الجمعة، 19 أكتوبر 2007

الهند متخوفة من الصين

صحيفة لوفيغارو الفرنسية
براهما شليني

يمثل التصور الجديد لتوازن القوى في قارة آسيا تحديا للاستقرار الاسترتيجي في المنطقة. هناك "لعبة كبرى" جديدة بدأت تتجسد مع تحالفات جديدة ، من أجل الحصول على سبل افضل للوصول الى مصادر الطاقة والمعادن. في هذا التنافس ذي الرهانات الاساسية تظل العلاقة ما بين البلدين الاكثر ازدحاما بالسكان في العالم علاقة حاسمة للغاية. لقد حدد الرئيس الاميركي السابق جون كنيدي هذه العلاقة منذ العام 1959بالقول "انها المنافسة من اجل الهيمنة في الشرق ، ما بين نمطين مختلفين للعيش".
وقد صار النمو السريع للقوة الاقتصادية والعسكرية الصينية يثير في الهند انشغال وقلق كل العقول التي باتت تنظر الآن الى الصين كنموذج وكتحذير على السواء.
الهند والصين حضارتان قديمتان ، لكن تجاورهما قديم قدم الزمان. اختفاء الحاجز التقليدي ، الا وهو التيبت العام 1950 هو الذي دفع القوات الصينية الى وضعها الحالي على الحدود الصينية الهندية. فبعد مرور اثني عشر عاما شنت الصين هجوما كاسحا في جبال الهمالايا ، مكبدة الهند التي لم تكن مهيئة للحرب ، هزيمة نكراء ، وهو ما اسهم في ارساء اسس النمو السياسي في الهند.
لكن هذه العلاقة ما بين البلدين صارت في العام 2007 اكثر استقرارا واكثر تعاونا. وهي تدور حول ثلاثة محاور اساسية: الخلافات الحدودية ، والتيبت ، والتجارة. وفيما تشهد التجارة الثنائية ازدهارا حقيقيا فان التيبت تظل في قلب الانقسامات ما بين البلدين. فمنذ 26 عاما والاتصالات الدبلوماسية مستمرة ما بين الهند والصين لحل خلافاتهما الاقليمية ، فيما اصبح يوصف باطول واصعب تفاوض في التاريخ الحديث. من خلال هذه الاتصالات استطاع البلدان ان يستخلصا اهدافهما المشتركة ، وان يحافظا على محيطهما في المحيط الهادي الذي يتوقف عليه أمنهما وتحديث اقتصادياتهما.
عدم التوافق الاستراتيجي هذا ما بين الهند والصين ، يتخذ جذوره ليس فقط من التناقض ما بين قيمهما الفلسفية ، بل ايضا من السباق المحموم من قبل الصين نحو استرتيجة توازن القوى المستوحاة من فلسفة "صن تزو".
تسعى الصين بكثير من اللباقة والحنكة السياسية والدبلوماسية الى تنمية قوتها بكثير من الحيوبة حتى تتمكن من التفاعل مع العالم بالشروط التي تختارها هي. وحتى تتفادى ظهور منافس قوي في آسيا ، فهي تجتهد في ان تكبح جماح الهند ميدانيا ما استطاعت لذلك سبيلا.
فضلا عن ذلك تسعى الصين لدعم محور شرقي غربي في التيبت ، على طول حدود الهند الشمالية.
القطار الذي يربط بكين بـ لاهاسا (عاصمة التيبت) والذي بلغت كلفته 6,2 مليار دولار يقوي بالتأكيد هيمنة الصين على التيبت ، ويدعم طاقتها على الانتشار العسكري ضد الهند. والحال ان خط سكة الحديد سوف يمتد لغاية الحدود الهندية.
وبعد ان صعّدت التوترات المباشرة وغير المباشرة على شمال الهند ها هي الصين تهدد اليوم هيمنة الهند في المحيط الهادي. فإذا ما أتيح للبحرية الصينية ان تتمركز على طول الطرق البحرية الاساسية في اقتصاد الهند وامنها ، فسوف يصبح الخطر على الهند خطرا حقيقيا لا محالة. والحال اننا نعرف ان الطاقات الصينية تنمو بشكل هائل ، اذ ان نفقاتها العسكرية تتضاعف كل خمس سنوات.
ولا شك ان ظهور الصين على السطح كدولة قوية قد بدا يحدث تغييرا في الجيوسياسة الآسيوية لم يسبق له مثيل منذ ان اصبحت اليابان قوة عالمية منذ العام 1868. الخطر ليس خطر استعمال بكين لقوتها من اجل اعلان الحرب على الهند ، لكنه خطر قلب الموازين الاقليمية لصالحها.
ومع ذلك فلا الهند ولا الصين تتمنيان تحوّل المنافسة الى مواجهة. "التنافس الخاضع للضوابط" هو النمط الذي سيختاره البلدان بلا شك.
ففي آسيا التي صارت اكثر تعرضا للأزمات بحكم مختلف الاستراتيجيات ، لا بد من ان تطفو كوكبة من الديمقراطيات المرتبطة فيما بينها بشراكات استراتيجية ومجموعة من القيم.
ونخلص الى القول ان المبادرة الجديدة ما بين الهند وأستراليا واليابان والولايات المتحدة ، رغم تعثرها ، هي التي ستقول لنا اي شكل سوف يتخذه الانحياز الجديد في منطقة آسيا المحيط الهادي.

ليست هناك تعليقات: