الجمعة، 26 أكتوبر 2007

مناورات مالابار 2007: الصين غير حريصة على الدخول في تحالف ديمقراطي

صحيفة الاقتصادية السعودية
زيا ليبينج - مدير قسم الدراسات الاستراتيجية في معهد شنغهاي للدراسات الدولية
استنتج عدد من المختصين في النواحي الأمنية أن الولايات المتحدة، اليابان، أستراليا، والهند قطعت شوطاً في طريقها إلى تشكيل حلف عسكري على شاكلة حلف شمال الأطلسي في آسيا. ويمكن استشفاف الدليل على ذلك من المناورات البحرية التي جرت أخيراً في خليج البنجال.
وتوحي التصريحات الصادرة عن قادة البلدان المذكورة أيضا بأن هناك تحالفاً جديداً. ففي الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد تشيني إلى اليابان أخيراً جادل بأن على الولايات المتحدة، اليابان وأستراليا أن تقيم علاقات دفاعية فيما بينها. وقدم رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي اقتراحاً يقضي بأن تقوم الولايات المتحدة، اليابان، أستراليا، والهند بتشكيل حلف يقوم على "القيم المشتركة" بينها.
وفي أيار (مايو) 2007، عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في مانيلا وقرروا المضي قدماً في تطوير سلسلة التمارين البحرية في مالابار. وفي خضم هذه المناورات نفسها بتاريخ 8 أيلول (سبتمبر) 2007، أجرت الولايات المتحدة، اليابان، وأستراليا أول حوار استراتيجي لها في مدينة سيدني.
وتزامنت هذه التطورات مع التوجهات لتشكيل تكتلات إقليمية في شرق آسيا في العقد الماضي أو نحوه. وقد أدى مبدأ التكتلات إلى مزيد من الاعتماد المتبادل فيما بين هذه البلدان على الصعيدين الاقتصادي والأمني، الأمر الذي يؤسس لإرساء أعمدة الأمن والاستقرار الإقليميين. وبهذه النزعة الإقليمية، توسع نطاق الأمن لا ليشمل القضايا العسكرية فحسب ولكن ليشمل القضايا المتعلقة بالسياسة، والاقتصاد، والتمويل، والعلم والتكنولوجيا والثقافة وهلم جرا.
لقد تزايدت المصالح المشتركة لبلدان المنطقة بشكل كبير، ولعل الاعتماد المتبادل هو أفضل تعريف للعلاقات بين تلك البلدان. ولا تمثل الوسائل العسكرية خياراً في شرق آسيا، ولم تعد كافية للتعامل مع مختلف التحديات الأمنية التي تلوح في الأفق. وبالطبع فإن هذه الحالة من الشؤون ستستلزم تطوير وسائل وأفكارا جديدة للحفاظ على الاستقرار والسلام. وتتطلب هذه التطورات الجديدة التحرك بعيداً عن الأفكار التقليدية للأمن القومي إلى نهج يتسم بمزيد من الشمولية والتعاون.
وخلال السنوات الأخيرة، أحرزت المؤسسات الإقليمية للتعاون الاقتصادي والأمني والحوار تقدماً كبيراً في شرق آسيا. ومن هذه المؤسسات رابطة بلدان جنوب شرق آسيا (آسيان)، وآسيان زائداً ثلاثة (آسيان +3)، وقمة دول شرق آسيا، وآسيان زائداً واحد (آسيان +1)، ومنتدى آسيان الإقليمي، ومنظمة دول آسيا والمحيط الهادي للتعاون الاقتصادي، والمحادثات السداسية حول برنامج كوريا الشمالية النووي وغيرها.
إن هذه المؤسسات الإقليمية تلعب دوراً يكتسب أهمية متزايدة على الصعيدين الاقتصادي والأمني في آسيا. إلا أن الدفع نحو تشكيل تحالف على أسس "القيم المشتركة" أو على مجموعة من الديمقراطيات في آسيا قد تكون له آثار سلبية على الأمن الإقليمي.
فأولاً، لا بد أن يعمل هذا التحالف على تقسيم المنطقة. إذ منذ نهاية الحرب الباردة دبت النيران في التوجه نحو التكامل الاقتصادي الإقليمي، وهو يمثل وسيلة ناجعة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ورغم أنه ينبغي إصلاح نظام الأمم المتحدة الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية، يظل النظام الحالي الذي يقوم على سيادة الدول عماداً أساسياً لا ينبغي تجازوه عبر التحالفات العسكرية التي تفترض مسبقاً تفوق الأنواع. وإذا تم تشكيل منظمة من الديمقراطيات، فسوف ينقسم العالم وكذلك منطقة شرق آسيا إلى قسمين يكون الصراع لا التعاون هو السمة المهيمنة على الساحة فيهما. وسوف ينزل هذا الاحتمال برداً وسلاماً على المنظمات الإرهابية الدولية كالقاعدة.
وثانياً، فإن تطوير مجموعة من الديمقراطيات سيطلق نوعاً من التمييز خاصة عندما يوضع قبالة النظم السياسية في العديد من البلدان النامية. وسيتسبب ذلك دون ريب في تقويض فكرة السيادة على الأقل وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسيصنع المزيد من الدول الفاشلة التي ستصبح أماكن لتفريغ الإرهابيين.
وثالثاً، فإن تطوير أي محور ديمقراطي، سيتسبب في إبطاء عملية التحديث والديمقراطية في البلدان النامية. وحيث إن الكثير من البلدان النامية تعاني من الآلام المقترنة بالتحول إلى الديمقراطية، فقد يمر وقت طويل قبل أن تطور هذه البلدان نظم الديمقراطية الخاصة بها، التي تردد صدى أنظمة الحكم القائمة فيها.
وبغض النظر عن العواقب التي ستترتب على تحالف الديمقراطيات هذا، فقد بعثت مناورات مالابار البحرية لعام 2007 برسالة إلى الصين. فالمنطقة التي جرت فيها المناورات ذات أهمية استراتيجية للصين، لأنها تضم الطرق البحرية التي تمر فيها نصف واردات الصين من النفط.
وعلاوة على ذلك، ينتاب بعض محللي الأمن الصينيين قلق من أن تكون الدول الأربع، وهي الولايات المتحدة، الهند، اليابان، وأستراليا، قد شكلت بالفعل حلفاً متعدد الأطراف يعمل في النهاية على محاصرة الصين. ففي حزيران (يونيو) 2007، طلبت الصين من الدول المذكورة تزويدها بمعلومات تفصيلية عن الاجتماع الذي عقدته فيما بينها والذي أصبح يعرف بالمبادرة الرباعية، فسارعت الهند وأستراليا إلى طمأنتها بأن القضايا الأمنية والدفاعية لم تكن مدرجة على جدول أعمال ذلك الاجتماع.
وفي 23 آب (أغسطس) 2007، أي قبل أسبوع ونيف من إجراء المناورات البحرية في مالابار 2007، صرح الأميرال تيموثي جيه. كيتنجز، قائد القوات الأمريكية العاملة في المحيط الهادي، بأن الهدف من المناورات ليس عزل الصين أو حشرها في الزاوية. وكرر التعبير عن اهتمامه بإشراك الصين فيها وأنه سيسعى لتجنب أي سوء فهم. ويرغب معظم الصينيين في أن يصدقوا ما صرح به الأميرال.
وعلى أية حال، ينبغي أن تدرك الولايات المتحدة أنه لم يتم إيضاح الدليل على صدق هذا القول للصين، ففي السنوات الأخيرة، كانت الصين ترى أن الأفكار الأمنية التقليدية أصبحت بالية وهناك حاجة لأفكار جديدة.
وهكذا، فإن الصين دافعت عن "الأفكار الأمنية الجديدة" التي تقوم على الثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، والتنسيق وينبغي أن تصبح "الأفكار الأمنية الجديدة" الأساس النظري لتأسيس هندسة الأمن الإقليمي في القرن الواحد والعشرين.
وترغب الصين في زيادة الثقة المتبادلة عبر الحوار والتشجيع على إطلاق مبادرات للأمن المشترك من خلال التعاون مع الولايات المتحدة والدول الأخرى. وتدرك الصين أن الطريق الوحيد لضمان سلامة ممراتها البحرية في المحيط الهندي ومضيق ملقا هو التعاون مع الولايات المتحدة والبلدان الأخرى بهدف نشر الانسجام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادي، الأمر الذي يقوم على الثقة المتبادلة من أجل تحقيق المصالح المشتركة لجميع بلدان المنطقة.

ليست هناك تعليقات: