صحيفة الوطن السعودية
مازن عبد الرزاق بليله
حتى تمسح الصين وجهها الشيوعي الكالح لقرون سابقة، وضعت اليوم على كاونتر كل ضابط جوازات عند الدخول والخروج من مطاراتها، جهازا يسجل رضا الزائر عن خدمة موظف الجوازات، فيه أربع اختيارات، ممتعض، أو معتدل، أو راضي، أو مستمتع، ويحاول موظف أو موظفة الجوازات، أن يزرع ابتسامة صفراء، لا يمكن إخفاء التكلف الهائل وراءها، من أجل أن يفوز فقط بضغطة زر مرضية، من الزائر، وسيرقص فرحا لو اخترت أن تقول إنك استمتعت بخدمته لك، ولكن من شب على شيء شاب عليه، فهي أجهزة ديموقراطية ولكنها بدون روح، وهي مجرد محاولة يائسة، لتقول للزائرين، نحن بلد حر ديموقراطي، ولو حتى بالتصنع، وعلى أضعف نتيجة، هي مجرد رسالة تذكيرية أن الصين اليوم ليست الصين بالأمس.
اليوم، أكبر بلد في حاجة للقيادات الإدارية هو الصين، وفق دراسة أمريكية اقتصادية صدرت مؤخرا بهذا الخصوص، ذكرت الدراسة أن نسبة نقص القيادات الإدارية في الصين تصل إلى 87% من إجمالي القوى العاملة فيها، وتليها الهند، بنسبة احتياج تصل إلى 43%، ثم الشرق الأوسط تبلغ نسبة الحاجة فيه للقيادات الإدارية 30%، ولا يعني ذلك أن لدينا قيادات إدارية عربية تتفوق على الصين والهند، بقدر ما تعني أن نسبة النمو الاقتصادي في هذه الدول كبير جدا، لدرجة لم تعد تتوفر معه القيادات الإدارية اللازمة، لقيادة الاقتصاد الجامح هناك، فهناك شعب (شغيل)، وعملي، وجاد، وإنتاجيته عالية، ولكنهم من سرعة التوسع، أصبحوا اليوم بحاجة إلى قيادات مؤهلة لتولي المناصب الكبيرة، أكبر بكثير مما سبق، وأكبر بكثير من غيرهم من الدول التي تلتزم بمعدلات معتدلة، أو ضعيفة للنمو، وأن عليهم الاستفادة من الطفرة الاقتصادية الكبيرة، بتوفر قيادات لها رؤية اقتصادية أفضل.
سبب آخر لنقص القيادات الإدارية في الصين، أن الصين ما زالت متمسكة بالحزب الشيوعي الحاكم، ولكنها شيوعية متطورة، تقول إنها تعمل وفق نظام اشتراكي ديمقراطي متطور، ومع ذلك فالشيوعية تنادي بالمساواة في الدخل، والعمل بأقصى حد، والحصول على حد الكفاف، وهو ما يؤخر صناعة القيادات التي لا تنمو ولا تزدهر إلا في أجواء الحرية الاقتصادية،ولكن المهم أن شيوعية الصين اليوم لا تتعارض مع انفتاحها الاقتصادي، ودخولها في منظمة التجارة الدولية، وجذبها لرأس المال الخارجي، وضمان حقوق المستثمرين، وسياسيا كانت الصين تجهل وزن ومكانة مقعدها الدائم في مجلس الأمن، لذلك كانت بمنأى عن التدخل الخارجي، وكانت منكفئة على وجهها في الداخل، لعلاج مشاكل البطالة والخدمات الداخلية، ولكنها أدركت مؤخرا أنها عضو مؤثر بمجلس الأمن، فأصبح لها رأي وتدخل، وأبرز سياستها الخارجية المستقلة، ظهرت في دارفور السودانية، فالصين ترسل أطنان المؤن والمساعدات لدارفور، رغم أنف الولايات المتحدة، وذلك لدفع مسيرة التنمية والإعمار بدارفور، مما يسهم في توفير الخدمات وتشجيع العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، ويعد دعامة أساسية للسلام والاستقرار فيها، من دون خوف من الافتعال الأمريكي للأزمة هناك، ومن دون نظر لسلسلة قرارات مجلس الأمن التي تفترض أن كارثة إنسانية ستقع في هذا البلد المسلم.
شيء واحد لا تحاول المغامرة بركوبه عند زيارتك بكين، القطارات الأرضية، فهي سردين معلب، بالرغم من أنها تمثل أكبر شبكة حديدية تحت الأرض، بدون منازع في العالم، واستغرق بناؤها خمسة أعوام وتخترق وسط بكين من الشمال إلى الجنوب، وقد يصل طول الخط الواحد إلى 27.6 كلم، وبه 23 محطة، وتكلف بناؤها 1.6 مليار دولار أمريكي، وهي مزود بشبكة اتصالات لاسلكية وببث تلفزيوني مباشر في كل عربة، كما أن الركاب لا يفقدوا الإشارات على هواتفهم المحمولة، وفى بكين حاليا أربعة خطوط مترو طولها الإجمالي 114 كلم، وتنقل نحو 1.15 مليون راكب يوميا، هذا وستضيف بكين ثلاثة خطوط مترو أخرى بالعام القادم، ليصل الطول الإجمالي إلى 200 كلم، وبحلول عام 2020، سيعمل 19 خط مترو طوله 561.5 كلم، أي بمسافة تساوي خط مكة المكرمة - المدينة المنورة، ولكن تحت الأرض.
ونحن نشتكي من عدم القدرة على توظيف شبابنا العاطل، ولكن في الصين استمرت قضايا التوظيف لفترة طويلة عملا مهما وصعبا، لأن تعداد سكان الصين بلغ 1.3 مليار نسمة، وقد أولت الحكومة الصينية أهمية كبيرة لقضية التوظيف، وطبقت مجموعة من السياسات لتوفير فرص العمل، وقد أسفرت تلك السياسات عن نتائج طيبة، وتؤيد اختيار قوة العمل للوظائف بنفسها، وتتبنى التوظيف الموجه نحو السوق، واتخذت الحكومة أيضا إجراءات لزيادة فرص العمل، وأبدت الحكومة الصينية اهتماما كبيرا بتنمية صناعة الخدمات، والاقتصاد متعدد الملكية، والصناعات ذات العمالة الكثيفة، والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم من أجل زيادة التوظيف، فهل نطمع أن تستفيد وزارة العمل لدينا، التي عجزت عن توظيف 100 ألف سعودي، من تجربة الصين الوظيفية، التي نجحت في توظيف أكثر من 700 مليون صيني اليوم.
مازن عبد الرزاق بليله
حتى تمسح الصين وجهها الشيوعي الكالح لقرون سابقة، وضعت اليوم على كاونتر كل ضابط جوازات عند الدخول والخروج من مطاراتها، جهازا يسجل رضا الزائر عن خدمة موظف الجوازات، فيه أربع اختيارات، ممتعض، أو معتدل، أو راضي، أو مستمتع، ويحاول موظف أو موظفة الجوازات، أن يزرع ابتسامة صفراء، لا يمكن إخفاء التكلف الهائل وراءها، من أجل أن يفوز فقط بضغطة زر مرضية، من الزائر، وسيرقص فرحا لو اخترت أن تقول إنك استمتعت بخدمته لك، ولكن من شب على شيء شاب عليه، فهي أجهزة ديموقراطية ولكنها بدون روح، وهي مجرد محاولة يائسة، لتقول للزائرين، نحن بلد حر ديموقراطي، ولو حتى بالتصنع، وعلى أضعف نتيجة، هي مجرد رسالة تذكيرية أن الصين اليوم ليست الصين بالأمس.
اليوم، أكبر بلد في حاجة للقيادات الإدارية هو الصين، وفق دراسة أمريكية اقتصادية صدرت مؤخرا بهذا الخصوص، ذكرت الدراسة أن نسبة نقص القيادات الإدارية في الصين تصل إلى 87% من إجمالي القوى العاملة فيها، وتليها الهند، بنسبة احتياج تصل إلى 43%، ثم الشرق الأوسط تبلغ نسبة الحاجة فيه للقيادات الإدارية 30%، ولا يعني ذلك أن لدينا قيادات إدارية عربية تتفوق على الصين والهند، بقدر ما تعني أن نسبة النمو الاقتصادي في هذه الدول كبير جدا، لدرجة لم تعد تتوفر معه القيادات الإدارية اللازمة، لقيادة الاقتصاد الجامح هناك، فهناك شعب (شغيل)، وعملي، وجاد، وإنتاجيته عالية، ولكنهم من سرعة التوسع، أصبحوا اليوم بحاجة إلى قيادات مؤهلة لتولي المناصب الكبيرة، أكبر بكثير مما سبق، وأكبر بكثير من غيرهم من الدول التي تلتزم بمعدلات معتدلة، أو ضعيفة للنمو، وأن عليهم الاستفادة من الطفرة الاقتصادية الكبيرة، بتوفر قيادات لها رؤية اقتصادية أفضل.
سبب آخر لنقص القيادات الإدارية في الصين، أن الصين ما زالت متمسكة بالحزب الشيوعي الحاكم، ولكنها شيوعية متطورة، تقول إنها تعمل وفق نظام اشتراكي ديمقراطي متطور، ومع ذلك فالشيوعية تنادي بالمساواة في الدخل، والعمل بأقصى حد، والحصول على حد الكفاف، وهو ما يؤخر صناعة القيادات التي لا تنمو ولا تزدهر إلا في أجواء الحرية الاقتصادية،ولكن المهم أن شيوعية الصين اليوم لا تتعارض مع انفتاحها الاقتصادي، ودخولها في منظمة التجارة الدولية، وجذبها لرأس المال الخارجي، وضمان حقوق المستثمرين، وسياسيا كانت الصين تجهل وزن ومكانة مقعدها الدائم في مجلس الأمن، لذلك كانت بمنأى عن التدخل الخارجي، وكانت منكفئة على وجهها في الداخل، لعلاج مشاكل البطالة والخدمات الداخلية، ولكنها أدركت مؤخرا أنها عضو مؤثر بمجلس الأمن، فأصبح لها رأي وتدخل، وأبرز سياستها الخارجية المستقلة، ظهرت في دارفور السودانية، فالصين ترسل أطنان المؤن والمساعدات لدارفور، رغم أنف الولايات المتحدة، وذلك لدفع مسيرة التنمية والإعمار بدارفور، مما يسهم في توفير الخدمات وتشجيع العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، ويعد دعامة أساسية للسلام والاستقرار فيها، من دون خوف من الافتعال الأمريكي للأزمة هناك، ومن دون نظر لسلسلة قرارات مجلس الأمن التي تفترض أن كارثة إنسانية ستقع في هذا البلد المسلم.
شيء واحد لا تحاول المغامرة بركوبه عند زيارتك بكين، القطارات الأرضية، فهي سردين معلب، بالرغم من أنها تمثل أكبر شبكة حديدية تحت الأرض، بدون منازع في العالم، واستغرق بناؤها خمسة أعوام وتخترق وسط بكين من الشمال إلى الجنوب، وقد يصل طول الخط الواحد إلى 27.6 كلم، وبه 23 محطة، وتكلف بناؤها 1.6 مليار دولار أمريكي، وهي مزود بشبكة اتصالات لاسلكية وببث تلفزيوني مباشر في كل عربة، كما أن الركاب لا يفقدوا الإشارات على هواتفهم المحمولة، وفى بكين حاليا أربعة خطوط مترو طولها الإجمالي 114 كلم، وتنقل نحو 1.15 مليون راكب يوميا، هذا وستضيف بكين ثلاثة خطوط مترو أخرى بالعام القادم، ليصل الطول الإجمالي إلى 200 كلم، وبحلول عام 2020، سيعمل 19 خط مترو طوله 561.5 كلم، أي بمسافة تساوي خط مكة المكرمة - المدينة المنورة، ولكن تحت الأرض.
ونحن نشتكي من عدم القدرة على توظيف شبابنا العاطل، ولكن في الصين استمرت قضايا التوظيف لفترة طويلة عملا مهما وصعبا، لأن تعداد سكان الصين بلغ 1.3 مليار نسمة، وقد أولت الحكومة الصينية أهمية كبيرة لقضية التوظيف، وطبقت مجموعة من السياسات لتوفير فرص العمل، وقد أسفرت تلك السياسات عن نتائج طيبة، وتؤيد اختيار قوة العمل للوظائف بنفسها، وتتبنى التوظيف الموجه نحو السوق، واتخذت الحكومة أيضا إجراءات لزيادة فرص العمل، وأبدت الحكومة الصينية اهتماما كبيرا بتنمية صناعة الخدمات، والاقتصاد متعدد الملكية، والصناعات ذات العمالة الكثيفة، والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم من أجل زيادة التوظيف، فهل نطمع أن تستفيد وزارة العمل لدينا، التي عجزت عن توظيف 100 ألف سعودي، من تجربة الصين الوظيفية، التي نجحت في توظيف أكثر من 700 مليون صيني اليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق