مجلة المسيرة اللبنانية
د. سهام رزق الله
على رغم الوضع السياسي المُتلبِّد، شهدت البلاد حركة اقتصادية ناشطة في العلاقات اللبنانية ـ الصينية. فبين مؤتمر جامعة سيدة اللويزة الذي نظمته الرابطة اللبنانية – الصينية للصداقة والتعاون، والمحاضرة التي نظمتها الجامعة اليسوعية، اتّسم الاسبوع الفائت بأنه اسبوع العلاقات الاستثمارية والتجارية مع الصين. فما هي ابرز التحديات والفرص التي يطرحها التعاون اللبناني – الصيني لاقتصاد لبنان؟
عرفت العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية نهضة قوية منذ اطلاق مؤتمر رجال الاعمال في اطار منتدى التعاون العربي الصيني في بيجين في نيسان 2005 بتنظيم المجلس الصيني لتنمية التجارة الصينية ووزارة الشؤون الخارجية الصينية مع جامعة الدول العربية، حيث أعلن برنامج التعاون الصيني العربي للاعوام 2004 – 2006، وهذا المؤتمر – المنتدى اعلن خلاله ان الصينيين يتوقعون مضاعفة تجارتهم مع العرب 3 مرات في غضون خمسة اعوام!
وقد شرح الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ان الصين تشكل احدى اكبر الاسواق العالمية من حيث الاستيراد والتصدير، خصوصا انها تشكل سوقا رئيسية لاستيراد الغاز والنفط من المنطقة العربية التي تشكل المصدر الرئيسي لمد العالم بهاتين السلعتين. كما ان البلدان العربية استكلمت اقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مطلع العام 2005، واصبحت تشكل سوقا كبيرة وتمثل حافزا مهما للصين لتعاونها مع المنطقة العربية.
فبين التجارة والاستثمار والتعاون العلمي والتكنولوجي والتعاون في مجال الطاقة والزراعة وحماية البيئة والمقاولات والاعمال، ثمة مصالح اقتصادية متبادلة بين الصين والمنطقة العربية، اذ ان الصين قوة منتجة للتقنيات التي تتطور بسرعة والاسواق العربية تحتاج كثيرا الى المنتوجات الصينية. كما ان كثافة الانتاج الصناعي الصيني تتطلب في المقابل زيادة الاستيراد في شكل كبير ومتواصل من النفط والغاز، الامر الذي يدفع في اتجاه المزيد من التعاون بين القطبين.
وبما ان الاقتصاد العربي والصيني يكملان بعضهما في الحاجة الى المواد الاولوية والمنتوجات الصناعية واصناف المنتوجات المصنّعة، تظهر معظم الدراسات الاقتصادية اهمية تطوير الاستثمار المشترك بين الصين والمنطقة العربية، خصوصًا ان الصين باتت اليوم قوة منافسة في الصناعات التمويلية والتكنولوجيا الفائقة والصناعات النسيجية.
ومن الاستثمار الى التجارة، تظهر ارقام الجمارك ان اكثر من 5 آلاف تاجر لبناني يقصدون الصين سنويا. وتكفي هنا الاشارة الى تطور العلاقات التجارية بين لبنان والصين في تلك الحقبة، مع اطلاق المنتدى العربي ـ الصيني، اذ ارتفع مجموع استيراد لبنان من الصين من نحو 410 ملايين دولار اميركي عام 2001 الى نحو 717 مليون دولار اميركي عام 2004. ولكن يلاحظ في المقابل ضعف الصادرات اللبنانية الى الصين، على رغم زيادتها التدريجية سنويا، الا انها لم تكن تتعدى عام 2004 حدود الـ 12 مليون دولار اميركي، مما يظهر قلة توازن كبيرة في العلاقات التجارية بين البلدين. اما الاسباب فكثيرة جدا، وهي تتراوح بين اختلاف تكاليف الانتاج وبالتالي مستوى اسعار المنتوجات المتشابهة بين البلدين، الى اعتماد انواع الدعم من الدولة للانتاج الصناعي الصيني باشكال مباشرة وغير مباشرة، مقابل غياب أي دعم او اي قدرة على الدعم المماثل في لبنان، الى الحديث عن ان سعر صرف العملة الصينية مخفض بحيث تصبح منتوجاتها اكثر تنافسية، الى اختلاف احجام الانتاج الصناعي بين لبنان والصين، لا بل بين الصين ومعظم البلدان ذات المنتوجات المشابهة، مما يجعل الصين تتمتع بتفوق بارز في ما يعرف باقتصاديات الحجم (باللغة الفرنسية Economies d’Echelles) التي تجعل كلفة الانتاج في الوحدة الانتاجية تنخفض اكثر فاكثر كلما كبر حجم انتاجها (نظرا الى مبدأ وفر الحجم)، فتبدو المنتوجات الصينية ذات قدرات تنافسية مرتفعة جدا، وتتسبب ببعض القلق في الاسواق التي تدخلها، لا سيما الاقتصاديات الصغيرة الحجم والمرتفعة كلفة الانتاج مثلما هي الحال في لبنان حيث أبدى الصناعيون ملاحظاتهم وقلقهم من عملية اغراق السوق اللبنانية بالمنتوجات الصينية، وفي فترة سابقة من اقامة منطقة حرة للمنتوجات الصينية في لبنان. والمعروف ان المنتوجات الصينية المستوردة تقل اسعارها عن كلفة انتاجها في المؤسسات الصناعية اللبنانية. وتبدو المنافسة اكثر شدة مع انفتاح الاسواق وتحرير التبادل التجاري. كما ان المنتوجات اللبنانية لا تستفيد من دعم مباشر او غير مباشر كالمتوافر في الصين. لا بل ان كلفة الاجور والطاقة وسواها من عناصر الانتاج تبدو الاغلى في المنطقة. وحديثا بات متوسط حجم استيراد لبنان من الصين في حدود 730 مليون دولار، فيما لا يزال التصدير اللبناني الى الصين منخفضا جدا.
الا ان العلاقات الاقتصادية بين لبنان والصين لا تنحصر في التبادل التجاري، بل ينبغي ان تتعداه لتطال التبادل الاستثماري والاستثمارات المشتركة، خصوصًا ان لبنان يتمتع بمناخ استثماري جذاب وتشريعات تساهم في تقديم التسهيلات والحوافز المطلوبة لاستقطاب الاستثمارات الاجنبية.
فمن ناحية الاتفاقات الاقتصادية، نشير الى ان لبنان سبق ووقّع اتفاقات عدة مع الصين بدءا من العام 1972 لتشجيع التبادل التجاري بين البلدين، وصولا الى اتفاق مزدوج لحماية الاستثمارات في كلا البلدين عام 1996، وحديثا الاتفاق السياحي بين لبنان والصين والبرنامج التنفيذي الذي استتبعه.
وينص الاتفاق بين حكومة الجمهورية اللبنانية وحكومة جمهورية الصين الشعبية حيال التعاون في مجال السياحة على ان يشجع الطرفان سياحة الافراد والمجموعات المنظمة وتبادل المجموعات المتخصّصة بهدف المشاركة في النشاطات الرياضية والمهرجانات الموسيقية والمسرحية، الى المعارض والندوات والمؤتمرات التي تعقد في المجالات السياحية. كما تنص المادة الرابعة منه على ان يشجع الطرفان ويدعمان تبادل الاحصاءات والمعلومات المتعلقة بالقطاع السياحي، بما في ذلك التشريعات الوطنية والانظمة التي ترعى النشاط السياحي في كل من البلدين، والتشريع الوطني المتعلق بحماية الثروة الثقافية والطبيعية والمحافظة عليها عامل استقطاب سياحي.
وقد تقدم لبنان بتسوية للتعاون السياحي مع الصين عبر اقرار برنامج تنفيذي لتسهيل سفر مجموعات السياح الصينيين الى لبنان بين وزارة السياحة اللبنانية والادارة الوطنية الصينية للسياحة.
ويتضمن هذا البرنامج ان يخصص الطرف اللبناني ومؤسساته السياحية خطوطا ساخنة لتقديم الاستشارات والمساعدات الطارئة للسياح الصينيين. وفي غضون ذلك، يطلب الطرف اللبناني من مقدمي الخدمات السياحية اللبنانيين ان يوفروا المعلومات ذات الصلة لوكالات السفر الصينية المعنية، خصوصا في ما يتعلق بامكانات السفر الى لبنان وداخله، وبالخدمات التي قد تهم السياح الصينيين واسعارها، الى جانب المعلومات الاخرى التي قد تساعد في صون حقوق السياح المشروعة.
كما ينص على ان يطلب الطرف الصيني من المجموعات السياحية الصينية ان تغادر الاراضي الصينية وتعود اليها من ضمن مجموعات لدى سفرها الى لبنان. وتبدل السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين قصارى جهدها لتبسيط معاملات التأشيرات للمجموعات السياحية الصينية، كما توفر لمرافقي السياح التابعين لوكالات السفر الصينية المعنية التسهيلات اللازمة لدخولهم السفارة او القنصليات بهدف تقديم طلبات التأشيرات.
وينص الاتفاق على الا تقبل السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين طلبات تأشيرات المجموعات السياحية الصينية الوافدة الى لبنان التي تقدمها اي وكالة سفر صينية او وحدة او فرد غير وكالات السفر المعنية او تلك التي تقدمها بالنيابة عن مجموعات سياحية صينية، اي منظمة او فرد من لبنان او من اي بلد يكون مقر اي منهما في الصين. واذا اصدرت السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين التأشيرات الخاصة بالطلبات المذكورة اعلاه، يكون الطرف اللبناني مسؤولا نتيجة لذلك عن المشاكل التي قد تنشأ ضمن الاراضي اللبنانية. وقد اعتبر هذا الاتفاق من ابرز الانجازات التي حققها لبنان في السنوات الاخيرة لتطوير تعاونه مع الصين، وينتظر ان يستكمل التوقيع عليه وبدء التنفيذ قريبا.
وفي النطاق العربي الاوسع، اظهرت توصيات المنتدى العربي ـ الصيني ان اكثر من عشرة آلاف عربي يشاركون في معرض كانتون الصيني سنويا، والاستثمارات الصينية في البلدان العربية تجاوزت خمسة مليارات دولار اميركي، في حين بلغت الاستثمارات العربية في الصين 700 مليون دولار اميركي، والرقم الى ارتفاع في السنتين الاخيرتين.
وقد شددت وثيقة برنامج العمل على اتخاذ خطوات ايجابية وتبسيط اجراءات التخليص الجمركية وتعزيز التعاون في التخليص الجمركي في شأن فحص الجودة والحجر الصحي، المشاركة في نظام التجارة المتعددة الاطراف وتعزيز التعاون في اطار منظمة التجارة العالمية وتأمين النفاذ الاوسع لسلع كل طرف في اسواق الطرف الآخر في ظل تحرير التجارة متعددة الاطراف وفي ضوء خطط التكامل الاقليمي التي ينتمي اليها كل من الصين والمنطقة العربية، ودعم التبادل والتكامل والعمل على تشجيع مؤسسات كل طرف على استيراد منتوجات الطرف الآخر، وخصوصا المنتوجات التي تساهم في نمو انتاج الطرف الاخر بفعل تكامل الحاجات والمقومات الاقتصادية بين الطرفين.
وما ينطبق على البلدان العربية، ينطبق على لبنان بالحاجة الى الاستفادة من التعاون مع الصين بغية مساعدة القطاعات الانتاجية على تبادل الخبرات في مجالات الزراعة وحماية البيئة والادوات الزراعية وانظمة الري الحديثة، والتعاون في مجال الطاقة وآليات الانتاج الصناعي، فضلا عن تشجيع الاستثمار المتبادل والاستثمارات المشتركة التي تساعد على حسن الاستفادة من الحجم في التعاون في الانتاج للسوق المجتمعة للطرفين، فتنخفض تكاليف الانتاج اكثر للطرفين، وتساعد على تخفيض الاسعار وتحسين القوة التنافسية للمنتوجات المشتركة، بدلا من ان تعاني فروق التكاليف والمنافسة غير المتكافئة للمنتوجات المتشابهة بين الطرفين.
وتلاحظ معظم الدراسات ان الاقتصاد الصيني بات يواكب بدرجة عالية موجة انفتاح الاسواق وتحرير التبادل التجاري والمضي في التعاون الاقتصادي. فقد باتت الصين تعتمد في شكل كبير واساسي على التجارة الخارجية وتوسيع المناطق الصناعية التي يمكن ان تدخلها الاستثمارات الاجنبية.
وتشمل سلة الصادرات الصينية الى البلدان العربية ومنها لبنان: الاجهزة الكهربائية، ملبوسات واقمشة، مصنوعات جلدية، ساعات واجزاءها، مصنوعات سكرية وشايا، العابا للاولاد، ادوات رياضية ومفروشات منزلية.
في كل الاحوال، تتكثف المنتديات والمؤتمرات والنشاطات العربية – الصينية، ويندرج لبنان على لائحة البلدان التي تسعى الى تفعيل التعاون مع الصين. ويبدو الاتجاه نحو تخطي الاطار التجاري على رغم اهميته الاستراتيجية لكلا الطرفين، ليطال التعاون تشجيع العلاقات العلمية والتقنية وتبادل التخصص والخبرات واقامة المعارض وندوات مشتركة، وتكثيف الاجتماعات العامة والخاصة والمتخصصة لمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية، وحسن الاستعداد المشترك لمواجهتها وحسن التعامل معها ومع الفرص التي تقدمها.
د. سهام رزق الله
على رغم الوضع السياسي المُتلبِّد، شهدت البلاد حركة اقتصادية ناشطة في العلاقات اللبنانية ـ الصينية. فبين مؤتمر جامعة سيدة اللويزة الذي نظمته الرابطة اللبنانية – الصينية للصداقة والتعاون، والمحاضرة التي نظمتها الجامعة اليسوعية، اتّسم الاسبوع الفائت بأنه اسبوع العلاقات الاستثمارية والتجارية مع الصين. فما هي ابرز التحديات والفرص التي يطرحها التعاون اللبناني – الصيني لاقتصاد لبنان؟
عرفت العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية نهضة قوية منذ اطلاق مؤتمر رجال الاعمال في اطار منتدى التعاون العربي الصيني في بيجين في نيسان 2005 بتنظيم المجلس الصيني لتنمية التجارة الصينية ووزارة الشؤون الخارجية الصينية مع جامعة الدول العربية، حيث أعلن برنامج التعاون الصيني العربي للاعوام 2004 – 2006، وهذا المؤتمر – المنتدى اعلن خلاله ان الصينيين يتوقعون مضاعفة تجارتهم مع العرب 3 مرات في غضون خمسة اعوام!
وقد شرح الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ان الصين تشكل احدى اكبر الاسواق العالمية من حيث الاستيراد والتصدير، خصوصا انها تشكل سوقا رئيسية لاستيراد الغاز والنفط من المنطقة العربية التي تشكل المصدر الرئيسي لمد العالم بهاتين السلعتين. كما ان البلدان العربية استكلمت اقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مطلع العام 2005، واصبحت تشكل سوقا كبيرة وتمثل حافزا مهما للصين لتعاونها مع المنطقة العربية.
فبين التجارة والاستثمار والتعاون العلمي والتكنولوجي والتعاون في مجال الطاقة والزراعة وحماية البيئة والمقاولات والاعمال، ثمة مصالح اقتصادية متبادلة بين الصين والمنطقة العربية، اذ ان الصين قوة منتجة للتقنيات التي تتطور بسرعة والاسواق العربية تحتاج كثيرا الى المنتوجات الصينية. كما ان كثافة الانتاج الصناعي الصيني تتطلب في المقابل زيادة الاستيراد في شكل كبير ومتواصل من النفط والغاز، الامر الذي يدفع في اتجاه المزيد من التعاون بين القطبين.
وبما ان الاقتصاد العربي والصيني يكملان بعضهما في الحاجة الى المواد الاولوية والمنتوجات الصناعية واصناف المنتوجات المصنّعة، تظهر معظم الدراسات الاقتصادية اهمية تطوير الاستثمار المشترك بين الصين والمنطقة العربية، خصوصًا ان الصين باتت اليوم قوة منافسة في الصناعات التمويلية والتكنولوجيا الفائقة والصناعات النسيجية.
ومن الاستثمار الى التجارة، تظهر ارقام الجمارك ان اكثر من 5 آلاف تاجر لبناني يقصدون الصين سنويا. وتكفي هنا الاشارة الى تطور العلاقات التجارية بين لبنان والصين في تلك الحقبة، مع اطلاق المنتدى العربي ـ الصيني، اذ ارتفع مجموع استيراد لبنان من الصين من نحو 410 ملايين دولار اميركي عام 2001 الى نحو 717 مليون دولار اميركي عام 2004. ولكن يلاحظ في المقابل ضعف الصادرات اللبنانية الى الصين، على رغم زيادتها التدريجية سنويا، الا انها لم تكن تتعدى عام 2004 حدود الـ 12 مليون دولار اميركي، مما يظهر قلة توازن كبيرة في العلاقات التجارية بين البلدين. اما الاسباب فكثيرة جدا، وهي تتراوح بين اختلاف تكاليف الانتاج وبالتالي مستوى اسعار المنتوجات المتشابهة بين البلدين، الى اعتماد انواع الدعم من الدولة للانتاج الصناعي الصيني باشكال مباشرة وغير مباشرة، مقابل غياب أي دعم او اي قدرة على الدعم المماثل في لبنان، الى الحديث عن ان سعر صرف العملة الصينية مخفض بحيث تصبح منتوجاتها اكثر تنافسية، الى اختلاف احجام الانتاج الصناعي بين لبنان والصين، لا بل بين الصين ومعظم البلدان ذات المنتوجات المشابهة، مما يجعل الصين تتمتع بتفوق بارز في ما يعرف باقتصاديات الحجم (باللغة الفرنسية Economies d’Echelles) التي تجعل كلفة الانتاج في الوحدة الانتاجية تنخفض اكثر فاكثر كلما كبر حجم انتاجها (نظرا الى مبدأ وفر الحجم)، فتبدو المنتوجات الصينية ذات قدرات تنافسية مرتفعة جدا، وتتسبب ببعض القلق في الاسواق التي تدخلها، لا سيما الاقتصاديات الصغيرة الحجم والمرتفعة كلفة الانتاج مثلما هي الحال في لبنان حيث أبدى الصناعيون ملاحظاتهم وقلقهم من عملية اغراق السوق اللبنانية بالمنتوجات الصينية، وفي فترة سابقة من اقامة منطقة حرة للمنتوجات الصينية في لبنان. والمعروف ان المنتوجات الصينية المستوردة تقل اسعارها عن كلفة انتاجها في المؤسسات الصناعية اللبنانية. وتبدو المنافسة اكثر شدة مع انفتاح الاسواق وتحرير التبادل التجاري. كما ان المنتوجات اللبنانية لا تستفيد من دعم مباشر او غير مباشر كالمتوافر في الصين. لا بل ان كلفة الاجور والطاقة وسواها من عناصر الانتاج تبدو الاغلى في المنطقة. وحديثا بات متوسط حجم استيراد لبنان من الصين في حدود 730 مليون دولار، فيما لا يزال التصدير اللبناني الى الصين منخفضا جدا.
الا ان العلاقات الاقتصادية بين لبنان والصين لا تنحصر في التبادل التجاري، بل ينبغي ان تتعداه لتطال التبادل الاستثماري والاستثمارات المشتركة، خصوصًا ان لبنان يتمتع بمناخ استثماري جذاب وتشريعات تساهم في تقديم التسهيلات والحوافز المطلوبة لاستقطاب الاستثمارات الاجنبية.
فمن ناحية الاتفاقات الاقتصادية، نشير الى ان لبنان سبق ووقّع اتفاقات عدة مع الصين بدءا من العام 1972 لتشجيع التبادل التجاري بين البلدين، وصولا الى اتفاق مزدوج لحماية الاستثمارات في كلا البلدين عام 1996، وحديثا الاتفاق السياحي بين لبنان والصين والبرنامج التنفيذي الذي استتبعه.
وينص الاتفاق بين حكومة الجمهورية اللبنانية وحكومة جمهورية الصين الشعبية حيال التعاون في مجال السياحة على ان يشجع الطرفان سياحة الافراد والمجموعات المنظمة وتبادل المجموعات المتخصّصة بهدف المشاركة في النشاطات الرياضية والمهرجانات الموسيقية والمسرحية، الى المعارض والندوات والمؤتمرات التي تعقد في المجالات السياحية. كما تنص المادة الرابعة منه على ان يشجع الطرفان ويدعمان تبادل الاحصاءات والمعلومات المتعلقة بالقطاع السياحي، بما في ذلك التشريعات الوطنية والانظمة التي ترعى النشاط السياحي في كل من البلدين، والتشريع الوطني المتعلق بحماية الثروة الثقافية والطبيعية والمحافظة عليها عامل استقطاب سياحي.
وقد تقدم لبنان بتسوية للتعاون السياحي مع الصين عبر اقرار برنامج تنفيذي لتسهيل سفر مجموعات السياح الصينيين الى لبنان بين وزارة السياحة اللبنانية والادارة الوطنية الصينية للسياحة.
ويتضمن هذا البرنامج ان يخصص الطرف اللبناني ومؤسساته السياحية خطوطا ساخنة لتقديم الاستشارات والمساعدات الطارئة للسياح الصينيين. وفي غضون ذلك، يطلب الطرف اللبناني من مقدمي الخدمات السياحية اللبنانيين ان يوفروا المعلومات ذات الصلة لوكالات السفر الصينية المعنية، خصوصا في ما يتعلق بامكانات السفر الى لبنان وداخله، وبالخدمات التي قد تهم السياح الصينيين واسعارها، الى جانب المعلومات الاخرى التي قد تساعد في صون حقوق السياح المشروعة.
كما ينص على ان يطلب الطرف الصيني من المجموعات السياحية الصينية ان تغادر الاراضي الصينية وتعود اليها من ضمن مجموعات لدى سفرها الى لبنان. وتبدل السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين قصارى جهدها لتبسيط معاملات التأشيرات للمجموعات السياحية الصينية، كما توفر لمرافقي السياح التابعين لوكالات السفر الصينية المعنية التسهيلات اللازمة لدخولهم السفارة او القنصليات بهدف تقديم طلبات التأشيرات.
وينص الاتفاق على الا تقبل السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين طلبات تأشيرات المجموعات السياحية الصينية الوافدة الى لبنان التي تقدمها اي وكالة سفر صينية او وحدة او فرد غير وكالات السفر المعنية او تلك التي تقدمها بالنيابة عن مجموعات سياحية صينية، اي منظمة او فرد من لبنان او من اي بلد يكون مقر اي منهما في الصين. واذا اصدرت السفارة او القنصليات اللبنانية في الصين التأشيرات الخاصة بالطلبات المذكورة اعلاه، يكون الطرف اللبناني مسؤولا نتيجة لذلك عن المشاكل التي قد تنشأ ضمن الاراضي اللبنانية. وقد اعتبر هذا الاتفاق من ابرز الانجازات التي حققها لبنان في السنوات الاخيرة لتطوير تعاونه مع الصين، وينتظر ان يستكمل التوقيع عليه وبدء التنفيذ قريبا.
وفي النطاق العربي الاوسع، اظهرت توصيات المنتدى العربي ـ الصيني ان اكثر من عشرة آلاف عربي يشاركون في معرض كانتون الصيني سنويا، والاستثمارات الصينية في البلدان العربية تجاوزت خمسة مليارات دولار اميركي، في حين بلغت الاستثمارات العربية في الصين 700 مليون دولار اميركي، والرقم الى ارتفاع في السنتين الاخيرتين.
وقد شددت وثيقة برنامج العمل على اتخاذ خطوات ايجابية وتبسيط اجراءات التخليص الجمركية وتعزيز التعاون في التخليص الجمركي في شأن فحص الجودة والحجر الصحي، المشاركة في نظام التجارة المتعددة الاطراف وتعزيز التعاون في اطار منظمة التجارة العالمية وتأمين النفاذ الاوسع لسلع كل طرف في اسواق الطرف الآخر في ظل تحرير التجارة متعددة الاطراف وفي ضوء خطط التكامل الاقليمي التي ينتمي اليها كل من الصين والمنطقة العربية، ودعم التبادل والتكامل والعمل على تشجيع مؤسسات كل طرف على استيراد منتوجات الطرف الآخر، وخصوصا المنتوجات التي تساهم في نمو انتاج الطرف الاخر بفعل تكامل الحاجات والمقومات الاقتصادية بين الطرفين.
وما ينطبق على البلدان العربية، ينطبق على لبنان بالحاجة الى الاستفادة من التعاون مع الصين بغية مساعدة القطاعات الانتاجية على تبادل الخبرات في مجالات الزراعة وحماية البيئة والادوات الزراعية وانظمة الري الحديثة، والتعاون في مجال الطاقة وآليات الانتاج الصناعي، فضلا عن تشجيع الاستثمار المتبادل والاستثمارات المشتركة التي تساعد على حسن الاستفادة من الحجم في التعاون في الانتاج للسوق المجتمعة للطرفين، فتنخفض تكاليف الانتاج اكثر للطرفين، وتساعد على تخفيض الاسعار وتحسين القوة التنافسية للمنتوجات المشتركة، بدلا من ان تعاني فروق التكاليف والمنافسة غير المتكافئة للمنتوجات المتشابهة بين الطرفين.
وتلاحظ معظم الدراسات ان الاقتصاد الصيني بات يواكب بدرجة عالية موجة انفتاح الاسواق وتحرير التبادل التجاري والمضي في التعاون الاقتصادي. فقد باتت الصين تعتمد في شكل كبير واساسي على التجارة الخارجية وتوسيع المناطق الصناعية التي يمكن ان تدخلها الاستثمارات الاجنبية.
وتشمل سلة الصادرات الصينية الى البلدان العربية ومنها لبنان: الاجهزة الكهربائية، ملبوسات واقمشة، مصنوعات جلدية، ساعات واجزاءها، مصنوعات سكرية وشايا، العابا للاولاد، ادوات رياضية ومفروشات منزلية.
في كل الاحوال، تتكثف المنتديات والمؤتمرات والنشاطات العربية – الصينية، ويندرج لبنان على لائحة البلدان التي تسعى الى تفعيل التعاون مع الصين. ويبدو الاتجاه نحو تخطي الاطار التجاري على رغم اهميته الاستراتيجية لكلا الطرفين، ليطال التعاون تشجيع العلاقات العلمية والتقنية وتبادل التخصص والخبرات واقامة المعارض وندوات مشتركة، وتكثيف الاجتماعات العامة والخاصة والمتخصصة لمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية، وحسن الاستعداد المشترك لمواجهتها وحسن التعامل معها ومع الفرص التي تقدمها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق