الاثنين، 8 أكتوبر 2007

اندماج الصين وروسيا في الاقتصاد الدولي التنين المتشوق والدب القلق

صحيفة إنترناشونال هيرالد تربيون
معظم الذين كانوا ينظرون إلى روسيا والصين عندما توفي ماو عام 1976 كانوا يفترضون أن روسيا كانت في وضع أفضل يؤهلها لأن تصبح لاعباً رئيساً في الصناعات التكنولوجية العالمية.
كان الاتحاد السوفياتي قوة عظمى منطوية على الكثير من متطلبات التطور. وكان مستوى التعليم فيها والعدد الهائل من المختصين في العلوم والتكنولوجيا ذوي التعليم المتقدم يتجاوزان بما لا يقاس مجتمع الصين الذي يطغى عليه الفلاحون، والناهض من فوضى الثورة الثقافية.
ومع ذلك، ومنذ وفاة ماو، كانت الصين هي التي ولدت معدلات نمو اقتصادي عالية وثابتة، خالقة باطراد صناعات منافسة، ومنتشلة عدداً هائلاً من الناس من مستنقع الفقر. وأصحبت الصين لاعباً كونياً منطوياً على عدد متنام من الصناعات التقنية وفي النظام الاقتصادي الكوني، وهي أشياء يتحدث عنها قادة روسيا فحسب.
يعود الفضل في نمو روسيا منذ آب عام 1988 في جله إلى تعويم الروبل وأسعار البترول المتزايدة. ورغم عوائد النفط المرتفعة، ظل معدل النمو الروسي منذ أصبح فلاديمير بوتين رئيساً أقل من معظم دول الاتحاد السوفياتي السابق.
وإذن، ما هو الشيء المسؤول عن إنتاج حاصل يتعارض مع معظم توقعات الناس؟
يستلهم الكثير من المحللين فكرة "الظروف البدئية"، لكن التفسيرات القائمة على عدد هائل من الفلاحين غير المتمتعين بتغطية أنظمة رفاه اجتماعي، وأشخاص في الشتات يمتلكون رساميل لاستثمارها أو الشروع بإصلاحات في الزراعة، كلها لا تصمد أمام اختبار مقارن. ذلك أن بلداناً أخرى ذات ظروف مشابهة لم تستطع أن تناظر النمو الصيني.
يؤكد آخرون على البيئة المستقرة التي توفرها القيادة السلطوية الأحادية. لكن الإدارة الحكومية إذا كانت هي المفتاح، فإن القطاع الحكومي يجب أن يكون هو أساس نجاح الصين أكثر من كونه مرساة تشد نمو الصين وتقيده.
إن الفرق الجوهري، كما أعتقد، يكمن في نوعية اندماج الصين وروسيا في الاقتصاد الدولي. فقد اعتنقت الصين فكرة التكامل والعولمة الاقتصادية، بينما تظل روسيا قلقة ومتوجسة وأقل جسارة.
إن اقتصاد روسيا هو اقتصاد مفتوح، لكن بيع الموارد الطبيعية والأسلحة يولد القليل من الصلة التي تفضي إلى إنتاج ذي قيمة مضافة أعلى. وعليه، فإن الاندماج الروسي يكون "رقيقاً قليل السماكة" في حين أن الاندماج الصيني "سميك وكثيف" - فهو ينطوي على صلات تربطة بالسلاسل التكنولوجية والمشاركة في دوائر إنتاجية كاملة. وقد انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، بينما ظلت روسيا على بعد سنة أو اثنتين من العضوية منذ عام 1933 فيما يعود في جزء كبير منه إلى أن الكثير من اقتصادها ظل خارج مدى منظمة التجارة العالمية.
هذه الفروقات تؤثر على السياسات الداخلية، حيث حرض اندماج الصين الكثيف المصالح الإقليمية والقطاعية والصناعية التي دافعت ووسعت سياسات الإصلاح والانفتاح. وتم إهمال إعادة التخندق الاقتصادي تكراراً لأن تحالفات المؤسسات والمسؤولين والمستثمرين المستفيدة من الانفتاح ساعدت القاعدة المؤيدين للإصلاح على الديمومة والسيادة. أما تكامل واندماج روسيا الرقيق، فقد ولد القليل من القوى التي يمكن أن تنافس الهيمنة الإدارية المنبعثة مجدداً في الاقتصاد.
يصور الخطاب الصيني العولمة على أنها الفرصة العظيمة المواتية للتغلب على البلدان التي تتسم بالتخلف النسبي، بنما تساوي النخبة الروسية بين العولمة والأمركة، ناظرين إليها غالباً على أنها تهديد لمستقبل روسيا.
لماذا تعتنق النخب الصينية العولمة بينما يشكك بها الروس؟ إن الإجابة فيما أعتقد توجد من التفاعل الضاغط المتبادل بين الإرث التاريخي وبين الظروف الاقتصادية والسياسية.
لقد جاءت سياسة الانفتاح التي تبناها دينغ زياوبينغ في أعقاب ثورة الصين الثقافية، وهكذا بدأت الصين إصلاحاتها من دون وجود نخبة واثقة بنفسها ولا قطيع من المثقفين السياسيين الذين كان يجري استثمارهم في النظام القديم. وقد بقي الحزب الشيوعي في السلطة، لكنه قبل بالمناهج الاقتصادية الجديدة.
على العكس من ذلك، خلقت الثورة الروسية الثقافية في الأعوام 1928-31 نخبة جديدة، والتي ظلت في السلطة حتى السبعينيات، والتي سلمت الأوتاركية الاقتصادية وأساطير القوة العظمى إلى الجيل التالي. وهكذا، جاءت النخب الروسية وهي تنحدر من الفرع الستاليني من الحزب، والذي رفض الغرب والنزعة العولمية صراحة. وعندما أسس ميخائيل غورباتشيف البيريسترويكا، اعتبرت روسيا نفسها قوة عظمى مشاركة مناظرة. ولا يمتلك الروس توجهات مراوغة تجاه الغرب فحسب، وإنما يظنون بأن الغرب ليس لديه ما يعلمه لهم.
بينما أصبحت كل من الصين وروسيا مصدرتين رئيستين، ظلت نوعية تلك الصادرات مختلفة بشكل ملحوظ جداً. فالصين مركز تصنيعي عالمي، ينتج مزيجاً من منتجات القيمة المضافة بمعدل ثلاثة أضعاف ما كان ليتوقعه الاقتصاديون.
أما روسيا، فهي دولة بترولية. وعلى النقيض من قطاعات الصين الصناعية المزدهرة، تقدم السلع المصنعة كلية أقل من 10% من الصادرات الصينية. وتشكل الهيدروكربونات والمصادر الطبيعية الأخرى حصة كبيرة من الصادرات ومن عوائد الدولة.
تم إيصال الطاقة إلى مختلف المناطق في كلا البلدين في الثمانينيات. وفي بعض مناطق الصين، نتج عن ذلك تطور اقتصادي متسارع. وتنافست المؤسسات والمناطق على رأس المال بينما تنافس العاملون على الوظائف. وتشكل الصين حالة حيث يجيء النجاح الاقتصادي مشتقاً من المنافسة القاسية والخشنة في بعض الأحيان.
عندما منحت المناطق الروسية الفرصة لتأسيس مناطق اقتصادية حرة في التسعينيات، أنتجبت مجموعة من الميزات الاقتصادية الخاصة، والتهرب الضريبي وخططت السوق السوداء أكثر مما أنتجت تطوراً صناعياً. وبات التطور الإقليمي يعتمد على موافقة الكرملين وتمويله.
تساعد الروابط الدولية الصين على اللحاق بروسيا في التعليم والبحث العلمي. وفي مؤتمر الصين الوطني للعلوم عام 1978، قال دينغ إن "المرء يجيب أن يتعلم من أولئك الأكثر تقدما قبل أن يتمكن من اللحاق بهم وتجاوزهم". أما القادة الروس، فيظلون أكثر اقتناعاً بأنهم يملكون أفضل المدارس وأفضل العلماء في العالم، وأن على كل البقية أن يتعلموا منهم. وتستخدم أربعة من أهم الجامعات الصينية الآن بشكل حصري أساتذة صينيين حاصلين على شهادات دكتوراه أجنبية، في حين ترفض الجامعات الروسية الاعتراف بالدرجات العلمية التي تتم حيازتها من الخارج.
لقد كان اعتناق الصين للعولمة وما نجم عن ذلك من اندماج اقتصادي دولي سميك هو مفتاح نجومها كقوة اقتصادية وتصنيعية كبرى. بينما يجعل مقاومة روسيا للاندماج منها أقل قدرة على التغلب على اعتماديتها فيما يخص المصادر. وعندما يقول القادة الروس بأنهم يحتاجون إلى تقليد السياسات الصينية، فإنهم إنما يؤكدون على السيطرة الحكومية أكثر مما يؤكدون على النشاط الاقتصادي المتنوع والمحلي المستقل الذي كان مسؤولاً عن نجاح الصين المبكر
لم تحل الصين كل مشكلاتها أو تكتشف نموذجاً اقتصادياً مثالياً. ويمكن التعرف إلى نقاط الضعف لديها بكل يسر، خاصة التطور غير المتساوي، وحقوق الملكية الضعيفة، ومعايير السلامة، والضرر البيئي والتحولات الديمغرافية. أما إذا ما كانت الصين تستطيع الاستمرار في النمو بغض النظر عن هذه التحديات، فهو سؤال الاقتصاد الكوني برمته. في حين أن آفاق روسيا الاقتصادية تهتم بشكل سوق السلع الكمالية.
إن خاصية الاندماج مع الاقتصاد العالمي لا تفسر فقط السبب في أن الصين، وليس روسيا، أصبحت قوة صناعية وتجارية، وإنما تنطوي أيضاً على مضامين هائلة فيما يخص مشاريع استشراف التطور المستقبلي.
تحتاج كلا البلدين إلى انخراط مجتمعي أكبر في الحياة السياسية. وبتوليد مصالح اقتصادية متنوعة يمكن لها أن تؤثر على السياسة في بعض الأحيان، استطاع الاندماج الصيني الدولي الكثيف أن يخلق إمكانية النفوذ المستمر. أما اندماج روسيا الأقل كثافة فيضع قيوداً أقل على القادة الذين يبدون منتشين وسكارى بثروة البترول.

ليست هناك تعليقات: