً كبيراً، كما أنها تعتبر إحدى أهم المناطق الغنية والتي تتمتع بإمكانيات هائلة للنمو.
مصر أول دولة عربية تقيم معها الصين تعاوناً استراتيجياً
ويقول أحمد السويدي رئيس مجلس الأعمال المصري- الصيني إن مصر تعد أول دولة عربية وإفريقية تقيم معها الصين علاقة تعاون استراتيجي، وهو نوع من العلاقات الدبلوماسية التي لا ترتبط بها الصين إلا مع أربع دول فقط على مستوى العالم: (الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا ومصر). ولذلك فإن المجلس يعمل على تدعيم العلاقات المصرية -الصينية وتشجيع المشروعات المشتركة وزيادة حركة التجارة البينية وتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين لتحقيق مزيد من النجاحات الاستثمارية على المستويين الصيني والمصري، والعمل على زيادة الاستثمارات الصينية في مصر والتي بلغت نحو 45 مشروعاً تتركز غالبيتها في قطاع الغزل والنسيج والصناعات الكيماوية والصناعات الهندسية والصناعات الغذائية، بالإضافة إلى مشروعات أخرى خاصة بتصنيع مواد البناء والمشروعات البترولية والمعدنية ومشروعات في قطاع تكنولوجيا المعلومات. وهي المجالات التي اتسعت لتشمل تجارة الخدمات والتي تتميز بها الصين وتعتبر أحد أهداف خطتها الخمسية الحادية عشرة للتنمية الاقتصادية، والتي تهدف إلى أن يصل حجم تجارة الخدمات الصينية إلى 400 مليار دولار حتى عام ،2010 مما يعني زيادة نسبتها نحو 20% سنوياً خلال الفترة من 2006 إلى 2010 بالإضافة إلى أن حجم تجارة الخدمات الصينية العابرة للحدود قد زاد إلى 5ر35 ضعف في الفترة من 1982 إلى 2005 وارتفع حجم صادراتها منه إلى 29 ضعفاً بمعدل نمو نسبته 9ر15% سنوياً لتصل مكانة الصين في هذه التجارة إلى المركز الثامن على مستوى العالم حسب أحدث الدراسات التي أعدتها إحدى الأكاديميات الصينية.
العلاقات الصينية الإفريقية
ويضيف محمد المصري رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية ورئيس اتحاد الغرف الأفريقية أن العلاقات الصينية - الأفريقية أيضاً لا تقل أهمية عن العلاقات الصينية المصرية والعربية حيث تسعى الصين لتعميق العلاقات الاقتصادية مع معظم الدول الإفريقية. ولذا فقد تم الاتفاق خلال القمة الصينية الأفريقية، التي عقدت بالخرطوم العام الماضي على إنشاء غرفة تجارية أفريقية- صينية مشتركة. قامت هذه الغرفة بوضع استراتيجية جديدة لزيادة التجارة البينية للدول الإفريقية، حيث زادت الصادرات الصينية للأسواق الإفريقية، كما زادت وارداتها من أفريقيا خلال السنوات القليلة الماضية بشكل كبير وسريع حيث بلغت 1ر21 مليار دولار العام الماضي. وهو ما يعادل أكثر من نصف التجارة الخارجية الإفريقية جنوب الصحراء والبالغ 8ر39 مليار دولار، أي أن الميزان التجاري بين الطرفين يميل لمصلحة أفريقيا وهي ظاهرة نادرة الحدوث مع التجارة الخارجية مع الصين.
ويشير آخر إحصاءات وزارة التجارة بالصين إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في إفريقيا وصل إلى 27ر6 مليار دولار، وتم تنفيذ ما يقرب من 800 مشروع في 49 دولة أفريقية تغطي جميع المجالات التجارية والصناعات التحويلية والاتصالات والزراعة. بالإضافة إلى توقيع الصين لاتفاقيات ثنائية مع 20 دولة أفريقية لحماية الاستثمارات المشتركة، كما قامت بافتتاح مراكز لترويج الاستثمارات في 11 دولة أخرى وشجعت مصانعها على الاستثمار في إفريقيا، حيث أقامت 117 مصنعاً صينياً في عدد من الدول الأفريقية في مجالات مختلفة.
كما قدمت الصين مساعدات لأكثر من 35 دولة أفريقية وأنشأت 800 مشروع خلال السنوات الخمس الماضية، ووقعت على 246 اتفاقاً ثنائياً للمساعدات الاقتصادية بنسبة بلغت 44% من إجمالي المساعدات الخارجية للصين، وقامت بإلغاء 9ر10 مليار يوان (يعادل الدولار نحو 8 يوان) أي ما يقرب من ( 2ر1 مليار دولار) من الديون المستحقة على 31 دولة إفريقية فقيرة وهذا إذا دل على شيء فإنما يدل على أن الصين تسعى لإقامة شراكة استراتيجية جديدة مع الدول الإفريقية.
الصين مصنعاً عالمياً
أما محمد فريد خميس رجل الأعمال المصري وأكبر مستثمر مصري في الصين ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشورى فيرى أن الصين أصبحت الآن مصنعاً لكل دول العالم وتحديدا أن 80% من الإنتاج العالمي الخاص بالسلع الالكترونية يصنع في الصين لدرجة تجعل اقتصادها يقترب من اقتصاد اليابان ولذا يجب على رجال الأعمال المصريين أن يضعوا لأنفسهم خططا استثمارية للتعاون مع الصين وتنفيذ مشاريع استثمارية على أرضها وأن يستغلوا العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المشتركة لدعم ذلك التوجه وتحديدا لكون الصين سوقاً جيدة لجميع المصدرين المصريين. فبدراسة السوق الصينية ومعرفة احتياجاتها جيداً سيجد الكثيرون من رجال الأعمال فرصاً جيدة للاستثمار هناك بالإضافة إلى أن ذلك سيعمل على تنمية الصادرات المصرية إلى هذه السوق العملاقة وسيجذب مزيدا من الاستثمارات التكنولوجية والصناعية إلى مصر مما سيكسبنا قدرة عالية على التنمية في الفترة المقبلة.
السلع الصينية تكتسح العالم
أما عن السلع الصينية وأسباب انتشارها بشكل رهيب في معظم دول العالم فتقول الدكتورة منال متولي أستاذ مساعد بقسم الاقتصاد بجامعة القاهرة: إن الصين استطاعت اكتساح جميع دول العالم وليس مصر فقط، بل ويتم إغراق الأسواق بكميات هائلة من السلع الصينية والتي يوجد لها بدائل في هذه الدول وتصنيعها لا يحتاج لأي مصانع متطورة أو تكنولوجيا حديثة، وللأسف فإن المستهلكين يفضلون المنتج والبضائع الصينية لأنها تتميز بالتفاوت في الأسعار وتناسب جميع الفئات، كما أن السياسة الاقتصادية للصين تقوم على دراسة السوق واحتياجاتها جيداً قبل دخولها لكي تستطيع أن تسيطر وتؤثر في السوق. بالإضافة إلى قدرة هذا البلد الغريب على تصنيع كل شيء وبطريقة تتناسب مع ثقافة كل بلد فمثلاً في مصر نجد أن المنتج الصيني يكتسح الأسواق المصرية وتتعدد منتجاته بداية من لعب الأطفال وفوانيس رمضان التي تغني الأغاني المحببة لدينا والتي تعتبر تراثية، وسجاجيد الصلاة والأجهزة الكهربائية والملابس وحتى السيارات. وهذا تم عبر دراسة جيدة للسوق. أما إغراق السوق المصرية بهذه السلع الصينية فيعود لعدة أسباب أهمها: انتشار ظاهرة تهريب السلع الصينية بسبب ارتفاع التعريفة الجمركية مما يضر بالمنتج المصري، وأن الحجم الإنتاجي للصين كبير مما يجعلها تتمتع بميزة تنافسية فريدة وهي السعر القليل لأنه كلما زاد حجم الإنتاج قلت التكلفة، بالإضافة إلى انخفاض تكلفة الأيدي العاملة. وهناك للأسف ظاهرة خطيرة، وهي قيام بعض التجار العرب والمصريين بشراء بضائع من الصين رديئة الصنعة ورخيصة الثمن ويبيعونها في بلادهم لتحقيق أرباح عالية، بالإضافة إلى انتشار الأسواق العشوائية التي يتم بيع السلع المهربة من الصين بها.

ليست هناك تعليقات: