السبت، 20 أكتوبر 2007

استعداد الصين لقيادة الاقتصاد العالمي.. في الميزان

الاقتصادات الناشئة في مواجهة تحديات كبيرة
صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
مارتن وولف
لم يسبق للاقتصادات الناشئة أن كانت في مثل هذا المركز الجيد للمحافظة على الطلب خلال أوقات الركود العالمي. ولم يسبق أن كان هذا الوضع أيضاً أكثر أهمية للعالم برمته.
لكن الحقيقة المتمثلة في أن أي إجراء أمر مجد ومرغوب، لا يعني أنه سيحدث فعلاً. ويعتقد المتفائلون أن الاقتصادات الناشئة انفصلت أخيراً بيد أن مثل ذلك التفاؤل قد يثبت انه غير متزن. تعتمد النظرة التفاؤلية تلك على مقترحين: الأول هو أن التباطؤ في الطلب الأمريكي سيكون معتدلاً تماماً، والآخر هو أن اقتصادات الأسواق الناشئة – وعلى الأخص الأكبر بينها- قوية بما يكفي لتتجاوب بفعالية. ونتيجة لذلك، سيشهد العالم تلاشي مؤشر الطلب من جهة الولايات المتحدة وبناء عليه، حدوث تعديل لطيف على "اختلال التوازن
العالمي". بالنسبة لآفاق الولايات المتحدة، فقد كان عدد أيلول (سبتمبر) الماضي من "كونسينسس إيكونوميكس" Consensus Economics متفائلاً: نمو بنسبة 2 في المائة هذا العام، يتبعه تعاف إلى 2.4 في المائة في 2008. يتوقع "جولدمان ساش"
نمواً مقداره 1.8 في المائة العام المقبل. إلا أن هذا التشاؤم ليس عالمياً: يتوقع "جيه بي مورجان" نمواً مقداره 2.6 في 2008. إن النقطة الرئيسية هي أن التوقعات أصبحت غير مؤكدة: قد يكون تأثير جمود الائتمان متوسطاً، ولكنه ربما يكون قاسياً أيضاً. وعلى
أية حال، ثمة حيز للمناورة بالنسبة لصناع السياسة الأمريكيين: سوف يلي الضعف الاقتصادي معدلات فائدة أدنى، وحتى تحسن مالي. لنتحول الآن إلى الاقتصادات الناشئة. تشير مجموعة دي بي إس المتمركزة في سنغافورة إلى أن النمو الآسيوي كان يتسارع أخيرا، بينما كان النمو الأمريكي ضعيفاً. علاوة على ذلك، حسبما يضيف "جولدمان ساش"، فإن الأسواق الناشئة أكثر مرونة بكثير أمام
الصدمات الخارجية عن أي وقت سابق. إن وجهة النظر هذه مشتركة في الأسواق: انظر إلى انتعاش أسهم الأسواق الناشئة، والتوسع المتواضع في التوزيعات على سندات الأسواق الناشئة، رغم الصدمات الأخيرة في أسواق الائتمان الأمريكية والبلدان الأخرى عالية الدخل.
الدليل على مرونة الأسواق الناشئة مذهل للغاية: لقد انخفض الدين الخارجي بحدة كحصة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي، ويوجد في العديد من هذه البلدان فوائض حسابات جارية، ونتيجة لذلك، تكدست احتياطيات هائلة من العملات الأجنبية.
أصبحت أمريكا اللاتينية أيضاً دائناً صرفاً، وانخفض التضخم إلى مستويات متدنية رغم الارتفاع الأخير في أسعار السلع، بما في ذلك أسعار النفط. وانخفضت نسبة القروض غير العاملة في الإقراض، من جانب البنوك المتمركزة في عينة كبيرة من الاقتصادات الناشئة إلى 5.8 في المائة فقط في 2006، وذلك من نسبة 13 في المائة في 2002، حسبما يقول "جولدمان ساش". للمرة الأولى، تعتبر الأسواق الناشئة جنة آمنة خلال صدمة مالية عالمية، منبثقة عن القوة الاقتصادية المهيمنة عالمياً. كيف تغيرت الأوقات؟ وكيف في واقع الأمر، سقطت تلك القوة الجبارة!؟المفارقة أن القوة المالية الحالية في الاقتصادات الناشئة، هي صورة منعكسة للضعف الأمريكي. ويبين شارلز دوماس، من "لومبارد ستريت ريسيرش" Lombard Street Research، ومقره لندن، هذه النقطة في تحليل أتعاطف شخصياً
معه كثيراً*: يصل ميزان المدفوعات العالمي إلى صفر، فلو اختارت الاقتصادات الناشئة
إدارة فوائض حسابات جارية ضخمة، والسبب جزئياً لأنها تحمل آثاراً عميقة من الأزمات المالية التي حدث خلال التسعينيات، والسبب الآخر لأنها ترغب في المحافظة على العائد من الأسعار المرتفعة للسلع التي تصدر العديد منها، فيما ينبغي لجهة أخرى إدارة العجز. في الألفية الجديدة، كانت تلك الجهة، الولايات المتحدة إلى حد كبير. واستتبع ذلك نمواً سريعاً للدين المحلي وخدمة الدين، وبشكل رئيسي بين المنازل. وعملت أسعار البيوت الهابطة وأزمة "الرهن العقاري" على إخراج آلة تجميع الدين هذه عن مسارها.
الأنباء الجيدة بناء على ذلك، هي أنه ما جعل الولايات المتحدة هشة، هو أيضاً بالضبط ما جعل من الأسهل على الاقتصادات الناشئة التأقلم مع الصدمة التي ولدتها الولايات
المتحدة. والصحيح أن الحال ليست كذلك بالنسبة لجميع الاقتصادات الناشئة: تعاني تركيا وعدة بلدان في أوروبا الوسطى (المجر على سبيل المثال) عجزا كبيرا في الحساب الجاري، وهي بناء على ذلك ليست في مركز لتوسيع الطلب. هذه الاقتصادات وفقاً لذلك،
هشة أمام التغيرات في الائتمان الخارجي. لكن مثل تلك القيود نادرة نسبياً الآن بين الاقتصادات الناشئة المهمة. بينما الأنباء السيئة على أية حال، هي أن اقتصادات الأسواق الناشئة يجب عليها أن تتأقلم فعلاً، وعلى الأرجح بقوة. ويبدو من غير المحتمل أن نمو الطلب سوف يتسارع الآن في أوروبا الغربية واليابان. والأكثر احتمالاً للأسف، هو حصول عكس ذلك. والأكثر أهمية هو حقيقة أن فائض الحساب الجاري المتصاعد في الصين، الذي توقع البنك الدولي أن يصل إلى 380 مليار دولار هذا العام، زيادة عن مبلغ 250 مليار دولار في 2006، يستخلص الطلب من باقي العالم إلى نحو ثلاثة أرباع في المائة، من مجموع الناتج المحلي الإجمالي لباقي العالم. يبلغ الفائض المتوقع للصين – نسبة مذهلة تبلغ 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي – وهو ضعف ما وصلت إليه اليابان على الإطلاق، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.النقطة التحليلية هي أن تعديل أي تباطؤ في الطلب الأمريكي، يقتضي نمواً أسرع في الطلب في باقي العالم. ويبقى ذلك صحيحاً على نحو أكثر، إذا، كما يبدو محتملاً تماماً (وكذلك مرغوباً)، تباطأ نمو الطلب الأمريكي نسبة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك يتقلص عجز الحساب الجاري الأمريكي أكثر.
وفي تلك الحالة، يجب على الطلب من جانب باقي العالم أن يرتفع نسبة إلى الإنتاج، وعلى نحو مثالي، يجب أن ينمو بأسرع من الإنتاج المحتمل، لضمان التوظيف الكامل للموارد.
ولكن ذلك هو العكس تماماً لما تفعله الصين حالياً – الأكثر أهمية بدرجة كبيرة بين اقتصادات الأسواق الناشئة.النتيجة بناء على ذلك، بسيطة ومزعجة: نعم إن الاقتصادات الناشئة، مع بعض الاستثناءات، في وضع أفضل لتعديل التباطؤ الأمريكي وتشديد شروط الائتمان العالمية عن السابق. ولكنها ستفعل ذلك تماماً من دون شك على الأغلب.
والصعوبة التي تواجهها على أية حال، هي احتمال ألا تقدم أوروبا كوحدة واحدة، ولا اليابان ولا على الأقل أي دولة عملاقة منهما، مساعدة كبيرة إلى باقي الدول.
والصين تحديداً، تصدر حالياً تقلصاً صافياً كبيراً وليس توسعاً في الطلب إلى باقي عالمها، لأن العرض لديها ينمو أسرع كثيراً من طلبها المحلي. والفرق في هذا العام فقط 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.وإذا تباطأ الطلب الأمريكي بشكل أساسي، وبقيت الصين واليابان وأوروبا الغربية على مساراتها الحالية، فمن المؤكد أن يتباطأ الاقتصاد العالمي أكثر مما يأمل المتفائلون الآن. إن ما يهم في مثل تلك الأوقات التغيرات على الطلب نسبة إلى العرض. ومن وجهة النظر هذه، فإن المزيج الحالي للصين بمثابة كارثة. إن إعادة التوازن صوب طلب محلي أقوى، وفائض أصغر في الحساب الجاري كان مرغوباً منذ فترة طويلة.وفي حقبة الطلب الأمريكي الأضعف، أصبح ذلك ضرورة عالمية. إن الصين على وشك أن يلقى عليها عبء القيادة الاقتصادية "العالمية"، وما سيحدث الآن سيعتمد بقوة على كيفية تجاوب العملاق الآسيوي، إزاء هذا التحدي الكبير.

ليست هناك تعليقات: